الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3 -
أنه أدخلَ حروفَ الزوائدِ في موادِ الكلماتِ، دونَ إرجاعِها إلى أصلِ اشتقاقِها، فكلمةُ:«أدبار» تجدها في باب: الهمزةِ المفتوحةِ، ولو كان يسيرُ على الأصلِ الاشتقاقي لكانت تحتَ مادةِ:«دَبَرَ» من حرفِ الدالِ.
كما تجدُ كلمةَ: «يذرؤكم» في باب: الياء المفتوحة، ولو كانتْ على الأصلِ الاشتقاقيِّ، لكانتْ تحتَ مادةِ:«ذَرَأَ» من حرفِ الذَّالِ.
وهذا المنهجُ لم يُسْبَقْ إليه، كما لم يُلْحَقْ به، واللهُ أعلم.
ولمَّا كانَ ابنُ عُزَيْزٍ (ت:330) قدْ سُبِقَ في التَّأليف في (غريب القرآن)، فإنه قد استفادَ من سابقيه، خاصةً أبو عبيدةَ معمر بن المثنى (ت:210) في كتابِه (مجازِ القرآنِ)، حيث كانَ معتمدَه الأولَ في غريبِ القرآنِ، وهذا ظاهرٌ بالموازنةِ بين أقوالِ أبي عبيدةَ (ت:210) وأقوال ابن عُزَيز (ت:330)، وهو لا يصرِّحُ بذكرِه في كُلِّ موضعٍ، ومع ذلك تجد أن أبا عبيدةَ (ت:210) أكثرُ الأعلامِ الذين صرحَ بذكرِهم في كتابِه هذا، حيثُ ذكرَه ثلاثَ عشرةَ مرةً (1). ثمَّ يتلوه الفراءُ (ت:207) وكان اعتمادُه على كتابِه (معاني القرآن)، وقدْ وردَ ذكرُه تسعَ مراتٍ (2)، ثم ابنُ عباسٍ (ت:68) حيثُ وردَ ذكرُه خمسَ مراتٍ (3).
ويلاحظ أنه في نقله أقوالَ هؤلاءِ وغيرِهم لا يعترضُ عليهم ولا يُرجِّحُ بين أقوالِهم عند الاختلافِ، بل يكتفي بحكايةِ الخلافِ عنهم، وليس في كتابِ ابنِ عُزَيزٍ (ت:330) ما يمكنُ إضافتُه إلى الظواهرِ اللغويَّةِ في التَّفسيرِ التي وُجِدَتْ عندَ سابقيه منْ كتبِ (غريب القرآن) سوى
اهتمامِه بالوجوه والنَّظائر
في بعض الألفاظ القرآنيَّةِ (4)، ومن ذلك:
(1) ينظر: غريب القرآن، لابن عُزَيز، تحقيق: أحمد عبد القادر صلاحية (ص:186، 187، 201، 207، 223، 224، 226، 229، 265، 293، 341، 363).
(2)
ينظر: غريب القرآن (ص:111، 119، 151، 152، 165، 217، 288، 370، 377).
(3)
ينظر: غريب القرآن (ص:97، 147، 165، 203، 229).
(4)
ينظر: المواد التالية في غريب القرآن (أوزارهم: 103، إمام: 127، جبار: 167، =
1 -
قال ابن عُزيز (ت:330): أمَّة على ثمانيةِ أوجهٍ: أُمَّة؛ جماعة؛ كقوله جَلَّ ثناؤه: {أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ} [القصص: 23].
وأُمَّة: أتباعُ الأنبياءِ عليهم السلام؛ كما تقولُ: نحنُ منْ أُمَّة محمدٍ صلى الله عليه وسلم.
وأُمَّة: رجلٌ جامعٌ للخيرِ يُقتدَى به؛ كقولِه جل ثناؤه: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ} [النحل: 120].
وأُمَّة: دِينٌ ومِلَّةٌ؛ كقوله: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} [الزخرف: 43]، أي: على مِلَّةٍ.
وأُمَّة: حينٌ وزمانٌ؛ كقولِه عز وجل: {إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ} [هود: 11]، وقوله:{وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف: 54]؛ أي: بعدَ حينٍ.
ومن قرأ: «بعد أمْه» (1) و «أمَهٍ» (2)؛ أي: بعد نسيانٍ ....» (3).
