الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد اعتنى الشيخ المذكور بولده حسين وحضه على خدمة العلم فقرأ على الشيخ محمد الغرياني والشيخ صالح الكواش، ولازم الشيخ محمد بن سعيد النجم، ودرّس بمسجد سيدي أبي عصيدة قرب داره. ولما زيد له ولده صاحب الترجمة سماه محمد ولقبه وحجره للشيخ سيدي البحري صاحب الزاوية المعروفة بتونس وقد امتحن بفقد ولده المذكور في حياته وتوفي في غرة ذي الحجة الحرام سنة 1255 خمس وخمسين ومائتين وألف.
وكانت ولادة ولده صاحب الترجمة سنة 1197 سبع وتسعين وائة وألف فتربى في حجر جده، ثم دخل إلى جامع الزيتونة، فقرأ على الشيخ الطاهر بن مسعود والشيخ إبراهيم الرياحي ولازم الشيخ حسن الشريف إلى أن تضلع بمعقول العلوم ومنقولها، فتصدى للتدريس.
وتقدم إماماً بجامع ابي محمد الحفصي بعد الشيخ إسماعيل التميمي ولما إرتقى الشيخ محمد العذاري إلى خطة قضاء باردو وتقدم عوضه لخطة قضاء المحلة وسافر مع المقدس مصطفى باشا في مبدإ دولة أخيه، وأقبل عليه أمير المحلة بالمودة التي استحكم أمرها بينهما.
ثم قدمه الأمير حسين باشا قاضي بالحاضرة في ربيع الثاني سنة 1243 ثلاث وأربعين ومائتين وألف فاعتمد في ذلك على مراجعة الشيخ إسماعيل التميمي، ولازم الرجوع إليه في توقيفاته إلى أن تفقه في مهيع الشيخ التميمي بفقه القضاء بحسن رجوعه للحق.
وكان الشيخ محمد السنوسي جدي الأعلى يحضر المجلس الشرعي بخطة قضاء باردو، والعادة أن صاحب الخطة المذكورة ليس له حق التكلم في النوازل التي ترد للمجلس، ومع ذلك اتفق لصاحب الترجمة أن حكم في نازلة بالقتل ووافقه على ذلك من حضر من الشيوخ فأمر إليه المولى الجد بأن مشهور المذهب الذي عليه العمل في النازلة غير ما وقع عليه الاتفاق، فلم يتهيب الشيخ أن طلب من الأمير تأخير النازلة إلى أسبوع قابل وعند رجوعهما أرسل له النص في المسألة فلم يكن منه بعد العصر إلا أن ركب فرسه الخضراء، وحضر لدار المولى الجد وعند تلاقيهما قبله بين عينيه، وقال له: أنقذتنا من قتل نفس أنقذك الله من النار، وأرسل النص في المسألة لكافة الشيوخ، ولما حضر المجلس أمر بإحضار المدعى عليه وأعلن في المجلس للأمير بما وقع من المولى الجد وأن المشايخ اتفقوا على عدم قتل الرجل وقضى بذلك، شأن المنصفين المحبين للإهتداء إلى سواء السبيل.
ونازلة الأختلاف الذي وقع بينه وبين شيخه إبراهيم الرياحي قد عظم أمرها بسعاية من تداخل بين الشيخين من السعاة نسأل الله أن يغفر للجميع، بجاه النبي الشفبع. ومن لطيف التورية ما رأيته من شعر الشيخ محمد بيرم الرابع يخاطبه وقد وجه إليه حواشي الحكيم بعد أن طلبها بعد أن طلبها منه وتأخر بإرسالها.
[الطويل]
أيا من عدا تاجاً على مفرق الدهر
…
ودرة يتم في عقود بني العصر
أتتك من التحقيق خود كواعبٌ
…
تجل إلى التشبيه بالأنجم الزهر
ولا تحسب التأخير مني لريبة
…
وحق الضحى والليل والعصر والفجر
ولكنها در نفيس وكيف لي
…
بأن أهدي الدر النفيس إلى البحر
قيل: إنه قبل ولايته القضاء رأى رؤية وهي أن سيدنا أبا بكر الصديق أعطاه شيئاً من الفاكهة وإحدى عشرة خبزة وسيدنا عمر أعطاه ميزاناً، فعبر الميزان بالحكم والخبز بأعوان الولاية والفاكهة بأن تلك المدة تكون أيام سرور وراحة.
