الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سَلَّمْنَا أنَّ المرادَ منَ الإيمانِ ههنا الصَّلاةُ، ولكنَّ الصَّلاةَ أعظمُ الإيمانِ وأشرفُ نتائجهِ وفوائدِهِ، فجازَ إطلاقُ اسمِ الإيمانِ على الصَّلاةِ على سبيلِ الاستعارةِ منْ هذه الجهةِ» (1).
وهذا مخالفٌ لمرادِ الآيةِ؛ لأنَّ المرادَ ما كانَ اللهُ ليضيعَ عملَكم، وهو الصَّلاةُ، لا تصديقَكم فقط.
قال أبو المُظفَّرِ السَّمْعَانِيُّ (ت:489)(2): «
…
{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143]؛ أي: صلاتكم، فجعل الصَّلاةَ إيماناً، وهذا دليلٌ على المرجئةِ، حيثُ لمْ يجعلوا الصَّلاةَ منَ الإيمانِ» (3).
والتصديقُ عندَهم شيءٌ واحدٌ، وهذا القولُ جعلَ التَّصديقَ يتجزَّأُ، فهذا في التصديق بأمرِ الصلاةِ، وهناك غيرُهُ من التصديقِ، ومن ثَمَّ، فقولُهم مخالفٌ لأصلِ مذهبِهم في أنَّ التَّصديقَ شيءٌ واحدٌ. والله أعلم.
2 -
مخالفة أسباب النُّزول:
العلمُ بسببِ النُّزولِ وقصَّةِ الآيةِ منْ أهمِّ العلومِ للمفسِّرِ، لأنَّه يعينُ على فَهْمِ الآيةِ (4). والمرادُ به ما كانَ صريحاً في السَّببيَّةِ، وهو ما وَقَعَ إثْرَ حادثةٍ أو سؤالٍ، أو كان في عبارة المفسِّرِ من الصَّحابةِ ما يدلُّ على صراحةِ السَّببيَّةِ (5).
(1) تفسير الرازي (4:98).
(2)
منصور بن محمد بن عبد الجبار، أبو المظفر السَّمعاني، الإمام العلامة، مفتي خرسان، وشيخ الشافعية، كان من أكابر أهل السنة، وله في التفسير كتاب، وقد طُبِعَ، توفي سنة (489). ينظر: سير أعلام النبلاء (114 - 119)، وطبقات الشافعية، للسبكي (5:335 - 336).
(3)
تفسير القرآن، للسمعاني، تحقيق: ياسر إبراهيم وغنيم عباس (1:150).
(4)
ينظر: مقدمة في أصول التفسير، لابن تيمية، تحقيق: عدنان زرزور (ص:47).
(5)
أمَّا إذا كانت عبارة المفسِّرِ لا تدلُّ على صراحة السببيةِ، وكانت عبارتُه مما يدلُّ على أنَّه أرادَ التمثيلَ لمن يشملهم الخطاب، فإنَّ التفسير بغيرِه لا يُعدُّ مخالفةً ما دامت تحتملُه الآيةُ.
والمقصودُ أنَّ المفسِّرَ إذا جَهِلَ سَبَبَ النُّزولِ، فإنَّه قدْ يَحْمِلُ الآيةَ على مُحْتَمَلٍ لُغَويِّ، ويكونُ المعنى اللُّغويُّ الذي فسَّرَ به غيرَ مقصودٍ، ودليلُ عَدَمِ قَصْدِهِ سببُ النُّزولِ، أو قصَّةُ الآيةِ (1). ومنْ أمثلةِ ذلكَ:
ما وردَ في تفسيرِ تثبيتِ الأقدامِ من قولِ اللهِ تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ} [الأنفال: 11]، قالَ أبو عبيدةَ (ت:210): «مجازه: يُفرِغ عليهم الصبر، ويُنْزِلُه عليهم، فيثبتون لعدوِّهم» (2).
وقِصَّةُ نزولِ الآيةِ تدلُّ على أنَّ المعنى اللُّغويَّ الَّذي ذَكَرَه غيرُ مرادٍ، وأنَّ المُرادَ: يُثَبِّتُ أقدامَهم التي يمشونَ بها على الرَّمْلِ كي لا تَسوخَ فيه، كما وردتْ بذلكَ الرِّوايةُ عنِ السَّلَفِ، منها ما قالَ ابنُ عباسٍ (ت:68): «وذلك أنَّ المشركينَ من قريشٍ لما خرجوا لينصروا العيرَ ويقاتلوا عنها، نزلوا على الماءِ يومَ بدرٍ، فغلبوا المؤمنينَ عليه فأصابَ المؤمنينَ الظَّمأُ، فجعلوا يُصَلُّونَ مُجنِبين مُحدثينَ، حتى تعاظَم ذلك في صدورِ أصحابِ رسول صلى الله عليه وسلم، فأنزل اللهُ من السَّماءِ ماءً حتى سالَ الوادي، فشرِبَ المسلمونَ، وملأوا الأسقيةَ، وسَقَوا الرِّكابَ، واغتسلوا من الجنابةِ، فجعلَ اللهُ في ذلكَ طهوراً، وثبَّتَ الأقدامَ وذلكَ أنه كانت بينهم وبين القومِ رَمْلَةٌ، فبعث اللهُ عليها مطراً، فضربها حتَّى اشْتدَّتْ، وثبتتْ عليها الأقدامُ» (3).
قالَ الطَّبريُّ (ت:310): «وقد زعمَ بعضُ أهلِ العِلْمِ بالغريبِ من أهلِ
(1) سبق ذكر مثال في الفصل الأول من هذا الباب، وهو تفسير قوله تعالى:
…
{وَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} .
(2)
مجاز القرآن (1:242).
(3)
ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (13:424).
ثمَّ ينظر الرواية عن: عروة بن الزبير، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والسدي، وابن إسحاق، وابن زيد في تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (13:424 - 427)، وتفسير ابن أبي حاتم (5:1665 - 1667).