الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني
مكانة التَّفسير اللُّغويِّ
اختارَ اللهُ سبحانه نبيَّه الخاتم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم عربيًّا، وكان من السَّننِ أن يكون كتابُه بلسانِ قومِه، جَرْياً على سنَّة الله في إرسالِ الرُّسلِ عليهم السلام؛ كما قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [إبراهيم: 4].
وقد جاءَ النَّصُّ على عربيةِ القرآنِ في غيرِ ما آيةٍ، منها:
1 -
قولُه تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2].
2 -
وقولُه تعالى: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} [طه: 113].
3 -
وقولُه تعالى: {قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الزمر: 28].
4 -
وقوله تعالى: {وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَاناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ} [الأحقاف: 12].
5 -
وقوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الزخرف: 3]، وغيرُ هذه الآياتِ التي نَصَّتْ على عربيَّةِ القرآنِ.
ولما كانَ الأمرُ كذلكَ، فإنه لا يمكنُ العدولُ عن هذه اللُّغةِ التي نزلَ بها القرآنُ إلى غيرِها إذا أُرِيدَ تفسيرُ الكتابِ الذي نزلَ بها؛ لأنَّ معرفةَ معاني ألفاظِه لا تؤخذُ إلَاّ منها.
قال ابن فارس (ت:395): «إنَّ العلمَ بلغةِ العربِ واجبٌ على كُلِّ متعلقٍ
منَ العلمِ بالقرآنِ والسُّنَّةِ والفُتْيَا بسببٍ، حتى لا غَنَاءَ بأحدٍ منهم عنه، وذلك أنَّ القرآنَ نازلٌ بلغةِ العربِ، ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عربيٌ.
فَمَنْ أرادَ معرفةَ ما في كتابِ اللهِ جلَّ وعزَّ، وما في سُنَّةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم من كلِّ كلمةٍ غريبةٍ أو نَظْمٍ عجيبٍ، لم يجدْ مِن العلمِ باللغةِ بُدًّا» (1).
ويُفهمُ من ذلك أنَّ معرفةَ اللُّغةِ العربيَّةِ شرطٌ في فَهْمِ القرآنِ؛ لأنَّ من أرادَ تفسيرَه، وهو لا يَعْرفُ اللُّغةَ التي نزلَ بها القرآنُ، فإنه لا شَكَّ سيقعُ في الزَّلَلِ، بل سيحرِّف الكَلِمَ عن مَواضِعِهِ، كما حصلَ من بعضِ المبتدعةِ الذين حملوا القرآنَ على مصطلحاتٍ أو مدلولاتٍ غيرِ عربيَّةٍ.
وإليك هذه الأمثلة التي تدلُّ على أثرِ الغفلةِ عن دلالةِ اللَّفظِ، أو جهلِ معناه في لغة العرب:
* أسندَ أبو سليمان الخطَّابي (ت:388)(3) عن مالكِ بنِ دينارٍ (ت:127)(4)،
(1) الصاحبي في فقه اللغة، تحقيق: السيد أحمد صقر (ص:50).
(2)
الموافقات، للشاطبي، تحقيق: محيي الدين عبد الحميد (2:56).
(3)
حَمْدُ بن محمد الخطابي (نسبة إلى زيد بن الخطاب)، أبو سليمان، الحافظ، من شيوخه القَفَّال الشافعي، وكان ذا رحلة في طلب العلم، وله تصانيف مشهورة، منها: إعجاز القرآن، وغريب الحديث، وشأن الدعاء، وغيرها، توفي سنة (388). ينظر: معجم الأدباء (10:268 - 272)، وشذرات الذهب (3:128).
(4)
مالك بن دينار البصري، أبو يحيى، روى عن أنس وسعيد بن جبير والحسن البصري، وكان يكتب المصاحف بالأجرة، توفي سنة (127). ينظر: الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (8:208)، وغاية النهاية في طبقات القراء، لابن الجزري (2:36).
قال: «جَمَعَنَا الحسنُ (1) لِعَرْضِ المصاحفِ: أنَا، وأبَا العاليةِ (2)، ونَصْرَ بنَ عاصمٍ الليثي (3)، وعاصماً الجحدري (4).
فقال رجلٌ: يا أبا العاليةَ، قوله تعالى في كتابِه:{فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ *الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 4، 5] ما هذا السهوُ؟.
قال: الذي لا يدري عنْ كَمْ ينصرفْ، عَنْ شَفْعٍ أو عن وِتْرٍ؟.
قال الحسن: مَهْ يا أبا العالية، ليس هكذا، بلْ الذين سهوا عن ميقاتِها حتى تفوتَهم، قال الحسن: ألا ترى قولَه عز وجل: {عَنْ صَلَاتِهِمْ} » (5).
