المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌طريقة السلف في التفسير اللغوي: - التفسير اللغوي للقرآن الكريم

[مساعد الطيار]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الأولالتفسير اللغوي: مكانته ونشأته

- ‌الفصل الأولالتفسير اللغوي ومكانته

- ‌المبحث الأولتعريفُ التَّفسير اللُّغويِّ

- ‌أولاً: تعريف التفسير:

- ‌التفسير لغةً:

- ‌التفسير اصطلاحاً:

- ‌تحليل هذه التعريفات:

- ‌ثانياً: تعريف اللغة:

- ‌اللغة اصطلاحاً:

- ‌مصطلحُ اللُّغةِ في كلامِ السَّلفِ:

- ‌المعاني المرادفةِ للفظِ اللُّغةِ في القرآن وكلامِ السَّلفِ:

- ‌ثالثاً: تعريف التفسير اللغوي:

- ‌المبحث الثانيمكانة التَّفسير اللُّغويِّ

- ‌الفصل الثانينشأةُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ

- ‌تمهيد

- ‌أولاً: التَّفْسِيرُ اللُّغَوِيُّ عِنْدَ السَّلفِ

- ‌طريقة السَّلفِ في التَّفسير اللُّغويِّ:

- ‌أسلوبُ الوجوه والنَّظائر

- ‌الأشباهُ والنَّظائرُ في اللُّغةِ:

- ‌الوجوهِ والنَّظائر في الاصطلاح:

- ‌بداية الكتابة في هذا العلم:

- ‌علاقةُ الوجوهِ والنَّظائر بالتَّفسير اللُّغويِّ:

- ‌كُلِّيَّات الألفاظِ القرآنيَّة:

- ‌ثانياً: التَّفسيرُ اللُّغويُّ عند اللُّغوِيين

- ‌تمهيد

- ‌أولاً: التفسيرُ اللغويُ في كتبِ الموضوعات:

- ‌ثانياً: التفسير اللغوي في معاجم الحروف:

- ‌القسمُ الثانيالمشاركة المباشرة في تفسير القرآن

- ‌طريقةُ التَّفسير اللُّغويِّ في هذه الكتبِ:

- ‌أولاً: كثرةُ مباحثِ الصَّرفِ والاشتقاقِ:

- ‌ثانياً: كثرة المباحث النحوية:

- ‌ثالثاً: كثرةُ الاستشهادِ منْ لغةِ العربِ:

- ‌رابعاً: بيانُ الأساليبِ العربيَّةِ الواردةِ في القرآنِ:

- ‌ التَّفسيرُ على المعنى

- ‌ علم الوجوه والنَّظائر عند اللُّغويِّين:

- ‌ أسلوبُ التَّفسير اللَّفظيِّ عند اللُّغويِّين:

- ‌الفصل الثالثمسائل في نشأة التفسير اللغوي

- ‌المسألة الأولىفي سَبْقِ السَّلفِ في علمِ التَّفسيرِ

- ‌المسألة الثانيةشمولُ التَّفسيرِ بين السَّلفِ واللُّغويِّين

- ‌المسألة الثالثةفي الاعتمادِ على اللُّغةِ

- ‌المسألة الرابعةفي الشَّاهِد الشِّعريّ

- ‌المسألة الخامسةفي علمِ الوجوهِ والنَّظائرِ

- ‌المسألة السادسةالتَّفسيرُ اللُّغويُّ بين البصرةِ والكوفةِ

- ‌المصدرُ الأولكتب التفسير

- ‌ وجوهِ تأويلِ القرآنِ

- ‌الأولى: الاستشهادُ بأقوالِ السَّلفِ في التَّفسير اللُّغويِّ:

- ‌الثَّانية: قَبُولُ المحتملاتِ اللُّغويةِ الواردةِ عنِ السَّلفِ:

- ‌الثالثةُ: استعمالُ اللُّغةِ في التَّرجيحِ:

- ‌ كثرةُ استخدامِه لأسلوبِ السؤالِ والجوابِ

- ‌ كثرةُ ذكرِه للفروقِ اللُّغويَّةِ بين الألفاظِ

- ‌ الشَّواهد الشِّعريَّةِ:

- ‌ الأساليبُ العربيَّةُ:

- ‌أثر المعتقد في التَّفسير اللُّغويِّ عند الرُّمَّانيِّ:

- ‌أوَّلاً: مفردات ألفاظ القرآن:

- ‌ثالثاً: الترجيح باللغة:

- ‌المصدر الثانيكتب معاني القرآن

- ‌أوَّلاً المراد بمعاني القرآن

- ‌ثانياً لِمَاذَا كَتَبَ اللُّغَوِيُّونَ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ

- ‌أولاً معاني القرآن، للفراء

- ‌أثرُ الاهتمامِ بعلومِ العربيَّةِ في تفسيراتِه:

- ‌صُوَر التَّفْسِير اللُّغويِ في كِتابِ مَعَاني القُرْآنِ:

- ‌أثرُ المعتقدِ في التفسير اللُّغويِّ عند الفرَّاءِ:

- ‌ثانياً مَعَانِي القُرْآنِ لِلاخْفَشِ

- ‌أثرُ المعتقدِ على التَّفسير اللُّغويِّ عند الأخفشِ:

- ‌ثالثاً مَعَانِي القُرْآنِ وَإعْرَابُهُ للزَّجَّاجِ

- ‌أثر المعتقد على التفسير اللُّغوي عند الزَّجَّاج:

- ‌المصدر الثالثكتب غريب القرآن

- ‌أوَّلُ كُتُبِ غَرِيبِ القُرْآنِ:

- ‌أولاً مَجَازُ القُرْآنِ لأبِي عُبَيْدَةَ

- ‌مفهومُ المجازِ عند أبي عبيدة:

- ‌أثر المعتقد على دلالة الألفاظ عند أبي عبيدة:

- ‌ثانياً تَفْسِيرُ غَريبِ القُرآنِ، لابن قُتَيْبَةَ

- ‌ بيان الأصلِ اللغويِّ للَّفظِ:

- ‌ كثرةُ الشَّواهدِ الشِّعريَّةِ:

- ‌أثر المعتقد على التَّفسير اللُّغويِّ عند ابن قتيبة:

- ‌ اهتمامِه بالوجوه والنَّظائر

- ‌المصدرُ الرابعكتب معاجم اللغة

- ‌تَحَرُّزُ ابنِ دريدٍ في التفسير:

- ‌ كثرةُ موادِّهِ اللُّغويَّةِ

- ‌ أنَّه أوسعُ مِمَّنْ تقدمه في عَرْضِ التَّفسيرِ

- ‌المصدرُ الخامسكتب أخرى لها علاقة بالتَّفسيرِ اللُّغويِّ

- ‌أولاً كتب غريب الحديث

- ‌ثانياً كتب الاحتجاج للقراءات

- ‌ثالثاً شروح دواوين الشعر

- ‌رابعاً كُتُبُ الأدَبِ

- ‌الباب الثالثآثار التفسير اللغوي وقواعده

- ‌الفصل الأولأثرُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في اختلافِ المفسرينَ

- ‌أوَّلاً الاختلافُ بسببِ الاشتراكِ اللُّغويِّ في اللَّفظِ

- ‌ثانياً الاختلافُ بسببِ التَّضادِّ في دلالةِ اللَّفظِ

- ‌ثالثاً الاختلافُ بسببِ مخالفةِ المعنى الأشهر في اللَّفظ

- ‌الفصل الثانيأثر التفسير اللغوي في انحراف المفسرين

- ‌الصنف الثاني: أهل البدع:

- ‌الفصل الثالثقواعد في التفسير اللغوي

- ‌أولاً كلُّ تفسيرٍ لغويٍّ واردٍ عن السَّلفِ يُحكمُ بعربيَّته وهو مقدَّمٌ على قولِ اللُّغويين

- ‌تطبيقُ طريقةِ التَّعاملِ مع أقوالِ السَّلف التَّفسيريَّة:

- ‌ أنواع الاختلافِ

- ‌القسمُ الأول: المحتملات اللغوية الواردة عن السلف:

- ‌القسم الثاني: المحتملات اللغوية الواردة عن غير السلف:

- ‌الضابط الثالث: أن تحتمل الآية المعاني في السياق:

- ‌الضابط الرابع: أن لا يُقصَرَ معنى الآية عليها:

- ‌ثالثاً لا يصحُّ اعتمادُ اللغةِ دونَ غيرهَا من المصادرِ التفسيريَةِ

- ‌ منْ أهمِّ مصادرِ التَّفسيرِ

- ‌ مخالفة المصطلحات الشرعيَّة:

- ‌ مخالفة أسباب النُّزول:

- ‌ مخالفة تفسير السَّلف:

- ‌رابعاً لا تعارض بين التفسير اللَّفظي والتفسير على المعنى

- ‌ التفسيرُ على القياسِ والإشَارةِ:

- ‌ التَّفسيرُ على اللَّفظِ:

- ‌ التَّفسيرُ على المعنى:

- ‌ هل يمكنُ معرفةُ التفسيرِ اللَّفظيِّ بواسطةِ التَّفسيرِ على المعنى

- ‌ كيف نُفرِّقُ بين التَّفسيرِ على اللَّفظِ والتَّفسيرِ على المعنى

- ‌ لا بدَّ من وجودِ ارتباط بين التَّفسيرِ على المعنى والتَّفسيرِ اللَّفظي

- ‌أمثلةُ التَّفسير على المعنى:

- ‌الأول: التفسيرُ باللاّزمِ:

- ‌الثاني: التفسيرُ بالمثالِ:

- ‌الثالث: ذكر النُّزول:

- ‌خاتمة البحث

- ‌فهرس القواعد العلمية

- ‌فهرس مسائل الكتاب العلمية

- ‌المراجع والمصادر

الفصل: ‌طريقة السلف في التفسير اللغوي:

ومن الأمثلةِ التي وقعَ فيها الخلافُ بين هؤلاءِ في طبقاتِهم الثَّلاثِ، اختلافُهم في لفظ «عسعس» في قوله تعالى:{وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} [التكوير: 17]، فقد ورد عنهم في ذلك معنيان:

الأول: والليلِ إذا أدبر، وبه قال عليُ بنُ أبي طالبٍ (ت:40)، وابنُ عباسٍ (ت:68)، والضَّحَّاكُ بنُ مزاحمٍ (ت:105)، وقتادةُ (ت:117)، وابنُ زيدٍ (ت:182).

الثاني: والليل إذا أقبل، وبه قال مجاهدٌ (ت:104)، والحسنُ البصريُّ (ت:110)، وعطيةُ العوفيُّ (ت:111) (1)، كما رواه عنهم الطبريُّ (2).

والأمثلةُ ـ من هذا النَّوعِ ـ التي تدلُّ على اعتمادِ السَّلفِ على اللُّغةِ في بيانِ القرآنِ كثيرةٌ جداً، والمقصودُ هاهنا ذِكْرُ المثالِ.

‌طريقة السَّلفِ في التَّفسير اللُّغويِّ:

كانَ البيانُ اللَّفظيُّ في تفسيرِ السَّلفِ واضحاً، وهو أحدُ طرقِ البيانِ عن التَّفسيرِ، كما سيأتي، وهذا النَّوعُ هو الأصلُ في البيانِ عن المعاني، والمرادُ به تفسيرُ اللَّفظِ بما يطابقهُ من لغةِ العربِ، مع ذكرِ الشَّواهدِ إن وُجِدَتْ، وهذا ما يمكنُ أن يُصطلَح عليه بالتَّفسير اللَّفظيِّ.

هذا، وقد برزَ عندَ السَّلفِ الاهتمامُ بالمدلولِ السِّياقيِّ للَّفظِ، وهذا موجودٌ عندهم في كتبِ الوجوهِ والنَّظائرِ.

وسيكونُ الحديثُ عن هذينِ النَّوعينِ مفصَّلاً ـ إنْ شاءَ اللهُ تعالى ـ على النَّحوِ الآتي:

الأسلوب الأول: أسلوبُ التَّفسيرِ اللَّفظيِّ.

الأسلوب الثاني: أسلوبُ الوجوه والنَّظائر.

(1) عطية بن سعد بن جنادة، العوفي، الجدلي، الكوفي، المفسِّر، وهو ضعيف الحديث، وقد روى التفسير عن ابن عباس، وله أقوال في التفسير، ورأيه وروايته مدونة في كتب التفاسير، توفي بالكوفة سنة (111). انظر: طبقات ابن سعد (6:304)، وميزان الاعتدال (3:79).

(2)

انظر أقوالهم في تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:78 - 79).

ص: 67

الأسلوبُ الأول

أسلوب التَّفسير اللَّفظيِّ

أسلوبُ التَّفسيرِ اللَّفظيِّ (1): أن يكون اللَّفظ المفسِّرُ مطابقاً لِلَّفْظِ المفسَّرِ، مع الاستشهاد عليه ـ أحياناً ـ من لغة العرب شعراً أو نثراً.

ولقد كان لهذا الأسلوبِ مكانُه في تفسيرِ السَّلفِ، ومن خلال استقراء تفسيرهم في تفسير الطبريِّ (ت:310) وغيرِه، وجدتُ أنَّ لهم في البيانِ اللُّغويِّ للقرآنِ ـ على هذا الأسلوبِ ـ طريقينِ:

الأولُ: أنْ يذكروا معنى اللَّفظَةِ في اللُّغةِ دونَ أنْ ينصُّوا على ما يدلُّ عليها من شعرٍ أو نثرٍ.

الثاني: أن ينصُّوا على الاستدلالِ بلغةِ العربِ في تفسيرِ اللَّفظةِ، وهو قسمانِ:

القسمُ الأولُ: أنْ يستشهدوا بالشِّعرِ.

القسم الثاني: أنْ يستشهدوا بالنَّثرِ، وهو نوعانِ:

النَّوعُ الأولُ: أنْ ينصُّوا على لغةِ القبيلةِ التي نزلَ القرآنُ بلفظِها.

النَّوعُ الثاني: أنْ يَرجعوا إلى منثورِ كلامِهِم دونَ أنْ ينصُّوا على لغةِ قبيلةٍ بعينِها.

وإليكَ بيان هذه الأقسامِ بأمثلتِها من تفسيرِ السَّلفِ:

(1) لقد كان هذا الأسلوبُ يغلبُ على كتبِ غريبِ القرآنِ وكتبِ معاجم اللغة التي كتبت في دلالات الألفاظ؛ ككتاب العين، وجمهرة اللغة، ومجمل اللغة، وغيرها.

ص: 68

أولاً: الطَّريقُ الأولُ:

أنْ يذكروا معنى اللَّفظِ في اللُّغةِ، دونَ أنْ ينصُّوا على ما يدلُّ عليه من شعرٍ أو نثرٍ.

وهذا هو الأغلبُ فيما ورد عنهم من تفسيراتِهم اللُّغويَّةِ، إذ يَنُصُّ المفسِّرُ منهم على معنى اللَّفظِ، دون أن يستشهد لتفسيره هذا، ومن أمثلةِ ذلك ما يلي:

1 -

أخرجَ الطَّبريُّ (ت:310) عن عمرَ بنِ الخطابِ (ت:23) أنه سُئلَ عن قولِ اللهِ عز وجل: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} [التكوير: 7]، قال:«يُقرنُ بينَ الرَّجلِ الصَّالحِ مع الصَّالِح في الجنَّةِ، وبَين الرَّجلِ السُّوءِ مع الرَّجلِ السُّوءِ في النَّارِ» (1).

فقولُه: «يقرن» ، تفسيرٌ لمعنى التَّزويجِ في الآيةِ. وهذا هو أصلُ معنى اللَّفظِ لغويًّا. قالَ ابنُ فارسٍ (ت:395): «الزَّاءُ والواوُ والجيمُ: أصلٌ يدلُّ على مقارنةِ شيءٍ لشيءٍ» (2).

2 -

وردَ عن ابنِ عباسٍ (ت:68) في معنى «دِهَاقاً» من قولِه تعالى: {وَكَاسًا دِهَاقًا} [النبأ: 34] قال: «ملأى» (3).

وقد وردَ ذلك عن مجاهدٍ (ت:104)، والحسنِ البصري (ت:110)، وقتادةَ (ت:117)، وابنِ زيدٍ (ت:182) (4).

وفي أصلِ معنى هذهِ اللَّفظةِ، قالَ ابنُ فارسٍ (ت:395): «الدَّالُ والهاءُ والقافُ: يَدلُّ على امتلاءٍ في مجيءٍ وذهابٍ واضطرابٍ. يقالُ: أَدْهَقْتُ الكأسَ: ملأتُها، قال تعالى: {وَكَاسًا دِهَاقًا} [النبأ: 34]» (5).

(1) تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:69).

(2)

مقاييس اللغة (3:35).

(3)

تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:18 - 19).

(4)

تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:19).

(5)

مقاييس اللغة (2:307).

ص: 69

3 -

أخرجَ الطَّبري (ت:310) عن ابنِ عباسٍ (ت:68) في معنى «لا وَزَرَ» من قولِه تعالى: {كَلَاّ لَا وَزَرَ} [القيامة: 11] قال: «لا حِرز» . وفي رواية أخرى عنه: «لا حِصْنَ ولا مَلْجَأَ» (1).

ويجيء الوَزَرُ بمعنى: الشَّيء الذي يَلْجَأُ إليه الإنسانُ من حصنٍ أو جبلٍ أو معقلٍ (2). وهذا أحدُ معاني اللَّفظةِ في اللُّغةِ.

