الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثالثاً كتاب تهذيب اللغة
ألَّفَ أبو منصورٍ محمدُ بنُ أحمدَ الأزهريُّ (ت:370) كتابَه «تهذيبَ اللغةِ» بعدَ بلوغِهِ سبعينَ سنةً؛ كما يُفهمُ منْ قولِهِ: «وكنتُ منذُ تعاطيتُ هذا الفنَّ في حداثتِي إلى أن بلغتُ السَّبعينَ، مولعاً بالبحثِ عن المعاني والاستقصاءِ فيها، وأخذِها من مظانِّهَا، وإحكامِ الكتبِ التي تأتَّى لي سماعُها منْ أهلِ الثَّبْتِ والأمانةِ للأئمةِ المشهَّرين، وأهلِ العربيةِ المعروفين» (1).
ولا شكَّ أنَّ هذا البلوغَ في السِّنِّ يُعطي التأليفَ قوةً ورَويَّةً تخالفُ ما عليه شِرَّةُ الشبابِ منَ العجلةِ وعدمِ الاستيعابِ.
ومِمَّا يتميَّزُ به هذا الكتابُ عنْ كتابِ العينِ وكتابِ جمهرةِ اللُّغةِ، ما يأتي:
1 -
كثرةُ موادِّهِ اللُّغويَّةِ
وكثرةُ مراجعِهِ.
وقدْ أتاحَ لهُ ذلكَ تأخُّرُ وفاتِهِ، وتَوسُّعُهُ في الروايةِ عن البصريِّينَ والكوفيِّينَ والبغداديِّينَ، وهذا الجمعُ في الرِّوايةِ لا تجدُه في كتابِ العينِ ولا في كتابِ جمهرةِ اللُّغةِ.
2 -
أنَّه أوسعُ مِمَّنْ تقدمه في عَرْضِ التَّفسيرِ
، وقد كانَ التَّفسيرُ أحدَ مقاصدِ الكتابِ، وقدْ قالَ بشأنِ ذلك: «وكتابي هذا، وإنْ لم يكنْ جامعاً لمعاني التَّنْزيلِ وألفاظِ السُّنَنِ كلِّها، فإنَّه يَحُوزُ جُمَلاً منْ فوائدِهَا، ونُكَتاً من
(1) تهذيب اللغة (1:7).
غريبِها ومعانيها، غيرُ خارجٍ فيه عن مذاهبِ المفسِّرينَ، ومسالكِ الأئمَّةِ المأمونينَ من أهلِ العِلْمِ وأعلامِ اللُّغويِّينَ، المعروفينَ بالمعرفةِ الثَّاقبةِ والدِّينِ والاستقامةِ» (1).
وقدْ تَتَبَّعتُ الأقوالَ التَّفسيريَّةَ التي ذكرَها في كتابِه كلِّه، ما نقله من التَّفسيرِ أو قالَ به، فظهر لي ما يأتي:
1 -
أنَّ أغلبَ اعتمادِهِ في تفسيرِ الألفاظِ وبيانِ المعاني القرآنيَّةِ كان على الفرَّاءِ (ت:207) من كتابِهِ (معاني القرآن)، والزَّجَّاجِ (ت:311) من كتابِه (معاني القرآن وإعرابه). وقد روى هذينِ الكتابينِ بالسندِ إلى مؤلفَيهما.
أمَّا الفراءُ (ت:207)، فقال عنه: «ومنْ مؤلفاتِهِ: كتابُه معاني القرآنِ وإعرابِه، أخبرنِي به أبو الفضلِ بنُ أبي جعفرَ المنذري، عن أبي طالبٍ بنِ سلمةَ، عن أبيه، عن الفراءِ، لم يَفُتْهُ من الكتاب كله إلا مقدارُ ثلاثةِ أوراقٍ في سورةِ الزُّخرفِ.
فما وقعَ في كتابِي للفراءِ في تفسيرِ القرآنِ وإعرابِه فهو مما صحَّ روايتُهُ منْ هذهِ الجهةِ» (2).
وقد بلغتِ الأقوالُ التَّفسيريَّة التي أحصيتها منقولةً عن الفرَّاءِ (ت:207) من كتابه (معاني القرآن) قرابةَ خمسينَ وستِّمائةِ قولٍ.
وأمَّا الزَّجَّاجِ (ت:311)، فقال عنه: «ويتلو هذه الطبقةَ طبقةٌ أخرى أدركناهم في عصرِنا؛ منهم: أبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ النَّحْويُّ صاحبُ كتابِ المعاني في القرآنِ
…
وما وقعَ في كتابي له منْ تفسيرٍ فهوَ منْ كتابِهِ
…
» (3).
(1) تهذيب اللغة (1:5 - 6).
(2)
تهذيب اللغة (1:18). وقد سبق التنبيه إلى فائدة، وهي أن كتاب «معاني القرآن» المطبوع برواية محمد بن الجهم، وما في «تهذيب اللغة» من نقول عن الفراء، فهو برواية سلمة بن عاصم، وهذا يفيد في جانب التحقيق ومعارضة الروايات.
(3)
تهذيب اللغة (1:27).
وقد بلغتِ الأقوالُ التَّفسيريَّةُ مما أحصيتُه منقولاً عن الزَّجَّاجِ (ت:311) من كتابه (معاني القرآن وإعرابه) قرابةَ ستينَ وستِّمائةِ قولٍ.
أما النَّقلُ عنْ غيرِهما في التَّفسيرِ فهو أقلُّ بكثيرٍ من النَّقلِ عنهما، وقد نقلَ عن ابن عباسٍ (ت:68) (1)، ومجاهدِ بن جبرٍ (ت:104) (2)، وغيرِهما من المفسِّرين.
ونقلَ تفسيراتٍ لابن الأعرابيِّ (ت:231)(3)، وثعلبَ (ت:291) (4)، وغيرِهما من اللُّغويِّين.
2 -
كما ظهرَ لي أنَّ الأقوالَ التي نقلَهَا في التَّفسيرِ أكثرُ من أقوالِهِ التَّفسيرية (5)، وكان له في بعضِ الأحيانِ اجتهادُهُ الخَاصُّ به، يظهرُ ذلك في ترجيحاتِهِ في بعضِ الاختلافاتِ التَّفسيريَّةِ. ومِنْ ذلكَ: قوله: «وقولُ الله جلَّ وعزَّ: {وَحَبَّ الْحَصِيدِ} [ق: 9]، قالَ الفرَّاءُ: هذا مما أُضيفَ إلى نفسهِ، وهو
(1) ينظر مثلاً: (1:92، 413، 437)، (2:13، 15، 142، 207، 212)، (3:10، 113، 226، 342، 416)، (4:90، 108، 132، 137، 140، 219، 246، 428)، (5:15، 49، 50، 96، 223، 284، 352)، وغيرها.
