المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الثالثة: استعمال اللغة في الترجيح: - التفسير اللغوي للقرآن الكريم

[مساعد الطيار]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الأولالتفسير اللغوي: مكانته ونشأته

- ‌الفصل الأولالتفسير اللغوي ومكانته

- ‌المبحث الأولتعريفُ التَّفسير اللُّغويِّ

- ‌أولاً: تعريف التفسير:

- ‌التفسير لغةً:

- ‌التفسير اصطلاحاً:

- ‌تحليل هذه التعريفات:

- ‌ثانياً: تعريف اللغة:

- ‌اللغة اصطلاحاً:

- ‌مصطلحُ اللُّغةِ في كلامِ السَّلفِ:

- ‌المعاني المرادفةِ للفظِ اللُّغةِ في القرآن وكلامِ السَّلفِ:

- ‌ثالثاً: تعريف التفسير اللغوي:

- ‌المبحث الثانيمكانة التَّفسير اللُّغويِّ

- ‌الفصل الثانينشأةُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ

- ‌تمهيد

- ‌أولاً: التَّفْسِيرُ اللُّغَوِيُّ عِنْدَ السَّلفِ

- ‌طريقة السَّلفِ في التَّفسير اللُّغويِّ:

- ‌أسلوبُ الوجوه والنَّظائر

- ‌الأشباهُ والنَّظائرُ في اللُّغةِ:

- ‌الوجوهِ والنَّظائر في الاصطلاح:

- ‌بداية الكتابة في هذا العلم:

- ‌علاقةُ الوجوهِ والنَّظائر بالتَّفسير اللُّغويِّ:

- ‌كُلِّيَّات الألفاظِ القرآنيَّة:

- ‌ثانياً: التَّفسيرُ اللُّغويُّ عند اللُّغوِيين

- ‌تمهيد

- ‌أولاً: التفسيرُ اللغويُ في كتبِ الموضوعات:

- ‌ثانياً: التفسير اللغوي في معاجم الحروف:

- ‌القسمُ الثانيالمشاركة المباشرة في تفسير القرآن

- ‌طريقةُ التَّفسير اللُّغويِّ في هذه الكتبِ:

- ‌أولاً: كثرةُ مباحثِ الصَّرفِ والاشتقاقِ:

- ‌ثانياً: كثرة المباحث النحوية:

- ‌ثالثاً: كثرةُ الاستشهادِ منْ لغةِ العربِ:

- ‌رابعاً: بيانُ الأساليبِ العربيَّةِ الواردةِ في القرآنِ:

- ‌ التَّفسيرُ على المعنى

- ‌ علم الوجوه والنَّظائر عند اللُّغويِّين:

- ‌ أسلوبُ التَّفسير اللَّفظيِّ عند اللُّغويِّين:

- ‌الفصل الثالثمسائل في نشأة التفسير اللغوي

- ‌المسألة الأولىفي سَبْقِ السَّلفِ في علمِ التَّفسيرِ

- ‌المسألة الثانيةشمولُ التَّفسيرِ بين السَّلفِ واللُّغويِّين

- ‌المسألة الثالثةفي الاعتمادِ على اللُّغةِ

- ‌المسألة الرابعةفي الشَّاهِد الشِّعريّ

- ‌المسألة الخامسةفي علمِ الوجوهِ والنَّظائرِ

- ‌المسألة السادسةالتَّفسيرُ اللُّغويُّ بين البصرةِ والكوفةِ

- ‌المصدرُ الأولكتب التفسير

- ‌ وجوهِ تأويلِ القرآنِ

- ‌الأولى: الاستشهادُ بأقوالِ السَّلفِ في التَّفسير اللُّغويِّ:

- ‌الثَّانية: قَبُولُ المحتملاتِ اللُّغويةِ الواردةِ عنِ السَّلفِ:

- ‌الثالثةُ: استعمالُ اللُّغةِ في التَّرجيحِ:

- ‌ كثرةُ استخدامِه لأسلوبِ السؤالِ والجوابِ

- ‌ كثرةُ ذكرِه للفروقِ اللُّغويَّةِ بين الألفاظِ

- ‌ الشَّواهد الشِّعريَّةِ:

- ‌ الأساليبُ العربيَّةُ:

- ‌أثر المعتقد في التَّفسير اللُّغويِّ عند الرُّمَّانيِّ:

- ‌أوَّلاً: مفردات ألفاظ القرآن:

- ‌ثالثاً: الترجيح باللغة:

- ‌المصدر الثانيكتب معاني القرآن

- ‌أوَّلاً المراد بمعاني القرآن

- ‌ثانياً لِمَاذَا كَتَبَ اللُّغَوِيُّونَ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ

- ‌أولاً معاني القرآن، للفراء

- ‌أثرُ الاهتمامِ بعلومِ العربيَّةِ في تفسيراتِه:

- ‌صُوَر التَّفْسِير اللُّغويِ في كِتابِ مَعَاني القُرْآنِ:

- ‌أثرُ المعتقدِ في التفسير اللُّغويِّ عند الفرَّاءِ:

- ‌ثانياً مَعَانِي القُرْآنِ لِلاخْفَشِ

- ‌أثرُ المعتقدِ على التَّفسير اللُّغويِّ عند الأخفشِ:

- ‌ثالثاً مَعَانِي القُرْآنِ وَإعْرَابُهُ للزَّجَّاجِ

- ‌أثر المعتقد على التفسير اللُّغوي عند الزَّجَّاج:

- ‌المصدر الثالثكتب غريب القرآن

- ‌أوَّلُ كُتُبِ غَرِيبِ القُرْآنِ:

- ‌أولاً مَجَازُ القُرْآنِ لأبِي عُبَيْدَةَ

- ‌مفهومُ المجازِ عند أبي عبيدة:

- ‌أثر المعتقد على دلالة الألفاظ عند أبي عبيدة:

- ‌ثانياً تَفْسِيرُ غَريبِ القُرآنِ، لابن قُتَيْبَةَ

- ‌ بيان الأصلِ اللغويِّ للَّفظِ:

- ‌ كثرةُ الشَّواهدِ الشِّعريَّةِ:

- ‌أثر المعتقد على التَّفسير اللُّغويِّ عند ابن قتيبة:

- ‌ اهتمامِه بالوجوه والنَّظائر

- ‌المصدرُ الرابعكتب معاجم اللغة

- ‌تَحَرُّزُ ابنِ دريدٍ في التفسير:

- ‌ كثرةُ موادِّهِ اللُّغويَّةِ

- ‌ أنَّه أوسعُ مِمَّنْ تقدمه في عَرْضِ التَّفسيرِ

- ‌المصدرُ الخامسكتب أخرى لها علاقة بالتَّفسيرِ اللُّغويِّ

- ‌أولاً كتب غريب الحديث

- ‌ثانياً كتب الاحتجاج للقراءات

- ‌ثالثاً شروح دواوين الشعر

- ‌رابعاً كُتُبُ الأدَبِ

- ‌الباب الثالثآثار التفسير اللغوي وقواعده

- ‌الفصل الأولأثرُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في اختلافِ المفسرينَ

- ‌أوَّلاً الاختلافُ بسببِ الاشتراكِ اللُّغويِّ في اللَّفظِ

- ‌ثانياً الاختلافُ بسببِ التَّضادِّ في دلالةِ اللَّفظِ

- ‌ثالثاً الاختلافُ بسببِ مخالفةِ المعنى الأشهر في اللَّفظ

- ‌الفصل الثانيأثر التفسير اللغوي في انحراف المفسرين

- ‌الصنف الثاني: أهل البدع:

- ‌الفصل الثالثقواعد في التفسير اللغوي

- ‌أولاً كلُّ تفسيرٍ لغويٍّ واردٍ عن السَّلفِ يُحكمُ بعربيَّته وهو مقدَّمٌ على قولِ اللُّغويين

- ‌تطبيقُ طريقةِ التَّعاملِ مع أقوالِ السَّلف التَّفسيريَّة:

- ‌ أنواع الاختلافِ

- ‌القسمُ الأول: المحتملات اللغوية الواردة عن السلف:

- ‌القسم الثاني: المحتملات اللغوية الواردة عن غير السلف:

- ‌الضابط الثالث: أن تحتمل الآية المعاني في السياق:

- ‌الضابط الرابع: أن لا يُقصَرَ معنى الآية عليها:

- ‌ثالثاً لا يصحُّ اعتمادُ اللغةِ دونَ غيرهَا من المصادرِ التفسيريَةِ

- ‌ منْ أهمِّ مصادرِ التَّفسيرِ

- ‌ مخالفة المصطلحات الشرعيَّة:

- ‌ مخالفة أسباب النُّزول:

- ‌ مخالفة تفسير السَّلف:

- ‌رابعاً لا تعارض بين التفسير اللَّفظي والتفسير على المعنى

- ‌ التفسيرُ على القياسِ والإشَارةِ:

- ‌ التَّفسيرُ على اللَّفظِ:

- ‌ التَّفسيرُ على المعنى:

- ‌ هل يمكنُ معرفةُ التفسيرِ اللَّفظيِّ بواسطةِ التَّفسيرِ على المعنى

- ‌ كيف نُفرِّقُ بين التَّفسيرِ على اللَّفظِ والتَّفسيرِ على المعنى

- ‌ لا بدَّ من وجودِ ارتباط بين التَّفسيرِ على المعنى والتَّفسيرِ اللَّفظي

- ‌أمثلةُ التَّفسير على المعنى:

- ‌الأول: التفسيرُ باللاّزمِ:

- ‌الثاني: التفسيرُ بالمثالِ:

- ‌الثالث: ذكر النُّزول:

- ‌خاتمة البحث

- ‌فهرس القواعد العلمية

- ‌فهرس مسائل الكتاب العلمية

- ‌المراجع والمصادر

الفصل: ‌الثالثة: استعمال اللغة في الترجيح:

(ت:104): «شَتْماً» ، وعن قتادة (ت:117): «لا تسمعُ فيها بَاطِلاً ولا شَاتِماً» (1).

ثَمَّ ذَكرَ عنِ الفرَّاءِ (ت:207) احتمالاً لُغويًّا لكنه لم يقبل قوله، مع أنَّه ذكر أنَّ لقوله وجهاً، وإنما لم يعتدَّ به لعدم وروده عن السَّلف، فقال: «وزعمَ بعضُ الكوفيين أنَّ معنى ذلكَ: لا تسمعُ فيها حالفةً على الكَذِبِ (2)، ولذلك قيل: لاغية.

ولهذا الذي قاله مذهبٌ ووجهٌ، لولا أنَّ أهلَ التأويلِ منَ الصحابةِ والتابعين على خلافِهِ، وغيرُ جائزٍ لأحدٍ خلافهم فيما كانوا عليه مجمعين» (3).

‌الثالثةُ: استعمالُ اللُّغةِ في التَّرجيحِ:

أبدعَ الطبري (ت:310) في استخدام اللُّغةِ حالَ ترجيحِه لقولٍ من أقوالِ المفسِّرينَ، وكانَ في هذا دلالةٌ على تمكُّنِهِ ومعرفتِه بلغةِ العربِ، وهذه القضيَّةُ بحاجةٍ إلى دراسةٍ مستقلَّةٍ تبيِّنُ طريقتَه في اعتمادِه اللغةَ في التفسير.

