الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الرابعة
في الشَّاهِد الشِّعريّ
كانتْ ظاهرةُ الاستشهادِ بالشِّعرِ بارزةً عند مفسِّري السَّلفِ (1)، وهي عند اللُّغويِّين أكثرُ، وقدْ كانتْ كتبُ غريبِ القرآنِ من أكثرِ كتبِ اللُّغويِّينَ إيراداً للشَّواهد اللُّغويَّةِ (2)؛ كمجازِ القرآنِ، لأبي عبيدةَ (ت:210)، وغريبِ القرآنِ، لأبي عبدِ الرَّحمنِ عبدِ اللهِ بنِ يحيى اليزيديِّ (ت:237) الذي قال عنه القفطي (ت:624)(3): «وصنَّف كتاباً في غريب القرآن حسناً في بابه، ورأيته في ستة مجلدات، يستشهد على كلِّ كلمة من القرآن بأبيات من الشعر، ملكته بخطِّهِ
…
» (4).
(1) سيأتي الحديثُ عن مسائلِ نافعِ بن الأزرق في مصادر التفسير، عند الحديث عن كتب غريب القرآن.
(2)
على سبيل المثال: بلغت الشواهد الشعرية في كتاب غريب القرآن، لابن قتيبة أكثر من مائة شاهد شعري في تفسير ألفاظ القرآن.
(3)
علي بن يوسف، الوزير جمال الدين القفطي، الأديب، كان واسع الاطلاع، وله تآليف، أكثرها في التاريخ ومعرفة أخبار الرجال، منها: إنباه الرواة في أنباه النحاة، وأخبار المصنفين وما صنفوه، توفي بحلب، سنة (646). ينظر: معجم الأدباء (15:175 - 204)، وسير أعلام النبلاء (23:227).
(4)
إنباه الرواة، للقفطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم (2:151). وقد طُبِعَ كتابٌ بعنوان «غريب القرآن وتفسيره» ، حققه الدكتور: عبد الرزاق حسين، وقد زعم أنه كتاب غريب القرآن لعبد الله بن يحيى اليزيدي، وهو بهذا قد دلَّس على القراء؛ لأن هذا الكتابَ المطبوعَ صغيرُ الحجمِ، والقفطي الذي ملك الكتاب بخطِّ مؤلفِه يقول:«رأيته في ستة مجلدات» ، ثمَّ إن الشواهد في هذا المطبوع لا تتجاوز عشرة مواضع، والقفطي يقول:«يستشهد على كل كلمة من القرآن بأبيات من الشعر» . والمحقق- مع =
صور الاستفادة من الشِّعرِ في تفسيرِ القرآنِ:
الشَّاهدُ الشِّعريُّ وعلاقتُه بتفسيرِ القرآنِ من المباحثِ التي لم تلقَ عنايةً، حسبَ علمي، وهو من المباحثِ المليئةِ التي تحتاجُ إلى دراسةٍ مُستقلَّةٍ (1)، وسأذكرُ هنا بعضَ ما يتعلَّقُ به على سبيلِ الإيجازِ.
* صورُ الاستشهادِ بالشعر:
ظهرَ لي من خلالِ استقراءِ الشَّواهدِ الشِّعريَّةِ التي يستدلُّ بها مفسِّرو السَّلفِ واللُّغويُّون صورتان:
الصُّورةُ الأولى: أنْ يُورِدَ المفسِّرُ الشِّعرَ المُسْتَشْهَدَ به مُكتفياً فيه بورودِ اللَّفظِ المُسْتَشْهَدِ له، وإن لم يتضحْ معناه في بيتِ الشِّعر الذي استُعينَ به على فَهْمِ معنى اللَّفظِ.
وأكثرُ الشَّواهدِ الشِّعريَّةِ المستشهَدِ بها جاءت على هذه الصُّورةِ (2)، ومنْ أمثلةِ ذلك:
قال أبو عبيدةَ (ت:210): {عَاقِرٌ} [آل عمران: 40]: العَاقِرُ: التي لا تَلِدُ،
= الأسف - لمَّا نقل كلام القفطي هذا أسقط هذين الموضعين ولم يذكرهما؛ لأنهما لا يتناسبان مع كتابه الذي يقوم بتحقيقه، ومن ثَمَّ، فإن كانَ الكتاب لليزيدي، فهو ليزيديٍّ غيره.