(2)
ينظر مثلاً: (1:78، 273، 290، 321، 364)، (2:5، 207، 212، 231، 245، 270)، (3:105، 123، 134، 141، 188، 234، 293)، (4:90، 427، 447، 481)، (5:43، 122، 399)، وغيرها.
(3)
ينظر مثلاً: (1:79، 154، 324، 369، 373)، (2:8، 46، 231، 320)، (5:242، 292)، (6:92، 208، 404، 569)، (7:28، 29، 163، 166، 189، 279، 426، 673)، (8:111، 214، 218، 343، 399، 429)، وغيرها.
(4)
ينظر مثلاً: (1:79، 134، 141، 472)، (7:28، 190، 334، 495)، (9:19، 46، 143، 359، 447، 450)، (10:19، 66، 154، 163، 167، 211، 230)، وغيرها.
(5)
ينظر مثلاً: (1:78، 82، 134، 141، 153)، (2:4، 7، 13، 15)، (3: 10، 17، 55 - 57)، وغيرها كثير جداً.
مثلُ قولِهِ: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ} [الواقعة: 95]، ومثلُه قولُه:{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، والحَبْلُ: هو الوريدُ نفسُهُ، فأضيفَ إلى نفسه لاختلافِ لفظِ الاسمينِ (1).
وقالَ الزَّجَّاجُ: نُصِبَ قولُهُ: {وَحَبَّ الْحَصِيدِ} ؛ أي: وأنبتنا فيها حَبَّ الحصيدِ، فجمعَ بذلكَ جميعَ ما يُقتاتُ: منْ حَبِّ الحِنطةِ والشَّعيرِ وكلِّ ما حُصِدَ؛ كأنَّه قالَ: وحَبَّ النَّبتِ الحصيدِ (2).
وقالَ اللَّيثُ: أرادَ حَبَّ البُرِّ المحصودِ (3). وقولُ الزَّجَّاجِ أصَحُّ؛ لأنَّه أعَمُّ» (4).
3 -
كما ظهرَ اجتهادُه في بيانِ المحتملِ اللُّغويِّ للَّفظِ القرآنيِّ، ومن ذلك قولُه: «قلتُ: وأكثرُ النَّاسِ ذهبوا في تفسيرِ قولِه: {وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ} [القصص: 32] أنه بمعنى: الرَّهْبَةِ.
ولو وجدتُ إماماً منَ السَّلفِ يجعل الرَّهْبَ كُمًّا، لذهبتُ إليه؛ لأنَّه صحيحٌ في العربيَّةِ، وهو أشبه بسياقِ الكلامِ والتَّفسيرِ، واللهُ أعلمُ بما أرادَ» (5).
(1) ينظر قول الفراء في معاني القرآن (3:76).
(2)
ينظر قول الزجاج في معاني القرآن وإعرابه (5:43).
(3)
ينظر كتاب العين (3:112).
(4)
تهذيب اللغة (4:228)، وينظر ترجيحاتٍ أخرى في (2:416)، (4:81، 332، 339)، (5:80، 95).
(5)
تهذيب اللغة (6:292)، ويلاحظ أنَّ في نسخة (10) من المخطوطات التي اعتمد عليها المحقق (ينظر حاشية تهذيب اللغة) أنه قد ورد التفسير عن مقاتل بذلك، حيث قال:«الرَّهْبُ: كُمَّ مدرعته» ويحتمل أن يكون هذا النص مزيداً على نسخة (10) من التهذيب، أو يكون الأزهري لم يعتدَّ بقول مقاتل، والله أعلم.
ثُمَّ ينظر أمثلة أخرى في اجتهاده في بيان المحتمل اللغوي: (4:32، 204، 333)، (6:132، 172)، (14: 230، 242)، (15:119)، وغيرها.
4 -
ومعَ حرصِ الأزهريِّ (ت:370) على إيرادِ الآياتِ وتفسيرِ ألفاظِها، إلَاّ أنه قد فاتَه في بعضِ الموادِّ اللُّغويَّةِ ذكرُ بعضِ الألفاظِ القرآنيَّةِ؛ مثل مادةِ: عبس (1)، ونفع (2)، وحاد (3)، وكهن (4)، وخمد (5)، وفتر (6)، وغيرها (7).
وقدْ ظهَرَ في كتابِهِ، وهو معجمٌ لغويٌّ في مفرداتِ الألفاظِ، ظهرَ اهتمامُهُ بالمعاني، فتراه يشرح معنى الآية متعدياً بذلك دلالةَ اللَّفظ (8)، ويظهرُ أنَّ سببَ ذلكَ أنَّ منْ مصادرِه التي اعتمدَها بعضُ كُتُبِ معاني القرآنِ، فتوسَّعَ في ذلك بسببِ النَّقلِ عنها والإفادةِ من طريقتِها، واللهُ أعلمُ.
ومنْ أمثلةِ ذلك قوله: «قال جلَّ وعزَّ: {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ} [الحج: 15]، أجمعَ المفسِّرونَ على أنَّ تأويلَ قوله:{ثُمَّ لْيَقْطَعْ} : ثمَّ ليختنق (9).
وهو محتاجٌ إلى شرحٍ يزيدُ في بيانِه، والمعنى ـ والله أعلم ـ: من كانَ
(1) تهذيب اللغة (2:115).
(2)
تهذيب اللغة (3:5).
(3)
تهذيب اللغة (5:189 - 190.
(4)
تهذيب اللغة (6:14).
(5)
تهذيب اللغة (7:14).
(6)
تهذيب اللغة (14:272).
(7)
ينظر مثلاً: (2:192 - 193، 226 - 228، 354، 357، 367 - 368)، (3:6، 8، 146، 257، 259، 260)، (5:66 - 68، 227، 233)، (6:18، 146، 181 - 183، 534، 535)، (10:78، 79، 472، 517 - 520)، (11:321، 377)، (12: 198)، (13:156 - 158)، (14:10، 272)، (15:73 - 75، 78، 166 - 167، 172 - 176)، وغيرها.
(8)
ينظر مثلاً: (1:89 - 90، 100، 153، 177، 257، 275، 370، 390، 474)، (4:112، 339)، (7:90، 115، 137، 583، 584)، (8:109 - 110)، (11:266 - 267)، وغيرها.
(9)
كذا وردت الرواية عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة، ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (17:125 - 128).
يظُنُّ منَ الكفَّارِ أنَّ اللهَ لا ينصرُ محمَّداً حتى يُظهِرَهُ على المِلَلِ كلِّها فَلْيَمُتْ غيظاً، وهو تفسيرُ قولِه:{فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ} .
