الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أثر المعتقد على التفسير اللُّغوي عند الزَّجَّاج:
لقد وصِفَ الزَّجَّاجُ (ت:311) بأنَّه من أهلِ الفضلِ والدينِ، وأنَّه كانَ حسنَ الاعتقادِ، جميلَ المذهبِ (1). ولما حضرتْهُ الوفاةُ، كانَ آخرَ ما سُمِعَ منه:«اللَّهُمَّ احشرني على مذهبِ أحمد بنِ حنبلٍ» (2)، وقد كانَ روى عن ابنِ أحمدَ؛ أعني: عبدَ اللهِ، شيئاً من كُتبِ والدِه، منها كتاب التَّفسير، للإمامِ أحمدَ (3)، ومن كانَ على هذا الوصفِ فإنَّ في هذا دلالةً على حُسنِ اعتقادِه، واللهُ أعلمُ.
غيرَ أنَّكَ سَتَجِدُ له في قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [النحل: 9]، قولَه:«أي: لو شاء لأنزل آيةً تضطرُّ الخلقَ إلى الإيمانِ به، لكنَّه عز وجل يهدي من يشاءُ، ويدعو إلى صراطٍ مستقيمٍ» (4).
قال ابن عطية (ت:542): «معناه: «لخلقَ الهدايةَ في قلوبِ جميعِكم، ولم يَضِلَّ أحدٌ. وقال الزجاجُ: معناه: لو شاء لعرضَ عليكم آيةً تضطركم إلى الإيمانِ والاهتداء.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا قولُ سوءٍ لأهلِ البدع الذين يرونَ الله لا يخلقُ أفعالَ العبادِ، لم يحصِّلْه الزَّجَّاج، ووقع فيه رحمة اللهِ من غيرِ قصدٍ» (5).
وقال أبو حيان الأندلسيُّ (ت:745) ـ معلقاً على هذا ـ: «ولم يعرف ابنُ
(1) ينظر: تاريخ بغداد (6:89).
(2)
معجم الأدباء (1:130).
(3)
ذكر ذلك في مواضِع، منها:«قال أبو إسحاق: روينا عن أحمد بن حنبل رحمه الله في كتابه «كتابِ التفسيرِ» ، وهو مما أجازه لي عبد الله ابنه، عنه». معاني القرآن وإعرابه (4:8)، وقال:«وكذلك أكثر ما رويتُ في هذا الكتابِ من التفسيرِ، فهو من كتاب التفسير عن أحمد بن حنبل» . معاني القرآن وإعرابه (4:166).
(4)
معاني القرآن وإعرابه (3:192).
(5)
تفسير ابن عطية، ط: قطر (8:378).
عطيةَ أنَّ الزَّجَّاجَ معتزليٌّ، فلذلك تأوَّل أنه لم يحصِّلْه، وأنه وقعَ فيه من غيرِ قصدٍ» (1).
فهلْ صحيحٌ أنَّ الزَّجَّاجَ (ت:311) كانَ معتزليًّا؟
لا يظهرُ أنَّ الزَّجَّاجَ (ت:311) كانَ معتزليًّا أبداً، ولا أدري من أينَ أخذَ أبو حيَّانٍ (ت:745) عليه هذا المعتقدَ.
ولقد تتبَّعتُ بعض المسائلِ التي للمعتزلةِ فيها قولٌ واضحٌ؛ كمسألةِ الرُّؤيةِ والكلامِ الإلهيِّ والنَّظرِ إلى وجه الباري ـ لا حرَمَنا الله منها ـ والاستواءِ، فألفيتُه يقولُ بقولِ أهلِ السُّنَّةِ صراحةً، مما يدلُّ على أنَّ وقوعَه في هذا التَّفسيرِ الذي انتقدَه عليه ابن عطيَّةَ (ت:542) كان من غيرِ قصدٍ، وإليكَ هذه المواطنُ:
* وقال: {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} [الأعراف: 143]: كَلَّمَ اللهُ موسى تكليماً، خَصَّهُ اللهُ أنَّه لم يكنْ بينه وبين اللهِ ـ جلَّ ثناؤه ـ وفيما (3) سَمِعَ أَحَدٌ، ولا مَلكٌ أسمعَهُ اللهُ كلامَه، فلما سَمِعَ الكلامَ، {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ}؛ أي: قد خاطبتني من حيثُ لا أراك، والمعنى: أرني نفسك.
وقوله: {أَرِنِي أَنْظُرْ} : مجزوم، جواب الأمرِ.
{قَالَ لَنْ تَرَانِي} : ولن نفي لما يُستقبل.
{وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} ؛ أي: ظهرَ وبانَ» (4).
(1) البحر المحيط، تحقيق: عرفات حسونة (6:510).
(2)
معاني القرآن وإعرابه (3:350).
(3)
كذا في المطبوع، والصواب أن تُحذف الواو، واللهُ أعلمُ.
(4)
معاني القرآن وإعرابه (2:373).
* وقال: «وقوله: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26]؛ الحسنى: الجنَّةُ، و «زيادة» في التَّفسيرِ: النَّظرُ إلى وجه اللهِ ـ جلَّ وعزَّ ـ.