ولما ولي القضاء واستكمل السنين طلب من أحد المنجمين عند دخول سنة 54 أربع وخمسين أن يعمل له نصبة في أحوال البلد، وأرسلها للشيخ عثمان النجار، فلما نظر فيها كتب عليها ولاية وعزل وموت أكبر قضانها فظن صاحب النصبة أن أكبر القضاة الميت هو الشيخ إبراهيم الرياحي وكان مسافراً في حج بيت الله الحرام نيابة عن الباشا مصطفى باي، ورأى أنه أن أعلم الشيخ البحري بذلك سره الأمر فلما أعلمه الخبر أصفر وجهه ورأى أن ذلك مطابقاً لمقتضى رأياه عليه رحمة الله.
وكان عالماً، فقيهاً، محققاً، فاضلاً، حازماً، عالي الهمة، حسن الأخلاق، ذا صيت بعيد، وسعي حميد، نفع به كثير من العبيد. وتوفي ليلة الحادي والعشرين من ربيع الأول سنة 1254 أربع وخمسين ومائتين وألف عليه رحمة الله آمين.
15-الشيخ محمد السنوسي
هو جدي وشيخ مشايخي أبو عبد الله محمد السنوسي بن عثمان بن محمد بن أحمد عرف ابن مهنية من حفدة الولي الصالح الشيخ سيدي عساكر بن ضيف الله بن محمد بن منصور بن إبراهيم بن محمد بن عامر بن موسى بن عبد الله بن عثمان بن بخت بن عياد بن ثابت بن منصور بن عامر بن موسى بن مسعود بن علي بن عبد المجيد بن عمران بن محمد بن داوود بن علي بن عبد الله بن إدريس بن إدريس الأصغر بن إدريس الأصغر بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن الصبت ابن علي وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كان سيدي عساكر من مشاهير الأولياء رضي الله عنه، وهو دفين قلعة سنان قرب الكاف.
كان حفيده أبو العباس أحمد بن مهنية القلعي خيراً، حج بيت الله الحرام. وتنقل ولده أبو عبد الله مَحمد بفتح أوله إلى بلد الكاف، وأقام بها إلى أن توفي ودفن بمقصورة الشيخ سيدي ابن حرزة الله.
ونشأ ولده الشيخ أبو النور عثمان في طلب العلم، فقرأ هنالك أولاً، ثم ارتحل إلى تونس فقرأ بجامع الزيتونة على الشيخ عبد الله السوسي وقد استفدت ذلك من تقاريره التي على كتبه، وقرأ على غيره من علماء ذلك العصر وسكن المدرسة المرادية ن وأقرأ بها، وتقدم لخطة العدالة على عهد الأمير محمد الرشيد بن حسين بن علي في أواخر جمادى الأولى سنة 1170 سبعين ومائة وألف، ثم قدمه الأمير علي باي ابن حسين مدرساً بالجامع الكبير ببلد الكاف، ومرتبه عن ذلك ستة نواصر، وذلك أةائل جمادى الأولى سنة 1177 سبع وسبعين ومائة وألف، فرجع إلى بلده وتصدى للإقراء.
وأخذ عنه هنالك الشيخ الحاج أحمد الزين قاضي بلد الكاف، والشيخ الحاج أحمد بن العلمي، والشيخ الحاج ونيس وغيرهم.
ثم قدمه الأمير المذكور لمشيخة المدرسة الحسينية بالكاف، ومرتبه سبعة نواصر، وذلك في أواسط المحرم سنة 1181 إحدى وثمانين ومائة وألف، وزاده بعد ذلك في مرتبه ضعفيه حتى بلغ ست خرارب يومياً. وكان في أثناء إقامته يقدم لتونس لزيارة أحبته بها وألإجتماع بهم.
ولما قدم إلى حاضرة تونس أوائل سنة 1193 ثلاث وتسعين ومائة وألف قدمه الأمير علي باي لخطة الفتيا ببلد الكاف في التاسع والعشرين من صفر الخير سنة 1193 ثلاث وتسعين ومائة وألف على كره منه، ورجع إلى بلده كرهاً يطلب حسن الخاتمة فلم تطل إقامته في الخطة، وعاجله الأجل ودفن بمدفن والده بمقصورة سيدي ابن حرز الله، وإلى هذا اليوم على قبره تابوت وهو مزار في بلد الكاف.