والسببُ: الحبلُ يَشُدُّه المختنقُ إلى سقفِ بيته.
وسماءُ كلِّ شيءٍ: سقفُهُ.
{ثُمَّ لْيَقْطَعْ} ؛ أي: ليَمُدَّ الحبلَ مشدوداً، يوتِّره حتى يقطعَ حياتَهُ ونَفَسَهُ خنقاً.
وقال الفرَّاءُ: أرادَ: ثمَّ ليجعل في سماءِ بيته حبلاً، ثمَّ ليختنق به، فذلك قوله:{ثُمَّ لْيَقْطَعْ} اختناقاً.
قال: وفي قراءةِ عبد اللهِ (1): ثُمَّ لِيَقْطَعْهُ، يعني: السبب، وهو الحبلُ المشدودُ في عنقِهِ (2)، حتى تنقطِعَ نفسُهُ، فيموتَ» (3).
في هذا المثالِ بين الأزهريُّ (ت:370) معاني المفرداتِ، وبيَّنَ معها المعنى المرادَ بالآيةِ.
6 -
كما أنه قدْ يتعرَّضُ لبعضِ المشكلاتِ الواردةِ في التَّفسيرِ، ويجتهدُ في بيانِ المعنى المرادِ، وحَلِّ ما أشكلَ من معاني بعضِ الآياتِ، ومنْ ذلكَ قولُهُ: «وقالَ أبو حاتم (4): قالوا: قبلُ وبعدُ منَ الأضدادِ. وقالَ في قولِ اللهِ تعالى: {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30]؛ أي: قبلَ ذلك (5).
قلتُ: والذي حكاه أبو حاتم عمَّنْ قاله خطأٌ. قبلُ وبعدُ كلُّ واحدٍ منهما نقيضُ صاحبِهِ، فلا يكونُ أحدُهُما بمعنى صاحبِهِ، وهو كلامٌ فاسدٌ.
(1) هو عبد الله بن مسعود، معلم الكوفة، ورواية قراءته كثيرة في كتاب الفراء.
(2)
ينظر قول الفراء في معاني القرآن (2:218).
(3)
تهذيب اللغة (1:188).
(4)
هو أبو حاتم السجستاني.
(5)
ينظر قول أبي حاتم في كتابه الأضداد، تحقيق: محمد عودة (ص:167).
وأمَّا قولُ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ: {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30] فإن السائلَ يسألُ عنه فيقولُ: كيفَ قالَ: {بَعْدَ ذَلِكَ} ، والأرضُ أُنشِئَ خلقُهَا قبلَ السماءِ، والدليلُ على ذلكَ قولُ اللهِ تعالى:{قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت: 9]، فلمَّا فرغَ منْ ذِكْرِ الأرضِ وما خلقَ فيها قالَ اللهُ:{ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [فصلت: 11]، و «ثُمَّ» لا يكونُ إلَاّ بعدَ الأولِ الذي ذُكِر قبلَهُ، ولم يختلفِ المفسرونُ أنَّ خلقَ الأرضِ سبقَ خلقَ السماءِ.
والجوابُ فيما سألَ السائلُ: أنَّ الدَّحْوَ غيرُ الخلقِ، وإنما هو البسطُ. والخلقُ هو الإنشاءُ الأولُ. فاللهُ ـ جلَّ وعزَّ ـ خلقَ الأرضَ أولاً غيرَ مَدْحُوَّةٍ، ثمَّ خلقَ السماءَ، ثمَّ دحا الأرضَ؛ أي: بسطها.
والآياتُ فيها مؤتلفةٌ ولا تَنَاقُضَ ـ بحمدِ اللهِ ـ فيها عندَ منْ يفهَمُهَا. وإنَّما أُتِيَ الملحدُ الطَّاعنُ فيما شَاكَلَهَا منَ الآياتِ منْ جِهَةِ غباوتِهِ، وغِلَظِ فَهْمِه، وقِلَّةِ عِلْمِهِ بكلامِ العربِ» (1).
وهذه الأمثلةُ السَّابقةُ منْ أمثلةِ معاني القرآنِ التي ذكرَها في كتابِه تُظهِرُ أنَّها قد أخذتْ حيِّزاً لا بأس به، أمَّا ما يتعلقُ بالجانبِ الأكبرِ منَ التَّفسيرِ اللُّغويِّ، وهو دلالة الألفاظِ، فقد أوردَه على الصُّوَرِ الآتية:
1 -
تفسيرُ الألفاظِ مع ذكرِ الشَّاهدِ:
كانَ الاستشهادُ للألفاظِ القرآنيَّةِ عندَ الأزهريِّ (ت:370) قليلاً، وقدْ كانَ أغلبُ تفسيرِهِ للألفاظِ بدونِ ذكرِ الشَّاهدِ.
ومنْ أمثلةِ ما استشهدَ لهُ، قولُهُ: «وأمَّا قولُه جلَّ وعزَّ: {أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ
(1) تهذيب اللغة (2:243)، وينظر في هذه المسألة: تأويل مشكل القرآن (ص:67)، وقد نقله عن ابن قتيبة المرزوقيُّ في كتابه: الأزمنه والأمكنه (1:43). ثمَّ ينظر أمثلة أخرى في تهذيب اللغة (5:43، 80)، (6:291)، (9:477 - 449)، (12/ 126)، وغيرها.
الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ} [الزخرف: 5]، فالمعنى: أفنُعرضُ عنْ تذكيرِكم إعراضاً منْ أجلِ إسرافِكم على أنفسِكم في كفرِكم، يقالُ: صَفَحَ عنْ فلانٍ؛ أي: أعرضَ عنه مولِّياً، ومنه قولُ كُثَيِّرٍ ـ يصفُ امرأةً أعرضتْ عنه ـ (1):
صَفُوحاً فَمَا تَلْقَاكَ إلَاّ بَخِيلَةً،
…
فَمَنْ مَلَّ مِنْهَا ذَلِكَ الوَصْلَ مَلَّتِ» (2)
2 -
تفسيرُ الألفاظِ بدونِ ذكرِ الشَّاهدِ:
وهذا هو الغالبُ على الألفاظِ القرآنيَّةِ المفسَّرَةِ في (تهذيبِ اللُّغةِ)، ومن أمثلةِ ذلكَ:
* قوله: «قالَ اللهُ جلَّ وعزَّ: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]، وقالَ في موضعٍ آخرَ:{وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} [الحاقة: 17].