وإنما وقعَ أبو العالية (ت:93) في ذلك، لأنَّه جعلَ دلالةَ الحرفِ «عن» بمعنى «في» ، ولم يُفرِّقْ بينهما، قال أبو سليمان الخطَّابي (ت:388): «وإنما أُتيَ أبو العاليةِ في هذا حيثُ لم يُفَرِّقْ بَيْنَ حرف «عن» و «في» ، فَتَنَبَّهَ له الحسنُ فقالَ: ألا ترى قوله: {عَنْ صَلَاتِهِمْ} يؤيدُ أنَّ السَّهْوَ الذي هو الغلطُ
(1) الحسن بن أبي الحسن (يسار) البصري، أبو سعيد، العابد الزاهد، الفقيه، المفسر، روى عن أنس بن مالك وابن عمر وأبي برزة، توفي سنة (110). ينظر: الجرح والتعديل (3:40 - 42)، وغاية النهاية في طبقات القراء (1:235).
(2)
رُفَيعُ بن مِهْرَان الرياحي، البصري، أبو العالية، محدث، مقرئ، مفسر، من كبار التابعين، أسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين، له تفسير رواه عنه الربيع بن أنس البكري، وتوفي أبو العالية سنة (93)، وقيل غيرها. ينظر: غاية النهاية في طبقات القراء، لابن الجزري (1:284)، وطبقات المفسرين، للداودي (1:178 - 179).
(3)
نصر بن عاصم الليثي، البصري، النحوي، تابعي، عرض القرآن على أبي الأسود الدؤلي، ويقال: إنه أول من نقط المصاحف وخمَّسها وعشَّرها، توفي قبل المائة، وقيل: سنة (90). ينظر: معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، للذهبي (1:71)، وغاية النهاية (2:336).
(4)
عاصم بن أبي الصباح الجحدري، البصري، أخذ القراءة عرضاً على سليمان بن قتة عن ابن عباس، وثقه ابن معين. ينظر: الجرح والتعديل (6:349)، وغاية النهاية (1:349).
(5)
إعجاز القرآن، للخطابي (ص:39).
في العَدَدِ إنما يَعْرُضُ في الصَّلاةِ بعدَ ملابستِها، فلو كانَ هذا هوَ المراد لقيلَ: في صلاتِهم ساهون، فلما قال:{عَنْ صَلَاتِهِمْ} دَلَّ على أن المرادَ به الذهابُ عن الوقت» (1).
* ومِنَ الأمثلةِ التي تَدُلُّ على الوقوعِ في الزَّلَلِ والتَّحريفِ:
ما وقع لعَمْرِو بنِ عُبَيْدٍ (ت:144)(2). قالَ ابنُ خالويه (ت:370)(3): «كان عمرو بنُ عبيدٍ يُؤتى من قِلَّةِ المعرفةِ بكلامِ العربِ
…
وقدْ كانَ كَلَّمَ أبا عمرو بن العلاء (4) في الوعدِ والوعيدِ، فلم يُفَرِّقْ بينهما، حتَّى فَهَّمَه أبو عمرو، وقالَ: ويحك، إنَّ الرَّجلَ العربيَّ إذا وعدَ أنْ يُسِيءَ إلى رجلٍ، ثُمَّ لم يفعلْ، يقالُ: عَفَا وتكرَّمَ، ولا يقالُ: كذب. وأنشد (5):
وإني إن أوَعَدْتُهُ أو وْعَدْتُهُ
…
لَمُخْلِفُ إِيعَادِي ومُنْجِزُ مَوعِدِي» (6)
(1) إعجاز القرآن، للخطابي (ص:39).
(2)
عمر بن عبيد بن باب، أبو عثمان البصري، المعتزلي، الزاهد، روى عن الحسن البصري وأبي قلابة، وهو متروك الحديث، وكان مُعَظَّماً عند أبي جعفر المنصور، وحُكِيَ عنه أقوالٌ شنيعة. توفي سنة (143). ينظر: المنية والأمل (ص:38 - 41)، وميزان الاعتدال (3:273 - 280).
(3)
الحسين بن أحمد بن خالويه، أبو عبد الله، من كبار أهل اللغة، لَقِيَ ابن الأنباري وابن مجاهد وأبا عمر الزاهد وابن دريد، وصحب سيف الدولة الحمداني، وأدَّب بعض أولاده، ومن كتبه المطبوعة: كتاب ليس، وهو كتاب نفيس، وإعراب القراءات السبع وعللها، توفي سنة (370). ينظر: طبقات الأدباء (ص:230 - 231)، وإنباه الرواة عن أنباء النحاة (1:359 - 362).