والأمثلةُ في اعتماده اللُّغةَ في التَّرجيحِ بين أقوالِ المفسِّرينَ كثيرةٌ، وسأذكرُ بعضَها، ومنها:

1 -

في قوله تعالى: {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَاّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ} [الأحزاب: 52]، ذكرَ أقوالَ السلفِ في معنى «تبدَّل» وهي:

الأول: أنْ تُطلِّقَهنَّ وتتزوجَ غيرهنَّ، وهو قول أبي رَزِين (ت:85) (4)، ومجاهد (ت:104)، والضحاك (ت:105)، على اختلافٍ بينهم في توجيهِ التبديلِ.

(1) ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:163).

(2)

معاني القرآن، للفراء (3:257).

(3)

تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:163). وينظر مثالاً آخر في: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (3:204 - 206).

(4)

مسعود بن مالك، أبو رَزِين الأسدي الكوفي، روى عن: علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وغيرهم، وعنه: عُبيد بن مِهران المُكْتِب ومنصور بن المعتمر، ثقة فاضل، توفي سنة (85). ينظر: تهذيب الكمال (7:90 - 91)، وتقريب التهذيب (ص:936).

ص: 200

الثاني: أنْ تُبَادِلَ بهنَّ غيرهنَّ، فتأخذَ زوجتَه ويأخذَ زوجتَك، وهو قولُ ابنِ زيدٍ (ت:182) (1).

ثمَّ رجَّحَ أحدَ القولينِ قائلاً: «وأولى الأقوالِ في ذلكَ بالصَّوابِ، قولُ منْ قالَ: معنى ذلكَ: ولا أنْ تُطَلِّقَ أزواجَك فتستبدِلَ بهنَّ غيرَهُنَّ أزواجاً

وأمَّا ما قالَه ابنُ زيدٍ في ذلكَ أيضاً، فقولٌ لا معنى له؛ لأنه لو كانَ بمعنى المُبَادَلَةِ، لكانتِ القراءةُ والتَّنْزيلُ: ولا أن تُبَادِلَ بهنَّ من أزواجٍ، أو: ولا أن تُبَدِّلَ بِهنَّ بضمِّ التاء، لكنَّ القراءةَ المجمعَ عليها:{وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ} بفتح التاءِ، بمعنى: ولا أن تستبدل بهنَّ

» (2).

ففي هذا المثالِ ترى أنَّ ترجيحَه اعتمدَ على اشتقاقِ لفظِ «تَبَدَّلَ» ، وأنَّه لو كانَ من المبادلةِ، لكان اللفظُ: تُبَادِلَ، أو: تُبَدِّلَ.

2 -

في قوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَاتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ} [البقرة: 248]، ذكرَ قولينِ في معنى حَمْلِ الملائكةِ للتابوتِ:

الأول: أنَّ الملائكةَ كانت تباشِرُ حَمْلَهُ، وأورد الرِّواية في ذلكَ عنِ ابن عباس (ت:68)، وقتادة (ت:117)، وابن زيد (ت:182).

الثاني: تسوقُ الملائكةُ الدَّوابَّ التي تحملُه، قاله وَهْبُ بنُ مُنَبِّه الصَّنعانيُّ (ت:114) (3)، وقد رواهُ سفيانُ الثَّوريُّ عن بعضِ أشياخِه (4).

(1) تفسير الطبري، ط: الحلبي (22:31).

(2)

تفسير الطبري، ط: الحلبي (22:31 - 32).

(3)

وهب بن منبه بن كامل، أبو عبد الله اليماني الصنعاني، روى عن أنس بن مالك وابن عباس وجابر بن عبد الله وغيرهم، وروى عنه: همَّام الصنعاني وعاصم بن رجاء بن حيوة وغيرهما، تابعي ثقة، كان على قضاء صنعاء، وكان صاحب كُتبٍ وأخبار، له حِكم ومواعظ، توفي سنة (114). ينظر: تهذيب الكمال (7:498 - 504)، وتقريب التهذيب (ص:1045).

