الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بأنا إخوان ومطلبنا واحد، وليس المراد منه الإفساد، فالواجب حفظ الأمن والراحة، وتأمين السبيل، ولا نتعرض لأحد بشيء سوى أتباع الحكومة فإذا أرادوا غصبنا على الظلم ندافع عن أنفسنا وأنذرت القبائل عمالهم الذين كانوا بين أظهرهم فمن أراد منهم التوجه إلى الحاضرة أوصلوه بأمان ومن أراد الإقامة منكفئاً عن التداخل في أمرهم أبقوه بأمان.
ولما توجه أمير الأمراء فرحات إلى الكاف لإجبار قبائل ماجر على ذلك الأداء تعرضوا له وقتلوه فشدد النكير علي بن غذاهم وقال لهم: أصل اتفاقنا تعرضوا وقتلوه فشدد النكير عليهم علي بن غذاهم وقال لهم: أصل اتفاقنا هو الدفاع عن أنفسنا وما ضركم الرجل إلا إذا حاربكم فدافعوا عن أنفسكم.
وكاتب المذكور رئيس الفتيا الشيخ أحمد بن حسين وطلب منه التوسط في الصلح مع الحكومة.
وحاصل مطالب الجميع إبطال الأداء الجديد وعزل الوزير مصطفى خزندار ومحاسبته.
فامتنع الوالي يعبر صاحب صفوة الاعتبار عن الأمير بالوالي لنه يرى أن تونس ولاية عثمانية فلا يحق له أن يلقب بالأمير بل بالوالي، أولاً من جميع مطالبهم واشتد الكرب على الحكومة حتى لم يبق أمر الوالي نافذاً إلا في الحاضرة ونحو اثني عشر ميلاً حولهأن واشتد الخوف في الحاضرة) .
وقد فصل الشيخ الوزير ابن أبي الضياف هذه الثورة تفصيلاً مدققاً واتى بأسبابها وكيف ابتدأت وهو ما أحمله غاية الإجمال صاحب صفوة الاعتبار.
وافتتح الشيخ وزير كلامه على هذه الثورة بمقدمة دقق فيها الأسباب من فداحة الافتراض الذي تسبب فيه جلب ماء زغوان إلى الحاضرة تونس مما أدى إلى أن تكون فائدة الدين أكثر من ثلث دخل المملكة التونسية حينذاك وهو اكثر من أربعة ملايين من الفرنكات لأن دخل المملكة وقتها لا يصل إلى خمسة عشر مليوناً من الريالات.
وإثقال كاهل الميزان بمصاريف الدولة فإن مرتب الملك وحده مليون ومائتا ألف إلى غير ذلك من المصاريف الباهظة.
فلما عجز الميزان عن تحمل تلك المصاريف الباهظة كاتب الأمير أعضاء المجلس الأكبر فامتنعوا بلطف كما قال الوزير الشيخ ابن أبي الضياف ودارت مباحثات مجلس الأمير الخاص، وكان رجاله على رأيين.
منهم من يميل إلى الرفق بالرعية ومنهم من زين للأمير الزيادة في الضريبة الموضوعة على الدافعين إلى أن أفضت النوبة إلى أحدهم وهم ممن يشار إليه في مجلس الأمير الخاص فأشار برأي كان سبب اندلاع الثورة.
وهو أنا مال الإعانة يزداد عليه مثله ويكون عاماً في سائر بلدان المملكة من غير استثناء.
فقبل الأمير أن هذا الرأي وكتب إلى أعضاء المجلس الأكبر للموافقة فاعتذروا بأنهم لا رأي لهم في النازلة.
وبعد امتناع أعضاء المجلس استبد الأمير برأيه وصدرت به المناشير إلى عمال العمال.
وهي مناشير كانت لقطع الطاعة والعافية والعمران كالمناشير كما قال الشيخ الوزير.
ورغم النصائح حتى من الأجانب تمادى الأمير في فرض الزيادة في الضريبة.
اندلعت الثورة بتقرر الزيادة في الداء.
ويؤكد كلام صاحب صفوة الاعتبار الشيخ محمد بيرم الخامس المتقدم ذكره الشيخ الوزير ابن أبي الضياف.
"ولما التف عليه إغمار العامة في الجهة الغربية، أي على علي بن غذاهم، أبرم العقد معهم.
على أن القصد بهذا الاجتماع هو الاستعفاء من هذا الأداء الثقيل الذي لا قدرة عليه.
وإذا عصبنا عليه بالقتال تكون يدنا في المدافعة عن النفس والمال والحريم يداً واحدة.
ولا يتعرض منا أحد لنهب أموال الناس بالحرابة ومن تعرض تكون يدنا عليه أحدة لن كلامنا مع الدولة، وإخواننا المسلمين يعذروننا.
فإذا تعرضنا لأخذ أموال الناس صرنا حرباً على الله تعالى وعلى السلطان ولا يعذرنا أحد بل تتوفر الدواعي على قتالنا والله معهم".
أجمل صاحب الإتحاف مبادئ ثورة ابن غذاهم في أنها محصورة في الامتناع من دفع الضريبة المضاعفة.
تحقيق حول ثورة ابن غذاهم وما دار حولها
إن هذه الثورة مقصورة على غرب البلاد بقيادة علي بن محمد بن غذاهم وإنما هي عامة شملت البلاد كلها فعلاوة على غربها هناك عمل سوسة، وعمل القيروان، وعمل صفاقس، وعمل الأعراض.
لكنها كانت في هذه العمال غير مسيرة مثل ما هي في ناحية ابن غذاهم بل هي مقودة بقيادة فوضوية.