(1)
اطَّلعتُ بعد كتابة هذا البحث على رسالةٍ قيِّمةٍ بعنوان: دراسة الطبري للمعنى من خلال تفسيرِه، للباحث: محمد المالكي، وقد ذكر في مقدمتها أنَّ أطروحته للماجستير كانت بعنوان: جهود الطبري في الدراسة الأدبية للشواهد الشعرية من خلال تفسيره، وقد طُبعت أخيراً تحت إشراف كلية الآداب في الرباط، وفيه دراسة حول موضوع الشاهد الشعري على مستوى علاقته بتفسير القرآن الكريم. ينظر: دراسة الطبري للمعنى من خلال تفسيرِه (ص:7، وفهرس المراجع ص:379).
(2)
ينظر أمثلة في مجاز القرآن، الجزء الأول: لا ريب (ص:29)، سبحانك (ص:36)، رغداً (ص:38)، أكِنَّة (ص:46)، لعنهم الله (ص:46)، قضى أمراً (ص:52)، لولا يكلمنا (ص:52)، وأرنا مناسكنا (ص:55)، وغيرها.
والرَّجُلُ العاقرُ: الذي لا يُولدُ له، قالَ عَامِرُ بنُ الطُّفَيلِ (1):
لَبِئْسَ الفَتَى إِنْ كُنْتُ أَعْوَرَ عَاقِراً جَبَاناً
فَمَا عُذْرِي لَدَى كُلِّ مَحْضَرِ» (2)
وإذا تأمَّلتَ هذا التَّفسيرَ، وجدتَ أنَّ أبا عبيدةَ (ت:210) قد فسَّرَ العَاقِرَ في الآيةِ بأنها التي لا تَلِدُ، ثمَّ استدلَّ لذلكَ التَّفسيرِ بهذا البيتِ، غيرَ أنَّ اللَّفظَ في البيتِ غيرُ مفسَّرٍ، بل هو محتاجٌ إلى تفسيرٍ؛ أي: لو قرأتَ البيتَ مُفْرَداً عنِ الآيةِ، فإنَّك لا تَصِلُ به إلى دلالةِ لفظِ العَاقِرِ.
وقُصَارَى الأمرِ في ذلك أنَّه جعلَ معنى اللَّفظِ في الآيةِ هو معناه في البيتِ المستشهَدِ به، وبهذا يظهرُ أن المُسْتَشْهِدَ لا يَلتزمُ في الشَّاهدِ الشِّعريِّ أنْ يكونَ مُفَسَّراً بذاته في البيتِ، بل يكتفي بورودِ لفظِهِ فقط.
الصُّورةُ الثَّانيةُ: أنْ يكونَ سياقُ الشَّاهدِ الشِّعريِّ مُبيناً عن معنى اللَّفظِ، ويكون الشَّاهدُ بذلك موضِّحاً لمعنى اللَّفظِ القرآنيِّ بذاته، وهو بهذا غيرُ محتاجٍ لبيانٍ، ومن ذلك:
قالَ أبو عبيدةَ: (ت:210) في قولِه تعالى: {فِي مَخْمَصَةٍ} [المائدة: 3]: «أي: مجاعة. قال الأعشى (3):
تَبِيتُونَ في المَشْتَى مِلاءً بُطُونُكُمْ
…
وَجَارَاتُكُمْ سُغْبٌ يَبِتْنَ خَمَائِصاً
أي: جياعاً» (4).
(1) عامر بن الطفيل بن مالك العامري، شاعر وفارس مشهور، بلغ من شهرته أنَّ قيصر الروم كان إذا قدم عليه أحد سأل عن قرابته لعامر، فإن كان قريباً له عَظَّمه، ووفد على الرسول صلى الله عليه وسلم، فلم يُسْلِمْ، وفي رجوعِه مات بالطاعون. ينظر: الشعر والشعراء (1:334 - 336)، ومعجم الشعراء (ص:142).
والبيت في: ديوانه، تحقيق: عمر فاروق الطباع (ص:45).
والمحضرُ: المشهدُ من القومِ.
(2)
مجاز القرآن، لأبي عبيدة (1:92).
(3)
البيت في ديوانه، تحقيق: حنَّا نصر (ص:190).