2 -
وقال: {جَبَّارِينَ} [المائدة: 22]: أقوياء، عظام الأجسام، والجبَّارُ القهارُ. والجبَّارُ: المتسلطُ. والجبَّارُ: المتكبِّرُ؛ كقوله تعالى: {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} [مريم: 32]. والجبَّارُ: القتَّالُ؛ كقوله تعالى: {وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} [الشعراء: 130]؛ أي: قتَّالين» (4).
= جنب: 169، جنة: 173، حجر: 184، خلاف: 190، خلال: 190، دين: 197، الرجز: 209 - 210، الزوج: 213، السلام: 218، الصلاة: 239، العفو: 260 - 261).
(1)
قرأ بسكون الميم، بعده هاء (أمْهٍ)، مجاهد وشُبيل بن عَزْرَةَ، ينظر: تفسير ابن عطية، ط: قطر (7:523).
(2)
قرأ بفتح الميم، بعدها هاء (أمَهٍ)، ابن عباس وابن عمر بخلاف عنه وعكرمة مجاهد بخلاف عنهما والضحاك وأبو رجاء وقتادة وشُبيل بن عزرة الضبعي وربيعة بن عمرو وزيد بن علي، ينظر: المحتسب (1:344).
(3)
غريب القرآن (ص:122 - 123). ويلاحظ أنَّ بعض الوجوه التي ذكرها لم يورد عليها شاهداً قرآنياً، كما يلاحظ أنَّ كلمة أمة، أشهر ألفاظ الوجوه والنظائر، لذا يبين كثير من اللغويين والمفسرين معانيها في القرآن.
(4)
غريب القرآن (ص:166).
ومنَ الظَّواهرِ اللُّغويَّةِ الأخرى ما يأتي:
أولاً: توجيهُ القراءاتِ:
كان لتوجيه القراءات التي لها أثر في المعنى، نصيبٌ لا بأس به (1)، ومن ذلك:
* قال في قوله: {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} [البقرة: 260]: «ضُمَّهُنَّ إليك، ويقال: أَمِلْهُنَّ إليك. و «صِرهن» ـ بكسر الصاد ـ (2): قَطِّعهُنَّ، والمعنى: فخذْ أربعةً منَ الطيرِ إليكَ، فَصِرْهُنَّ؛ أي: قَطِّعْهُنَّ» (3).
* وفي قوله تعالى: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} [البقرة: 88]، قالَ: «غُلْفٌ: جمع أغلفْ، وهو كُلُّ شيءٍ جعلتَه في غلافٍ؛ أي: قلوبُنا محجوبةٌ عمَّا تقولُ: كأنَّها في غُلْفٍ.
ومن قرأ غُلُف بضمِّ اللامِ (4)، أرادَ: جمعَ غلافٍ، وتسكينُ اللامِ فيه جائزٌ أيضاً، مثلَ كُتُبٍ وكُتْبٍ؛ أي: قلوبُنا أوعيةٌ للعلمِ، فكيفَ تجيئنا بما ليس عندنا؟» (5).
* وفي قوله: {فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ} [الصافات: 94] قال: «يسرعونَ، يقال: جاءَ الرَّجلُ يَزِفُّ زَفِيفَ النعامةِ، وهو أوَّلُ عَدْوِهَا وآخرُ مَشْيِهَا.
(1) ينظر: أمثلة لبعض القراءات التي وجَّهها: أزلهما (ص:98)، ثمر (ص:164)، جمالات (ص:172)، حرام (ص:183)، خرقوا (ص:186)، درسوا (ص:193)، دبر (ص:194)، دُرِّي (ص:195)، رئياً (ص:210)، زكيَّة (ص:213)، وغيرها.
(2)
قرأ بكسر الصاد حمزة، وقرأ الباقون بضمِّها، ينظر: السبعة في القراءات، لابن مجاهد (ص:189 - 190).
(3)
غريب القرآن (ص:245).
(4)
القراءةُ المتواترةُ بسكونِ اللام، وروى اللؤلؤيُّ عن أبي عمرو بضمِّ اللام، كما حكاها ابن مجاهد في السبعة (ص:164)، وقد نسبها ابن عطية في تفسيره، ط: قطر (1:388) إلى الأعمش والأعرج وابن محيصن.
(5)
غريب القرآن (ص:274).
وتُقرأ: «يُزِفُّونَ» ؛ أي: يصيرونَ إلى الزَّفِيفِ
…
ويقرأ أيضاً: «يَزِفُونَ» بالتخفيف (1) من وَزَفَ يَزِفُ، بمعنى: أسرعَ. ولم يعرفْها الفرَّاءُ ولا الكسائيُّ (2)، قال الزَّجَّاجُ (3): وعرفَها غيرُهما» (4).
