الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خاتمة البحث
الحمد لله الذي منَّ علي بختام هذا البحث المبارك، وأسأله أن يمنَّ علي بختام الحياة خيراً.
وبعد:
إنَّ موضوعَ التفسيرِ اللُّغويِّ موضوعٌ طويلٌ لا تستوعبُه مثلُ هذه الرسالةِ التي أراها قصَّرتْ في كثيرٍ من مسائِله المطروحةِ؛ لأنَّ الاستطرادَ في مناقشةِ هذه المسائلِ يحتاجُ إلى رسائلَ مستقلَّةٍ، وحسبي أنِّي فتحتُ بابَه وأشرتُ إلى شيءٍ من رؤوس مسائله:
ومنْ هذه المسائلِ التي رأيتها جديرةً بالبحثِ:
1 -
الشاهدُ الشِّعريُّ وعلاقتُه بتفسيرِ القرآنِ (1).
2 -
الأساليبُ العربيَّةُ التي نزلَ بها القرآنُ وأثرها في التفسيرِ.
3 -
دلالةُ الصِّيَغِ وأثرُها في التفسيرِ.
4 -
مفهومُ التأويلِ والمجازِ وأثرُهما في التفسيرِ.
5 -
البحثُ اللُّغويُّ عند الأصوليين وأثره في التَّفسيرِ (2).
(1) سبق أن أشرت إلى رسالة للأستاذ محمد المالكي، وهي بعنوان: جهود الطبري في الدراسة الأدبية للشواهد الشعرية من خلال تفسيره، وقد اطلعت بعدها على كتاب: الشعر الجاهلي وأثره في تفسير معاني القرآن حتى نهاية القرن الثالث الهجري، للباحث: محمد محمد يوسف الجطلاوي، ولم يتيسَّر لي قراءتها.
(2)
قال علي بن عبد الكافي السبكي (ت:756): «
…
فإن الأصوليين دققوا في فهم =
ومن أبرزِ نتائجِ هذا البحثِ التي يحسنُ تدوينُها:
* أنَّ مفسِّري السلفَ قد سبقوا اللُّغويِّينَ في التفسيرِ عموماً، وهذه النتيجةُ مع يسرِها وسهولتِها، تجدُ من يغفلُ عنها عندَ بحثِه عن معاني ألفاظ القرآنِ، أو ألفاظِ اللُّغةِ، ويعمدُ إلى أقوالِ اللُّغويِّين الذين تأخروا عنهم وجاءوا بعدهم، وهذا فيه من القصورِ في البحثِ ما فيه.
* أنَّ التَّفسيرَ اللُّغويَّ جزءٌ من علمِ التَّفسيرِ، ولذا لا يمكنُ أن يخلوَ منه كتابٌ في التَّفسيرِ، إلَاّ أنْ يكونَ من التَّفاسيرِ المنحرفةِ التي لا تعتمدُ على لغةِ العربِ في بيانِ القرآنِ؛ كتفاسيرِ الباطنيَّةِ والصُّوفيَّةِ والفلاسفةِ وغيرها.
وأنَّه من أكبرِ مصادرِ التَّفسيرِ، وهذا ظاهرٌ لمنْ يقرأُ مدوَّناتِ التَّفسيرِ؛ كتفسيرِ الطَّبريِّ (ت:310)، وتفسيرِ ابن عطيَّةَ (ت:542) وغيرِهما.
وهذا يعني أنَّ المفسِّرَ يحتاجُ إلى تعلُّمِ اللُّغةِ خاصَّةً، ليُفيدَ في تفسيرِ القرآنِ، وفي بيانِ وجهةِ كثيرٍ من أقوالِ المفسِّرينَ، وفي بيانِ خطأ من خالفَ لغةِ العربِ وفسَّرَ بما لا يوجدُ فيها.
ولقدْ كانَ الطبريُّ بتحريراتِه اللُّغويَّةِ من أبرزِ المفسِّرينَ الذين يمكنُ أن
= أشياء من كلام العرب، لم يصل إليها النحاة ولا اللغويون، فإن كلام العرب متسع جداً، والنظر فيه متشعب، فكتب اللغة تضبط الألفاظ ومعانيها الظاهرة، دون المعاني الدقيقة التي تحتاج إلى نظر الأصولي، واستقراءٍ زائد على استقراء اللغوي.