وكان عالماً عاملاً ولوعاً بالمعقول جميل الخط نسخ كتب قراءته كلها بخطه وكتب على جميعها التقريرات وتحريرات عن أشياخه ومن استظهاراته قد انتفعت بها حال قراءتي وإقرائي. وكان متخلقاً بأخلاق الصالحين محباً في الأولياء، كثير الزيارة لهم، سمى أولاده على أسماء من تيمن بأسمائهم تفائلاً، فسمى أكبرهم باسم عالم الكلام صاحب الكبرى الشيخ سيدي محمد السنوسي وسمى الثاني باسم الفقيه الصوفي الشيخ سيدي أحمد زروق، وسمى الثالث باسم القطب الشاذلي رضي الله عنه. وقد حقق الله رجاءه في جميعهم. فأمل الشيخ محمد الشاذلي فكان عالماً فاضلاً كثير الخلوة ملازماً للأذكار تقدم للتدريس بجامع بلد الكاف في المحرم سنة 1212 إثنتي عشرة ومائتين وألف، ومات قتيلاً في الطريق بين تونس والكاف.
وترك ولداً من علماء الزيتونة وهو الشيخ محمد اللخمي قرأ على عميه وارتحل إلى صفاقس للأخذ على عالمها الشيخ محمد مقديش فأخذ عنه علوماً انفرد بها من دقائق الحساب والهيئة وعلوم حكمية نظرية عملية وتعاطى بها فن الكيمياء والرمل والجفر كثيراً، وبرع بالمعقول والمنقول، وأقرأ بتونس كتب مهمة منها شرح السعد على العقائد النفسية وكان حسن المحاضرة أديباً ظريفاً فرضياً موثّقاً حسن الملاقاة والإلقاء وتوفي بالمرض العام سنة 1266 ست وستين ومائتين وألف عليه رحمة الله آمين.
وأما الشيخ أحمد زروق فكان من فحول العلماء وخاصة البلغاء، وزان الخطط العلمية وتوفي على خطة قضاء المحلة المنصورة، عليه رحمة الله آمين.
وأما المولى الجد صاحب الترجمة الشيخ مخحمد السنوسي فقد ولد سنة 1176 ست وسبعين ومائة وألف ونشأ بين يدي والده وقرأ هنالك كتب المبادىْ حى أنه لما توفي والده قدمه الأمير علي باي لمشيخة المدرسة الحسينية بالكاف عوض والده في الثالث والعشرين من ربيع الثاني سنة 1195 خمس وتسعين ومائة وألف، وعند ذلك قدم لتونس في طلب العلم ونقل عنه أنه عند وصوله لتونس أسرع إلى جامع الزيتونة، وذلك أول عهده به فدخله من أحد أبواب العطارين قبل صلاة الظهر، فرأى درساً سأل عن استاذه فإذا هو الشيخ صالح الكواش فانتظره إلى نهاية الدرس وسلم عليه وأعلمه بنفسه وطلب منه ارشاده إلى طريق استئناف العلم فأمره أن يأتيه للمدرسة المنتصرية وعندما أتاه إليها سلم له مفتاح بيته الكبرى التي على يسار الداخل، وأمره بحفظ المتون وأجلسه بين يديه، فأختص به اختصاصاً كلياً من ذلك العهد حتى صار يحضر جميع دروسه ويلازمه في داره ملازمة التلميذ البار لاستاذه، حتى أدخله على أهله، وصار يؤخر الدرس لتأخره فقرأ عليه المعقول والمنقول ورأيت في آخر نسخته من مختصر السعد أنه ختمه عليه يوم الثلاثاء تاسع شعبان الأكرم سنهة 1208 ثمان ومائتين وألف.
وقرأ في أثناء ذلك على غيره من بقية السلف الذين أدركهم كالشيخ محمد الغرياني والشيخ محمد الشحمي، وغيرهما من فحول ذلك العصر، وأخذ الفرائض عن الشيخ أحمد بوخريص لكن أكثر قراءته على الشيخ صالح الكواش وعليه تفقه حتى صار يحيل إليه الإجابة في كثير من السؤالات الفقهية. ولما حضرته الوفاة أوصاه بسلوك طريقته في القناعة نقل عنه أنه قال له عند وفاته إن كنت ترغب في رضائي عنك فالزم حالتي التي تراني عليها فأخذ داره بعد وفاته ولم يغير شيئاً من بنائها حتى إن دهليزها ساقط فلم يقمه وقيل له في تغيير باب الدار فقال لا أغير حلقة مستها يد شيخي ولا باب رضيه شيخي وكان لا يتخلف عن زيارة قبره كل جمعة إلى أن توفي يركب على بغلته إلى باب عليوة فينزل راجلاً إلى أن يصل إلى قبر شيخه وراء مقام الإمام ابن عرفة فيترك نعله من بعد ويجلس هنالك وكان لا يترك قراءة القرآن لوالده وشيخه المذكور براً بهما وقد حصل من رضاه على العلم الواسع.