ثانياً: الاستشهادُ بالشِّعرِ:
كانَ حظُّ الاستشهاد بالشِّعرِ عند ابنِ عُزَيزٍ (ت:330) في بيانِ الألفاظِ القرآنيَّةِ قليلاً (5)، ولم يكنْ في ذلك مثلُ أبي عبيدةَ (ت:210) الذي تميزَ بكثرةِ شواهدِه الشِّعريَّةِ، مع أنه اعتمدَ على كتابه (مجاز القرآنِ) واستفادَ منه بعضَ الشَّواهدِ، كما لم يبلغْ نصفَ شواهدِ ابنِ قتيبةَ (ت:276).
أمَّا استشهاد ابن عزيز (ت:330) بمنثورِ كلامِ العربِ من جاهليينَ وإسلاميِّينَ، وكذا استشهادُه بأقوالِ الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم، فكان قليلاً، كما هي العادةُ عند علماءِ اللُّغةِ والنَّحوِ في الاستشهادِ بالمنثورِ من كلامِ العربِ ومن الحديثِ النَّبويِّ.
ومن الأمثلةِ في استخدامِ الشَّواهدِ الشِّعْريَّةِ:
* في قوله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنبياء: 109] قال: «أعلمتكم، فاستوينا في العلمِ، قال الحارث بن حِلِّزَة (6):
(1) قرأ الجمهور بفتح الياء وتشديد الفاء (يَزِفُّون)، وقرأ حمزةُ بضمِّ الياء وتشديد الفاء (يُزِفُّونَ)، ينظر: السبعة في القراءات (ص:548). وقرأ الضحاك ويحيى بن عبد الرحمن المقرئ وابن أبي عبلة بفتح الياء وتخفيف الفاء (يَزِفُونَ). ينظر: مختصر في شواذِّ القرآن (ص:128).
(2)
ينظر: معاني القرآن، للفراء (2:389).
(3)
ينظر قوله في كتابه: معاني القرآن وإعرابه (4:309).
(4)
غريب القرآن (ص:370)، وهذا النص يدل على أن ابن عُزَيز قد اطلع على معاني الزجاج وأفاد منه.
(5)
بلغت الشواهد الشعرية في كتابه خمسين بيتاً، وفيها ما هو خارج عن بيان الألفاظ.
(6)
هذا البيت الأول من معلقته، ينظر الديوان، تحقيق: طلال حرب (ص:37). =
آذَنَتْنَا بِبَينِهَا أَسْمَاءُ
…
رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ
آذنتنا: أعلمتنا» (1).
* وفي قوله تعالى: {ارْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} [يوسف: 12]، قال: «
…
ويقال: نرتعْ (2): نأكلْ، ومنه قولُ الشاعرِ (3):
وَيُحَيِّيني إذَا لَاقَيْتُهُ
…
وَإِذَا يَخْلُو لَهُ لَحْمِي رَتَعْ
أي: أكل
…
» (4).
ومن أمثلةِ الاستشهاد بالمنثورِ:
* قال ابن عُزَيزٍ (ت:330): {ثَجَّاجًا} [النبأ: 14]: متدفِّقاً، ويقال: ثجَّاجاً: سَيَّالاً، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: أحب العمل إلى الله تعالى العَجُّ والثَجُّ (5). فالعَجُّ: التلبية، والثَجُّ: إسالة الدماء عند الذبح والنحر» (6).
= والبين: الفراق، والثواء: الإقامة. ينظر شرح المعلقات السبع، للزوزني (ص:185).
(1)
غريب القرآن (ص:109).
(2)
قوله: «نرتع» ، على قراءةِ أبي عمرو وابن عامر، وهي بفتح النون في الفعلين، وسكون آخرِهما، ينظر: السبعة في القراءات (ص:346).
(3)
البيت لسويد بن أبي كاهل الذبياني، وهو في المفضليات (ص:198)، وقد ذكر المحققان تخريج القصيدة التي منها هذا البيت في (ص:190)، وكانت هذه القصيدة تسمى في الجاهلية: اليتيمة.
(4)
غريب القرآن (ص:339)، وينظر أمثلة أخرى (ص:128، 238، 324، 329، 338، 361، 371، 378).
(5)
أخرجه جماعة من أهل العلم، منهم: الترمذي (3:189)، والدارمي (2:49)، وابن ماجه (2:967، 975)، وابن أبي شيبة (3:373، 342)، والحاكم (1:620)، والبيهقي في سننه (4:330)، (5:42، 85)، وغيرهم.