قالَ أحمدُ بنُ فارسٍ (ت:395): «الواوُ والزَّاءُ والرَّاءُ: أصلانِ صحيحانِ: أحدُهما: الملجأُ، والآخرُ: الثِّقَلُ في الشَّيءِ. الأولُ: الوَزَرُ: الملجأُ، قال تعالى:{كَلَاّ لَا وَزَرَ} [القيامة: 11]

» (3).

وقد ورد هذا التَّفسيرُ عن بعضِ السَّلفِ، منهم: سعيدُ بنُ جُبيرٍ (ت:94)، ومُطَرِّفُ بنُ الشِّخِّيرِ (ت:95) (4)، وأبو قِلابةَ الجرميُّ (ت:104) (5)، ومجاهدٌ (ت:104)، والضَّحَّاكُ (ت:105)، والحسنُ البصريُ (ت:110)، وقتادةُ (ت:117)، وابنُ زيدٍ (ت:182) (6).

ثانياً: الطريقُ الثاني:

أنْ يستدلوا لمعنى اللَّفظةِ من لغتِهِم. وذلك قسمانِ:

(1) ينظر الروايتين عنه في تفسير الطبري، ط: الحلبي (29:181).

(2)

ينظر في معنى الوزر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (29:181).

(3)

مقاييس اللغة (6:108).

(4)

مُطَرِّف بن عبد الله الشخير، أبو عبد الله البصري، تابعي عابد فاضل، روى عن عثمان وعلي، توفي سنة (95). ينظر: الجرح والتعديل (8:312)، وتقريب التهذيب (ص:948).

(5)

عبد الله بن زيد الجرمي، أبو قلابة البصري، روى عن سمرة وأنس بن مالك، طُلِبَ للقضاء فتغيب وتغرَّب عن وطنه، فنَزل داريا من أرض الشام، توفي سنة (104)، وقيل غيرها. ينظر: تاريخ داريا، لعبد الجبار الخولاني (ص:72 - 75)، وتذكرة الحفاظ، للذهبي (1:94).

(6)

ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (29:182 - 183).

ص: 70

القسمُ الأولُ: أنْ يستشهدوا لذلك بالشِّعرِ.

لقد كان الشِّعرُ ديوانَ العربِ، إذ فيه مخزونٌ من حضارتِهم ولغتِهم، وكانَ السَّلفُ يعمدونَ إلى تلك الأشعار العربيَّةِ فيستعينونَ بها في التَّفسيرِ، ولمْ تكنْ قليلةً، وإن كانت من أقلِّ الواردِ عنهم في التَّفسيرِ اللُّغويِّ، ومن الأمثلةِ الواردةِ عنهم في ذلك:

1 -

عن عكرمةَ (ت:105) أنَّ ابنَ عباسٍ (ت:68) سُئِلَ عن قولِه تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] قالَ: لا تلبسْها على غَدْرَةٍ ولا فَجْرَةٍ، ثمَّ قالَ: ألا تسمعون قولَ غيلانَ بنِ سلمةَ (1):

إني بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوبَ فَاجِرٍ

لَبَسْتُ، ولا مِنْ غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ (2)

وبهذا قال الفراء (ت:207): «لا تكن غادراً فتدنِّسَ ثيابَك، فإنَّ الغادرَ دَنِسُ الثيابِ» (3).

2 -

وعن عكرمةَ (ت:105)، عن ابنِ عباسٍ (ت:68) في قولِه تعالى: {فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} [النازعات: 14]، قال: «على الأرضِ.

(1) غيلان بن سلمة بن مُعْتِب بن مالك الثقفي، من شعراء الطائف، مخضرمٌ أدرك الإسلام. ينظر: طبقات فحول الشعراء (ص:269)، معجم الشعراء (ص:206).

(2)

أخرجه: سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير (ط: الحلبي: 29:145)، وابن أبي حاتم وابن الأنباري في الوقف والابتداء (ص:63)، وابن مردويه، من طريق عكرمة، ينظر: الدر المنثور (ط: دار الفكر: 8:326). وقد أخرجه ابن جرير من طريق العوفي عنه (29:144 - 145).

والبيت في تهذيب اللغة (6:127)، ولسان العرب وتاج العروس، مادة (طهر). وقد نُسِبَ البيت لغير غيلان، ينظر: المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية، د. إميل يعقوب (4:347).

(3)

معاني القرآن، للفراء (3:220). وينظر: مادة (ثوب) في لسان العرب وتاج العروس.

ص: 71

قال: فذكرَ شعراً قالُه أُميةُ بنُ أبي الصلتِ (1)، فقال (2):

عندنا صيد بحر وصيد ساهرة» (3).

هذا المعنى حكاهُ أهلُ اللُّغةِ، ومن ذلك ما ذكره ابن فارس (ت:395)، قال: «ويقالُ للأرضِ: السَّاهرةُ، سُمِّيتْ بذلك لأنَّ عملها في النَّبْتِ دائماً ليلاً ونهاراً (4)، ولذلك يقالُ: خيرُ المالِ عينٌ خرَّارَةٌ (5)، في أرضٍ خوَّارةٍ (6)، تسهرُ إذا نِمْتَ، وتشهدُ إذا غِبْتَ. وقال أُميةُ بنُ أبي الصلتِ:

وفِيهَا لَحْمُ سَاهِرَةٍ وَبَحْرِ

وَمَا فَاهُوا بِهِ لَهُمُ مُقِيمُ

وقالَ آخرُ ـ وذكرَ حميرَ وحشٍ ـ (7):

(1) عبد الله بن أبي ربيعة، من ثقيف بن بكر هوازن، شاعر جاهلي، وكان قرأ الكتب الدينية، وعلم بظهور نبي آخر الزمان، فكان يرجو أن يكونه، ولما ظهرت النبوة في محمد صلى الله عليه وسلم تنكر له، ولم يسلم، مات بالطائف سنة (8). ينظر: معجم الشعراء، لعفيف عبد الرحمن (ص:30).

(2)

البيت ورد في ديوان أمية بن الصلت، تحقيق: بشير يموت (ص:54)، كالآتي:

وفِيهَا لَحْمُ سَاهِرَةٍ وَبَحْرِ

وَمَا فَاهُوا بِهِ لَهُمُ مُقِيمُ

وقد استدلّ به الشعبي على معنى الساهرة، ولفظ الشعر عنده كلفظ الديوان، ينظر: الدر المنثور (8:408)، وفيه ذِكْرُ من أخرجه، وهم: ابن أبي شيبة (الكتاب المصنف: 1:475، 8:408) وعبد بن حميد. وكذا استدلَّ به عكرمة على المعنى نفسه، ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:36 - 37).

(3)

تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:36).

(4)

هناك وجهٌ آخر في سبب تسميتها بالساهرةِ ذكره الفراء، فقال:«وقولُ اللهِ عز وجل: {فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} [النازعات: 14]: وجه الأرض، كأنها سُميتْ بهذا الاسم؛ لأن فيها الحيوان: نومهم وسهرهم» . معاني القرآن، للفراء (3:232).

(5)

عين الماء الجارية، سُمِّيت خرَّارة؛ لخرير مائها، وهو صوته. ينظر: تهذيب اللغة (6:565).

(6)

قال أبو منصور الأزهري في تهذيب اللغة (7:551): «وأمَّا الأرض الخوَّارة: فهي اللينة السهلة» .

(7)

البيت لأبي كبيرٍ الهُذلي كما في ديوان الهذليين، ط: دار الكتب المصرية =

ص: 72

يَرْتَدْنَ سَاهِرَةً كَأَنَّ عَمِيمَهَا

وَجَمِيمَهَا أَسْدَافُ لَيلٍ مُظْلِمِ

ثمَّ صارت الساهرةُ اسماً لكلِّ أرضٍ. قال جل جلاله: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ *فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} [النازعات: 13، 14]» (1).

3 -

عن سعيدٍ بنِ جبيرٍ (ت:94) في قوله تعالى: {وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الحج: 36]، قال: «القانعُ: السائلُ الذي يسألُ، ثمَّ أنشدَ قولَ الشاعرِ (2):

لَمَالُ المَرْءِ يُصلِحُهُ فَيَبقَى

مُعَاقِرَهُ، أَعَفُّ من القُنُوعِ» (3)

وقد ورد هذا المعنى في اللُّغة، قال ابن فارسٍ (ت:395): «القافُ والنونُ والعينُ: أصلانِ صحيحانِ، أحدهما يدلُّ على الإقبالِ على الشيءِ، ثمَّ تختلفُ معانيه مع اتفاقِ القياسِ، والآخرُ يدلُّ على استدارةٍ في الشيءِ.