مثاله: دلالة صيغة «اِفعل» على الوجوب و «لا تفعل» على التحريم، وكون «كل وأخواتها» للعموم، وما أشبه ذلك مما ذكر السائل أنه من اللغة، ولو فتشت كتب اللغة لم تجد فيها شفاءً في ذلك، ولا تعرُّضاً لما ذكره الأصوليون، وكذلك كتب النحو، لو طلبت معنى الاستثناء، وأن الإخراج، هل هو قبل الحكم أو بعد الحكم؟ ونحو ذلك من الدقائق التي تعرَّض لها الأصوليون، وأخذوها باستقراء خاصٍّ من كلام العرب، وأدلة خاصة لا تقتضيها صناعة النَّحو، فهذا ونحوه مما تكفَّل به أصول الفقه
…
». الإبهاج شرح المنهاج، للسبكي، تحقيق د. شعبان محمد إسماعيل (1:7 - 8)، نشر مكتبة الكليات الأزهرية، ط1، 1401 - 1981.
يُستدلَّ بهم في أهمية معرفةِ اللُّغةِ العربيَّةِ للمفسِّرِ، ولقد كانَ بتحريراتِه هذه في مصافِّ أقرانِه اللُّغويِّينَ الذي عاشوا في عصرِه، ومن العجيبِ أنَّ هذا العَلَمَ الجهبذَ لا يوجدُ عنه نقلٌ في مدوَّناتِ اللغة التي كُتِبتْ بعدهُ؛ كتهذيبِ اللُّغةِ ولسانِ العربِ وغيرِها، مع أنَّه كانَ في بغدادَ عاصمةِ العلمِ آنذاك، وكان معاصراً لجمعٍ من اللُّغويِّينَ الذينَ دوَّنوا اللُّغةَ، ونُقلتْ أقوالُهم، واعتُمدت، وأذكرُ ـ على سبيلِ المثالِ، لا الحصرِ ـ أبا الحسن عليَّ بنَ الحسنِ الهُنائيَّ، المشهورَ بكُرَاعِ النَّملِ (ت:310)، الذي ألَّفَ كتاب المنجدِ في اللغةِ، وكتاب المنتخب من غريب كلامِ العربِ، ولاحظَ محقِّقو هذين الكتابينِ أنَّ معاني بعضِ الألفاظ تحكى عنه دونَ غيرِه، فهو أعلى مصدرٍ في هذه المعلوماتِ، وينقُلها عنه المتأخِّرونَ على سبيلِ القبولِ، وأنَّ اسمَه كثيرَ التَّردُّدِ في كتابِ المحكمِ ولسانِ العربِ وغيرِهما (1).
فهذا العَلَمُ اللُّغويُّ المعاصرُ للطبريِّ (ت:310) قد حُكيتْ عنه معاني بعضِ الألفاظِ، أمَّا الطبريُّ (ت:310)، فيندرُ أنْ يُحكى اسمُه في كتبِ اللُّغةِ، وهذا يعني عدم اهتمامِ من ألَّفَ في اللُّغةِ بالنَّقلِ عن المفسِّرينَ.
وقد ظهرَ لي أنَّ هذه النَّتيجةَ تنساقُ على جلِّ المفسرِّينَ من السَّلفِ وغيرِهم، حيثُ يَقِلُّ ذكرُ أعيانِ مفسِّرِي السَّلفِ في كتبِ اللُّغويين، كما لم يستفيدوا ـ أي: أهل اللُّغةِ ـ من كتبِ الوجوهِ والنَّظائرِ التي دوَّنها أتباعُ التَّابعينَ، وفي ذلكَ قصورٌ لا يخفى على من تأمَّلَه.
* أنَّ أغلبَ البحثِ اللُّغويِّ في كتب اللُّغويِّينَ: من معاني القرآنِ، وغريبِه، ومعاجمِ اللُّغةِ، وغيرها من المدوناتِ اللُّغويَّةِ، كان منصباً على بيانِ معاني المفرداتِ.
(1) انظر: مقدمة محقِّقي كتاب المنجد في اللغة (ص:1)، ومقدمة محقق المنتخب من غريب كلام العرب (ص:9).
وقد ظهرَ لي أنَّ كتبَ معاجمِ اللُّغةِ، وكتبَ شروحِ الأحاديثِ والأشعارِ وغيرِها من الرَّسائلِ اللُّغويةِ الأخرى؛ ككتب الأضدادِ وغيرِها، ظهرَ لي أنها لا تختلفُ في منهجِ البحثِ عن كتبِ غريبِ القرآنِ، لذا، فإنه لو جُرِّدَ ما يتعلَّقُ بالتَّفسيرِ في هذه الكتبِ فإنَّها لا تعدو أنْ تكونَ كتاباً في غريبِ القرآن.
وتجريدُ ما يتعلَّقُ بالتَّفسيرِ من هذه الكتب مطلبٌ يحرصُ عليه الباحثُ في التَّفسيرِ؛ لأنَّه يقرِّبُ له المعلومةَ من مواضعَ لا يتوقَّعُ وجودها فيها، وهذا من البحوثِ اليسيرةِ المفيدةِ التي يمكنُ أن يقومَ بها طلَاّب الكلِّيَّةِ أو الدراساتِ العليا، يخرجونها ويقومون بدراستها، ومن ثَمَّ تُخرجُ في كتابٍ مستقلٍّ، والله الموفِّقُ.