ولولا تداخل بعض أهل العلم والصلاح لانتهى أمر الدولة الحسينية لا أمر الدولة الصادقية مع ما انضم إلى ذلك من دهاء بعض الوزراء وبعض رجال الحكومة حينذاك فإنهم أنقذوا الدولة من الانهيار.
وتحقيق النظر في هذه الثورة العارمة يحتاج إلى كتاب خاص، وإنما نقتصر في هذا الملحق على بيان مواقف ثلاثة من المؤرخين التونسيين وهم: الشيخ السنوسي في مسامرات الظريف.
والشيخ محمد بيرم الخامس في صفوة الاعتبار.
والشيخ الوزير ابن أبي الضياف.
إن موقف الأول من هذه الثورة موقف تزلف وتدل على الحط من أحد رجالها وهو علي بن محمد بن غذاهم حيث وصفه بما انتقدناه عليه.
فهو لم ينظر لها نظرة تاريخية، بل نظر إليها بغير منظار المؤرخ النزيه ولولا أن الواقف على كتابه الذي أخرجته للطبع يغتر بكرمه ما كنت أتوسع في الكلام على هذه الثورة.
وثاني المؤرخين الثلاثة هو الشيخ محمد بيرم الخامس قد كانت له إحن في نفسه على الوزير مصطفى خزنه دار حيث أدمج في أسباب الثورة أنها ترمي إلى المطالبة بعزل خزنه دار.
(وحاصل مطالب الجميع إبطال الداء الجديد وعزل الوزير مصطفى خزنه دار ومحاسبته، فامتنع الوالي أولاً من جميع مطالبهم فاشتد الكرب على الحكومة) .
وأكد هذا بما نسبه إلى الوزير خزنه دار.
ومن وقتئذ أيدي العدوان على الأهالي بسلب الأموال، والقتل والضرب بالسياط المؤدي إلى القتل لأن الوزير اشتد حنقه عليهم حتى انه دخل عليه أحد الأعيان يوماً وهو يقول: طلبوا دمي أرضى إلا بدمائهم، طلبوا مالي فلا أرضى إلا بأموالهم.
لعل مراده بطلب دمه هو طلب عزله، وقد اعتادوا في بعض الوزراء السابقين قتلهم فظن أن العزل يؤدي للقتل وإلا فنفس قتله لم يطلبه أحد.
أما المال فنعم فقد طلبوا حسابه.
أدمج صاحبة صفوة الاعتبار عزل الوزير مصطفى خزنه دار في مطالب الثورة مع أنه لم يأت بدليل يدل على ذلك إلا ما أخبره به أحد الأعيان الذي قال له إنهم طلبوا دمي أرضى إلا بدمائهم.
وثالث المؤرخين وهو أولهم في كتابة التاريخ التونسي وأقعدهم في كتبته الشيخ الوزير ابن أبي الضياف وهو أشد المؤرخين تحرياً في كتابة التاريخ فتاريخه مدعم بالوثائق التاريخية التي توقفك على عين الحقيقة.
وعين الحقيقة في هذه الثورة العارمة أنها مقصورة على طلب إلغاء الأداء الجديد دون التعرض لعزل مصطفى خزنه دار.
وقد وضح هذا صاحب الإتحاف أتم توضيح فيما كتبه قبل صاحب صفوة الاعتبار.
فبين أن قنصل فرنسا شارل دوبوفال (Charles de Beauval) اغتنم هذه الفرصة للتداخل في أمر الولاية وأحكامها فأتى إلى البي يوم الجمعة 23 من ذي القعدة (29 أفريل 1864) ومع أمير الأسطول الفرنسي والقائم مقام (كنبنو) الذي كان من معلمي الجند التونسي وتخلى عن ذلك.
وحين دخولهم على الأمير وجدوا معه مصطفى خزنه دار فطلبوا منه إخراجه فتشدد الباي في ذلك.
وابتدأت المحاورة بين الأمير والوفد الفرنسي الذي طلب إبطال عهد الأمان فبين له الأمير انه أعطى عهده على إتمام عهد الأمان وأن أخاه هو الذي أعطى ذلك.
ثم طلب الوفد تبديل المأمورين في الخدم السياسية فأجاب الباي بأن ذلك غير ممكن في وقت هذه الثورة لأن ذلك يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه.
وطال الجدال بين الأمير ومحدثيه من الفرنسيين في شأن تبديل الوزراء وفي طالعتهم مصطفى خزنه دار.
وفي هذا المجلس أساء القائم مقام (كنبنو) إساءة لا تحتمل حتى أن القنصل الفرنسي أسكته ولما بلغ الأمر مبلغه من الإهانة مرض الأمير.
ثم إن الأمير جمع رجال الدولة من وزراء وغيرهم وأخبرهم انه لا يتنازل في شان تبديل الوزراء فقال وزير مصطفى خزنه دار أنا أسلم وأصر على تسليمه الوزير خير الدين وهو مصطفى خزنه دار نفسه.
لكن تغلب الرأي الذاهب إلى عدم الرضوخ إلى مطلب القنصل الفرنسي لأن فيه تدخلاً في الشؤون التونسية وذلك مفض إلى أن تصبح تونس محكومة من طرف القنصل الفرنسي.
ولم يكتف التدخل الفرنسي بعزل الوزراء بما أرادوه من إرغام الأمير عليه فأضيف إلى ذلك مكاتيب مرسلة إلى العروش التونسية ومن نماذجها ما نقتطفه من بعضها.