(4)
مجاز القرآن، لأبي عبيدة (1:153).
في هذا البيتِ ـ كما ترى ـ يَتَبَيَّنُ معنى الخَمَائصِ بسببِ مقابلةِ الشَّاعرِ لها بقولِه: مِلاءً بطونُكم، فَيُفْهَمُ منه أنهما على التَّضادِّ؛ لأن سياقَ البيتِ يدلُّ على أنَّه يذمُّهم، وأنهم لا يُعطونَ جاراتِهم مما يملكونَه.
وقد يَرِدُ بيانُ مدلولِ اللَّفظِ عن الشَّاعرِ نفسهِ في البيتِ المُسْتَشَهَدِ به، وهذا قليلٌ جداً، ومن ذلك ما وردَ في تفسيرِ قولِه تعالى:{حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محمد: 4].
قالَ ابنُ قتيبةَ (ت:276): «أي: يضعَ أهلُ الحربِ السِّلاحَ، قالَ الأعشى (1):
وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أوْزَارَهَا
…
رِمَاحاً طِوالاً، وَخَيلاً ذُكُوراً
ومِنْ نَسْجِ داود يُحْدَى بِهَا
…
عَلَى أَثَرِ الحَيِّ، عِيراً فَعِيراً» (2)
إنَّ الأعشى في هذا البيتِ يُبَيِّنُ مدلولَ اللَّفظِ الذي ذَكَرَهُ، فَأَوزَارُ الحربِ: عُدَّتُّهُ من السِّلاحِ: الرِّماحُ والخيلُ الذُّكورُ والدُّروعُ. ولكنَّ هذا الأسلوبَ في الشِّعرِ العربيِّ قليلٌ جداً.
وهذا المبحث يتعلَّقُ بمسألةٍ كبيرةٍ في اللُّغةِ، وهي: كَيفِيَّةُ الوصولِ إلى معرفةِ مدلولِ اللَّفظِ في لغةِ العربِ (3)؟.
والألفاظُ العربيَّةُ من حيثُ وضوح الدلالةِ على قسمين:
(1) البيت في ديوانه (ص:163).
(2)
غريب القرآن، لابن قتيبة (ص:409).
(3)
أشير هنا إلى أنَّ هذا الموضوع كان يشغل بال المتقدمين، ومن ذلك ما وردَ لابن قتيبةَ من السؤال عن هذا الموضوع، وهو في كتابه الأسئلة والأجوبة، التي عُنيت بنشره مكتبة القدسي (ص:9 - 11)، وهو منثورٌ في مثل: كتاب الخصائص، لابن جني، والاقتراح في أصول النحو وجدله للسيوطي، والمزهر في اللغة، للسيوطي، وينظر أمثلةً في طريقِ معرفة الدلالة في الأضداد لابن الأنباري (ص:2 - 3)، والرد على بشر المريسي، للدارمي (ص:39).
الأوَّلُ: ما هو واضحٌ مدلولُه لكلِّ أحدٍ؛ كالسَّماءِ والأرضِ والأكلِ والشُّربِ والنَّومِ، وغيرِها من الألفاظِ الواضحةِ المدلولِ عند النَّاطقين بلغةِ العربِ.
الثاني: ما في دلالتِه خفاءٌ، إمَّا بسببِ غرابةِ اللَّفظِ؛ كالألفاظ الآتية: لفظ «المَورِ» ، ولفظ «الكفات» ولفظِ «دَيَّاراً» ، ولفظِ «الحافرة» ، ولفظِ «الهُمَزَةِ» ، ولفظِ «اللُّمَزَةِ» ، وغيرِها.
وإمَّا لوجودِ أكثرَ من مدلولٍ له، وهو ما يُسَمَّى بالمشتركِ اللُّغويِّ؛ كلفظِ «عَسْعَسَ» ، ولفظِ «سَجَى» ، ولفظِ «المُعْصِرَاتِ» ، وغيرِها.