(4)

تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (5:335 - 336).

ص: 201

ثمَّ قالَ معلِّقاً: «وأولى القولينِ في ذلك بالصَّوابِ، قول من قال: حملت التَّابوتَ الملائكةُ، حتى وضعتْهُ لها في دار طالوت قائماً بين أظهر بني إسرائيل، وذلك أنَّ الله تعالى ذِكْرُه قال:{تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ} ، ولم يقل: تأتي به الملائكة.

وما جرَّتْهُ البقرُ على عَجَلٍ، وإنْ كانتِ الملائكةُ هي سائقتُها، فهي غيرُ حامِلَتِه؛ لأنَّ الحملَ المعروفَ هو مباشرةُ الحاملِ بنفسِه حملَ ما حملَ، فأمَّا ما حملَه على غيرِه، وإن كانَ جائزاً في اللُّغةِ أنْ يُقال: حملَه؛ بمعنى: معونتِه الحاملَ، وبأنَّ حملَه كانَ عن سببِه، فليسَ سبيلُه سبيلَ ما باشرَ حملَه بنفسه في تعارفِ الناسِ إيَّاه بينهم. وتوجيهُ تأويلِ القرآنِ على الأشهرِ من اللُّغاتِ، أولى من توجيهِه إلى الأنكرِ، ما وُجِدَ إلى ذلك سبيل» (1).

3 -

وفي قوله تعالى: {إِلَاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} [البقرة: 143]، قال: «وقال بعضُهم: إنَّما قيل ذلك، من أجلِ أنَّ العربَ تضعُ العلمَ مكانَ الرُّؤيةِ، والرُّؤيةَ مكانَ العلمِ؛ كما قالَ جَلَّ ذِكْرُه:{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل: 1]، فزعمَ أنَّ معنى (ألم تر): ألم تعلم؟ وزعم أنَّ معنى قولِهِ: (إلَاّ لِنَعْلَمَ)، بمعنى: إلَاّ لنرى من يتَّبِع الرسول. وزعم أنَّ قول القائل: (رأيتُ، وعلمتُ، وشهدتُ) حروفٌ تتعاقب، فيوضَع بعضها موضع بعض، كما قال جرير بن عطية (2):

(1) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (5:336 - 337).

(2)

جرير بن عطية الخطفي، أبو حَرْزَة التميمي، شاعر مفلق من شعراء الدولة الأموية، هجا الشعراء؛ كالفرزدق والأخطل، وله أخبار وأشعار مشهورة، توفي سنة (111) وقيل غيرها. ينظر: الشعر والشعراء، لابن قتيبة (1:464 - 470)، ومعجم الشعراء (ص:54 - 55).

والبيت في ديوانه بشرح محمد بن حبيب، تحقيق: نعمان محمد أمين طه (ص:1004).

ص: 202

كَأَنَّكَ لَمْ تَشْهَدْ لَقِيطاً وَحَاجِباً

وَعَمْرَو بَنَ عَمْرٍو إذَا دَعَا يَالَ دَارِمِ

بمعنى: كأنَّك لم تَعْلَمْ لَقِيطاً؛ لأنَّ بين هُلْكِ لَقِيطٍ وحاجبٍ وزمانِ جريرٍ، ما لا يخفى بُعْدُهُ من المدَّةِ، وذلك أنَّ الذين ذَكَرَهُم هلكوا في الجاهليَّة، وجرير كان بعد بُرْهَةٍ مضت من الإسلام.