وتصدى للتدريس بجامع الزيتونة فأخذ عنه جم غفير، ثم قدمه الأمير علي باشا لخطة قضاء بنزرت تاسع ربيع الثاني سنة 1230 ثلاثين ومائتين وألف فأقام ببنزرت قاضياً وإماماً، وتصدى هنالك للإقراء فنفع وخرج من تلامذته من هو ولي هنالك القضاء والفتيا وكان قاضي الحاضرة في ذلك العهد هو الشيخ إسماعيل التميمي.
وله مراجعات في مراسلات القاضي إسماعيل دلت على ما عنده من التمكن في الفقه والنوازل حتى استرجغه الأمير إلى الحاضرة وقدمه لخطة قضاء باردو المعمور ثاني المحرم سنة 35 خمس وثلاثين، وولي عوضه في قضاء بنزرت الشيخ عبد القادر التميمي.
ورجع المولى الجد إلى سالف عادته من بث العلم بجامع الزيتونة عند باب الشفا، وقرأ عليه كثير من فحول المالكية والحنفية منهم الشيخ فرج التميمي قاضي المحلة قرأ عليه الأشموني فيما ينقل عنه، وباش مفتي المالكية الشيخ أحمد بن حسين، والمفتي المالكي الشيخ محمد البنّا والمفتي الشيخ محمد النيفر والمفتي الحنفي الشيخ مصطفى بيرم وقاضيى باردو الشيخ أحمد عاشور والعالم المدرس الشيخ حمدة بن عاشور وباش مفتي الشيخ الشاذلي بن صالح، والمفتي الشيخ محمد الشاهد والمفتي الشيخ صالح التبرسقي والإمام الشيخ أحمد بن الطاهر والمدرس الشيخ العربي الشريف وغيرهم من علماء تونس الأعلام.
وتقدم لمشيخة المدرسة الحسينية الكائنة قرب سيدي قاسم السبابطي في الرابع والعشرين من صفر الخير سنة 1235 خمس وثلاثين ومائتين وألف بعد الشيخ محمد الشريف فأقام دروسها، وختم بها أختاماً مهمة، كتب فيها على عدة أبواب من صحيح البخاري منها تعليق على حديث بدء الوحي، وتعليق على حديث فضل العلم ولازم القيام بخطة القضاء بباردو فكان يقرأ الدرس بجامع الزيتونة من بعد صلاة الصبح إلى الضحى ومن هنالك يركب بغلته للحكم بباردو إلى الزوال، ثم في العشي يجلس للإشهاد والمطالعة، وكان من الأيمة الموثقين وربما أقرأ عشية أو ليلاً.
وقد اتفق له مدة قضائه بباردو أن ورد إليه رجل يقال له موسى الغدامسي متشكياً من سليمان باش بواب يطلب منه ثمن قسطل وكان المشتكي به ذا سطوة فأرسل إليه يأمره بالحضور فوجده العون بمحكمة الأمير فأخبره بأن القاضي يأمره بالحضور فامتنع عليه متعللاً باشتغاله بحكم الأمير فأعاد وأمره بغصبه حيث إن الأمير لا يتوقف في الحكم عليه ولما رجع إلى العون انتهره وامتنع عنه بالدخول إلى المحكمة فرجع العون يشكو ما لا قاه من باش بواب وبادر الشيخ إلى النزول من موضع حكمه، وأمر بغلقه وذهب لدار الأمير يترقب خروجه من الحكم ليسلم لديه في الخطة. ولما بلغ خبر ذلك لباش بواب اشتد خوفه وتوسل بكثير من أهل الدولة فلاطفوه وواعدوه بحضوره لديه في محل الحكم وطلبوا منه عدم مقابلة الأمير فرجع، ولما بلغ خبر ذلك كله إلى الأمير مصطفى باشا أحضر باش بواب المذكور وأرسله للشيخ صحبة كاتبه الشيخ أحمد بن أبي الضياف ليبلغ للشيخ أن الأمير حكّمه فيه بما يشاء لامتناعه من الحضورلديه فلما بلغه رسالة الأمير قال له أما أنا فلا أحكم عليه إلا بإعطاء حق خصمه، وإنما أسأل الله سبحانه أن يحكم فيه بشديد حكمه فقال له الشيخ ابن الضياف والله يا سيدي لو حكمت فيه حكمك بما شئت لكان أهون عليه مما دعوته عليه وامتثل إعطاء حق خصمه ورجع، رحم الله جميعهم.
وتقدم لمشيخة مدرسة النخلة ثاني صفر الخير سنة 54 أربع وخمسين فأقرأ بها وختم.