وهذا النوعُ قد يكونُ في السِّياقِ ما يدلُّ على المرادِ به؛ كمعنى لفظ «الفلاحِ» في قولِ الشَّاعرِ (1):
نَحُلُّ بِلاداً كُلُّهَا حُلَّ قَبْلَنَا
وَنَرْجُو الفَلاحَ بَعْدَ عَادٍ وَحِمْيَرِ
فيكونُ المعنى: نرجو البَقَاءَ، بدلالةِ مجيءِ عَادٍ وحِمْيَرَ الهالكين، ولم يُفسَّرَ بالفوزِ والظَّفرِ بإصابةِ ما يريدُ ـ وهو الدلالةُ الأخرى للفلاحِ ـ؛ لأنَّ السياقَ لا يُنَاسِبُ هذا المعنى، واللهُ أعلمُ.
فإنْ لم يكنْ في السِّياقِ ما يدلُّ على المدلولِ المرادِ، فإنَّك تعتمدُ تفسيرَ منْ هو موثوقٌ في فهمِه ونَقْلِهِ لِلُغَةِ العربِ؛ كالكسائيِّ (ت:183)، والفرَّاءِ (ت:207)، وأبي عبيدةَ (ت:210)، والأصمعيِّ (ت:215)، وأبي زيدٍ الأنصاريِّ (ت:215)، وغيرِهم.
* ومِمَّا يجمُلُ ذكره هاهنا أنه لا يلزم أنْ يكون لِكُلِّ لفظٍ قرآنيٍّ شاهدٌ عربيٌّ؛ لأنَّ القرآنَ عربيٌ بذاته، كما قال تعالى:{وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَاناً عَرَبِيًّا} [الأحقاف: 12].
(1) البيت للبيد بن ربيعة، وهو في ديوانه بشرح الطوسي، تحقيق: حنَّا نصر (ص:103).
فورودُ اللَّفظِ في القرآنِ كافٍ في الحكمِ على عَرَبِيَّتِهِ، والقرآنُ في هذا يُحْتَجُّ به، ولا يُحْتَجُّ له أو عليه، وإنما يُستفادُ من الشِّعرِ في بيانِ ما خَفِي منْ معاني القرآنِ.
وقد وَرَدَتْ بعضُ الألفاظِ القرآنيَّةِ التي ليس لها شاهدٌ عربيٌّ، ولم يَعْرِفْ مدلولَها أهلُ اللُّغةِ، وإنما أخذوها عن المفسرين؛ كلفظ «التَّفَثِ» في قولِه تعالى:{ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} [الحج: 29]، قال الزَّجَّاجُ (ت:311): «والتَّفثُ في التَّفسيرِ جاءَ، وأهلُ اللُّغةِ لا يعرفونَه إلا من التَّفسيرِ» (1).
وقال ابنُ دريدٍ (ت:321): «قالَ أبو عبيدةَ: هو قَصُّ الأظافرِ، وأخذُ الشَّاربِ، وكلُّ ما يحرمُ على المحرمِ، إلا النِّكاحَ. ولم يجئ فيه شعر يُحْتَجُّ به» (2).
* ولقدْ حدثَ عندي تساؤلٌ، وهو: هل الاستشهادُ بالشِّعْرِ لإثباتِ صِحَّةِ التَّفسيرِ؟ أي أنَّ المفسِّرَ يُورِدُ الشَّاهدَ من الشِّعْرِ لِيُثْبِتَ أنَّ تفسيرَهُ صحيحٌ، ومثالُ ذلكَ:
ما يُورِدُهُ الأزهريُّ (ت:370) في تفسير قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا} [الكهف: 52]، فيقول: «وقال أبو عبيدة: الموبق: الموعد في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا} [الكهف: 52]، واحتجَّ بقوله (3):
(1) معاني القرآن وإعرابه، للزجاج، تحقيق: عبد الجليل عبده شلبي (3:422). وفي تهذيب اللغة (14:266): «وقال الزجاج: التفث أهل اللغة لا يعرفونه
…
».
(2)
جمهرة اللغة، لابن دريد، تحقيق: رمزي منير بعلبكي (1:384). والذي في مجاز القرآن (2:50): «وهو الأخذ من الشارب وقصُّ الأظفار ونتف الإبط والاستحداد وحلق العانة» . وليس فيه الجملة الأخيرة؛ فإما أن يكون النقل من غير المجاز، وإما أن يكون من قول ابن دريد. والله أعلم.