وروى سفيانُ الثَّوريُّ، عن عَمَّارٍ الدُّهْنيِّ (3)، عن مسلمِ بنِ البَطِينِ (4)، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، أنه قال: الكرسيُّ موضعُ القدمينِ، والعرشُ لا يُقدَرُ قَدْرُهُ (5).
(1) البيت في ديوانه، تحقيق: مجيد طراد (ص:55).
(2)
تهذيب اللغة (4:257). وينظر: (5:151، 167)، (8:345)، (9:280)، (11:260)، (14:242). وينظر أمثلة لما نقله من استشهادات اللغويين: (4:157، 205، 481)، (5:18، 34، 50)، (6:76، 334)، (8:159، 342)، (15:156، 160، 460، 511، 516)، وغيرها كثير.
(3)
عمَّار بن معاوية الدُّهْنِيُّ، أبو معاوية البجلي، الكوفي، روى عن إبراهيم التيمي ومجاهد بن جبر وغيرهما، وروى عنه سفيان الثوري وسفيان بن عيينة وغيرهما، صدوق يتشيَّع، مات سنة (133). ينظر: تهذيب الكمال (5:317 - 318)، وتقريب التهذيب (ص:710).
(4)
مسلم بن عمران البطين، أبو عبد الله الكوفي، روى عن سعيد بن جبير وأبي وائل وغيرهما، وعنه: عمار الدهني ومنصور بن المعتمر وغيرهما، ثقة. ينظر: تهذيب الكمال (7:102)، وتقريب التهذيب (ص:940).
(5)
أخرج هذه الأثر جماعة من أهل العلم، منهم: الدارمي في رده على بشر المريسي =
وروى أبو العباسِ (1)، عن ابنِ الأعرابيِّ (2) أنه قال: قال ابنُ عباسٍ: العرشُ مجلسُ الرحمنِ (3).
أرسله ابنُ الأعرابيِّ إرسالاً، ولم يُسنده. وحديث الثَّوريِّ متَّصلٌ صحيحٌ.
والعرشُ في كلامِ العربِ: سريرُ الملكِ، يدلُّكَ على ذلك سريرُ مَلِكَةِ سبأ، سمَّاه اللهُ ـ جلَّ وعزَّ ـ عرشاً، فقال:{إِنِّي وَجَدْتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} [النمل: 23].
قلتُ: والعرشُ في كلامِ العربِ أيضاً: سقفُ البيتِ، وجمعُه: عروشٌ، ومنه قولُه جلَّ وعزَّ:{أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} [البقرة: 259].
قال الكسائيُّ في قولِه: {وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} [البقرة: 259]: على أركانها. وقالَ غيرُه من أهلِ اللُّغةِ: على سُقُوفِها؛ أرادَ: أنَّ حيطانها قائمةٌ، وقدْ تهدَّمتْ سقوفُها، فصارتْ في قرارِها، وانقعرتْ الحيطانُ من قواعدِها، فتساقطت على السُّقوفِ المتهدِّمة قبلها.
ومعنى الخاويةِ والمنقعرةِ واحدٌ، يدلُّكَ على ذلك قولُ اللهِ عز وجل في قصةِ قومِ عادٍ:{كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحاقة: 7]، وقال في موضعٍ آخرَ يذكرُ هلاكهم أيضاً:{كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} [القمر: 20]، فمعنى الخاويةِ
= (ص:67، 73 - 74)، وعبد الله بن أحمد في كتاب السنة (1:301)، والطبري في تفسيره، تحقيق شاكر (5:398)، وابن أبي حاتم في التفسير (2:491)، والدارقطني في كتاب الصفات (ص:49 - 50)، وغيرهم.
(1)
هو ثعلب.
(2)
هو محمد بن زياد، المعروف بابن الأعرابيِّ.
(3)
لم أجد هذا الأثر، وحاله كما قال الأزهري، فهو ضعيفٌ جداً، لانقطاعه، واللهُ أعلمُ.
والمنقعرِ في الآيتينِ واحدٌ، وهي المنقلعةُ من أصولِها، حتى خَوَى منبتُها.
ويقال: انقعرت الشجرةُ: إذا انقلعت. وانقعر البيتُ: إذا انقلعَ من أصلِه فانهدمَ. وهذه الصِّفَةُ في خرابِ المنازلِ من أبلغِ الصِّفاتِ.
وقدْ ذكر اللهُ جَلَّ وعزَّ في موضعٍ آخرَ من كتابِه ما دلَّ على ما ذكرته، وهو قوله:{فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 26]؛ أي: قَلَعَ أبنيَتَهم من أساسها، وهي القواعدُ، فتساقطت سقوفها، وعلتها القواعدُ وحيطانها، وهم فيها، وإنما قيلَ للمنقعرِ: خاوٍ؛ لأنَّ الحائط إذا انقلعَ من أُسِّهِ خَوَى مكانُه؛ أي: خَلَا، ودارٌ خاويةٌ؛ أي: خاليةٌ.
وقال بعضهم في قوله: {وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} [الكهف: 42]؛ أي: خاويةٌ عن عروشها لتهدُّمها. جعل على بمعنى عن، كما قالَ اللهُ تعالى:{الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ} [المطففين: 2]؛ أي: اكتالوا عنهم لأنفسهم» (1).
3 -
توجيهُ القراءات:
لا يخفى على المطَّلعِ على (تهذيب اللُّغة) اهتمام الأزهريِّ (ت:370) بالقراءاتِ القرآنيَّةِ وتوجيهِهَا، كيف لا؟ وقدْ خصَّها بكتابٍ سمَّاه:(القراءات وعلل النَّحويِّين فيها)(2)، وقدْ أكثرَ الأزهريُّ (ت:370) من توجيهِ القراءاتِ في
(1) تهذيب اللغة (1:413 - 414). وينظر أمثلة أخرى: (1:362، 336، 343، 355، 413، 421، 436)، (2:147، 194، 324، 332)، (4:36، 56، 75، 81، 84، 315، 317)، (6:37، 310)، (7:560، 597، 673)، (8:51، 67، 83، 110،128، 138، 154، 156، 202، 210، 256، 319، 396).
(2)
قال الأزهري: «
…
وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: نزل القرآن على سبعة أحرف، كلها شافٍ كافٍ. لقد (كذا) أشبعت تفسيره في كتاب: القراءات وعلل النحويين فيها
…
». تهذيب اللغة (5:13).
وقد طبع له كتابٌ في توجيه القراءات في تحقيقين، الأول بعنوان: معاني القراءات، حققه: عيد مصطفى درويش وعوض بن حمد القوزي. والثاني بعنوان: القراءات =
كتابِهِ، ومنْ ذلكَ قولُهُ:«وقالَ اللهُ: {حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: 40]، قال الفَرَّاءُ: الْجَمَلُ: هو زوجُ النَّاقةِ، وقدْ ذُكِر عن ابنِ عباسٍ أنه قرأ: «الجُمَّلُ» (1)؛ يعني: الجمال (2) المجموعة (3).