فالأولُ: الإقناعُ: الإقبالُ بالوجهِ على الشيءِ

ومن البابِ قَنَعَ الرجلُ يَقْنَعُ قُنُوعاً، إذا سألَ، قالَ اللهُ سبحانَهُ:{وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الحج: 36] فالقانعُ: السائلُ، وسُمِّيَ قانعاً؛ لإقباله على من يسأله، قال:

لمالُ المَرءِ يُصلِحُهُ فَيُغني

مَفَاقِرَهُ، أَعَفُّ من القُنُوعِ» (4)

= (ص:111)، وجاء في شرح البيت في ديوان الهذليين (ص:112) ما يأتي: «والجميم: النبت الذي قد نبت وارتفع قليلاً ولم يتمَّ كلَّ التمام، صار مثل الجُمَّةِ. والعميم: المُكْتَهِلُ التَّامُّ من النبت» .

(1)

مقاييس اللغة (3:108 - 109).

(2)

البيت للشماخ، وهو في ديوانه، تحقيق: صلاح الدين الهادي (ص:221). وقد بيَّن محقق الديوان اختلاف روايات هذا البيت وشرحه (ص:221 - 222).

(3)

ينظر: الدر المنثور (6:55)، وقد ذكر مخرجيه، وهم: ابن أبي شيبة (الكتاب المصنف: 8:516، 10:475) وعبد بن حميد.

(4)

مقاييس اللغة (5:33). وينظر مادة (قنع) في لسان العرب وتاج العروس.

ص: 73

4 -

وسُئل عكرمةُ (ت:105) عن الزَّنيمِ، فقالَ: «هو ولدُ الزِّنا، وتمثَّلَ بقولِ الشاعرِ (1):

زَنِيمٌ ليس يُعرَفُ من أَبُوهُ

بَغِيُّ الأُمِّ، ذو حَسَبٍ لَئِيمٍ» (2)

قال ابن فارس (ت:395): «الزَّاءُ والنُّونُ والميمُ: أصلٌ واحدٌ يدلُّ على تعلُّقِ شيءٍ بشيءٍ، ومن ذلك الزَّنيمُ، وهو الدَّعيُ

قال الشاعر في الزَّنيم (3):

زَنِيمٌ تَداعاهُ الرِّجَالُ زيادةً

كَمَا زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكَارِعُ» (4)

5 -

وعن الضَّحَّاكِ بن مزاحم (ت:105) في قوله تعالى: {بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَاسٍ مِنْ مَعِينٍ} [الواقعة: 18]، قال: «الأكوابُ: جِرارٌ ليس لها عُرىً. وهي في النِّبطِيَّة (5):

(1) البيت في تفسير الطبري، ط: الحلبي (29:25)، وفي تفسير القرطبي، ط: دار الكتب (1:25)، (18:234).

(2)

إيضاح الوقف والابتداء، لابن الأنباري (1:64).

وقد فسَّر ابن عباس الزنيم بأنه الملْزَق، وأنشد هذا البيت:

زَنِيمٌ تَدَاعَاهُ الرِّجَالُ زِيَادَةً

كَمَا زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكَارِعُ

ينظر: الكتاب المصنف، لابن أبي شيبة (8:529)، (10:475 - 476)، وإيضاح الوقف والابتداء (1:65).

(3)

ينظر البيت في مادة (زنم) في لسان العرب وتاج العروس. وذكر إميل يعقوب في المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية (4:284): أنَّ البيت في ديوان حسان بن ثابت، وهو منسوب في لسان العرب للخطيم التميمي، ولم أجد البيت في ديوان حسان، بتحقيق سيد حنفي حسنين.

(4)

مقاييس اللغة (3:29).

(5)

النبطيةُ لغةُ الأنباطِ، وهم من العربِ القدماء الذين سكنوا شمال الحجاز حتى تخوم سوريا، وكانت عاصمتهم البتراء، ومنهم أخذ عرب الجزيرة الكتابة التي تستعمل إلى اليوم. ينظر: الساميون ولغاتهم، للدكتور: حسن ظاظا (ص:96)، ومعجم الحضارات السامية، لهنري عبود (ص:839).

وليس يعني هذا أنَّ الكوبَ معرَّبٌ عن النبطيَّةِ؛ لأنَّ عربيَّة الجزيرة أقدم من الأنباط، وبما أنَّ الأنباطَ جزءٌ من قدماءِ العربِ الذين هاجروا إلى شمال الجزيرةِ، فإنَّ بقاءَ =

ص: 74

«كوبا» ، وإيَّاها عنى الأعشى (1) بقوله (2):

صَرِيفِيَّةً طَيِّبٌ طَعْمُهَا لَهَا

زَبَدٌ بَينَ كُوبٍ وَدَنِّ» (3)

وقال ابن فارسٍ (ت:395): «الكافُ والواوُ والباءُ: كلمةٌ واحدةٌ، وهي الكوبُ: القَدَحُ لا عُروَةَ له، والجمعُ: أكوابٌ، قال تعالى: {وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ} [الغاشية: 14]» (4).

6 -

وعن ابنِ زيدٍ (ت:182) في قوله تعالى: {نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} [الطور: 30]، قال: «الموت. قال الشاعرُ (5):

= بعضِ ألفاظهم العربيَّةِ التي كانوا يتداولونها قبل هجرتهم إلى شمال الجزيرةِ أمرٌ محتَّمٌ، واللهُ أعلمُ.

(1)

ميمون بن قيس بن جندل، أبو بصير الأعشى الكبير، أعشى بكر، شاعر جاهلي مشهور، أدرك الإسلام في آخر عمره، وقيل: لأنه وفد إلى النبي يريد الإسلام، فقيل له: إنه يحرم الخمر، فقال: أعود أتمتع بها سنة، ثم أسلم، فمات قبل أن يسلم في قرية من قرى اليمامة. ينظر: معجم الشعراء (ص:22)، ومعجم الشعراء الجاهليين (ص:23 - 24).

(2)

ورد البيت في ديوانه، تحقيق حنَّا نصر (ص:361)؛ كالآتي:

صَلِيفِيةً طَيِّباً طَعْمُهَا

لَهَا زَبَدٌ بَينَ كُوبٍ وَدَنِّ

والصليفية: الخمر المعتقة. والدنُّ: إناء فخاري تحفظ به الخمرة.

وورد البيت في العباب الزاخر، للصغاني، تحقيق: محمد آل ياسين (حرف الفاء: 346)، كما ذكره الضحاك، وقال الصغاني:«وقيل: جعلها صَرِيفِيةً لأنها أُخِذت من الدَّنِّ ساعتئذ كاللبن الصَّريف» .

(3)

تفسير الطبري، ط: الحلبي (27:174).

(4)

مقاييس اللغة (5:145)، وجاء في لسان العرب، مادة (كوب): «الكوبُ: الكوزُ الذي لا عُروةَ له، قال عديُ بنُ زيدٍ:

مُتَّكئاً تَصْفُقُ أَلْوَانُهُ

يَسْعَى بِهَا العَبْدُ بِالكُوبِ

والجمعُ أكوابٌ، وفي التنْزيلِ العزيزِ:{وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ} [الغاشية: 14]».

(5)

لم أجد هذا البيت، وقد ورد بيت يقاربه، وهو قول الشاعر:

تَرَبَّصَ بِهَا رَيبَ المَنُونِ لَعَلَّهَا

تُطَلَّقْ أو يَمُوتُ حَلِيلُهَا

وهو في تفسير ابن عطية، ط: قطر (14:66)، ولسان العرب وتاج العروس، مادة (ربص).

ص: 75

تَرَبَّصَ بِهَا رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّهَا

سَيَهْلَكُ عنها بَعلُهَا أَو تُسَرَّحُ» (1)

وللمنونِ في لغةِ العربِ معانٍ، منها المنيَّةُ [أي: الموت].

وقدْ أوردَ عبد الله بنُ بري المصريُّ اللُّغويُّ (ت:582)(2) عِدَّةَ شواهدٍ على أنَّ العربَ تطلقُ المنونَ على الموتِ.

ومن هذه الشَّواهدِ قولُ الشاعرِ (3):

لَقُوا أُمَّ اللُّهَيمِ فَجَهَّزَتْهُم

غَشُومُ الوِرْدِ نَكنِيهَا: المَنُونَا (4)

7 -

وعن السُّدِّيِّ (ت:128) في قوله تعالى: {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حْجِرٍ} [الفجر: 5]، قالَ: لِذِي لُبٍّ، قال الحارثُ بنُ ثعلبةَ (5):

وكيفَ رَجَائِي أنْ تَثُوبَ وإنما

يُرَجَّى مِنَ الفِتيَانِ مَنْ كَانَ ذَا حِجْرِ (6)

واللُّبُّ: العقلُ، قال ابن فارسٍ (ت:395): «والعقلُ يُسَمَّى حِجراً لأنه

(1) تفسير الطبري، ط: الحلبي (27:31).