(4)
أبو عمر بن العلاء بن عمار المازني، البصري، المقرئ، النحوي، اللغوي، قيل: إنَّ اسمه كنيته، وقيل: زبَّان، وقيل غير ذلك. كان واسع العلم بلغة العرب، وكان يقرئ في مسجد البصرة والحسنُ البصري حاضرٌ، وأخافه الحجاج، فتستر حتى مات الحجاج، وتوفي أبو عمرو سنة (154). ينظر: مراتب النحويين (ص:33 - 42)، وطبقات النحويين واللغويين (ص:35 - 40)، وغاية النهاية (1:288 - 292).
(5)
ينظر البيت في جمهرة اللغة (2:668)، والصحاح واللسان، مادة (وعد).
(6)
إعراب القراءات السبع وعللها، لابن خالويه، تحقيق: الدكتور عبد الرحمن العثيمين =
* وقد حَكَى أبو حاتم السِّجِسْتَانِيُّ (ت:255)(1)، عن الأخفشِ النحويِّ البصريِّ (ت:215) (2) أنه فسَّرَ قولَه تعالى: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء: 87] من القُدْرَةِ (3).
قال الأزهري (ت:370)(4): «قال [أي: أبو حاتم]: ولم يدرِ الأخفشُ ما
= (1:54)، وينظر: طبقات النحويين واللغويين، للزبيدي (ص:39 - 40). وقد أخرج هذا الأثرَ الخطيبُ البغدادي بسنده في تاريخ بغداد (12:175 - 176)، فقال: «عن الأصمعي قال: جاء عمرو بن عبيد إلى أبي عمرو بن العلاء، فقال: يا أبا عمرو، يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ؟ قال: لا! قال: أفرأيت إن وعدَ على عملٍ عقاباً يخلف وعده؟ فقال أبو عمرو بن العلاء: من العجمة أُتِيتَ يا أبا عثمان. إن الوعد غير الوعيد، إن العرب لا تَعُدُّ خُلْفاً ولا عاراً أن تَعِدَ شراً ثم لا تفعله، وترى إن (كذا) ذلك كرماً وفضلاً، وإنما الخُلْفُ أن تَعِدَ خيراً ثم لا تفعلُه. قال: فأوجدني هذا في كلام العرب. قال: أما سمعت إلى قول الأول:
لا يَرْهَبُ ابنُ العَمِّ ما عِشْتُ صَولَتِي
…
ولا أَخْتَشِي من خَشْيَةِ المُتَهَدِّدِ
وإني وإنْ أَوْعَدْتُهُ أو وَعَدْتُهُ
…
لَمُخْلِفُ إِيعَادِي ومُنجِزُ مَوعِدِي» ا. هـ
(1)
سهل بن محمد، أبو حاتم السجستاني، البصري، اللغوي، روى عن الأصمعي وأبي عبيدة وأبي زيد والأخفش، وكان ابن دريد يعتمد عليه في اللغة، ولم يكن حاذقاً في النحو، توفي سنة (255). ينظر: أخبار النحويين البصريين، للسيرافي (ص:102 - 104)، وطبقات النحويين واللغويين، للزبيدي (ص:94 - 96).
(2)
سعيد بن مسعدة، أبو الحسن الأخفش، النحوي، البصري، المعتزلي شرح كتاب سيبويه، وكان مُعَظَّماً عند البصريين والكوفيين، له مع الكسائي إمام أهل الكوفة قصة في الانتصار لسيبويه، واتخذه الكسائي بعدها مُعَلِّماً لولده، وله من الكتب: معاني القرآن، وهو مطبوع، توفي سنة (215). ينظر: مراتب النحويين، لأبي الطيب اللغوي (ص:111 - 112)، طبقات النحويين واللغويين (ص:72 - 74).
(3)
تهذيب اللغة (9:20)، وعبارة الأخفش في كتابه معاني القرآن، تحقيق: هدى قراعة (2:449): «أي: لن نقدر عليه العقوبة» .
(4)
محمد بن أحمد، أبو منصور الأزهري، اللغوي، الشافعي، أخذ عن نفطويه، وابن السراج، ولم يلق الزجاج ولا ابن الأنباري، وروى عنهما في كتابه الشهير: تهذيب اللغة، وكان قد لحقه الإسار بسبب اعتداء القرامطة على الحجيج سنة (311)، وكان في سهم أعراب من البادية، وقد استفاد من مخالطتهم في تدوين =
معنى نَقْدِرْ، وذهبَ إلى موضعِ القُدْرَةِ، إلى معنى: فَظَنَّ أنْ يَفُوتَنَا (1).