قال أبو جعفر: وهذا تأويلٌ بعيدٌ، من أجلِ أنَّ «الرُّؤيَةَ» وإن استعمِلت في موضع (العلم)، من أجل أنَّه مستحيلٌ أنْ يرى أحدٌ شيئاً فلا توجبُ رؤيتُهُ إيَّاه علماً بأنَّه قد رآه، إذ كانَ صحيحَ الفطرةِ. فجازَ مِنَ الوجهِ الذي أثبته رؤيةً، أن يُضافَ إليه إثباتُه إيَّاه عِلْماً، وصَحَّ أن يدلَّ بذكرِ الرؤيةِ على معنى العلمِ منْ أجلِ ذلكَ. فليسَ ذلكَ ـ وإنْ كانَ ذلكَ جائزاً في الرُّؤيةِ؛ لما وصفنا ـ بجائزٍ في العلمِ، فيدل بذكرِ الخبرِ عن (العلمِ) على (الرُّؤيةِ)؛ لأنَّ المرءَ قد يعلمُ أشياءَ كثيرةً لم يرَهَا ولا يراها، ويستحيل أن يرى شيئاً إلَاّ عِلمَهُ، كما قدَّمنا البيان عنه. مع أنَّه غيرُ موجودٍ في كلامِ العربِ أن يُقالَ: علمتُ كذا؛ بمعنى: رأيتُه.

وإنَّما يجوزُ توجيهُ معاني ما في كتابِ اللهِ الذي أنزلَه على محمدٍ صلى الله عليه وسلم مِنَ الكلامِ، إلى ما كانَ موجوداً مثلُه في كلامِ العربِ، دونَ ما لم يكنْ موجوداً في كلامِها.

فموجودٌ في كلامِها: رأيتُ، بمعنى: علمتُ، وغيرُ موجودٍ في كلامِها: علمتُ، بمعنى: رأيتُ، فيجوزُ توجيهُ {إِلَاّ لِنَعْلَمَ} إلى معنى: إلَاّ لنرى» (1).

وموضوعُ اللُّغةِ في تفسيرِ الطَّبريِّ (ت:310) طويلٌ جداً، وهو محتاجٌ إلى من يُجلِّي كنوزَه، وسأختمُ هذا المبحثَ بذكرِ بعضِ ما يتعلَّقُ بالقواعدِ اللُّغويَّةِ التي اعتمدَها، وهي من دلائلِ تميُّزِه في هذا الشَّأنِ، ومن ذلك:

*

(1) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (3:160 - 161).

ص: 203

غيرُ مستحيلٍ اجتماعُ المعاني الكثيرةِ للكلمةِ الواحدةِ، باللَّفظِ الواحدِ، في كلامٍ واحدٍ (1).

* غيرُ جائزٌ إبطالُ حرفٍ كان دليلاً على معنًى في الكلامِ (2).

* إذا كان الكلامُ مفهوماً على اتِّساقِه على كلامٍ واحدٍ، فلا وجهَ لصرفه إلى كلامين (3).

* كلُّ كلامٍ نُطِقَ به، مفهومٌ به معنى ما أُريدَ، ففيه الكفايةُ عن غيره (4).

* زيادة ما لا يُفيدُ من الكلامِ معنًى في الكلامِ، غيرُ جائزٍ إضافتُه إلى اللهِ جلَّ ثناؤه (5).

أو: غيرُ جائزٍ أن يكونَ في كتابِ اللهِ حرفٌ لا معنى له (6).

* تأويلُ القرآنِ على المفهومِ الظاهرِ من الخطابِ ـ دونَ الخفي الباطنِ منه، حتى تأتي دلالةٌ من الوجه الذي يجبُ التَّسليمُ له، بمعنًى خلافَ دليله الظاهرِ المتعارفَ في أهلِ اللِّسانِ الذين بلسانهم نزلَ القرآنُ ـ أولى (7).

* غيرُ جائزٍ حذفُ حرفٍ من كلامِ اللهِ ـ في حالِ وقفٍ أو وصلٍ ـ لإثباتِه وجهٌ معروفٌ في كلامها (8).

* لا يجوزُ أنْ يُحملَ تأويلُ القرآنِ إلَاّ على الأظهرِ الأكثرِ من الكلامِ المستعملِ في ألسنِ العربِ، دونَ الأقلِّ، ما وُجِدَ إلى ذلك سبيل، ولم

(1) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (1:222).