وأخبرني المنذريُّ (4)، عن أبي طالب (5) أنه قال: رواه الفرَّاءُ: «الجُمَّلُ» بتشديدِ الميمِ (6)، ونحنُ نَظُنُّ أنه أرادَ التخفيفَ.
قالَ أبو طالب: وهذا لأنَّ الأسماءَ إنما تأتي على (فُعَل) فَخَفَّفَ، والجماعةُ على (فُعَّل)؛ مثل: صُوَّم ونُوَّم.
وقالَ (7) ـ فيما وجدتُ بِخَطِّ أبي الهيثم (8) ـ: قرأ أبو عمرو والحسن (9)،
= وعلل النحويين فيها، المسمى: علل القراءات، تحقيق: نوال بنت إبراهيم الحلوة.
والملاحظُ أنَّ هذا الكتاب المطبوعَ فيه سقطٌ في المقدمة، فيحتمل أن يكونَ هذا المطبوع هو الكتاب المقصودُ، ويكون شرح حديث الأحرفِ السبعةِ مما فُقِدَ في المقدمةِ، ويحتمل أنه كتابٌ آخر غير هذا المطبوع؛ لأنَّ علم النحو في هذا الكتاب قليلٌ، إلَاّ إن كان يريد بالنحويين عموم أهل العربية من نحو ولغة وغيرها، ويكون هذا على التوسع في المصطلح، والله أعلم.
(1)
ينظر: مختصر في شواذ القرآن (ص:43)، وقد نسبها إلى عليٍّ وابنِ عباس.
(2)
الصواب «الحبال المجموعة» كما في كتاب المعاني، وهذا التصحيف كثيرٌ في النسخة المطبوعة من تهذيب اللغةِ.
(3)
ينظر قول الفراء في معاني القرآن (1:379).
(4)
محمد بن أبي جعفر، أبو الفضل المنذري الهروي، نحوي لغوي مصنف فيهما، قرأ على ثعلب والمبرد، توفي سنة (329). معجم الأدباء (18:99).
(5)
هو المفضل بن سلمة بن عاصم، وقد سبقت ترجمته.
(6)
ينظر: معاني القرآن (1:379).
(7)
أي: المنذري.
(8)
أبو الهيثم الرازي، اللغوي، اشتهر بكنيته، تصدَّر بالريِّ للإفادة، ومن تلاميذه أبو الفضل المنذري، أخذ عنه وكثَّر، وكان أبو الهيثم صاحب سنة، كثير الصلاة، له كتاب: زيادات معاني القرآن للفراء، توفي سنة (226). نزهة الألباء (ص:118)، وإنباه الرواة (4:188).
(9)
هما أبو عمرو بن العلاء البصري، والحسن البصري.
وهي قراءة ابن مسعود: «حَتَّى يَلِجَ الجُمَلُ» (1) مثل: النُّفَر في التقدير.
قلت (2): والصَّحيحُ لأبي عمرو: {الْجَمَلُ} وعليه القُرَّاءُ (3)، وأبو الهيثم ما أراهُ حَفِظَ لأبي عمرو:«الجُمَل» ، اتفق قُرَّاءُ الأمصارِ على {الْجَمَلُ} ، وهو زوجُ النَّاقةِ.
ورُوي عن ابن عباسٍ: «الجُمَّل» بالتَّثقيلِ والتَّخفيفِ أيضاً (4). فأمَّا التَّخفيفُ، فهو الحبل الغليظ، وكذلك الجُمَّل مشدَّداً. وحُكِيَ عن عبدِ اللهِ وأُبَيٍّ (5):«حَتَّى يَلِجَ الجُمَلُ» » (6).
هذا، ولا يختلفُ المنهجُ في البحثِ اللُّغويِّ في التَّفسيرِ عند الأزهريِّ (ت:370) عن غيرِه من علماءِ اللُّغةِ، واللهُ أعلمُ.
(1) نُسبت هذه القراءة إلى ابن عباس وسعيد ومجاهد وعبد الكريم وحنظلة. المحتسب (1:249).
(2)
القائل هو الأزهري.
(3)
قال الطبري: «وأما القرأةُ من جميع الأمصارِ فإنها قرأت قولهِ: {فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} بفتح السين، وأجمعت على قراءةً {الْجَمَلُ} بفتح الجيم والميم، وتخفيف ذلك» . تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (12:428).
(4)
قال الطبري: «وأما ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير فإنه حكي عنهم أنهم كانوا يقرؤون ذلك «الجُمَّلُ» بضمِّ الجيمِ وتشديد الميمِ على اختلافٍ في ذلك عن سعيد وابن عباسٍ». تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (12:428)، وقد ذكر الرواية عنهم بأسانيدها، ينظر (12:431 - 433).
(5)
هما عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب الصحابيان.
(6)
تهذيب اللغة (11:106 - 107). والقراءة المتواترة «الجَمَل» : زوج الناقة، كما قال الأزهري، وأمَّا القراءات الأخرى التي ذكرها فهي شاذة، وينظر أمثلة أخرى في توجيه القراءات عند الأزهري (1:82، 275، 386، 415)، (2:78، 211، 234، 307)، (11:107، 338، 467 - 468)، (7:90)، (12:13)، (13:169)، وغيرها.
أثرُ المعتقدِ في التَّفسير اللُّغويِّ في كتابِ تهذيبِ اللُّغةِ:
لقدْ رسمَ الأزهريُّ (ت:370) لنفسِه في تدوينِ اللُّغةِ منهجاً يتَّسِمُ بالحيطةِ في النَّقلِ، والاعتمادِ على الموثوقِ بهم من أهلِ اللُّغةِ عنده، ولا غَرْوَ أنْ يكونَ احتياطُه في نقلِ اللُّغةِ التي يكونُ لها أثرٌ في المعتقد محطَّ اهتمامِه، وهو كما يظهرُ من كتابِه يسيرُ على منهجِ السَّلفِ في الاعتقادِ، ومما جاءَ في ذلكَ، قولُه: «قالَ (1): وتقولُ العربُ: سَمِعَتْ أُذُني زيداً يفعلُ كذا؛ أي: أبصرْتُهُ بعيني يفعلُ ذاكَ (2).