ولم يعلمْ كلامَ العربِ، حتى قال: إنَّ بعضَ المفسرين قال: أرادَ الاستفهامِ: أفظنَّ أنْ لنْ نقدرَ عليه (2).
ولو عَلِمَ أنَّ معنى نَقْدِر: نُضَيِّقْ، لم يَخْبِطْ هذا الخَبْطَ. ولم يكنْ عالماً بكلامِ العربِ، وكانَ عالماً بقياسِ النَّحْوِ».
ثم قال الأزهري (ت:370): «
…
والمعنى: ما قَدَّرَهُ اللهُ عليه من التَّضيِيْقِ في بطنِ الحوتِ، ويكونُ المعنى: ما قَدَّرَهُ اللهُ عليه من التضييق؛ كأنه قال: ظنَّ أن لن نُضَيِّقَ عليه، وكل ذلك شائعٌ في لغةِ العربِ، واللهُ أعلمُ بما أرادَ.
= اللغة، وقد ذكر ذلك في كتابه، ومما ألَّفه أبو منصور: كتاب علل القراءات، وهو مطبوع، وتوفي سنة (370). ينظر: تهذيب اللغة (1:6 - 7)، ومعجم الأدباء (17:164 - 167)، والبُلغة في تراجم أئمة النحو واللغة (ص:186 - 187).
(1)
حكى الطبري في تفسير، ط: الحلبي (17:79) هذا القول، فقال:«وقال آخرون: بل معنى ذلك: فظن أنه يُعجِزُ ربه فلا يقدر عليه» ، ثم أورد روايةً عن سعيد بن أبي الحسن (ت:100)، وأخيه الحسن البصري (ت:110)، والقاضي إياس بن معاوية (ت:122).
ولم يظهر لي مناسبة هذه الروايات لهذا القول الذي ترجم به. ثم ذكر ترجيحه، وردَّ على ما سواه، فقال:«وأولى هذه الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب، قول من قال: عَنَى به: فظنَّ يونس أن لن نحبسه ونضيق عليه، عقوبةً له على مغاضبته ربه. وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الكلمة، لأنه لا يجوز أن يُنسب إلى الكفر، وقد اختاره لنبوته، ووَصْفُه بأنه ظنَّ أن ربه يعجز عما أراده به ولا يقدر عليه، وَصْفٌ له بأنه جَهِلَ قدرةَ الله، وذلك وَصْفٌ له بالكفر، وغير جائز لأحد وَصْفُهُ بذلك» .
(2)
ورد ذلك عن ابن زيد كما في تفسير الطبري، ط: الحلبي (7:79)، وقد رَدَّه الطبري، فقال: «وأما ما قاله ابن زيد، فإنه ـ لو كان في الكلام دليل على أنه استفهام ـ حسنٌ، ولكنه لا دلالةَ فيه على أنَّ ذلك كذلك، والعربُ لا تحذفُ من الكلامِ شيئاً لهم إليه حاجة إلا وقد أبقتْ دليلاً على أنه مرادٌ في الكلامِ، فإذا لم يكن في قوله:{فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} دلالةٌ على أن المراد به الاستفهامُ كما قال ابن زيد، كان معلوماً أنه ليس به
…
».
فأمَّا أنْ يكونَ قولُه: {أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} في (1) القُدْرَةِ فلا يجوزُ؛ لأنَّ منْ ظَنَّ هذا كَفَرَ، والظَنُّ: شَكٌّ، والشَّكُّ في قُدْرَةِ اللهِ كُفْرٌ، وقد عَصَمَ اللهُ أنبياءه عن مثلِ ما ذهب إليه هذا المتأوِّلُ. ولا يتأولُه إلا الجاهلُ بكلامِ العربِ ولغاتِها» (2).
* قال الأخفشُ (ت:215) في قوله تعالى: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 23]: «يعني، واللهُ أعلمُ، بالنَّظرِ إلى اللهِ: إلى ما يأتيهم من نِعَمِهِ ورِزْقِهِ، وقد تقولُ: واللهِ ما أنظرُ إلَاّ إلى اللهِ وإليك؛ أي: أنتظرُ ما عند اللهِ وعندك» (3).
(1) نقل ابن منظور في كتابه لسان العرب هذا الموضع عن الأزهري، وجاء فيه:«من القدرة» ، بدلاً عن:«في القدرة» ، وهذا أصحُّ وأوضحُ للعبارة، ولعل الذي في التهذيب سبق قلم من ناسخ المخطوطة، أو من الطابع، والله أعلم.
(2)
تهذيب اللغة (9:21).