ولما توفي الشيخ محمد البحري قدمه المشير أحمد باشا باي قاضياً بالحاضرة في الثاني والعشرين من ربيع الثاني سنة 1254 أربع وخمسين ومائتين وألف فزان الخطة بفقهه وديانته كأنّ المختصر الخليلي منه على طرف الثمام وهو أعرف الناس بخيباته في ذلك العصر، بهذا يصفه شيخ الإسلام الشيخ محمد بن الخوجة حيث اجتمع معه في الخطة إذ كان هوقاضي الحنفية مدة ولايته ومع ذلك فجميع أمهات الفقه التي كانت على ملكه، كلّها طالعها وأوقف عليها حتى أن بعض معاصريه يسميه مالكاً الأصغر وله مراجعات كثيرة في المذهب الحنفي نظم بعضها في منظومة لقط الدرر، وله في تقاييده كثير من هذا الباب. وكانت له مودة خاصة بالشيخ محمد بيرم الثالث لجوار منزليهما فيجتمعان صبيحة كل يوم عند أحدهما وكل واحد منهما يرجع لصاحبه في مذهبه، ولهم في ذلك مسائل كثيرة منها مسألة أرسل له صاحب الترجمة فيها نظماً يطلب منه بيان الحكم فيها بمقتضى المذهب الحنفي وهي قوله:[مجزوء الرجز]
بعد سلام سائل
…
عن حكم فرع معتبر
هل اعتراف مشتر
…
لمثل دار إن صدر
بعد سنين أنّ ما
…
كان اشتراه لعمر
يعمل شرعاً عندكم
…
أو حكم رده استقر
وقد عرضت له نازلة تشعبت عمن قبله، وطال فيها النزاع وصاحبها صفاقسي يدعى القَط فوقف فيها إلى أن انهاها وأبرم فيها الحكم وأنشد في ذلك قوله:[الطويل]
وقائلة هل للقضاء فيك موضع
…
فنوليكها قلنا نعم ذاك عن شرط
فقالت وما الشرط الذي أنت شارطه
…
قرنت به تلك الولاية بالربط
فقلت على أن لا أخوض خصومة
…
مشعبة تُعيي كنازلة القَط
وقد استمر في خطة قضاء الحاضرة إلى وفاته، فكانت مدة مباشرته خطة القضاء أكثر من خمس وعشرين سنة، قضى منها خمس سنين ببنزرت، ونحوتسع عشرة سنة بباردو والبقية بالحاضرة واجتمع فيها من قضاة المالكية مع الشيخ إسماعيل والشيخ الشاذلي بن المؤدب والشيخ محمد البحري، وكان معه من القضاة الحنفية الشيخ محمد علي الدرويش ثم محمد بن الخوجة وهو الذي أدركه في قضاء الحاضرة. وكان مدة هاته الخمس والعشرين سنة لم يترك فيها الإشتغال بالنوازل ومباشرة الحكم يوماً وكان مع ذلك وقد وقفت له على أبيات في مسودات تقاييده العلمية يشكو بها ما يجده من تعب الخصوم وهي قوله:[الوافر]
أرى دهري تقّسم للرسومِ
…
مدى ليلي ويومي للخصومِ
فدهري كلّه خصم ورسم
…
أقاسي منهما كلّ الهموم
فما لي راحة أرجو انجلاء
…
لما ألقى من التعب العظيم
أحاول من فضاضة ذا وهذا
…
أحاول منتج الشكل العقيم
وقد نظم فيما به العمل من مذهب مالك أربعة آلاف ومائتي بيت من الرجز سماه لقط الدرر، ذكر فيه فروع المسائل مبسوطة الخلاف مع بيان ما به العمل معزوة لمحّال أنقالها ونقل عنه الشيخ محمد بن سلامة في رسالته التي ألّفها في معاوضة حبس القنديل بحيث إنّه نظم في غاية التحرير غير أن الشيخ تركه مسودة وجمع شمله من بعده حفيده بمباشرة الشيخ أحمد بن حسين وأضاف إليه بعض تلك المسائل مما وجده في تقاييد الناظم فكان تأليفاً من أعز ما يقتنيه القاضي أو المفتي وقد طبع بالمطبعة التونسية وكتبت عليه قولي:[الوافر]
لمذهب مالك فضل الشموس
…
تريك الرشد في طي الطروس
وتهدي للشريعة وهي بحر
…
حباك بدرّه القاضي السنوسي
ولما نجز طبعه كتبت في ختامه بما نصه: من شآبيب فضل الكريم الوهاب، نستمطر أسكوباً ومن محض عنايته التي نبلغ بها إلى غاية الآداب ننال من الآمال مطلوباً، ذلك بأن الله ذو فضل عظيم فنحمده جلّ ذكره، وتعالى عن أن يوفى في العالمين شكره، حمداص يعبق بزيادة النعم نشره، ويعم سائر الحامدين بشره، وأنّى للعاجز أن يقوم بواجب حمد من خلق السماوات والأرض وما بينهما وهو الخلاق العليم. ونصلي ونسلم على من أرسله الله بالدين الحنيف وأيّده بالمعجزات المؤذنة بمزيد التشريف، وعلى آله وأصحابه الغنيين بفضلهم عن التعريف، ما اهتدى بهم مقتد فيما يتجمل به كل عامل عفيف، من أصول الشريعة وفروعها التي اهتدوا بها إلى الصراط المستقيم.