قلتُ: لا أدري من أين جاءَ اللَّيثُ بهذا الحرفِ، وليسَ منْ مذاهبِ العربِ أنْ يقولَ الرجلُ: سَمِعَتْ أُذُني، بمعنى: أبصرتْ عيني، وهو عندي كلامٌ فاسدٌ، ولا آمنُ أنْ يكون ممَّا ولَّده أهلُ البدعِ والأهواءِ، وكأنه من كلامِ الجَهْمِيَّةِ» (3).
ولقدْ كانَ أثرُ اعتقادِ الأزهريِّ (ت:370) المتَّبِعِ للسَّلفِ الصَّالحِ ظاهراً في كتابِه، سواءٌ أكانَ ذلكَ في تقريرِه لمعتقدهم في الأسماءِ والصِّفاتِ (4)،
(1) يقصد الليث بن المظفر.
(2)
في كتاب العين (1:348) ما نصُّه: «وتقولُ: سَمِعَتْ أُذني زيداً يفعلُ كذا؛ أي: سَمِعْتُهُ، كما تقولُ: أبصرَتْ عيني زيداً يفعلُ كذا وكذا؛ أي: أبصَرْتُ بعيني زيداً» . وهذا الكلامُ صحيحٌ، وما في تهذيبِ اللغة كلامٌ محرَّفٌ، ولا يبعد أن تكون النسخة التي اعتمدها الأزهري فيها من هذا التحريفِ الذي جعله لا يعتدُّ بكتاب العين، وجعله ينسبه لليث بدلاً عن الخليل، والأزهري رحمه الله، كان كثير التحامل على الليث، وسبب ذلك عنده: أنَّ الليث لم يكن يتوثَّقُ من روايته، كما ذكره في مقدمته لكتابه تهذيب اللغة (1:28)، وفي هذا بحثٌ ليسَ هذا محلُّه، ينظر في ذلك مقدمة محققي كتاب العين (1:19 - 27).
(3)
تهذيب اللغة (2:123). وينظر: (2:243).
(4)
ينظر مثلاً: (2:124، 303)، (5:112، 198، 220)، (9:45 - 46)، (11: 185، 458)، (12:150)، (14:371)، وغيرها.
والقرآن (1)، والإيمانِ (2)، والقدرِ (3)، والغيبياتِ؛ كالميزانِ والسِّراطِ وسجودِ المَوَاتِ (4)، وغيرها. أم في ردِّه على مُخالفِهم (5).
وليس يُشكلُ على هذا وقوعُ المخالفةِ منه في مثالٍ أو مثالين؛ لأنَّ النَّظرَ في مثلِ هذا إلى القاعدةِ العامَّةِ التي سارَ عليها في الاعتقادِ، ومن ذلك:
إنَّ تفسيرَه صفةَ المخادَعةِ بهذا التَّفسيرِ فيه قصورٌ؛ لأنَّ المجازاةَ إنما هي نتيجةُ المخادعةِ ولازمُها، لا المخادعةَ ذاتها، وهذه الصِّفةُ مما لا تُطلَقُ على اللهِ ابتداءً، بلْ تُطلقُ معَ مقابلها، كما وردتْ في القرآنِ، فلا يصحُّ أن يقالَ: إنَّ اللهَ هو الخادعُ، وإنما يقال: اللهُ يخادعُ من يخادعُه، كما وردَ في النَّصِّ القرآنيِّ، والله أعلم.
* أنَّه نقلَ تفسيرَ صفةِ الاستواءِ عن ثعلبَ (ت:291)، وهو قولُه:«{الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]، قال: الاستواء: الإقبالُ على الشيءِ» (7). ونقل عن الزَّجَّاجِ (ت:311) قولَه: «وقولُ ابن عباسٍ في قولِه
(1) ينظر: تهذيب اللغة (10:265).
(2)
ينظر: تهذيب اللغة (12:452).
(3)
ينظر: تهذيب اللغة (11:464)، (13: 328 - 330)، (14:11 - 12).
(4)
ينظر: تهذيب اللغة (4: 34)، (10: 45، 572)، (12: 228 - 2229)، (13: 257)، وغيرها.
(5)
ينظر مثلاً: (5:112)، (12:228، 229)، (14: 371)، وغيرها.
(6)
تهذيب اللغة (1:158).
(7)
تهذيب اللغة (13:125).
تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [البقرة: 29]؛ أي: صَعِدَ، معنى قولِ ابن عباسٍ: أي صَعِدَ أمرُه إلى السماء (1)» (2).
ولمْ يَرُدَّ هذه الأقوالَ المخالفةَ لمذهبِ السَّلفِ في الاستواءِ، فلو حُكِمَ عليه من خلال هذين المثالين بأنه يخالفُ مذهب السَّلف في الصِّفاتِ، لكانَ في ذلكَ قصورٌ في البحثِ، وتَجَنٍّ على الأزهريِّ (ت:370)، ولكانَ مفترياً على هذا العالمِ الذي ذَكَرَ قاعدتَهُ في ذلك في مواطنَ من كتابه، مثلَ قولِه: «قال (3): واللهُ هو النَّفَّاحَ المنعم على عباده (4).
قلتُ: لم أسمعِ النَّفَّاحَ في صفاتِ اللهِ التي جاءتْ في القرآنِ، ثُمَّ في سنَّةِ المصطفى عليه السلام، ولا يجوزُ عندَ أهلِ العلمِ أنْ يُوصَفَ اللهُ جَلَّ وعَزَّ بصفةٍ لمْ يُنزِلْها في كتابِه، ولمْ يُبيِّنْها على لسانِ نبيِّه عليه السلام» (5).
وليست عقيدةُ العالمِ تُؤخذُ من كلامه في الأسماءِ والصفاتِ فقطُ، فيُحكمُ عليه من خلالها، بلِ العقيدةُ أعمُّ من ذلكَ؛ كمسائل القدرِ والإيمانِ
(1) في معاني القرآن وإعرابه (1:107): «وقد قيل: استوى؛ أي: صَعِدَ أمرهُ إلى السماءِ، وهذا قولُ ابن عباسٍ» .
(2)
تهذيب اللغة (13:125).
(3)
القائل الليث بن المظفر، كما هي عادة الأزهري في نسبِ ما في كتاب العين له.
(4)
كتاب العين (3:249). وإذا حُمِلَ كلامُ اللَّيث على الإخبار، جازَ؛ لأنَّ باب الإخبارِ أوسعُ من بابِ الصفاتِ، فيجوزُ أن يُخبَرَ عن اللهِ بما لا يتضمَّنُ نقصاً، والله أعلم.