(2)

عبد الله بن بري بن عبد الجبار، النحوي، اللغوي، المصري، كان جمَّ الفوائد، عالماً بكتاب سيبويه وعلله، وبغيره من الكتب، وكان يتصفح ديوان الإنشاء في الدولة المصرية، وكان قليل التصنيف، ومن كتبه المفيدة: حاشية على الصحاح، توفي سنة (582). ينظر: إنباه الرواة (2:110 - 111)، وإشارة التعيين في تراجم النحاة واللغويين، لعبد الباقي اليماني، تحقيق: عبد المجيد دياب (ص:161).

(3)

نُسِبَ في لسان العرب، مادة (منن) إلى ابن أحمر، وهو بلا نسبة في لسان العرب وتاج العروس مادة (لهم). قال إميل يعقوب:«ولم أقف عليه في ديوانه» . ينظر: المعجم المفصل (8:54). وقد ذكره إبراهيم الحربي في كتابه غريب الحديث (3:1222) ضمن أبيات أنشدها إياه أبو نصر.

(4)

لسان العرب، مادة (منن). ولهذه المادةِ أصلانِ: أحدهما يدلُّ على انقطاعٍ، ومنه المنية؛ لأنها تُنقِصُ العَدَدَ وتَقْطَعُ المُددَ، قاله ابن فارسٍ في مقاييس اللغة (5:267).

(5)

الحارث بن ثعلبة، لم أجد له ترجمة، وقد استشهد به الزمخشري في مادة (ثوب) في أساس البلاغة، وزاد في نسبته، فقال: الحارث بن ثعلبة الأزدي، والله أعلم.

(6)

إيضاح الوقف والابتداء، لابن الأنباري (1:75)، ولم أجد البيت عند غيره.

ص: 76

يمنعُ من إتيانِ ما لا ينبغي، كما سُمِّيَ عقلاً تشبيهاً له بالعِقَالِ، قال الله تعالى:{هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حْجِرٍ} [الفجر: 5]» (1).

ولهم في هذا القسم أمثلة أخرى (2)، وهي تدلُّ بمجموعها على أنَّ السَّلف اعتمدوا الشَّاهد الشِّعريَّ في التَّفسير، وسيأتي بيان ذلك، إن شاء الله.

القسمُ الثاني: أن يستشهدوا بالنَّثْرِ:

وهو نوعان:

النوعُ الأولُ: أنْ يَنُصُّوا على لغةِ القبيلةِ التي نزلَ القرآنُ بلفظِها (3).

نزل القرآنُ بجملةٍ من ألفاظِ قبائلِ العربِ، أمَّا أغلبُه فكانَ بلغةِ

(1) مقاييس اللغة (2:138).

(2)

من هذه الأمثلة:

1 -

عن ابن عباس في لفظ «يبدِّل الله» تفسير الطبري، ط: الحلبي (19:47)، ولفظ «مريج» تفسير الطبري، ط: الحلبي (26:150)، ولفظ «وسق» فضائل القرآن لأبي عبيد (ص:206)، والدر المنثور (8:458 - 459)، ولفظ «حفدة» الدر المنثور (5:149)، ولفظ «قسورة» تفسير الطبري، ط: الحلبي (29:169 - 170)، ولفظ «سريا» الدر المنثور (5:503)، ولفظ «ساق» الدر المنثور (8:254)، ولفظ «دارست» مصنف ابن أبي شيبة (10:476). ولا يخفى ما ورد عن ابن عباس من الشواهد الشعرية في سؤالات نافع الأزرق، وسيأتي الحديث عنها لاحقاً.

2 -

وعن سعيد بن جبير في لفظ «أُخفيها» الدر المنثور (5:563).

3 -

وعن مجاهد في لفظ «اللَّمم» تفسير الطبري، ط: الحلبي (27:66 - 67).

4 -

وعن عكرمة في لفظ «تعولوا» تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (7:550)، ولفظ «أفنان» تفسير الطبري، ط: الحلبي (27:147).

5 -

وعن ابن زيد في لفظ «السرد» تفسير الطبري، ط: الحلبي (22:67)، ولفظ «القاسطون» تفسير الطبري، ط: الحلبي (29:113)، ولفظ «جابوا» تفسير الطبري: الحلبي (30:179)، ولفظ «رحيق» تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:105).

6 -

عن مسلم بن جندب الهذلي لفظ «ردءاً يصدقني» الجزء الذي فيه تفسير يحيى بن اليمان (ص:44).

(3)

ينظر: في موضوع اللغات التي نزل بها القرآن: كتاب اللغات المسند إلى ابن عباس، =

ص: 77

الرسول صلى الله عليه وسلم: لغةِ قريشٍ؛ لذا كان المفسِّرونَ من السَّلفِ يُعيِّنونَ القبيلةَ التي نزل القرآنُ بلفظِها.

ولَعَلَّ هذا يُفسِّرُ ما وقعَ لبعضِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم من جهلِ شيءٍ من معاني ألفاظِه؛ كالذي وقعَ لعمرَ بنِ الخطابِ رضي الله عنه في عدمِ معرفتِه معنى «الأبِّ» من قوله تعالى: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [عبس: 31]، عن أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه قال:«قرأ عمرُ بنُ الخطابِ: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [عبس: 31]، ومعه عصا في يدِه، فقال: ما الأَبُّ؟، ثمَّ قالَ: بِحَسبِنَا ما قد عَلِمنَا، وألقى العصا من يدِه» (1).

والذي وقع لابن عباس (ت:68) في لفظ: فاطر السموات، فقد ورد عنه أنَّه قالَ:«كنتُ لا أدري ما فاطر السَّموات؟ حتى أتاني أعرابيَّان يختصمان في بئرٍ، فقال أحدهُما: أنا فطرتها، يقول: أنا ابتدأتها» (2).

ومن أمثلة ما فسَّروه بلغات العرب:

1 -

عن أبي الصَّلت الثقفي (3): «أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ ـ رحمةُ اللهِ عليه ـ قرأ هذه الآية: {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} [الأنعام: 125] بنصب الراءِ. قال: وقرأ بعض من عنده من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ضَيِّقاً حَرِجاً» (4).

= تحقيق: صلاح الدين المنجد، والإتقان في علوم القرآن، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم (2:89)، وكتاب معجم لغات القبائل والأمصار، للدكتور جميل سعيد وداود سلوم، ثُمَّ ينظر: من كتب في هذا الموضوع في كتاب معجم المعاجم، لأحمد الشرقاوي إقبال (ص:16 - 17).

(1)

تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:59).

(2)

فضائل القرآن، لأبي عبيد (ص:206)، وينظر: غريب الحديث، له، تحقيق: حسين محمد محمد شرف (5:412)، والدر المنثور (7:3).

(3)

أبو الصلت الثقفي، روى عن عمر رضي الله عنه، وعنه عبد الله بن عمار اليمامي، وهو مقبول، ينظر: الجرح والتعديل (9:394) وتقريب التهذيب (ص:1163).

(4)

قرأ بكسر الراء نافع وعاصم من رواية أبي بكر شعبة، وقرأ الباقون بالفتح، ينظر: إعراب القراءات السبع وعللها، لابن خالويه (1:169).

ص: 78

قالَ صفوانُ (1): فقالَ عمرُ: أَبغُوني رَجُلاً من كِنَانةَ، واجعلوه راعيَ غنمٍ، وليكن مُدْلِجياً (2). قالَ: فأتوا به. فقالَ عمرُ: يا فتى ما الحرجةُ؟

قالَ: الحرجةُ فينا: الشَّجرةُ تكونُ بينَ الأشجارِ التي لا تصلُ إليها راعيةٌ ولا وَحْشِيَّةٌ ولا شيءٌ.

قالَ عمرُ: كذلك قلبُ المنافقِ لا يَصِلُ إليه شيءٌ من الخيرِ» (3).

وقد قالَ محمود شاكر في تعليقِه على هذا الأثرِ: «وهذا خبرٌ عزيزٌ جداً في بيانِ روايةِ اللُّغةِ وشرحِها، وسؤالِ الأعرابِ والرُّعاةِ عنها» (4).

2 -

وعن عكرمةَ (ت:105)، عن ابنِ عباس (ت:68) في قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ} [النجم: 61] قالَ: «هو الغِناءُ. كانوا إذا سَمِعُوا القرآنَ تَغَنَّوا ولَعِبُوا، وهي لغةُ أهلِ اليمنِ. قالَ اليمانيُ: اسْمُد» (5).

(1) لم يتبيَّن لي من صفوان هذا، إذ فيه عدد ممن له صحبة بهذا الاسم، ولعله اسم أبي الصلت الثقفي، لكن لم أجد في المراجع ما يؤيد ذلك، والله أعلم.

(2)

أي: من بني مدلجٍ، وبنو مُدْلِجٍ قبيلةٌ من كنانة، ومدلجٌ: هو ابن مرة بن عبد مناة بن كنانة. ينظر: تاج العروس مادة (دلج).