أما بعد فيقول حفيد ناظم لقط الدرر، ملتزم طبعه حتى صار عيناً بعد الأثر، العبد الراجي من عطاء الحمن، مواهب الامتنان، محمد بن عثمان بن محمد بن محمد السنوسي بن عثمان إن أهمية علم الأحكام، من شرعة الإسلام، لا يخفى نورها على بصير، وما ينبئك مثل خبير، لا سيّما كتب الأعمال، التي يمكن للقضاة والمفتين أن يبلغوا بالاعتماد عليها إلى غاية الآمال، ولذلك التزمت طبع نظم لقط الدرر، مع ما وجد في تقاييد ناظمه من الحواشي والطرر، حيث احتوى على أربعة آلاف بيت ومائتين واثنين وعشرين بيتاً في النوازل التونسية، وضبط ما جرى عليه العمل في محكمتها الشرعية السنية، على مذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس رضي الله عنه نظم المولى الجد السنوسي بن عثمان، متعه الله بنعيم الجنان، والفوز بالنظر إلى وجه الرحمن بعد أن باشر القضاء نحواً من خمس وعشرين سنة، واستعمل في القيام بحقوقها ما أمكنه فجاء نظماً بديع الضبط والعذوبة التي يكاد يحفظه بها سامعه حين يرويه، ويرغب في مطالعته كلّ متثبت في دينه عالم بقدار ما أودع فيه وقد أبدع العالم الماجد النحرير الشيخ سيدي محمد جعيط إذ كتب عليه قوله:[الطويل]
حوت دررَ الأحكام أصداف قولها
…
وذي جنّة الأفكار تبدو لمن نظر
فناظمها بحر العلوم محمد
…
ولا غزو أن البحر يقذف بالدرر
فكان من مفاخر البلاد التي يرغب فيها كل ذي غيرة دينية وحمية وطنية من الأفراد وكم للبلاد من مفاخر يضيق الفضاء عن نشرها بقيت في خدور سترها ولكن مقاليد التيسير بيد الحكيم الخبير ولا شك أن طبع هذا الكتاب مما يقع موقع الاستحسان عند ذوي الألباب وقد أبدع العالم النحرير والدراكة الشاعر الشهير المدرس الشيخ سيدي محمد الخوجة فيما كتبه في هذا الموضوع وهو قوله: [الوافر]
لمجدك أيّها العلم السنوسي
…
دلائل أصبحت مثل الشموس
ومن تلك الدلائل ما تبدّى
…
لجدك ذلك القاضي السنوسي
جمال المصر مفخرةٌ همام
…
تحلّي فضله جيدُ الطروس
وحسبك من مفاخره نظام
…
غدا للفقه كنزاً من نفيس
يبين ما به الفتوى وهذا
…
لعمري قد غدا سؤل النفوس
فلا عجبٌ إذا ما لقبوه
…
بلقط الدرّ للنظم النفيس
لقد أبداه للعلماء غيثاً
…
كثير جوزي من رئيس
وقد نجز بحمد الله طبعه بمطبعة الدولة التونسية، خلع الله عليها ملابس الفخر السندسية، بعد إعمال الجهد في تصحيحه والتحري في المقابلة بخط الناظم وإن لم يشمله بتنقيحه في منتصف شعبان الأكرم من عام 1297 سبعة وتسعين ومائتين وألف وقد أرّخ إنجاز هذا الطبع الجميل الصنع التفنن الماجد الفاضل النحرير المعز الشيخ سيدي محمد المكي بن عزوز بقوله:[الطويل]
أجلُّ اكتساب الألمعي عوارفه
…
وغاية قدر المرء ما هو عارفه
وما الخسر إلا للذي ضاع عمره
…
بلا صالحات والزمان مساعفه
أخا العقل نافس معشر العلم واتسق
…
بسلكهمُ ما دام يوجد كاشفه
وثافن على فقه به يبتني التقى
…
ويسمو إلى قرب المهيمن عاكفه
ولا سيّما نظم تألق درّه
…
شهيد بعلياه لدى السبك شائفه
أمّا شمته علياء تاج فصاحة
…
وجلباب إخلاص المصنف لاحفه
أما تلقط الدر النثير تفقُّهاً
…
فهذا الذي بالصدق يحمد لا قفه