* ومما ظهرَ لي في هذا البحثِ أنَّ الكتبَ التي درستُها في معاني القرآنِ، كانَ قصدُ مؤلِّفيها إبرازَ مذهبِهم النَّحويِّ، لذا طغتْ هذه البحوثُ النَّحويَّةُ على بيانِ المفرداتِ في هذه الكتبِ.
* وقد ظهرَ لي أثرُ معتقدِ المؤلِّفِ على بحوثِه في التَّفسيرِ اللُّغويِّ، وأنَّ معرفَة هذا المعتقدِ ضروريَّةٌ للباحثِ، ويمكنُ أن يتتبَّعها من خلالِ كتاباتِ المؤلِّفِ.
كما ظهرَ لي في هذا المجالِ أنه لا يلزمُ أن يكونَ ما قيلَ في كتبِ التراجمِ من عقيدةِ المؤلِّفِ صحيحاً، بل قد يكونُ مما أُلصقَ به لسببٍ من الأسبابِ التي قد تخفى على الباحثِ، ولا يتبيَّنُ ردُّ هذه التُّهمةِ عنه إلَاّ بجردِ كتابِه وبيانِ ما قاله مما يخالفُ ما وُصِمَ به.
وأعيدُ هنا: أنَّ الباحثينَ بحاجةٍ إلى منهجٍ تطبيقيٍّ يبيِّنُ لهم سبيلَ الاستفادةِ من المعلومات التي تُذكرُ في تراجمِ بعض الأعلامِ؛ لأنَّ بعضهم يأخذُ هذه المعلوماتِ مسلَّماتٍ لا تقبلُ الجدلَ والنِّقاشَ، ويبني عليها نتائجَ لا يخالِفُها الصوابُ ـ غالباً ـ عند التنقيبِ والتَّحريرِ، وقد مرَّ في البحثِ أمثلةٌ لهذا، والله الموفِّقُ.
* لقد كان البحثُ في الاختلافِ بسببِ اللُّغةِ شيِّقاً في شقِّهِ الأوَّلِ، وهو بيانُ ما للاختلافِ بسبِبها من إثراء التَّفسيرِ، كما كانَ فيه معرفةُ وجهةِ الأقوالِ وأسبابِها، مما يجعلُ الباحثَ مدركاً للاختلافِ، وعارفاً بما يمكنُ حملُه على الآيةِ وما لا يمكنُ.
أمَّا الشِّقُ الثاني، وهو اتخاذُ اللُّغةِ طريقاً إلى الانحراف بالتَّفسيرِ، فكانَ موضوعاً صعباً، وهو محتاجٌ إلى دراسةٍ مستقلَّةٍ، أرى أنَّه لا بدَّ منها.
وقد ظهرَ لي في هذا المبحثِ أنَّ من أهمِّ أسبابِ الانحراف في التفسيرِ اللُّغويِّ الاعتمادَ على العقلِ المجرَّدِ، والانتصار للمذهبِ العقديِّ، وقد ساعدَ على ذلكَ سَعَةُ العربيَّةِ.
وإنَّ مما يدلُّ على هذه المسألةِ، ما أحدثَه بعضُهم من معانٍ لغويَّةٍ مولَّدةٍ، لا تعرفُها العربُ، ولم يكنْ من منطقِها، ومن أشهرِ الأمثلةِ عليها تفسيرُ معنى الاستواءِ بالاستيلاءِ.
* ولما كان هذا حالُ اللُّغةِ العربيَّةِ من السَّعةِ، صار فيها إثراءٌ للمعاني المحتملةِ في التَّفسيرِ، كما صارَ فيها طريقاً لإثباتِ بعضِ المبتدعةِ بدعَهم بها، وبهذا تكونُ سَعَةُ اللُّغةِ العربيَّةِ سلاحاً ذا حدَّينِ، لذا فإنَّ الأمرَ يحتاجُ إلى ضوابطَ يُتبيَّنُ بها معرفةُ الصَّحيحِ من السَّقيمِ من هذه المحتملاتِ اللُّغويَّةِ، وهذا ما بحثتُه في القاعدةِ الثانيةِ من (قواعد في التفسيرِ اللُّغويِّ)، وقد استنبطتُ لهذه المحتملاتِ ضوابطَ أرجو أن أكونَ قد وُفِّقتُ فيها إلى الصَّوابِ.