(3)
معاني القرآن، للأخفش، تحقيق: هدى قراعة (2:558)، والمعروف أنَّ الأخفش كان معتزلياً (ينظر مقدمة الدكتورة هدى قراعة لكتابه: 1:16 - 18)، وسيأتي تفصيلُ ذلك في الكلامِ عن كتابِه في مصادر التفسير.
هذا، ولم أجد من نصَّ على هذا التأويل في هذه الآية قبل الأخفش، سوى مجاهدٍ وأبي صالح (ينظر الرواية عنهما في تفسير الطبري: ط: الحلبي: 30:192 - 193)، ومن فقه الإمام ابن جرير أنه أورد ـ بعد الروايات عن مجاهد ـ أثر مجاهد عن ابن عمر، فيه النصُّ على رؤية الله سبحانه، وكأنه يشير إلى مخالفة مجاهد لشيخه ابن عمر، والله أعلم. ولم أجد سبباً يدعو مجاهداً وأبا صالحٍ لهذا التأويل الغريبِ.
وقد ورد في «غريب القرآن» (ص:359) المنسوب لزيد بن علي (120) ما نصُّه: «ناظرة: منتظرة للثواب، قال الإمام زيد بن علي عليهما السلام: إنما قوله: {نَاظِرَةٌ}: إلى أمر ربها، ناظرة من النعيم والثواب» . ولا يوثق بهذا النقل عن زيد بن علي رحمه الله؛ لأن الواسطي راوي الكتاب كذاب، وستأتي الإشارة إليه في الحديث عن كتب غريب القرآن.
هذا، وقد تتابع المعتزلة على هذا التأويل كما هو ظاهر من كتبهم، مثل:
* القاسم بن إبراهيم الرسي (ت:246) في كتاب التوحيد والعدل (ضمن رسائل في التوحيد والعدل، أخرجها: سيف الدين الكاتب)، ينظر:(ص:260 - 261).
* القاضي عبد الجبار (ت:415) في كتابه متشابه القرآن، تحقيق: عدنان زرزور (2:673 - 674).
* الزمخشري (ت:538) في كتابه الكشاف (4:192).
قال الأزهري (ت:370): «ومن قالَ: إنَّ معنى قوله: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 23] بمعنى: منتظرة، فقد أخطأَ؛ لأنَّ العربَ لا تقولُ: نظرتُ إلى الشيءِ، بمعنى: انتظرتُه، إنما تقول: نظرتُ فلاناً؛ أي: انتظرتُه، ومنه قول الحطيئة (1):
وَقَدْ نَظَرْتُكُمْ أَبْنَاءَ صَادِرَةٍ
لِلْوِرْدِ طَالَ بِهَا حَوْزِي وتَنْسَاسِي
فإذا قلتَ: نَظَرْتُ إليه، لم يكنْ إلَاّ بالعينِ» (2).
وإنما وقعَ الخطأُ في تفسيرِ هذه الألفاظِ بسببِ جهلِ لغةِ العربِ، ولذا شَدَّدَ العلماءُ النَّكيرَ على من فَسَّرَ القرآنَ وهو جاهلٌ بلغةِ العربِ، ومن ذلك ما رُوِيَ عن مجاهدٍ (ت:104) أنه قال: «لا يَحِلُّ لأحدٍ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ أنْ يتكلمَ في كتابِ اللهِ، إذا لم يكنْ عالماً بلغاتِ العربِ» (3).
وقال مالك بن أنس (ت:179)(4): «لا أُوتَى بِرَجُلٍ يُفَسِّرُ كلامَ اللهِ، وهو
(1) جرول بن أوس بن جُؤَيَّة، أبو مليكة، الحطيئة، أحد فحول الشعراء، وكان سفيهاً شريراً، هجَّاءً، وكان راوية زهير، وكان ممن ارتد، ثمَّ رجع عن ارتداده. ينظر: الشعر والشعراء، لابن قتيبة (1:322 - 328)، وخزانة الأدب، للبغدادي (2:406 - 413).
والبيت في ديوانه، برواية وشرح ابن السكِّيت، تحقيق: نعمان محمد أمين عطية (ص:46)، وفيه بدل «أبناء»: أعشاء، وبدل «للورد»: للخِمْسِ. وفسَّر ابن السكيت الحَوزَ بالسَّوقِ قليلاً قليلاً، والتنساس، بالسَّوقِ، ويقال: العطش، وذكر أنه يروى: إيناء؛ أي: إبطاء. ومن ثمَّ فقد يكون ما في التهذيب تصحيفاً، أو يكونُ روايةً ثالثةً للبيتِ، واللهُ أعلمُ.
(2)
تهذيب اللغة (14:371).