قال ابن القيِّمِ: «إنَّ ما يدخلُ في باب الإخبارِ عنه تعالى أوسعُ مما يدخلُ في بابِ أسمائه وصفاته؛ كالشيء والموجودِ والقائمِ بنفسِه، فإنه يُخْبَرُ عنه، ولا يدخلُ في أسمائه الحسنى وصفاته العليا» . بدائعُ الفوائد (1:161). وقالَ: «إنَّ ما يُطلَقُ عليه في بابِ الأسماءِ والصفاتِ توقيفي، وما يطلقُ عليه من الأخبار لا يجبُ أنْ يكونَ توقيفياً؛ كالقديمِ والشيءِ والموجودِ والقائمِ بنفسه، فهذا فصلُ الخطابِ في مسألةِ أسمائه، هل هي توقيفية، أو يجوز أن يُطْلَقَ عليه منها بعضُ ما لم يردْ به السَّمعُ» . بدائع الفوائد (1:162).
(5)
تهذيب اللغة (5:112)، وينظر:(5:198، 220).
والإمامة والغيبياتِ وغيرها، فمن رامَ الحُكمَ على عالمٍ في مُعْتَقَدِه من خلالِ مثالٍ أو مثالين، وقعَ في الزَّللِ، وهذا بحثٌ يحتاجُ إلى تفصيلٍ ليسَ هذا محلُّه، واللهُ الموفقُ.
أمَّا ما وردَ عنه في إثبات معتقدِ السَّلفِ، فمنه:
1 -
قالَ: «والسَّميعُ من صفاتِ اللهِ وأسمائِه. وهو الَّذي وسِعَ سمعُهُ كُلَّ شيءٍ؛ كما قالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم (1).
قالَ اللهُ تبارك وتعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} [المجادلة: 1]، وقالَ في موضعٍ آخرَ:{أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى} [الزخرف: 80].
قلتُ: والعَجَبُ من قومٍ فسَّرُوا السَّميعَ بمعنى المُسمِعِ، فراراً منْ وصفِ اللهِ بأنَّ له سمعاً.
وقدْ ذكرَ اللهُ الفعلَ في غيرِ موضعٍ من كتابِه، فهو سميعٌ: ذو سَمْع، بلا تكييفٍ ولا تشبيهٍ بالسَّميعِ من خلقِهِ، ولا سمعُهُ كسمعِ خلقِهِ. ونحنُ نَصِفُهُ بما وصفَ به نفسَهُ بلا تحديدٍ ولا تكييفٍ.
ولستُ أُنكِرُ في كلامِ العربِ أنْ يكونَ السَّميعُ سامعاً، ويكونَ مُسمِعاً، وقد قالَ عمرو بن مَعْدِي كَرِبَ (2):
أَمِنْ رَيَحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ
…
يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ
(1) أخرجه أحمد في مسنده (6:46)، وابن ماجه، المقدمة 13. وقد صحَّ عن عائشة رضي الله عنها قولها:«الحمد الله الذي وَسِعَ سمعه الأصواتَ» . أخرجه جماعة، منهم البخاري في باب:{وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} في كتاب التوحيد من صحيحه، ينظر: فتح الباري، ط: الريان (13:384).
(2)
عمرو بن مَعْدِي كَرِبَ، أبو ثور، الزُّبيدي، شاعرٌ، فارسٌ مخضرمٌ، أسلم، ثمَّ ارتدَّ، ثمَّ عاد إلى الإسلامِ، وشهِدَ فتوح فارس، وأبلى فيها بلاءً حسناً، توفي سنة (21). ينظر: معجم الشعراء المخضرمين والأمويين (ص:338 - 339)، ومعجم الشعراء (ص:195 - 196).
والبيت مشهور، وهو في ديوانه، جمع: مطاع الطرابيشي (ص:140).
وهو في البيتِ بمعنى: المُسْمِعِ، وهو شاذٌّ، والظَّاهرُ الأكثرُ منْ كلامِ العربِ أنْ يكونَ السَّميعُ بمعنى السَّامعِ؛ مثلَ: عليمٍ وعالمٍ، وقديرٍ وقادرٍ» (1).
في هذا المثالِ أثبتَ الأزهريُّ (ت:370) اسمَ السَّميعِ والصِّفةَ التي يتضمَّنُها هذا الاسم، وهي السَّمعُ، وهذا هو الحقُّ الموافقُ لما كانَ عليه السَّلفُ، ثمَّ ردَّ على من أنكرَ صفة السَّمعِ.
2 -
وقالَ: «وأمَّا قولُ اللهِ: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44]، وقالَ (2) أبو إسحاق (3): قيلَ: إنَّ كُلَّ ما خلقَ اللهُ يُسبِّحُ بحمدِه، وإنَّ صريرَ السَّقفِ وصريرَ البابِ منَ التَّسبيحِ، فيكونُ ـ على هذا ـ الخطابُ للمشركينَ وحدهم في {وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} .
وجائزٌ أن يكونَ تسبيحُ هذه الأشياءُ بما اللهُ به أَعْلَمُ لا يُفْقَهُ منه إلَاّ ما عُلِّمنا.
قال: وقال قومٌ: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} أي: ما من شيءٍ إلَاّ وفيه دليلُ أنَّ اللهَ ـ جلَّ وعزَّ ـ خالِقُهُ، وأنَّ خالقَهُ حكيمٌ مُبرَّأٌ منَ الأسْوَاءِ، ولكِنَّكم أيها الكفارُ لا تفقهونَ أثرَ الصَّنعةِ في هذه المخلوقاتِ.
قالَ أبو إسحاق: وليس هذا بشيءٍ؛ لأنَّ الَّذينَ خوطِبوا بهذا كانوا مُقرِّين بأنَّ اللهَ خالِقُهم، وخالقُ السماءِ والأرضِ ومنْ فيهنَّ، فكيفَ يجهلونَ الخِلْقَةَ، وهم عارفونَ بها؟! (4).
(1) تهذيب اللُّغةِ (2:123 - 124).
(2)
الصواب «قال» دون الواو؛ لأنه جوابُ «أمَّا» ، وكذا هو بدونِ الواو في لسانِ العربِ، مادة (سبح)، وقد نقل هذا الموضع عن تهذيب اللغة.
(3)
هو الزجاج.
(4)
ينظر قول الزَّجاجِ في معاني القرآن وإعرابه (3:242)
قلتُ (1): ومِمَّا يدلُّكَ على أنَّ تسبيحَ هذه المخلوقاتِ تسبيحٌ تُعُبِّدَتْ به، قولُ اللهِ جلَّ وعزَّ للجبالِ:{يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} [سبأ: 10]، ومعنى: أوِّبي؛ أي: سبِّحي مع داودَ النَّهارَ كُلَّهُ إلى اللَّيلِ. ولا يجوزُ أن يكونَ معنى أمرِ اللهِ جلَّ وعزَّ للجبالِ بالتأويبِ إلَاّ تَعَبُّداً لها.