(3)
البيت لخفاف بن ندبة، وهو في ديوانه، ضمن كتاب: شعراء إسلاميون، تحقيق نوري القيسي (ص:462)، وقد نقل القصيدة التي فيها البيت من الأصمعيات، تحقيق: أحمد شاكر وعبد السلام هارون (ص:26)، والرواية فيها مخالفة لما رواه أبو عبيدة =
وَجَادَ شَرَورَى والسِّتَارَ، فَلَمْ يَدَعْ
…
يَعَاراً لَهُ، وَالوَادِيَينِ بِمَوبِقِ
يعني: بموعد» (1).
فهلِ احتجاجُ أبي عبيدةَ (ت:210) لأجلِ أن يُدَلِّلَ على صِحَّةِ تفسيرِهِ واختيارِهِ؛ لأنَّ اللَّفظةَ تحتملُ غيرَ ما قالَ، أمْ ماذا؟.
لقد وردَ التَّفسيرُ بغيرِ ما قالَه أبو عبيدة (ت:210)، فقد قال ابنُ عباسٍ (ت:68) والضَّحَّاكُ (ت:105) وقتادة (ت:117) وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت:182): «مهلكاً» (2). وكذا قال الفرَّاءُ (ت:207)(3).
وقالَ الحسنُ (ت:110): «جعل بينهم عداوة يوم القيامة» (4).
وقالَ ابنُ الأعرابيِّ (ت:231): «حاجزاً، قال: وكلُّ حاجزٍ بين شيئينِ فهو مَوبِقٌ» (5).
قال الطبري: «وأولى الأقوالِ في ذلك بالصَّوابِ، القولُ الذي ذكرْنَا عن ابنِ عبَّاسٍ ومنْ وافقَهُ في تأويلِ المَوبِقِ أنَّه المهلكُ، وذلكَ أنَّ العربَ تقولُ في كلامِها: قد أَوْبَقْتُ فلاناً: إذا أهلكتُه، ومنه قولُ اللهِ عز وجل: {أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا
= في موطن الشاهد، حيث جاءت رواية البيت:
فَجَادَ شَرَورَا فَالسِّتَارَ، فَأَصْبَحَتْ
…
يَعَارُ لَهُ الوَادِيَانِ بِمَودِقِ
وقال محقِّقا الأصمعيات في شرح البيت: «شرورا والستار ويعار: مواضع في بلاد بني سليم. جاده: أصابه بالجود، وهو المطر الغزير. بمودق: بمكان ودق، وهو المطر» .
واختلاف الرواية في موطن الشاهد الشعري مما يحتاج إلى دراسة في موضوع: علاقة الشاهد الشعري بالتفسير.
(1)
تهذيب اللغة (9:354 - 355). وينظر قول أبي عبيدة في مجاز القرآن (1:406).
(2)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (15:264).
(3)
معاني القرآن (2:147).
(4)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (15:264).
(5)
تهذيب اللغة (9:345).
كَسَبُوا} [الشورى: 34] بمعنى: يُهْلِكْهُنَّ، ويقالُ للمُهْلِكِ نفسَه: قد وَبَقَ فلانٌ، فهو يَوبَقُ وَبَقاً
…
» (1).
فهل استشهدَ أبو عبيدةَ (ت:210) للمعنى الذي ذكرَهَ لِيُثْبِتَ صِحَّةَ تفسيرِهِ؟ فالتَّفسيرُ الذي ذَكَرَهُ ليس مشهوراً من معنى اللَّفظِ، والمعنى المشهورُ ما فسَّرَ به ابنُ عبَّاسٍ (ت:68) وغيره، واختاره الطبريُّ (ت:310)، واللهُ أعلمُ.
* وقدْ يختلفُ اللُّغويُّونَ في دلالةِ لفظٍ في البيتِ المُسْتَشْهَدِ به، كما وردَ في تفسيرِ آية:{تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَناً} [النحل: 67]، فقدْ قال أبو عبيدةَ (ت:210): «أي: طُعْماً، ويقال: جعلوا لك هذا سَكَراً؛ أي: طُعْماً، وهذا سَكَرٌ؛ أي: طُعْمٌ، وقال جندل (2):
جَعَلْتَ عَيبَ الأكْرَمِينَ سَكَراً» (3)
وقد اعترض عليه الزَّجَّاجُ (ت:311) في دلالةِ اللَّفظِ، فقال: «وقالوا في تفسيرِ قوله: {سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَناً} [النحل: 67]: إنه الخمرُ قبلَ أنْ تُحرَّمَ، والرِّزقُ الحَسَنُ يؤكلُ من الأعنابِ والتُّمورِ (4).