(3)
البرهان في علوم القرآن (1:292)، ولم أجد مصدراً قبله نقله عن مجاهدٍ.
(4)
مالك بن أنس الأصبحي، المدني، المحدث، أحد الأئمة الأربعة في الفقه، وإليه تنسب المالكية، كان مُعَظَّماً، قصده الخليفة هارون الرشيد، وجلس بين يديه للعلم، فحدَّثه، وجرت له محنة، وله تفسير للقرآن، توفي سنة (179). ينظر: ترتيب المدارك، للقاضي عياض (1:102 وما بعدها)، معجم المفسرين، لعادل نويهض (2:460).
لا يعرفُ لغةَ العربِ، إلَاّ جعلتُه نكالاً» (1).
وهذا يدلُّ على ظهورِ أثرِ معرفةِ لغةِ العربِ للمفسِّرِ عند هؤلاء الأعلامِ الأجلاءِ، ومن زعمَ أنه قادرٌ على فهمِ كلامِ اللهِ من غيرِ معرفةٍ بلسانِ العربِ، فقدْ قالَ مُحَالاً، وأَعْظَمَ الفِرْيَةَ، ولذا قال أبو الوليدِ بنِ رشدٍ (ت:520) (2) ـ في جوابٍ له عَمَّنْ قال: إنه لا يحتاجُ إلى لسانِ العربِ ـ: «هذا جاهلٌ، فلينصرفْ عن ذلك، ولْيَتُبْ منه، فإنه لا يصلحُ شيءٌ من أمورِ الديانةِ والإسلامِ إلا بلسانِ العربِ، يقولُ اللهُ تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 195]، إلَاّ أنْ يُرَى أنَّه قال ذلك لِخُبْثٍ في دينِه، فيؤدبُه الإمامُ على قولِه ذلك بحسبِ ما يَرى، فقد قالَ عظيماً» (3).
ومن أعظمِ من زعمَ أنه لا يُحتَاجُ إلى لغةِ العربِ الباطنيةُ (4)، لكي يتسنَّى لهم تحريفُ كتابِ اللهِ سبحانَه على ما يريدون، مما لا يضبطُه لغةٌ ولا عقلٌ ولا نقلٌ. قال يحيى العلوي (ت:745) (5): «اِعلم أنَّ فريقاً من أهلِ الزيغِ،
(1) رواه بسنده إلى مالك كلٌ من: البيهقي في شعب الإيمان (5:232)، والواحدي في تفسيره البسيط، رسالة دكتوراه تحقيق، محمد الفوزان (1:219)، وأبو ذر الهروي في ذم الكلام، تحقيق: محمود غنيم (ص:212).
(2)
محمد بن أحمد (جدُّ الفيلسوف) أبو الوليد بن رشد، القرطبي، المالكي، كان فقيهاً، عارفاً بالفتوى، بصيراً بأقوال أئمة المالكية، من تآليفه: المقدمات، والبيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل، وغيرها، توفي سنة (520). ينظر: الصلة، لابن بشكوال (2:576 - 577)، وسير أعلام النبلاء (19:501 - 502).
(3)
التحرير والتنوير، للطاهر بن عاشور (1:20).
(4)
الباطنية: قوم يقولون بأن للشريعة ظاهراً وباطناً، وأن المقصود منها الباطن، وأن المتبع للظاهر معذب بالمشقة في الاكتساب، وهم من أشَرِّ الفرق، ولهم فروع متعددة؛ كالإسماعيلية، والقرامطة، وغيرهما. ينظر: الملل والنحل، للشهرستاني، تحقيق: عبد العزيز الوكيل (ص:192)، وكشاف اصطلاحات الفنون (4:3 - 4).
