الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَجَعَلَتْ عَينُ الحَرُورِ تَسْكُرُ
أي: تسكن وتذهب وتنطفئ. وقال ذو الرُّمَّةِ (1):
قَبْلَ انْصِدَاعِ الفَجْرِ وَالتَّهَجُّرِ
…
وَخَوضُهُنَّ اللَّيلَ حِينَ يَسْكُرُ
يعني: حينَ تسكنُ فورتُه.
وذُكِرَ عن قيسٍ أنها تقول: سَكَرَتِ الريحُ تَسْكُرُ سُكُوراً؛ بمعنى: سكنتْ؛ وإذا كانَ ذلك عنها صحيحاً، فإنَّ معنى سُكِرَت وسُكِّرَت بالتخفيف والتشديد متقاربان. غير أنَّ القراءة التي لا أستجيزُ غيرَها في القرآنِ {سُكِّرَتْ} بالتشديدِ، لإجماعِ الحُجَّةِ من القراءِ عليها، وغيرُ جائزٍ خِلافُها فيما جاءتْ به مجتمعةً عليه» (2).
ظواهر في التَّفسير اللُّغويِّ عند ابن جرير
برزتْ بعضُ الظَّواهرِ التي تميَّزَ بها ابنُ جريرٍ الطبريُّ (ت:310) في تفسيرِه اللُّغويِّ، وهي:
الأولى: الاستشهادُ بأقوالِ السَّلفِ في التَّفسير اللُّغويِّ:
لقد كان اعتمادُ ابنِ جريرٍ الطبريِّ (ت:310) على المأثورِ عن السَّلفِ مما يتميَّزُ به عموماً في تفسيرِه، وقد ساقَه ذلكَ إلى الاعتمادِ عليه في التَّفسيرِ اللُّغويِّ في بيانِ القرآنِ، ولقد سبقَ ذِكرُ الضَّابطِ الذي ذكرَه في التَّفسيرِ المُعْتَمِدِ على اللُّغةِ، وهو أن لا يكونَ التَّفسيرُ خارجاً عن ما قالَهُ أهلُ التَّأويلِ من الصَّحابةِ والتَّابعينَ وأتباعهم، وقدْ سارَ على هذا المنهجِ في كتابِه، ولم يخرجْ عن هذا الضابطِ إلَاّ في النَّادرِ القليلِ جدًّا (3).
(1) البيت في ديوانه، شرح أبي نصر الباهلي، تحقيق عبد القدوس أبو صالح (1:316).
(2)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (14:13).
(3)
مثل اختياره معنى الربط بالهجر في تفسير {وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ} [النساء 34]، وهو لم يرد عن السلف، بل عن بعض اللغويين. ينظر: تفسير الطبري، تحقيق شاكر (8:309).
ولذا كان يعتمدُ ما جاءَ عنهم كاعتمادِه على الشَّاهدِ العربِيِّ، فهو يسوقُ أقوالَهم في بيانِ المفرداتِ سياقَ من يُبيِّنُ اللُّغةَ بشواهدِها من كلامِ العربِ، فيجعلُ تفسيرَهم حجَّةً في معنى اللَّفظِ، وهذا الأسلوبُ ظاهرٌ من استقراءِ كتابه، وطريقتِه في عرضِ أقوالِهم، وإنْ كانَ قد اعترضَ على بعضِها من حيثُ اللُّغةِ، وهو قليلٌ، فهو لا يخرجُ عن الإطارِ الذي انتهجَه.
كما أنه قد يرجِّحُ أحدَ أقوالِ السَّلفِ، ويختارُ ما يراهُ راجِحاً من بينِ أقوالِ طبقاتِهم، دون اعتبارٍ لتقدُّمِ طبقةٍ عن طبقةٍ (1). ولا يلزمُ من ترجيحِه قولاً إبطالُ ما سواه، وهو قد ينبِّه على ذلك نصًّا في بعضِ المواطنِ.
ومنْ الأمثلةِ التي اعتمدَ فيها على بيانِ السَّلفِ، ما ذكره في تفسيرِه لقوله تعالى:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} [البقرة: 170].
قال: «وقوله تعالى: {أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} [البقرة: 170]، يعني: وجدنا، كما قال الشاعر (2):
فَألْفَيتُهُ غَيرَ مُسْتَعْتِبٍ
…
وَلا ذَاكِرِ اللهَ إلَاّ قَلِيلاً
يعني: وجدته.