(6)
غريب القرآن، لابن عُزيز (ص:162)، وينظر الاستشهاد بأحاديث أخرى (ص:265، 293، 310، 311، 375).
* وقال: «
…
والأمانيُّ: الأكاذيب، أيضاً، ومنه قول عثمان (1): ما تمنَّيتُ منذ أسلمتُ: أي: ما كذبت. وقولُ بعضِ العربِ لابن دَابِ (2) ـ وهو يُحَدِّث ـ أهذا شيء رويتَهُ، أم شيء تمنَّيتَهُ؛ أي: افتعلته
…
» (3).
* وقال في قوله تعالى: {يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} [يوسف: 12](4): «أي: نَنْعَمُ ونَلْهُو، ومنه: القيدُ والرَّتْعَةُ (5)، تضربُ مثلاً في الخِصْبِ والجَدْبِ» (6).
وبعد هذا الحديث عن هذه الكتبِ الثلاثةِ أذكرُ ملحوظاتٍ تتعلَّقُ بعلمِ غريبِ القرآنِ، وهي:
* أنَّ ترتيبَ هذه الكُتبِ سارَ على أسلوبينِ:
الأولُ: أنْ يسلُكَ المؤلِّفُ ترتيبَ ألفاظِ القرآنِ حسبَ ورودِها في السُّورِ، فيذكرُ ألفاظَ الآياتِ مرتَّبةً، وهذا كما سبقَ في كتابِ مجازِ القرآنِ، وتفسيرِ غريب القرآنِ.
الثاني: أن يرتِّبها على الحروفِ، وعلى هذا سارَ ابن عُزيزٍ (ت:330)، غير أنَّه سلكَ بها طريقاً لم يُتَّبعْ عليه كما سبق بيانُه.
ثمَّ كتبَ من بعدَه مرتِّباً على الحروفِ الألفبائِيَّةِ حسبَ أصلِ الكلمةِ، كما هو معروفٌ في معاجمِ اللُّغةِ، ومن أمثلِ من كتبَ على هذه الطَّريقةِ
(1) هو عثمان بن عفان الخليفة الراشد الثالث.
(2)
مضت ترجمته.
(3)
غريب القرآن (ص:98 - 99). وينظر أمثلة أخرى (ص:107، 133، 168).
(4)
مضى ذكر من قرأ بهذه القراءة التي ذكر المؤلف تفسيرها.
(5)
قائله عمرو بن الصَّعِقِ بن خويلد بن نفيل، وكان قد أَسَرَتْهُ شاكر من همدان، فأحسنوا إليه وروَّحوا عنه، وكان يوم خرج من قومه نحيفاً، فلما هرب من الأسر وعاد، قال له قومه: يا عمرو، خرجت من عندنا نحيفاً، وأنت اليوم بَادِنٌ، فقال: القيد والرَّتعة، فأرسلها مثلاً. ينظر: مجمع الأمثال، للميداني (2:488 - 489).
(6)
غريب القرآن، لابن عُزيز (ص:339)، وينظر الاستشهاد ببعض الأمثال (ص:261، 294، 313).
الراغبُ الأصفهانيُّ (ت: بعد:400)، وكتابُه من أوسعِ كتبِ غريبِ القرآنِ وأحسنِها (1).
وهذه الطَّريقةُ أتاحتْ للرَّاغب (ت: بعد:400) ـ لتوسِعه في عرضِ المفرداتِ ومواطِنها في القرآنِ ـ ذكرَ معاني اللَّفظِ في مواردِه من القرآنِ، مع بيانِ أصلِ معناه في كثيرٍ من الألفاظِ (2).
وهي أنفعُ من حيثُ جمع المتناظرِ من مادَّةِ اللَّفظِ، وهي أقربُ إلى فكرةِ الوجوهِ والنَّظائرِ التي كتبَ فيها مفسِّرُو السَّلفِ، فتجد ـ مثلاً ـ في مادَّةِ صلبَ: تفسيرَ الصُّلبِ والأصلابِ، والصَّلبِ (3)، وموادُّ هذه الألفاظِ في سورٍ شتَّى، فمن يكتبُ على ترتيب الآياتِ في السُّورِ يُفرِّقُ تفسيرَها حسبَ مواضِعها في السُّورِ.