وكذلك قوله جلَّ وعزَّ: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ} إلى قولِه: {وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} [الحج: 18]، فسجودُ المخلوقاتِ عبادةٌ منها لخالقِها لا نَفْقَهُها عنها، كما لا نفقهُ تسبيحَها.
وكذلكَ قولُه: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة: 74]، وقد علم اللهُ هبوطَها منْ خشيتِهِ، ولمْ يُعرِّفنا ذلكَ، فنحنُ نؤمنُ بما أعْلَمَنا، ولا نَدَّعِيَ بما لمْ نُكَلَّفْ بأفْهَامِنَا من عِلْمِ فِعْلِهَا كيفيَّةً نَحُدُّها» (2).
في هذا المثالِ أثبتَ الأزهريُّ (ت:370) عبوديَّةَ هذه المخلوقاتِ، وأنه يقعُ منها فِعْلٌ على الحقيقةِ، وهذا هو الحقُّ الموافقُ لمذهبِ السَّلفِ الصالحِ، وهو ما تَدُلُّ عليه ظاهرُ النُّصوصِ التي لا يجوزُ أن يُتَعَدَّى ظاهرها إلى غيرِه إلَاّ بحُجَّةٍ يجبُ التَّسليمُ لها، وما سوى الظَّاهرِ من التَّأويلِ باطلٌ، والله أعلم.
3 -
وفي قوله تعالى: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} [الأعراف: 143]، قال: «وقولُ اللهِ جَلَّ وعزَّ: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} [الأعراف: 143]، حدَّثني المنذريُّ (3)، عن أبي بكرٍ الخطَّابيِّ (4)، عن هُدْبَة (5)،
(1) القائل: الأزهري.
(2)
تهذيب اللغة (4:339 - 340).
(3)
محمد بن أبي جعفر، أبو الفضل المنذري، تقدمت ترجمته.
(4)
لم أعرفه.
(5)
هُدْبةُ بن خالد بن الأسود، أبو خالد البصري، روى عن أبان العطار وحماد بن سلمة، وعنه: البخاري ومسلم، وغيرهما، ثقة عابد، توفي سنة (237)، وقيل غيرها. ينظر: تهذيب الكمال (7:390 - 391)، تقريب التهذيب (ص:1018).
عن حمَّاد (1)، عن ثابت (2)، عن أنس (3)، قال: قرأ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا} ، قال: وَضَعَ إبهامه على قريبٍ من طَرَفِ أُنْمُلَةِ خِنْصَرِهِ، فساخَ الجبلُ (4).
قالَ حمَّادُ: قلتُ لثابت: تقولُ هذا؟
فقالَ: يقوله رسولُ اللهِ، ويقولُهُ أنسٌ، وأنا أكْتُمُه!
وقالَ الزَّجَّاجُ في قولِه: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} : أي ظهر وبان (5).
وهو قولُ أهلِ السُّنةِ والجماعةِ» (6).
في هذا المثالِ يظهرُ أخذُ الأزهريِّ (ت:370) بظاهرِ النَّصِّ، وتفسيرُه على المعروفِ والمشهورِ من معانيه في اللُّغةِ، دونَ البعدِ به إلى تأويلاتٍ تعتمدُ على شواذِّ اللُّغةِ وقَلِيلِهَا، بسببِ شُبْهَةٍ تَرِدُ على عقلِ فلانٍ أو عَلَاّنٍ.
(1) حماد بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصري، روى عن: حميد الطويل وثابت البُناني وغيرهما، وعنه: الحجاج بن منهال وأبو داود الطيالسي وغيرهما، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، تغيَّر حفظه بأخرة، توفي سنة (167). ينظر: تهذيب الكمال (2:277 - 281)، تقريب التهذيب (ص:168 - 269).
(2)
ثابت بن أسلم البُنَانِيُّ، أبو محمد البصري، روى عن: أنس بن مالك وبكر بن عبد الله المزني، وغيرهما، وعنه: وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وغيرهما، ثقة عابد، توفي سنة (127) وقيل غير ذلك. ينظر: تهذيب الكمال (1:402 - 403)، وتقريب التهذيب (ص:185).
(3)
هو الصحابي أنس بن مالك.
(4)
أخرج هذا الحديث أحمد بن حنبل في مسنده (3/ 123)، الترمذي في سننه (باب 8 من سورة الأعراف، 4:265)، وابن أبي عاصم في كتابه السُّنَّة، تحقيق: الألباني (ص:210)، والطبري في تفسيره، تحقيق: شاكر (13:96)، وابن خزيمة في كتاب التوحيد، تحقيق: عبد العزيز الشهوان (1:258 - 263)، والحاكم في مستدركه (2:320).
(5)
ينظر قوله في معاني القرآن وإعرابه (2:373).
(6)
تهذيب اللغة (11:185).
4 -
وقال: «وقولُه جلَّ وعزَّ: {إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ} [النحل: 37]، قالَ الزَّجَّاجُ: هو كما قالَ جَلَّ وعَزَّ: {مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ} [الأعراف: 186](1).
قلت: والإضلالُ في كلامِ العربِ ضدُّ الهدايةِ والإرشادِ، يقالُ: أضْلَلْتُ فلاناً عن الطَّريقِ، وإياه أرادَ لَبِيدُ (2):
مَنْ هَدَاهُ سُبُلَ الخَيرِ اهْتَدى
…
نَاعِمَ البَالِ وَمَنْ شَاء أضَلْ
وقالَ لَبِيدُ هذا في جاهليتِه، فوافقَ قولُه التَّنْزيلَ، يُضِلُّ من يشاءُ» (3).
وما ذكر هنا هو الحقُّ، لأنَّ اللهَ سبحانه قد ذكرَ أنه يهدي ويُضِلُّ، ولا يجوزُ أن يُعْتَبَطَ في هذا شذوذٌ من التَّأويلات والتَّحريفاتِ التي أخرجتها عقولٌ مؤوِّلةٌ مأفونةٌ.
وهذه الأمثلة، وغيرها مما لم أنقلْه، تبيِّنُ صِحَّةَ معتقدِ الأزهريِّ (ت:370)، وأنه كان على منهجِ السَّلفِ، لذا لم تظهرْ عنده تلك الانحرافاتُ التي تعتمدُ على سَعَةِ اللُّغةِ لإثباتِ صحَّتها، والله الموفق.
(1) قال الزجاج: «وقرئت: {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ} ، كما قال:{مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ}
…
». معاني القرآن وإعرابه (3:198).
(2)
البيت في ديوانه بشرح الطوسي (ص:121).
(3)
تهذيب اللغة (11:464 - 465).