تخلله شرح فزاد نفاسة
…
لتشمل ذا الفهم البطيء لطائفه
كما جمّل الياقوت صف لىليءٍ
…
بترتيب دهقان غذته معارفه
متى امه حكام مذهب مالك
…
هدتهم لمنهاج سويٌّ صحائفه
وما رامه صادٍ لتبريد غلّة
…
بكوثره إلا تلقاه واكفه
يؤنسه تانيس شيخ محبب
…
ويحميه من حر التحير وارفه
ويسقي به راحاً ولا إثم فأعجبوا
…
عقار لصيد العقل يؤجر راشفه
تبلج من فكر الهمام الرضى الذي
…
بأفق هدى الأحكام ضاءت مواقفه
رحيب الثنا القاضي السنوسي حاطه
…
من الله رضوان تدر عواطفه
إمام لو ارتيدت حلاه لجمعها
…
لعمِّر في بيدِ المحاسن واصفه
وهذا كتاب من مساعيه للورى
…
وقد رق طبعاً واستطيبت مراشفه
وإذ فاح مسك الختم قلت مؤرخاً
…
زها طبع لقط الدر لا خاب قاطفه
ووشح هذا الختام، بقصيدة تتضمن تاريخ وفاة الناظم الهمام، وتاريخ هذا التمام النحرير الأبرع والفاضل الأورع، المتفنن الشاعر الشيخ سيدي الحاج محمد طريفة بقوله:[الوافر]
رياض العلم ناضرة الطروسِ
…
وعاطرة الأزاهر في الغروسِ
وحالية الغصون بكل نورٍ
…
ودانية الجنى ليد النفوس
غدت جنات كلّ فتى أريب
…
يطاف عليه فيها بالكؤوس
وفيها غادة الأفكار تجلى
…
على كرسي المعارف كالعروس
وتحكم بالشريعة وهي تبدي
…
لنا منها الخفايا كالشموس
بمنظوم يكاد يقول فخراً
…
كفانيَ أنّ ناظمي السنوسي
محمد الذي قد حاز مجداً
…
له أس يفوق على الأسوس
وأبرز من سماء الفكر منه
…
شموس العلم تلمع في الطروس
همام عابر سبل القضايا
…
إمام صابر في كل بوس
تقي عامل بالعلم لكن
…
قد اتخذ النصيحة كاللبوس
وغيث صار روض العلم منه
…
مصاناً في الزمان عن الدموس
وحبر قلبه بحر وفيه
…
جوزاهر قد سلمن من النقوس
فكم قد حاز من علم وفضل
…
وزهد في غنا دار النحوس
وأعمالٍ تأرخّها عليها
…
رضى الرحمن في يوم الوكوس
أما التقطت رويته اللآليء
…
فأغنت كل ذي قلب يئوس
أما أبدى النوازل في نظام
…
يهزّ قلوب أرباب النفوس
كأن بيوته فيما حوته
…
كؤوس قد ملئن من الخروس
فيا لله من نظم معين
…
على الإفتاء وإقراء الدروس
به حادي المعارف قد تغنى
…
وشيطان الجهالة في خنوس
يحق لطالبيه أن يعضّوا
…
عليه بالنواجذ والضروس
وأن يدعوا لناظمه بخير
…
وبالرضوان في يوم العبوس
وأن يثنوا على الحبرابنه الّذ
…
أدار عليهم أسنى الكؤوس
وأتحفهم بما ملكت يداه
…
من الجد المؤرث للنفيس
عليهم إن يكونوا أنصفوه
…
برفع مقامه فوق الرؤوس
وإن هم عرّفوه أن يقولوا
…
هو المحيي الفخار إذا تنوسي
وإن ذا الطبع منه استحسنوه
…
يقولوا لا رمته يد البؤوسي
وإن هم أرخوه أن يقولوا
…
عقود الدر قلدنا السنوسي
وكان صاحب الترجمة عارفاً بالعلوم البدنية زيادة على العلوم الدينية، وقد أقرأ ألفية ابن سينا بجامع الزيتونة، وله كثير من التقاييد الطربية، أمّا تقاييده الفقهية في النوازل التي عرضت مدة الخمس والعشرين في مباشرة خطة القضاء فقد جمع له حفيده منها ما ينيف عن الأربعين كراساً، يفني الليالي في مطالعه الفقه وتحريره وأمل الأدب فله به ولع، ونظم كثيراً من الشعر في أغراض شتى، وقد جمعت من شعره قطعة وافرة أثبتها في كتابي مجمع الدوواين التونسية، وله مراسلات شعرية مع شيخ الإسلام البيرمي الاربع منها أنه كتب إليه شيخ الإسلام المذكور يستعير منه الجزء الرابع من المعيار بقوله:[الكامل]