(3)

تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (12:104) والأثر فيه عبد الله بن عمار، يروي عن أبي الصلت، وهو مجهول. ينظر: تقريب التهذيب (ص:528)، ثُمَّ ينظر: تفسير القرطبي، ط: دار الكتب المصرية (10:111)، فقد أورد مثالاً آخر لعمر رجع فيه إلى لغة هذيل، وذلك في معنى التَّخَوُّف من قوله تعالى:{أَوْ يَاخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ} [النحل: 47].

(4)

ينظر: حاشية رقم 4 من تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (12:104).

(5)

تفسير الطبري، ط: الحلبي (27:82). وقد رواه بسندين آخرين عن عكرمة (27:82،83). وأخرجه أبو عبيدٍ في غريب الحديث، تحقيق: حسين محمد محمد شرف (4:373)، وينظر: الدر المنثور (7:667)، فقد ذكر مخرجيه، وهم: عبد الرزاق (تفسيره بتحقيق قلعجي 2:206)، والفريابي، وأبو عبيد في فضائله (ص:205)، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي (تحقيق: عمرو عبد المنعم، ص:42، 43) والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه (10:223). =

ص: 79

كذا ورد عن ابن عباس رضي الله عنه، وقد نقلَ عنه أهلُ اللُّغةِ هذا المعنى، قالَ الزَّبِيدي (ت:1205) (1): «سَمَدَ سُمُوداً: غَنَّى. قالَ ثعلبٌ (2): وهي قليلةٌ، وقوله عز وجل:{وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ} [النجم: 61] فُسِّرَ بالغناءِ، ورُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ أنه قال: السُّمودُ: الغناء بلغةِ حِمْيَرَ (3).

وزاد في الأساس (4)؛ لأن المُغَنِّيَ يرفعُ رأسَه ويَنْصِبُ صدرَه، ويقال للقينة: اسمُدينا؛ أي: ألهينا بالغناءِ» (5).

وقال ابنُ دُرَيْدٍ (ت:321)(6): «والسامدُ: اللاهي، سَمَدَ يَسْمَدُ سُمُوداً، لغةٌ يمانيةٌ، يقولون للقينة: اسْمدينا؛ أي: ألهينا.

= وورد عن عكرمة أنها بلغة حِمْيَر، وهم من اليمن، ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (27:82، 83).

(1)

محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسني، أبو الفيض، السيد المرتضى، الزَّبيدي، المصري، اللغوي، صاحب تاج العروس من جواهر القاموس. توفي سنة (1205). ينظر: عجائب الآثار، للجبرتي (2:103 - 114)، والأعلام، للزركلي (7:297 - 298).

والزَّبيدي: نسبة إلى زَبيد، وهو وادٍ بقرية الحُصَيب، غلب اسمه عليها، وهو علم مرتجل لهذا الموضع. ينظر: معجم البلدان (3:131).

(2)

أحمد بن يحيى، أبو العباس، النحوي، اللغوي، الكوفي.

(3)

حمير: قوم من عرب جنوب الجزيرة العربية، وعاصمتهم ظفار، ولحنُهم يختلفُ عن لحنِ غيرهم من العربِ، ومن ذلك القصة المشهورة في دخول عربي من شمال الجزيرة على ملكهم، وكان في مكان عالٍ، فقال له: ثِبْ، فوثب العربي، فتكسَّر، فسأل الملك عنه، فأُخبِر بلغة العرب، فقال: ليس عندنا عربيَّت، من دخل ظفار حمَّرَ. ينظر: القاموس المحيط، مادة (حمر)، والساميون ولغاتهم (ص:112، 115).

(4)

ينظر: أساس البلاغة، للزمخشري، مادة (سمد).

(5)

تاج العروس، مادة (سمد).

(6)

محمد بن الحسن بن دريد، أبو بكر الأزدي، من أزد عُمَان. توفي سنة (321). ينظر: مراتب النحويين (ص:135 - 136)، وطبقات النحويين واللغويين (ص:183 - 184).

ص: 80

وقد رُوِيَ هذا البيتُ في شعرِ عادٍ (1) ـ ولا أدري ما صحته، وقد احتج به العلماءُ ـ:

قَيْلُ، قُمْ، فانظُرْ إليهم،

ثُمَّ دَعْ عَنْكَ السُّمُودا

قَيْلُ: اسمُ رجلٍ، وجاء في القرآن:{وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ} ، قال أبو عبيدةَ: لاهون (2)، والله أعلم» (3).

وقال نَشْوَانُ الحِمْيَرِي (ت:573)(4): «السَّمود: اللَّهوُ والغِناءُ، يقال: سَمَدَتِ القَينَةُ: إذا غنَّتْ، بِلُغَةِ حِمْيَرَ. والسَّامدُ: اللاهي، قال تعالى: {وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ} [النجم: 61]: لاهون» (5).

3 -

وعن ابن عباسٍ «أنه أبصرَ رجلاً يسوقُ بقرةً، فقالَ: من بعلُ هذه؟ فدعاه، فقالَ: ممن أنت؟ قالَ: من أهلِ اليمنِ.

فقال: هي لغةُ {أَتَدْعُونَ بَعْلاً} [الصافات: 125]؛ أي: ربّاً» (6).

(1) نُسِبَ هذا البيتُ لِهُزَيْلَةَ بنتِ بكرٍ كما في تاج العروس، مادة (سمد)، والبيت في تهذيب اللغة (12:378)، ومقاييس اللغة (3:100)، والمعجم المفصل في شواهد العربية (2:215).

(2)

مجاز القرآن (2:239).

(3)

جمهرة اللغة (2:648).

(4)

نشوان بن سعيد الحميري، اليمني، اللغوي، استولى على قلاع وحصون، وقدَّمه أهل جبل صَبِرٍ حتى صار ملكاً عليهم، وله تصانيف من أجلِّها: شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكَلوم، وهو مرتب على وزن الكلمة، توفي سنة (573). ينظر: معجم الأدباء (19:217 - 218)، وإشارة التعيين (ص:362).

(5)

شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم، لنشوان الحميري، ط: عالم الكتب، بيروت (2:423). وينظر: غريب الحديث، للحربي (2:520 - 521)، وديوان الأدب، للفارابي، تحقيق: أحمد مختار عمر (2:105)، وكتاب الأفعال، للسرقسطي، تحقيق: حسين محمد شرف (3:535).

(6)

ينظر: الدر المنثور (7:119)، وقد ذكر أن ابن أبي حاتم وإبراهيم الحربي قد أخرجاه. وقد أورد في الصفحة نفسها روايتين عن ابن عباس، وهما مشابهتان لهذه الرواية. =

ص: 81

وهذا يعني أنَّ معنى {بَعْلاً} : رَبًّا، وقد ورد هذا المعنى في كتبِ أهلِ اللُّغةِ، ومن ذلك ما ورد في لسان العرب: «وَبَعْلٌ والبَعْلُ جميعاً: صَنَمٌ، سُمِّيَ بذلك لعبادتهم إيَّاه كأنه ربهم، وقوله عز وجل:{أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ} [الصافات: 125]، قيلَ: معناهُ: أتدعونَ رَبًّا، وقيلَ: هو صنمٌ، يقال: أنا بَعْلُ هذا الشيءِ؛ أي: ربُّه ومالِكُه؛ كأنَّه قالَ: أتدعونَ رَبًّا سوى اللهِ (1).

ورُوِيَ عنِ ابنِ عباسٍ أنَّ ضَالَّةً أُنْشِدتْ، فجاء صاحبُها، فقالَ: أنا بَعْلُها؛ يُريدُ: رَبَّها، فقالَ ابنُ عباسٍ: هو مِنْ قولِ اللهِ: {أَتَدْعُونَ بَعْلاً} [الصافات: 125]؛ أي: رَبًّا.

ووردَ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ مرَّ برجُلينِ يختصمانِ في ناقةٍ، وأحدُهما يقولُ: أنا بَعْلُها؛ أيْ: مالكُها وربُّها.

=

وفي تفسير الطبري، ط: الحلبي (23:92) رواية أخرى عنه من طريق عبد الله بن أبي يزيد، قال:«كنت عند ابن عباس، فسألوه عن هذه الآية: {أَتَدْعُونَ بَعْلاً} [الصافات: 125] قال: فسكت ابن عباس، فقال رجل: أنا بعلها، فقال ابن عباس: كفاني هذا الجواب» .

وعن قتادة أن «بعلاً» بمعنى: ربًّا، بلغة أَزْدِ شَنُوءة، ينظر: الدر المنثور (7:119).