ومن يكتبُ حسب أصل الكلمة وترتيبها على حروف المعجمِ يجعلها تحت مادَّةٍ واحدةٍ، وهذه أكثرُ فائدةً في تقريبِ الألفاظِ إلى بعضِها وجمعِ النَّظيرِ إلى نظيرِه، إذ قد لا يخطرُ ببالكَ أنَّ لفظَ «وسق» و «اتَّسق» من أصل واحدٍ، وهو الجمعُ (4)، أو قد تبحثُ عن مادَّةِ «سطر» ، فتجدُ فيها من الألفاظِ:«يسطرون» ، و «مسطور» ، و «أساطير» ، فهلْ تكونُ لفظةُ «المسيطرون» ، و «مسيطر» من هذه المادَّةِ، أمْ هي من مادَّةِ «صيطر» ، وقُلِبَتْ الصَّادُ فيها إلى السِّينِ، وهل بينهما تقاربٌ في المعنى (5)؟
(1) ألَّف السَّمينُ الحلبيُّ كتاب عمدة الحفاظِ في تفسيرِ أشرفِ الألفاظِ، وقد اعتمد على كتاب الراغب، وهو يزيدُ عليه أحياناً، وينتقده أحياناً أخرى.
(2)
ينظر في مفردات ألفاظ القرآن، الألفاظ الآتية: أتى (ص:60)، أزر (ص:74)، أفّ (ص:79)، أفك (ص:79)، أمن (ص:90)، أنف (ص:95)، وغيرها كثيرٌ.
(3)
ينظر: مفردات ألفاظ القرآن (ص:489).
(4)
ينظر: مفردات ألفاظ القرآنِ (ص:871).
(5)
ينظر: المادتين في مفردات ألفاظ القرآن (ص:409 - 410)، (ص:483).
وهكذا غيرها من اللَّطائفِ والفوائدِ التي ستجدُها في هذه الطَّريقةِ، واللهُ المُوفِّقُ.
* يلاحظُ أنَّ بعضَ العلماءِ قصدَ جمعَ غريبِ القرآنِ وغريبِ الحديثِ في تدوينٍ واحدٍ، كأبي عبيد أحمد بن محمد الهرويِّ (ت:401) (1) في كتابه المسمَّى بالغريبين (2)، كما أنَّ من ألَّفَ في غريبِ الحديثِ مفرداً لا يخلو من تفسير ألفاظِ القرآنِ، كما سيأتي التَّمثيلُ لكتبِ غريبِ الحديثِ في المصدر الخامسِ.
* أنَّ من كتبَ بعد استقرارِ تدوينِ اللُّغةِ لم يأتِ بجديدٍ يُذكرُ في المعاني، وإنْ كانَ ثمَّةَ ما يُذكرُ، فإنَّ الراغبَ الأصفهانيَّ (ت: بعد 400) قد أدخلَ في كتابِه شيئاً من أقوالِ الحكماءِ، ويعني بهم الفلاسفةَ (3)، وهذا خارجٌ عن التَّفسيرِ بلغةِ العربِ.
* أنه لم يَسْلَمْ غالبُ المتأخرينَ من تأثيرِ المعتقداتِ المخالفةِ لأهلِ السُّنَّةِ على تفسيراتهم اللُّغويَّةِ، وهذا يتضحُ لمن يقرأُ في كتب (غريبِ القرآنِ)، والله أعلم (4).
(1) أحمد بن محمد بن محمد، أبو عبيد الهروي، تتلمذ على أبي منصور الأزهري، وكان يفتخرُ بها، وكان أوَّل من جمع بين غَرِيْبَيْ القرآن والحديث في مصنَّفٍ واحدٍ. ينظر: معجم الأدباء (4:260 - 261)، وشذرات الذهب (3:161).
(2)
كتبه أبو عبيد على حروف المعجم، وممن تبعه في ذلك: الحافظ أبو موسى محمد بن أبي بكر المديني (ت:581) في كتابه: المجموع المغيث في غربي القرآن والحديث، محمد طاهر الصديقي (ت:986) في كتابه: مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار.
(3)
ينظر: مقدمة صفوان داودي في تحقيقه لمفردات ألفاظ القرآن (ص:31 - 37)، وينظر: المفردات (ص:88، 90، 694)،
(4)
ينظر مثلاً: مفردات ألفاظ القرآن، تفسير: الغضب (75، 608)، والروح (ص:88) وبيوت النبي (ص:151)، والمحبة (ص:215، 291)، والخُلَّة (ص:291)، والاستواء (ص:439).