يا له من رقى بعلومه أفق العلا
…
فسما على نجم السماء الساري
أهدي إليك من السلام لطيفة
…
يذكو اريجُ نسيمها المعطار
هذا ولي أرب أروم حصوله
…
من رابع الأجزاء للمعيار
فاسمح به لقضائه لا زلت ذا
…
شرف وعز شامخ المقدار
فأجابه المولى الجد قدّس الله روحه بقوله: [الكامل]
وافت فأخجلت العقول وأنعشت
…
محل الفؤاد وخامل الأفكار
تاهت على أهل اللسان وتوجت
…
تاج البلاغة كامل الأسرار
وتقول بعد تحية منت بها
…
لا غرب إلاّ رابع المعيار
فسألت ممن ذا الكمال فقيل لي
…
من آل بيرم شامخ المقدار
فعلمت إرب ذوي النهى في العلم لا
…
ينفّك في الإقبال والإدبار
وومنحته جزء الكتاب مساعفاً
…
بسلام طيب هاطلٍ معطار
وكان شيخ الإسلام المذكر أطلع المولى الجدج على رسالة أنشأها في مخاطبة مفتي المنستير حين أرسل إليه كتباً في قفة فراسله بمراسلة أبدع فيها ما شاء وأودعها من الدعابات الأدبية ما يعز على غيره ولمّا طالعها المولى الجد قدّس الله روحه كتب إليه قوله: [الكامل]
منشي الرسالة قد أجاد وأبدعها
…
فيما أتى فيها وشنف مسمعا
فهي الجواهر بل زواهر في سما
…
علم البلاغة للهداية أطْلَعا
موضوعها لقب المسمى إن يرد
…
تحقيره عند المنادي إن دعا
شالته إذ رفعته بعد خساسة
…
فحوى الترقي للعلا واستجمعا
وكسته من حلل البها بحديثها
…
عنه كساء بالجواهر رصّعا
أفضى به إبداع منشيها إلى
…
تشريف ما قد كان قِدْماً أوضعا
صحفت معجمه بفقه مجيدها
…
فغدا لملتمس المعارف مترعا
وصراحة الموضوع فيها قف بها
…
يا من يروم إلى الصراحة منزعا
لا زال في كمد بيرم
…
يعلو إلى نجم الثريا مطلعا
وحسوده لا زال في كمد وإن
…
زلت به قدم يجاب بلا لَعَا
وأجابه عن ذلك شيخ الإسلام المذكور بقوله: [الكامل]
وافت إليّ لمّا أشالت برقعاً
…
حتى استباحت من فؤادي موضعاً
هيفاء ترفل في ملابس حسنها
…
زهواً وتحتقر البدور الطُلّعا
وتسنمت بذرى البلاغة منبراً
…
فغدت لها أهل البراعة خضعا
وأصاخت الأسماعُ نحو حديثها
…
فأصاب حسن اللفظ منها الموقعا
ولها جدير ذاك لما أصبحت
…
تاجاً على هام الزمان مرصعا
ما كنت أحسب قبل رؤية عِقدها
…
أن اليراع هوى النجوم اللمعا
هبت بها نسمات سلع رقة
…
لله راقم وشيها ما أبدعا
ذاك الإمام الألمعيّ المرتضى
…
من حاز من كل المعارف منزعا
أعني السنوسيَّ الهمام الأوحد ال
…
حبر الجليل الأحوذي البلتعا
لا زال محروس الجناب مرفعاً
…
ولكل فضل في البرية مطلعا
وكتب قدس الله روحه للأكتب الشيخ محمد المسعودي يستعير منه عدة كتب بقوله: [مجزوء الرجز]
حامل الكَتْبِ إليكم
…
طالباً رقم الحلل
مع ابن زيدون به
…
فاصحب رسولي إذ نزل
أما ابن بسام إذا
…
سلتمه بما حمل
كنت امرأ متى سئل
…
لآمل نال الأما
فأرسل اليه ما حضر من الكتب المذكورة وكتب له قطعة من شعر ابنه المؤرخ الشاعر الأكتب الشيخ محمد الباجي المسعودي وهي قوله: [مجزوء الرجز]
يا سيدا شرفني
…
بنظمه السامي الأجل
ومن غدا لي مخلصاً
…
في قوله مع العمل