(1)

من العجيبِ أنَّ لفظَ «بعل» يكثرُ في اللُّغاتِ التي سكنت الشامَ، لذا تجدُ من الأسماءِ ما يبتدئ بهذا اللَّفظِ؛ كبعلبك، وبعل صفون، وبعل صور، وغيرها، وهو يرجع في هذه اللغات إلى معنى السيد أو الملكِ كما هو في العربيَّةِ، ويظهرُ ـ والله أعلم ـ أنه كان يُطلقُ على الآلهةِ التي كانتْ تعبدُ من دون الله، كما هو الحالُ في قومِ إلياس عليه السلام الذين عبدوا البعلَ من دونِ اللهِ، وهذه لمحةٌ تحتاجُ إلى زيادةِ تحريرٍ، واللهُ الموفقُ.

ينظر ـ مثلاً ـ: معجم الحضارات السامية، لهنري عبودي (ص:229 - 223).

وهذا الكتابُ وأشباهه ليس عمدةً في تحليلِ هذه المعاني؛ لأنه يعتمدُ في تحليلِها ومعرفةِ تاريخها على العبريةِ المعاصرةِ وعلى تراثِ اليهودِ، ودراساتِ العلمانيينَ للتاريخِ القديمِ وللأديانِ، وهذا يجعلُ بحثه غيرَ محايدٍ، وينقصه الكثيرُ من التحقيقِ، خاصَّةً أنه لا يعتمدُ على مصادرِ المسلمين الثابتة (الكتاب والسنة)، ولا على لغةِ العربِ في بيانِ كثيرٍ من غوامضِ مفرداتِ اللُّغاتِ القديمةِ وتاريخها.

ص: 82

وقولُهم: مَنْ بَعْلُ هذهِ النَّاقةِ؛ أيْ: مَنْ رَبُّها وصاحبُها» (1).

4 -

وعنْ مجاهدٍ (ت:104) في قولِهِ تعالى: {إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ} [الهمزة: 8]» قالَ: «هي بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، أَوْصَدَ البابَ: أغْلَقَهُ» (2).

وهذا المعنى الذي فسَّرَ بِهِ مجاهدٌ (ت:104) هو معنى هذا اللَّفظِ في لغةِ العربِ، قال ابنُ فارسٍ (ت:395): «الواوُ والصَّادُ والدَّالُ: أصلٌ يدلُّ على ضَمِّ شيءٍ إلى شيءٍ، أَوْصَدتُ البابَ: أغلقتُه

والمُوصَدُ: المُطْبَقُ، وقال تعالى:{إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ} [الهمزة: 8]» (3).

ولم أجد ـ فيما وقفتُ عليه ـ أحداً من اللُّغويينَ نَصَّ على أنَّ هذه اللفظةَ مُختصَّةٌ بقريشٍ، ومجاهد (ت:104) عاش في مَكَّةَ، وهو ينقل هذا عن سماعٍ، ولذا فإنَّ تحديده هذا يُقبَلُ، والله أعلم.

5 -

وعن سعيدِ بنِ المسيبِ (ت:95) والزُّهْرِي (ت:124)(4) في قوله تعالى: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} [الماعون: 7]، قالا:«الماعونُ بلسانِ قريشٍ: المالُ» (5).

ولم أجدْ في كتبِ اللُّغةِ التي رجعتُ إليها من نَصَّ على أنَّ الماعونَ: المالُ.

(1) لسان العرب، مادة (بعل).

(2)

الدر المنثور (8:526)، وقد ذكر أنَّ ابن أبي حاتم أخرجه.

(3)

مقاييس اللغة (6:117).

(4)

محمد بن مسلم بن شهاب، ينظر في ترجمته: القسم المتمم لتابعي أهل المدينة من كتاب طبقات ابن سعد (ص:157 - 186)، وتذكرة الحفاظ (1:108 - 113).

(5)

أخرجه الطبري من طريق الزهري عنه، ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:319)، وقد أخرج أثر سعيد ـ أيضاً ـ ابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور (8:645). أمَّا أثر الزهري فقد أخرجه الطبري (30:319)، وابن خالويه في إعراب القراءات السبع وعللها، تحقيق الدكتور: عبد الرحمن العثيمين (1:20).

وينظر: تفسير لفظِ عضين، عن عكرمة، قال:«العَضْهُ: السِّحْرُ بلسان قريش» . تفسير الطبري، ط: الحلبي (14:66).

ص: 83

ومادةُ: (مَعَنَ) تحتملُ هذا المعنى الذي ذكراه، وقد وردَ أنَّ المَعْنَ: القليلُ من المالِ والكثيرُ من المالِ، ومنه قولهم: أمعنَ الرجلُ: إذا كَثُرَ مالُه، وأمعنَ: إذا قلَّ مالُه، وهو من الأضدادِ.

وقد ذُكِرَ أنَّ الماعونَ: الزكاةُ، وهي ترجعُ إلى معنى المالِ، وإن لم تكن نصّاً فيه (1)، والله أعلم.

6 -

وعنِ الحسنِ (ت:110)، قال:«كُنَّا لا ندري ما الأرائكُ؟ حتى لَقِينَا رجلاً من أهلِ اليمنِ، فأخبرنا أنَّ الأريكةَ عندهم: الحجلةُ فيها السريرُ» (2).

وكذا جاء في معاجم اللغة: والأريكةُ: سريرٌ في حجلةٍ، والجمعُ: أرِيكٌ وأرَائِكُ، وفي التَّنْزِيل:{عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ} [يس: 56]، قال المفسِّرون: الأرائكُ: السُّرُرُ في الحِجَالِ» (3).

7 -

وعن الضَّحَّاكِ (ت:105) في قوله تعالى: {وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} [القيامة: 15] قال: «سُتُورَهُ، أهلُ اليمنِ يُسمُّونَ السِّتْرَ: المِعْذَارَ» (4).

وقد نقلَ هذا المعنى بعضُ أهلِ اللُّغةِ، قالَ ابنُ دريدٍ (ت:321): «وفسَّرَ قومٌ قولَه جلَّ ثناؤه: {وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} [القيامة: 15] قالوا: السِّتر، لغةٌ أَزْدِيةٌ، الواحدُ: مِعْذَارٌ.

قال الشاعرُ (5):

(1) ينظر: مادة (معن) في لسان العرب، وتاج العروس.

(2)

فضائل القرآن، لأبي عبيد (ص:205)، وينظر تفسير الطبري، ط: الحلبي (23:20 - 21). والحجلة: «موضع يزين بالثياب والستور للعروس» القاموس المحيط: مادة (حجل).

(3)

ينظر مادة (أر ك) في تهذيب اللغة (10:354)، ومجمل اللغة (1:92 - 93)، والصحاح، ولسان العرب، وتاج العروس.

(4)

فضائل القرآن لأبي عبيد (ص:205).

(5)

لم أجد هذا البيت في غير الجمهرة، ولم يُشِرْ محقق الجمهرة إليه، مما يدلُّ على أنه لم يجده في غير الجمهرة، والله أعلم.

ص: 84

لَمَحَتْ لَمْحَةً كجانب قَرْنِ الـ

ـشَّمْسِ بين القِرَامِ والمِعْذَارِ

والقِرَامُ: سِتْرٌ رَقِيقٌ» (1).

وقال رضيُّ الدِّين الصَّغَانِيُّ (ت:650)(2): «والمِعْذَار: السِّترُ في لغةِ قومٍ من اليمنِ، وعلى ذلك فسَّرَ بعضُ المفسرين قوله تعالى: {وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} [القيامة: 15] قال: معناه: أَرْخَى سُتُورهُ» (3).

وتتبع الأمثلة الواردة عن السلفِ في هذا النوعِ يطول، وهي منثورةٌ في المرويِّ عنهم، وفيما ذكرتُه غُنيةٌ في بيانِ الموضوعِ (4)، والله الموفق.

(1) جمهرة اللغة (2:692).

(2)

الحسن بن محمد بن الحسن بن حيدر، رضي الدين، أبو الفاضل الصغاني، اللغوي، الأديب، ولد بمدينة «لوهور» من الهند، ونشأ بغزنة، ونسبته إلى «جغانيان» من بلاد ما وراء النهر، وتبدل جيمها صاداً في العربية، والصغاني مشارك في عدة علوم، وأكثرها: اللغة، الحديث، وله من المؤلفات: التكملة والذيل والصلة، وهو تكملة لصحاح الجوهري، وشرح الجامع الصحيح للبخاري. توفي الصغاني سنة (650). ينظر: مقدمة محقق العباب الزاخر واللباب الفاخر، للمحقق: محمد آل ياسين.

(3)

التكملة والذيل والصلة، للصاغاني، مادة (عذر). وينظر هذه المادة في لسان العرب وتاج العروس.

(4)

ينظر أمثلة أخرى عنهم فيما يأتي:

1 -

عن ابن عباس في لفظ «وفومها» : الجزء الذي فيه تفسير يحيى بن اليمان وغيره، تحقيق: حكمت ياسين (ص:45)، ولفظ «كنود»: الدر المنثور (8:603).

2 -

عن قتادة في لفظ «ضريع» : الدر المنثور (8:492).