(5)
يحيى بن حمزة بن علي، المؤيد بالله، الزيدي، من نسل الحسين بن علي، دعا لنفسه بالإمامة بعد موت المهدي بن المطهر سنة (729)، وعورض في الإمامة، إلَاّ أنَّ أهل اليمن أجابوه لِما علموا من عدله وزهده، وله كتب كثيرة؛ منها: الطراز المتضمن =
يزعمونَ أنهم يُصَدِّقُونَ بالقرآنِ، أنكروا تفسيرَه من اللُّغةِ، وأنه لا يمكنُ الوقوفُ على معانيه منها، ولا مجالَ فيه لاستعمالِ النظرِ، وسلوكِ منهجِ الاستدلالِ، وإنما يُوجَدُ معناه عندهم من الأئمةِ المعصومين بزعمِهِم، وهم فرقٌ ثلاثٌ: الحشويةُ (1)، والباطنيةُ، والرَّافضةُ (2)، وذلك لأنَّ القرآنَ لَمَّا كانَ مُصَرِّحاً بفسادِ مذهبِهِم، ومُوَضِّحاً لفضائحِهم حاولوا دفعَه، موهمينَ أنَّ القرآنَ لا يدلُّ على فسادِ مذهبِهِم؛ لأنَّ معناه لا يمكنُ أخذُه من جِهَةِ اللغةِ، يريدون بذلك تَرْوِيجَ مذاهبِهِم الرديئةِ، وتسويغَ تأويلاتِهِم المنكرةِ
…
وأعظمُهُم في الضَّرَرِ وأدخلُهُم: هؤلاءِ الباطنيةُ، فإنَّهم تَلَبَّسُوا بالإسلامِ، وتظاهروا بمحبةِ أهلِ البيتِ في الدعاءِ إلى نُصْرَتِهِم، فاستلبُوا بذلك قلوبَ العامَّةِ، ولَبَّسوا عليهم الأمرَ بدقَّةِ الحِيَلِ، ولطيفِ الاستدراج» (3).
ومن اطَّلَعَ على تحريفاتِهم لكتابِ اللهِ، عَلِمَ أنها لا تَصْدُرُ عن لغةٍ ولا عقلٍ ولا شَرْعٍ، ومن تأويلاتِهم ما ورد في أحد كتبهم في التفسير، وهو كتاب مزاج التسنيم: «قال تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا} [النحل: 118] يعني: عن منهجِ إمامِ كُلِّ عَصْرٍ.
= لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز، وهو مطبوع، وتوفي سنة (547) بمدينة ذمار باليمن. ينظر: البدر الطالع، للشوكاني (2:331 - 333)، ومقدمة الجليند لكتاب مشكاة الأنوار (ص:29 - 32).
(1)
الحشوية: لقب يطلقه أهل البدع ـ زوراً وبهتاناً ـ على أهل السنة، وعلماء الحديث، ويريدون بذلك أنهم يروون كل حشو لا فائدة فيه، ويروون ما يتناقض من الأخبار، ولا يحكمون عقلهم فيها، وهذا تَجَنٍّ واضح مِمَّنْ لم يفهم كلام أهل السنة، ولا عرف مذهبهم، والله المستعان. ينظر: كشاف اصطلاحات الفنون: (2:166 - 167).
(2)
الرافضة: لقب يطلق على الإمامية الاثني عشرية من الشيعة، وهم من غلاتهم، وسموا بذلك لرفضهم زيد بن علي لمَّا تولى أبا بكر وعمر، وقيل غير ذلك في سبب تسميتهم. ينظر: مقالات الإسلاميين، للأشعري، تحقيق: محيي الدين عبد الحميد (1:88، وما بعدها)، ورسالة في الرد على الرافضة، لأبي حامد المقدسي، تحقيق: عبد الوهاب خليل الرحمن (ص:65، وما بعدها).
(3)
مشكاة الأنوار الهادمة لقواعد الباطنية الأشرار، ليحيى بن حمزة العلوي، تحقيق: الدكتور: محمد السيد الجليند (ص:144 - 145).
{حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ} يعني: من العِلْم البَاطِنِ.
{مِنْ قَبْلُ} يعني: عندَ ظهورِ فضلاتِهم في الأدوارِ الأوَّلةِ
…
» (1).
فَمِنْ أيِّ مأخذٍ أخذَ هذا التأويلَ، وما مصدرُه فيه، غيرَ أنَّه لا يخفى على من يرى مثلَ هذا الكتابِ أنه قصدَ التحريفَ، ومن طالعَ مثلَ هذا الكتابِ، وجدَ فيه كثيراً من هذه التَّحريفات العجيبةِ.
والمقصودُ: أنَّ كلَّ منْ فَسَّرَ القرآنَ، وهو جاهلٌ بلغةِ العربِ، أو سالكٌ غيَر طريقِها، فإنه قدْ وقعَ في الخطأِ الأكيدِ، وجانبَ الصوابَ.
وإذا كانَ هذا شأنَ اللغةِ في تفسيرِ القرآنِ، فهلْ يعني هذا أنه يمكنُ أن تستقلَّ بتفسيرِ القرآنِ؟.
معَ ما سبقَ ذكرُهُ من أقوالِ العلماءِ في أهميةِ معرفةِ اللغةِ في تفسيرِ القرآنِ، إلَاّ أنهم ذكروا أنَّ اللغةَ بمجردِها لا تَسْتَقِلُّ به (2).