كما بيَّنتُ فيها أنَّ معرفَة اللُّغةِ العربيَّةِ ضروريٌّ لمعرفةِ مخالفةِ من يفسِّرُ القرآنَ بغيرِها، وأنَّها سلاحٌ يُشهرُ في وجهِ من يبتدعُ معاني لا تعرفها العربُ؛ ذلكَ لأنَّ القرآنَ عربيٌّ، ولا يمكنُ أن يُفسَّرَ بدلالةِ ألفاظِ غيرِها، وهذا فيه من التَّجنِّي والتَّقوُّلِ على الله بغيرِ علمٍ ما لا يخفى.
* وعقدت قاعدةً بعنوانِ: (لا يصح اعتمادُ اللُّغةِ دونَ غيرِها من المصادرِ التَّفسيريَّةِ)، وقد بيَّنتُ فيها أنَّه مع ما للُّغةِ من الأهميَّةِ في فهمِ القرآنِ والردِّ على انحرافاتِ بعضِ التَّفاسيرِ، فإنها لا تعتبرُ المصدرَ الوحيدَ، بل هناكَ ما يُقدَّمُ عليها عند الاختلافِ في فهم معنى الآيةِ، فسببُ النزولِ يبيِّنُ المعنى المحتملَ من دلالاتِ اللفظِ اللُّغويِّ، ولذا لا يصحُّ أن يُحملَ المعنى على غيرِ ما يدلُّ عليه سببُ النُّزولِ.
والمعنى الشَّرعيُّ مقدَّمٌ على المعنى اللُّغويِّ، إذا تعارضا في مثالٍ ما؛ لأنَّ الشارعَ معنيٌّ ببيانها، لا ببيانِ المعنى اللُّغويِّ.
وكذا تفسيرُ السَّلفِ يدلُّ على المعنى المراد من المعاني المحتملةِ، فما ناقضَه من المعاني رُدَّ، ولو كانَ لغويًّا، وقد بيَّنتُ هذا باستفاضةٍ في القاعدةِ الأولى:(كل تفسير لغوي وارد عن السلف يُحكم بعربيته، وهو مقدم على تفسير اللغويين)، وبيَّنتُ فيها أنَّ الواردَ عن السلف حجةٌ في بيان اللغةِ.
وقد بيَّنتُ في نهايةِ قاعدة: (لا يصحُّ اعتماد اللُّغةِ دونَ غيرِها من المصادرِ التَّفسيريَّةِ)، بيَّنتُ قاعدةً ناشئةً عنها، وهي: أنه ليس كلُّ ما وردَ في اللُّغةِ يلزمُ ورودُه في القرآنِ، وذكرتُ قولَ بعضِ العلماءِ في هذا، وما ردَّه بعضُهم من التَّفسيراتِ بناءً على هذه القاعدةِ.
* وفي القاعدة الرابعة بيَّنتُ أنَّه حينما يأتي تفسيرٌ عن السلفِ لا تجدُه في معاجم اللُّغةِ، فلا تتسرَّعَ في ردِّه؛ لأنَّه قد يكونُ فسَّرَه على المعنى لا على اللفظِ، أو يكونُ دلالةً لغويَّةً جهِلَها اللُّغويونَ ولم ينقلوها.
وبينتُ فيها أنَّه إذا كانَ التفسيرُ الواردُ عن السَّلفِ تفسيراً على المعنى، فإنه لا يخالفُ التفسيرَ على اللَّفظِ، ومن هذا المنطلقِ؛ فإنَّ معرفةَ طريقةِ السَّلفِ في التَّفسيرِ على المعنى نافعةٌ جدًّا لمن يقرأ في تفسيرهم؛ لأنَّه بمعرفةِ القارىء لهذا النوعِ من التَّفسيرِ تزولُ عنه مشكلاتٌ كثيرةٌ يراها في تفسيرِ السلفِ، قد يخطِّئها، ولو كان على علمٍ بطريقتِهم هذه، لسهُلَ عليه معرفةُ وجْهَةِ أقوالِهم، ومعرفةُ مخرجها وسبب ذلكَ التَّفسيرِ، وبهذا يكونُ قد أراحَ نفسَه من عناءِ التَّخطئةِ، وتكلُّفِ الرَّدِّ.
وأخيراً:
هذه جملةٌ من نتائجِ البحثِ، وهناك غيرُها من النتائجِ الجزئيَّةِ التي تراها منثورةً فيه، والتي ستظهرُ في فهرسِ مسائل الكتاب العلمية إن شاء الله، والله الموفقُ، أسأُلُه أن يسدَّ خَلَلِي، ويتمَّ عليَّ نعمتَه، ويجعلَ هذا البحثَ خالصاً لوجهِه الكريمِ، وأن يكونَ في ميزانِ حسناتي يوم ألقاه، وآخرُ دعوايَ أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.
الفهارس العامة للكتاب
فهرس القواعد العلمية
فهرس مسائل الكتاب العلمية
فهرس المصادر والمراجع
فهرس موضوعات الكتاب