وقيلَ: إنَّ معنى السَّكَرِ: الطُعْم، وأنشدوا:
(1) تفسير الطبري، ط: الحلبي (15:265).
(2)
قال فؤاد سزكين في تعليقه على مجاز القرآن (1:363): «ربما كان هو جندل بن المثنى الطُّهوي الذي له ترجمة في السمط 644» .
وهذه الترجمة قال فيها أبو عبيد البكري: «جندل بن المثنى الطُّهوي، غلبت عليهم أمهم طُهَيَّة بنت عبشمس بن سعد بن زيد مناة
…
وهو شاعر راجز إسلامي، يهاجي الراعي». سمط الآلي، للبكري، تحقيق: عبد العزيز الميمني (2:644).
وقد أنشده عن أبي عبيدة من جاء بعده؛ كالطبري في تفسيره، ط: الحلبي (4:84)، والزجاج في معانيه (3:209)، وأبو جعفر النحاس في معانيه (4:83)، وغيرهم.
(3)
مجاز القرآن (1:363).
(4)
كذا في المطبوع، ويظهرُ أنَّ فيه سقطاً، وتقديرُه: والرزق الحسن: ما يؤكل من الأعناب التمور.
جَعَلْتَ عَيبَ الأكْرَمِينَ سَكَراً
أيْ: جعلتَ دمهم (1) طُعْماً لكَ، وهذا بالتَّفسيرِ الأوَّلِ أشبهُ، والمعنى: جعلتَ تَتَخَمَّرُ بأعراضِ الكرامِ، وهو أبينُ فيما يقالُ: الذي يتبركُ (2) في أعراضِ النَّاسِ» (3).
وفي لسانِ العربِ: «وقيلَ: السَّكَرُ ـ بالتحريكِ ـ: الطَّعامُ، وأنكرَ أهلُ اللُّغةِ هذا، والعربُ لا تعرفُهُ» (4).
وهذا الذي قالهُ أبو عبيدةَ (ت:210) في دلالةِ اللَّفظِ، وأُنكِرَ عليه، جعله الطَّبريُّ (ت:310) أحدَ معاني السَّكرِ، فقال: «
…
إذ كان السَّكَرُ أحد معانيه عند العربِ، ومنْ نزلَ بلسانِه القرآنُ: هو كلُّ ما طُعِمَ» (5).
فإذا تأمَّلتَ هذا المثالَ، وجدتَ أنَّ هذا المدلولَ مُخْتَلَفٌ فيه بينَ أنْ يكونَ منَ اللُّغةِ أو لا يكون، ثمَّ لو كان، فإنه مُخْتَلَفٌ في كونِه هو المرادَ ببيتِ الشِّعرِ، أو غيرَ مرادٍ، وكونُه أن لا يكونَ مراداً في الآيةِ أَولى، ومثل هذا الخلافِ في دلالةِ اللَّفظةِ في البيتِ وحملِها على اللَّفظِ في الآيةِ كثيرٌ (6)، والله الموفق.
* استِفَادَةُ اللُّغويِّين من الشِّعرِ في بيانِ الأساليبِ القرآنيَّةِ:
اهتمَّ اللغويونُ بالشَّاهدِ الشِّعريِّ في بيانِ الأساليبِ العربيَّةِ التي نزلَ بها
(1) قرأها محقق معاني الزجاج: «دَمَهُم» ، وهي غلط، والصوابُ «ذَمَّهُمْ» ، وفي تحقيقه من أشباه هذا الخطأ كثير، وهذا الكتابُ يحتاج إلى إعادة تحقيقه، والله المستعان.
(2)
كذا قرأها المحقق، وفي نقل الأزهري لهذا الموضع في تهذيب اللغة (10:58): «وهو أبين ما يقال للذي يبترك في أعراض الناس» ، وهذه العبارة أوضح.
(3)
معاني القرآن وإعرابه، للزجاج (3:209).
(4)
لسان العرب، مادة (سكر)، وينظر في المادة نفسها: تاج العروس.