وهذا يعني أنَّ اللغةَ ليست المصدرَ الوحيدَ الذي يمكنُ لمنْ أحكمَهُ أنْ يفسرَ القرآنَ، إذْ لَا بُدَّ للمفسِّرِ منْ معرفةِ مصادرَ أُخرَى يعتمدُ عليها في تفسيرِه؛ كالسُّنَّةِ النَّبويَّةِ، وأسبابِ النُّزولِ، وقصصِ الآيِ، وأحوالِ من نزلَ فيهم الخطابُ، وتفسيراتِ الصَّحابةِ والتَّابعينَ وتابعيهِم، وغيرِها من المصادرِ التي لا يمكنُ أخذُها عن طريقِ اللُّغةِ.
وبهذا يُعلَمُ أنَّ التَّفسيرَ اللُّغويَّ جزءٌ من علمِ التَّفسيرِ، ومع أن حَيِّزَهُ كبيرُ، فإنَّه لا يَسْتَقِلُّ بتفسيرِ القرآنِ.
وهذا يفيدُ أنَّ اعتمادَ اللُّغةِ بمفردها، دون النَّظرِ في غيرِها من المصادرِ يوقعُ
(1) مزاج التسنيم، لإسماعيل بن هبة الله الإسماعيلي، عُنِيَ بتصحيحه: المستشرق شتروطمان (الجزء 11 - 20:135). ولا يخفى على المسلم سبب حرص مثل هذا المستشرق على تحقيق مثل هذه الكتب التي هي لفرق تنخر في جسم الأمة الإسلامية، والله المستعان.
(2)
ينظر: إحياء علوم الدين، بحاشية إتحاف السادة المتقين (1:150).
في الخطأ في التَّفسيرِ (1)، إذ قد يكونُ المدلولُ اللُّغويُّ غيرَ مرادٍ في الآيةِ؛ كقوله تعالى:{وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84]، فلو فسَّرتَ الصَّلاةَ بالمدلولِ اللُّغويِّ، لقلتَ: نُهِيَ الرسولُ صلى الله عليه وسلم عنِ الدُّعَاءِ لهم.
ولكنَّكَ إذا نظرتَ إلى الواردِ في قصةِ الآيةِ، وهو ما رواه ابنُ عباسٍ (ت:68) عن عمرَ بن الخطابِ (ت:23) قال: «لما مات عبدُ اللهِ بنُ أبي سَلُولٍ، دُعِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصليَ عليه، فلما قامَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَثَبْتُ إليه، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أَتُصَلِّي على ابنِ أبي سَلُولٍ وقد قال يومَ كذا وكذا كذا وكذا؟! قال: أُعدِّدُ عليه قولَه.
فتبسَّمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أخِّرْ عني يا عمر، فلما أكثرتُ عليه، قال: إني خُيِّرتُ فاخترتُ، ولو أعلمُ أني إن زدتُ على السبعين يُغْفَرُ له لزدتُ عليها.
قال: فصلَّى عليه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثمَّ انصرفَ، فلم يمكثْ إلَاّ يسيراً حتى نزلت الآيتان من براءة:{وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} ـ إلى قوله ـ {وَهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 84]، قال: فَعَجِبْتُ من جُرأتي على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، واللهُ ورسولُه أعلمُ» (2)، علمتَ أنَّ المرادَ بها «صلاة الجنازة» = فإنه سيمنعُكَ ذلك من أنْ تَحْمِلَهَا على المعنى اللُّغويِّ.
هذا، وسيأتي تتمَّةُ حديثٍ عن عدم استقلالِ اللُّغةِ بالتَّفسيرِ (3).
(1) جعل ابن تيمية الاعتماد على اللغة دون غيرها من أسباب الاختلاف الواقع من جهة الاستدلال، وقال عن ذلك:«والثاني: قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده من كان مِن الناطقين بلغة العرب بكلامه، من غير نظرٍ إلى المتكلم بالقرآن، والمنَزل عليه، والمخاطَب به» ، ثمَّ ذكر أنَّ هؤلاء راعوا مجرد اللفظ، وما يجوز أنْ يريد به عندهم العربي من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم وسياق الكلام. ثمَّ أنَّه كثير ما يغلط هؤلاء في احتمال اللفظ لذلك المعنى في اللغة، ثمَّ ذكر أنَّ نظر هؤلاء إلى اللفظ أسبق. ينظر: مقدمة في أصول التفسير، تحقيق: د. عدنان زرزور (ص:79 - 81).
(2)
ينظر: فتح الباري، ط: الريان (8:184 - 189)، ثم تنظر الآثار في تفسير الطبري، ط: الحلبي (10:204 - 206).
(3)
ينظر: ثالث فصل من الباب الثالث، تحت قاعدة: لا يصح اعتماد اللغة دون غيرها من المصادر.