وكما حدَّثنا بشر بن معاذ (3)، قال: حدَّثنا يزيد (4)، قال: حدَّثنا
(1) من الملاحظِ أن أغلب منهج ابن جرير في التَّرجيح بين أقوالِ السلفِ لا يعتمدُ على تقديم قول الصَّحابيِّ على من دونَه إذا كان الأمرُ يعودُ إلى الاجتهادِ، وهذا منهجٌ جديرٌ بالدِّراسةِ والتَّحريرِ.
(2)
البيت من شواهد النَّحو المشهورةِ، وهو لأبي الأسود الدؤلي في ديوانه، تحقيق: محمد حسن آل ياسين (ص:54).
(3)
بشر بن معاذ العقدي، أبو سهل البصري الضرير، روى عن: أبي داود الطيالسي وأبي معاوية الضرير وغيرهما، وعنه: الترمذي ومحمد بن خزيمة وغيرهما، وهو صدوق، توفي سنة (245)، وقيل غير ذلك. ينظر: تهذيب الكمال (1:357)، وتقريب التهذيب (ص:171).
(4)
يزيد بن زُرَيع، أبو معاوية البصري، روى عن أيوب السختياني وسفيان الثوري =
سعيد (1)، عن قتادة:{قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} [البقرة: 170]، أي: ما وجدنا عليه آباءنا.
حدَّثني المثنى (2)، قال: حدَّثنا إسحاق (3)، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفر (4)، عن أبيه (5)، عن الربيع: مثله.
قالَ أبو جعفر: فمعنى الآيةِ: إذا قيلَ لهؤلاءِ الكفارِ: كُلُو مِمَّا أحَلَّ اللهُ لكم، ودعوا خطواتِ الشيطانِ وطريقَه، واعملوا بما أنزلَ اللهُ على نبيه صلى الله عليه وسلم في كتابِه، استكبروا عن الإذعانِ للحقِّ، وقالوا: بلْ نَاتَمُّ بآبائنا فنتَّبِعُ ما وجدنَاهم عليه من تحليلِ ما كانوا يُحِلُّونَ، وتحريمِ ما كانوا يحرِّمون» (6).
ففي هذا المثالِ تَجِدُهُ ذكرَ الشَّاهدَ اللغويَّ منْ كلامِ العربِ، ثُمَّ ثَنَّى بقولِ قتادةَ (ت:117) والربيعِ بنِ أنسٍ (ت:139)، وجعلَ قولَهما حجةً لغويةً في معنى لفظِ «ألفينا» في الآيةِ.
= وغيرهما، وعنه: حجاج بن منهال ومسدَّد بن مسَرْهَد وغيرهما، ثقة ثبت، توفي سنة (182). ينظر: تهذيب الكمال (8:123)، وتقريب التهذيب (ص:1074).
(1)
هو ابن أبي عَرُوبَة، وقد مضت ترجمته.
(2)
المثنى بن إبراهيم الآملي، شيخ الطبري، يروي عنه كثيراً، ولم أجد له ترجمة.
(3)
إسحاق بن الحجاج، أبو يعقوب الطاحوني، المقرئ، روى عن أبي زهير عبد الرحمن بن مَغْرَاء، وعبد الله بن أبي جعفر الرازي، قال أبو زُرعة:«كتب عبد الرحمن الدَّشْتَكِي تفسير عبد الرزاق عن إسحاق بن الحجاج» ، ولم يذكر فيه ابن أبي حاتم حُكماً في الجرح والتعديل. ينظر: الجرح والتعديل (2:217).
(4)
عبد الله بن أبي جعفر (عيسى بن ماهان) الرازي، روى عن شعبة بن الحجاج وابن جريج وغيرهما، وعنه: ابنه محمد وإبراهيم بن موسى وغيرهما، صدوق يخطئ. ينظر: تهذيب الكمال (4:105 - 106)، وتقريب التهذيب (ص:497).
(5)
عيسى بن ماهان، أبو جعفر الرازي، روى عن: الربيع بن أنس وحميد الطويل وغيرهما، وروى عنه: آدم بن أبي إياس وشعبة بن الحجاج وغيرهما، صدوق سيء الحفظ خصوصاً في مغيرة، توفي بالري في حدود سنة (166)، ينظر: تهذيب الكمال (8:275 - 276)، وتقريب التهذيب (ص:1126).
(6)
تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (3:307)، وينظر (3:231).