3 -

عن الضحاك في لفظ «وزر» : تفسير الطبري، ط: الحلبي (29:183).

4 -

عن ابن زيد في لفظ «وطلح منضود» : تفسير الطبري، ط: الحلبي (27:182)، =

ص: 85

النوع الثاني: أن يرجعوا إلى منثورِ كلامِهم، دونَ أن ينصُّوا على لغةِ قبيلةٍ بعينِها.

يعتمدُ المفسِّرُ في هذا النَّوعِ على شيءٍ من كلامِ العرب المنثورِ، أو ينصُّ على أنَّ هذا من لغةِ العربِ، ومن أمثلةِ ذلك:

1 -

عن ابنِ مسعودٍ (ت:35) في قولِه تعالى: {خِتَامُهُ مِسْكٌ} [المطففين: 26] قال: «إنه ليسَ بالخَاتِمِ الذي يختمُ، أمَا سمعتُمُ المرأةَ من نسائِكُم تقولُ: طِيبُ كذا وكذا خِلْطُهُ مِسْكٌ» (1).

2 -

وعن ابن عباس (ت:68) في قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4]، قال:«مِنَ الإثمِ، ثُمَّ قالَ: نَقِيُّ الثِّيابِ في كلامِ العربِ» (2).

والمراد بقوله: «نقيُّ الثِّياب» ؛ أي: أنَّ فِعْلَه فعلٌ محمودٌ.

وقد ورد في اللُّغةِ: «فلانٌ دَنِسُ الثِّيابِ: إذا كان خبيث الفعلِ والمذهبِ خبيث العِرْضِ، قال امرُؤ القيسِ (3):

ثِيَابُ بني عَوفٍ طَهَارَى نَقِيَّةٌ

وأَوجُهُهُم بِيضُ المَسَافِرِ غرَّانُ» (4)

=

وفي لفظ «عوان» : تفسير الطبري: تحقيق شاكر (2:195).

5 -

عن محمد بن عباد المخزومي في لفظ «سرياً» : الدر المنثور (5:502).

6 -

عن أبي ميسرة في لفظ «سيل العرم» : غريب الحديث، لابن قتيبة (1:325).

7 -

عن عكرمة في لفظ «ألَاّ تعولوا» : تفسير الطبري، ط: شاكر (7:550).

(1)

تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:106)، وينظر: غريب الحديث، للحربي (2:558).

(2)

تفسير الطبري، ط: الحلبي (29:145)، وقال قتادة في هذه الآية:«هي كلمة من العربية كانت العرب تقولها: طهِّر ثيابك؛ أي: من الذنوب» .

وفي رواية أخرى عن قتادة، قال:«طهِّرها من المعاصي، فكانت العرب تسمي الرجل إذا نكث ولم يَفِ بعهده أنه دَنِسُ الثياب، وإذا وَفَى وأصلح قالوا: مُطَهَّر الثياب» . ينظر: تفسير عبد الرزاق، تحقيق: قلعجي (2:262)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (29:145)، والدر المنثور (8:325).

(3)

امْرُؤُ القيس بن حُجْرٍ، أمير شعراء الجاهلية، وكان يريد الأخذ بثأر أبيه، فاستنجد بملك الروم، فأمَدَّهُ بالجيش، ثم ندم، فأرسل له حُلَّةً مسمومة، فلبسها، فتقرَّح بسببها، ومات في الطريق، توفي سنة (540م). ينظر: الشعر والشعراء، لابن قتيبة، تحقيق: أحمد شاكر (1:105 - 136)، ومعجم الشعراء (ص:29).

(4)

تهذيب اللغة (15:154).

والبيت في ديوان امرىء القيس، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم (ص:83).

ص: 86

3 -

وقالَ: «كنتُ لا أدري ما فاطر السماوات؟ حتى أتاني أعرابيانِ يختصمانِ في بئرٍ، فقالَ أحدُهما: أنَا فطرتها؛ يعني: أنا ابتدأتها» (1).

وقد ورد هذا عن بعض أئمة اللُّغة، قال ابن الأعرابي (ت:231): «أنا أولُ من فطر هذا؛ أي: ابتدأه» (2).

4 -

وعن مجاهد (ت:104) في قوله تعالى: {فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا} [العاديات: 2] قال: «المكرُ، تقولُ العربُ ـ إذا أرادَ الرجلُ أن يمكرَ بصاحبِه ـ: أمَا واللهِ لأقدحنَّ لك» (3).

وقد ورد في بعض كتبِ اللُّغةِ قريبٌ من هذا، يقال: قدح في ساق أخيه: إذا غشَّهُ، وعَمِلَ في شيءٍ يكرهه (4). كما ورد فيها: اقتدحَ الأمرَ: تدبَّرَهُ (5).

ولفظُ المكرِ فيه شيءٌ من معنى التَّدبرِ؛ إذ يشتركان في إعمال الفكر والتأمُّل، وإن كان المكرُ أخصَّ من التَّدبرِ.

5 -

وقال عكرمة (ت:105) في قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} [القلم: 42]: «إن العربَ إذا اشتدَّ القتالُ فيهم والحربُ، وعَظُمَ الأمرُ فيهم، قالوا لِشِدَّةِ ذلك: قد كشفتْ الحربُ عن ساقٍ، فذكرَ اللهُ شِدَّةَ ذلك اليوم بما يعرفون» (6).

(1) فضائل القرآن، لأبي عبيد القاسم بن سلام (ص:206) وقد سبق ذكر هذا الأثر، ينظر من هذا البحث (ص:80).

(2)

تهذيب اللغة (13:326)، وينظر في مادة (فطر): العين (7:418)، والصحاح، وديوان الأدب (2:111)، والمحكم، ولسان العرب، وتاج العروس.

(3)

الدر المنثور (8:602).

(4)

ينظر: مادة (قدح) في لسان العرب وتاج العروس.

(5)

ينظر: أساس البلاغة، مادة (قدح).

(6)

الدر المنثور (8:255). ويلاحظُ أنه قد وردت الروايةُ بهذا التفسير عن ابن عباس وتلاميذه، وهم قد حملوا الآية على هذا المعنى اللغويِّ، لأنه ـ والله أعلمُ ـ لم يَرِدْ =

ص: 87

6 -

وورد عن الحسنِ البصريِّ (ت:110) في قوله تعالى: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} [مريم: 24] أنه قال: «كان واللهِ سَرِيًّا [يعني: عيسى].

فقال له خالدُ بنُ صفوان (1): يا أبا سعيد، إنَّ العربَ تسمي الجدولَ: السَّرِيَّ. فقال: [أي: الحسن]: صدقت» (2).

والسَّريُّ بمعنى: السَّيدُ الشَّريفُ واردٌ في لغة العربِ، قال نشوان الحِمْيَرِي (ت:573): «والسَّرَاة: جمعُ سَرِيٍّ، وهو الفاضلُ» (3).

وأمَّا المعنى الآخرُ للسَّرِيِّ، وهو النَّهْرُ، فقال أبو بكر بن دريد الأزديُّ (ت:321): «والسَّرِيُّ: النَّهْرُ، هكذا فُسِّرَ في التَّنْزيل» (4).

والأمثلة الواردة عنهم في هذا كثيرة (5)، والله الموفقُ.

= إليهم التفسيرَ الشرعيَّ لهذه الآيةِ، وهو ما رواه أبو سعيد الخدري، قال:«سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد له في الدنيا رئاءً وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقاً واحداً» . أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: يوم يكشف عن ساق.

ينظر: فتح الباري، ط: الريان (8:532).

(1)

خالد بن صفوان بن عبد الله، أبو صفوان، الأهتم، البصري، أحد فصحاء العرب، وله في ذلك أحاديث، وكان مشهوراً برواية الأخبار، وله وعظٌ لبعض الخلفاء من بني أمية، وكان يجالس هشام بن عبد الملك وخالداً القسري. ينظر: تهذيب تاريخ دمشق، لابن بدران (5:56 - 66).

(2)

فضائل القرآن، لأبي عبيد (ص:207)، وتهذيب تاريخ دمشق (5:60)، وينظر استدراك حميد بن عبد الرحمن الحميري على الحسن البصري في اللفظة نفسها في كتاب المعرفة والتاريخ، للفسوي، تحقيق: أكرم العمري (2:67)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (16:70).

(3)

شمس العلوم (2:381)، وينظر مادة (سرا) في لسان العرب وتاج العروس.

(4)

جمهرة اللغة (2:725). وينظر مادة (سرا) في كلٍّ من: الصحاح، وديوان الأدب، للفارابي (4:52)، والتكملة والذيل والصلة، للصاغاني، ولسان العرب، وتاج العروس.

(5)

ينظر من الأمثلة في ذلك:

1 -

عن ابن عباس في قوله: {وَكَاسًا دِهَاقًا} : صحيح البخاري (فتح الباري: 7:183) والدر المنثور (8:398). =

ص: 88