(2)

تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (1:440).

(3)

تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (2:291).

(4)

تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (2:160).

(5)

تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (2:331).

(6)

تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (2:400)، (5:438)، (12:326).

(7)

تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (2:457)، (4:133 - 134)، (6:309، 317).

(8)

تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (5:462).

ص: 204

تضطرنا حاجةٌ إلى صرفِ ذلك إلى أنه بمعنى واحد، فيحتاج له إلى طلبِ المخرج بالخفي من الكلام والمعاني (1).

أو: كتابُ اللهِ عز وجل لا توجَّهُ معانيه وما فيه من البيانِ إلى الشَّواذِّ من الكلامِ والمعاني، وله في الفصيحِ من المنطقِ والظاهرِ من المعاني المفهوم، وجهٌ صحيحٌ (2).

والكتابُ مليءٌ بأمثالِ هذه الدُّرَرِ، ولعلَّ فيما ذكرتُه إشارةً تُغني في بيانِ هذا الموضوعِ، والله الموفِّقُ.

(1) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (6:365)، (7:509)، (8:357، 482، 578)، (9:189، 223)، (11:236، 418)، (14:87، 128، 241)، (15:176، 321، 333)، (16:243).

(2)

تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (7:100)، (12:322).

ص: 205

ثانياً الجامع لعلم القرآن

ألَّفَه أبو الحسنِ عليُّ بنُ عيسى الرُّمَّانيُّ، النحويُّ، اللُّغويُّ، المعتزليُّ (ت:384). وقد ظهرتْ في هذا الكتابِ الصِّبغةُ النَّحويَّةُ واللُّغويَّةُ والاعتزاليَّةُ بوضوحٍ تامٍّ، كما أنَّ له في كلِّ فنٍّ منها مؤلفاتٍ (1).

وهذا المؤلَّفُ مخطوطٌ، وقدْ ظفرتُ بجزءٍ صغيرٍ من تفسيرِه (2)، يبدأ بالآية (98) من سورة آل عمران، وينتهي بنهايةِ السورةِ، وهو في أربعٍ وخمسينَ وثلاثِمائةِ صفحةٍ، ولم أظفرْ بسواه، إلَاّ نسخةً تبيَّنَ لي أنها لا يمكن أن تكونَ له (3).

(1) ينظر في هذه المؤلفات: إنباه الرواة (2:295 - 296).

(2)

أصلُ هذا المخطوطِ في معهد الدراساتِ الشرقية بطشقند (م. م. خ6/ 1960/323)[3137](ج10). ينظر: الفهرس الشامل للتراث/علوم القرآن/مخطوطات التفسير وعلومه (1:62).

وقد حصلت عليه من معهد المخطوطات العربية بالقاهرة، وهو غير مفهرسٍ فيها، تحت عنوان (تفسير غير مفهرس/م ـ 361، رقم 92، مكتبة طشقند 3137).

ولما قرأتُه ظهرَ لي اختلالٌ في ترتيبِ بعض الصفحاتِ، ولذا سأعتمدُ رقمَ الآيةِ في الرجوعِ إليه.

(3)

حصلت على مخطوط في تفسير جزء عمَّ، وهو منسوبٌ للرماني، وهو في التيمورية (1/ 76 [201] 1ج ـ 1069هـ).

وقد قرأتُه، فظهر لي اختلافُ منهجِه عن منهج المخطوط الأول اختلافاً جذريًّا، كما أنَّ المؤلف يرى رؤيةَ الباري، وهذا يخالف عقيدة المعتزلة، وقد حكى عند قوله تعالى:{كَلَاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15] قولين في الآية: الأول: محجوبون عن رؤية ربهم، والمؤمنون يرونه، والثاني: محجوبون عن كرامته، =

ص: 206