(5)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (14:138).
(6)
ينظر: تفسير «مقمحون» المجاز (2:157)، واعترض عليه ابن دريد (1:560)، وتفسير «رُحْماً» المجاز (1:412 - 413)، واعترض عليه الطبري (16: 4 - 5).
القرآنُ، وحرصوا عليه لإبرازِ الأسلوبِ القرآنيِّ الذي يفسِّرونه، وكان ذلك مما تميَّزوا به عن تفسيرِ السلفِ، ومثالُ ذلكَ:
قال ابنُ قتيبةَ (ت:276): «وأمَّا قوله سبحانه: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ} [يونس: 94] ففيه تأويلان:
أحدُهما: أنْ تكونَ المخاطبةُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، والمرادُ غيرُه من الشُّكَّاك؛ لأنَّ القرآنَ نزلَ عليه بمذاهبِ العربِ كلِّهم، وهمْ قد يخاطبونَ الرَّجلَ بالشَّيءِ ويريدونَ غيرَهُ، ولذلك يقولُ مُتَمَثِّلُهم:«إيَّاك أعني واسمعي يا جارة» (1).
ومثلُه قولُه تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الأحزاب: 1]
…
ومثلُ هذا قولُ الكُمَيتِ (2) في مَدْحِ الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم:
إلى السِّرَاجِ المُنِيرِ أحْمَدَ، لا
…
يَعْدِلُنِي رَغْبَةٌ وَلا رَهَبُ
عَنْهُ إلى غَيْرِهِ، وَلَوْ رَفَعَ النَّـ
…
ـاسُ إليَّ العُيونَ وَارْتَقَبُوا
وَقِيلَ: أفْرَطْتَ، بَلْ قَصَدْتُ،
…
وَلَوْ عَنَّفَنِي القَائِلُونَ أوْ ثَلَبُوا
لَجَّ بِتَفْضِيلكَ اللِّسَانُ، وَلَوْ
…
أُكثِرَ فِيكَ اللِّجَاجُ واللَّجَبُ
(1) المراد بهذا المثل: أن تتكلم بكلام لشخص، وتريد به غيره. والمثل في كتاب الأمثال، لأبي عبيد، تحقيق: عبد المجيد قطامش (ص:65)، وينظر: معجم الأمثال العربية القديمة، لعفيف عبد الرحمن (1:361).
(2)
الكُمَيت بن زيد الأسدي، شاعرُ متشيِّعٌ لآل البيت، وهو مشهور بقصائده الهاشميات، جُرح أثناء ثورة جند اليمانية سنة (126 أو 127)، وتوفي متأثِّراً بجراحه. ينظر: الشعر والشعراء (2:581)، ومعجم الشعراء (ص:227).
والأبيات في الهاشميات، ضمن شعر الكميت بن زيد، جمع: داود سلوم (4:199)، وقد استشهد بها الجاحظ في الحيوان، تحقيق: عبد السلام هارون (5:170)، والطبري في تفسيره، تحقيق: شاكر (2:486)، والشريف المرتضى في أماليه (2:79 - 80).
أنْتَ المصطفى المَحْضُ المُهَذَّبُ في النِّسـ
…
ـبَةِ وَإِنْ نَصَّ قَومَكَ النَّسَبُ
فالخطابُ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، والمرادُ أهل بيتِه، فَوَرَّى عن ذكرِهم به، وأرادَ بالعائبين اللائمينَ: بني أُمَيَّةَ.
وليسَ يجوزُ أنْ يكونَ هذا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ليسَ أحدٌ من المسلمينَ يسوءه مدحُ الرسولِ صلى الله عليه وسلم، ولا يُعنِّفُ قائلاً عليه، ومن ذا يساوى به، ويفضَّلُ عليه؟!، حتى يُكثِرَ في مدحِه الضِّجَاجُ واللَّجَبُ
…
ولكنه أراد أهل بيته
…
» (1).
هذا، وتتبع طرائقِ الاستشهادِ بالشِّعر في تفسيرِ القرآنِ تحتاجُ إلى بحثٍ أوسعَ من هذا، والمرادُ هنا ذكرُ شيءٍ من صُورِ الاستشهادِ، والله الموفق.
(1) تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة (ص:270 - 272).