ويجوزُ أن تكونَ تضعيفَ الحسناتِ؛ لأنه قال جلَّ وعزَّ: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160].
والقول في النَّظرِ إلى وجهِ اللهِ كثيرٌ في التَّفسيرِ، وهو مرويٌّ بالأسانيدِ الصِّحاحِ، لا يُشكُّ في ذلكَ» (2).
فهذه النُّقولُ تُظهِرُ بُعْدَه عن المعتزلةِ في أخصِّ المسائلِ التي اشتهروا بالقول بها، ولو تتبَّعتَ المسائلَ الأخرى التي للمعتزلةِ فيها رأيٌ، لوجدته يخالفُهم فيها (3).
كما أنَّ له كتاباً في تفسيرِ أسماءِ الله الحسنى (4)، ولا تجدُ فيه ما يوافقُ مذهب المعتزلةِ، فهو بريءٌ مما وصفه به أبو حيان (ت:745) عفا اللهُ عنه.
ومما وردَ له في تفسيرِ صفاتِ اللهِ، تفسيرُ لقوله تعالى:{بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} [الصافات: 12]، على قراءة ضَمِّ التاء من «عجبتُ» (5)، قال: «ومن قرأ {عَجِبْتُ} ، فهو إخبارٌ عن اللهِ.
(1) معاني القرآن وإعرابه (5: 253).
(2)
معاني القرآن وإعرابه (3: 15).
(3)
ينظر مثلاً: قوله في زيادة الإيمان (1: 339، 340)، وردُّه قول الأخفش في معنى {يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} (1: 339)، وردُّه على من فسَّر {أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي} بأنَّه أرني أمراً عظيماً (2: 374)، وإثباته حقيقةً كلام النار، في قوله تعالى:{هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} (5: 47)، وإثباته تسبيح المخلوقات حقيقةً (5: 121)، وغيرها كثيرٌ، وسيأتي نقلُ بعضِ أقواله في هذه الآياتِ في المباحثِ القادمةِ، والله الموفق.
(4)
الكتاب مطبوع بتحقيق: أحمد يوسف الدقاق.
(5)
قرأ بضمِّ التاء: حمزة والكسائي، وقرأ الباقون بفتحها. ينظر: المبسوط في القراءات العشر، لابن مهران (ص:375).
وقدْ أنكرَ قومٌ هذه القراءةَ، وقالوا: الله عز وجل لا يعجبُ.
وإنكارُهم هذا غلطٌ؛ لأنَّ القراءةَ والرِّوايةَ كثيرةٌ، والعجبُ من اللهِ عز وجل خلافُه من الآدميِّينَ؛ كما قال:{وَيَمْكُرُ اللَّهُ} [الأنفال: 30]، و {سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ} [التوبة: 79]، {وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142]، والمكرُ من اللهِ والخداعُ خلافُه من الآدميِّينَ.
وأصلُ العُجبِ في اللُّغةِ: أنَّ الإنسانَ إذا رأى ما ينكرُه، ويقلُّ مثلُه، قال: عَجِبْتُ من كذا وكذا، وكذا إذا فعلَ الآدميونَ ما ينكرُه اللهُ، جازَ أن يقولَ فيه: عَجِبْتُ، واللهُ قد علِمَ الشَّيء قبلَ كونِه، ولكن الإنكار إنما يقع والعجب الذي يلزم به الحجةُ عند وقوع الشيء» (1).
وكذا ما وردَ عنه في تفسيرِ صفةِ العلمِ في قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31]، قال:«وهو عز وجل قدْ علِمَ ـ قبلَ خلقِهم ـ المجاهدينَ منهم والصابرينَ، ولكَّنه أرادَ العلمَ الذي يقعُ به الجزاءُ؛ لأنه يجازيهم على أعمالهم، فتأويلُه: حتى يعلمَ المجاهدينَ عِلْمَ شهادةٍ، وقد عَلِمَ عز وجل الغيبَ، ولكنَّ الجزاءَ بالثوابِ والعقابِ يقعُ على علمِ الشهادةِ» (2).
ومن قرأ في كتابِه وجده معظِّماً للسُّنَّةِ ولسلفِ الأمَّةِ، بخلافِ المعتزلةِ الذينَ لا يعرفونَ لهما حقَّهما، ووقوعُه في أفرادٍ من المسائلِ ـ لو كان ـ لا يُخرِجُه عن أهل السُّنَّةِ والجماعةِ، واللهُ الموفقُ.
(1) معاني القرآن وإعرابه (4؛300)، وقد نقلها عنه الأزهري في تهذيب اللغةِ (1:386)، وكذا نقلها بتصرف في كتابه: القراءات وعلل النحويين فيها (2:575)، وهي أوضحُ مما في كتاب المعاني، قال الأزهري: «
…
وإذا فعلَ الآدميُّونَ ما يُنكرُه اللهُ، جازَ أن يُقالَ فيه: عَجِبَ اللهُ، واللهُ قد علِمَ الشَّيء قبلَ كونه، ولكنَّ العلم الذي يلزمُ به الحجةُ يقعُ عند وقوعِ الشَّيء».
(2)
معاني القرآنِ وإعرابه (5:16).