الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فعلى المعنى الأولِ: لا يذوقون في النَّارِ بردَ الهواءِ أو الماء الذي يُخفِّفُ حرَّ النَّارِ عنهم، ولا شراباً.
وعلى المعنى الثاني: لا يذوقون في النَّارِ نوماً ولا شراباً.
وكلا المعنيينِ صحيحٌ محتملٌ، غيرَ أنَّ المعنى الأولَ هو الأشهرُ الأظهرُ منْ معاني اللَّفظِ في لغةِ العربِ، قالَ الطَّبريُّ (ت:310): «وزعمَ بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ أنَّ البردَ في هذا الموضعِ النومُ (1) .... والنومُ وإنْ كانَ يُبَرِّدُ غليلَ العطشِ، فقيلَ له منْ أجلِ ذلكَ البردُ، فليسَ هو باسمِهِ المعروفِ، وتأويلُ كتابِ اللهِ على الأغلبِ من معروفِ كلامِ العربِ، دونَ غيرِه» (2).
وترجيحُ هذا المعنى لا يعني إبطالَ المعنى الآخرِ من جهة اللُّغةِ، كما أنَّه لو حملَها غيرُهُ على المعنيينِ، وجعلَ الآيةَ تدلُّ عليهما؛ على عادة بعضِ الألفاظِ القرآنيَّةِ في احتمالِه تعدُّدَ المعاني = لجازَ، واللهُ أعلمُ.
القسم الثاني: المحتملات اللغوية الواردة عن غير السلف:
لقدْ تشكَّلَ تفسيرُ السَّلفِ للقرآنِ، وصارَ أحدَ مصادرِ التَّفسيرِ لمنْ جاءَ بعدَهم، ولذا كانَ لزاماً لمنْ أرادَ التَّفسيرَ أنْ يرجعَ إلى أقوالِهم ويعتمدَها في فَهْمِ الآيةِ، وإلَاّ وقعَ في الخطأِ في التَّفسيرِ بسببِ عدمِ معرفةِ أقوالِهم، أو عدمِ الاعتمادِ عليها.
ولقدْ كانَ عدمُ معرفةِ أقوالِ السَّلفِ، أو عدمُ الاعتمادِ عليها منْ منهجِ أهلِ البدعِ الذي يتميَّزُونَ به؛ لذا يَنْدُرُ أنْ تجدَ لهؤلاءِ اعتماداً على تفسيرِ السَّلفِ، كما لم يسلمْ منه طائفةٌ منَ اللُّغويِّينَ في بعضِ المواطنِ التَّفسيريَّةِ.
(1) يقصد أبا عبيدة، وقد سبق بيان موضعه من مجاز القرآن.
(2)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:12 - 13). وقد تبِعه النَّحاسُ على ذلك الترجيحِ، على عادتِه في اتباعِ الطبري في اختياراته وترجيحاتِه، ينظر: إعراب القرآن (5:132)، والقطع والائتناف (ص:758)، وينظر: التحرير والتنوير، للطاهر (30:37)، فقد رجَّحَ للعلةِ نفسها التي رجَّحَ الطَّبريُّ بها، واللهُ أعلمُ.
وقد كان من نتائجِ هذا المنهجِ أن وُجِدَتْ عندهم أقوالٌ شَاذَّةٌ في التَّفسيرِ، أو اعتراضاتٌ على تفسيرِ السَّلفِ، اعتماداً على تَوَسُّعِ لغةِ العربِ.
وإذا نظرتَ إلى هذه القاعدةِ، فإنَّكَ سَتَجِدُ أنَّ قبولَ هذه المحتملاتِ عن غيرِ السَّلفِ ممكنٌ؛ لأنَّ فهمَ القرآنِ لا يقتصرُ على جيلٍ دونَ آخرٍ، لذا لم يقتصرِ التَّابعونَ على ما بلغَهم فيه عن الصَّحابةِ، ولا اقتصرَ تابعو التَّابعينَ على ما وَرَدَهُمْ عنِ الصَّحابةِ والتَّابعينَ (1).
غيرَ أنَّ الأمرَ هاهنا يحتاجُ إلى ضوابطَ لقبولِ هذه المحتملاتِ، وقدْ اجتهدتُ في استنباطِها، فظهرَ لي منها (2):
1 -
أنْ لا تُناقضَ [أي: تبطل] ما جاءَ عنِ السَّلفِ.
2 -
أنْ يكونَ المعنى المُفَسَّرُ به صَحِيحاً.
(1) ينظر في هذا المعنى: أضواء البيان (3:124).
(2)
استفدت هذه الضوابط مما ذكره ابن القيم (ت:751)، والشاطبي (ت:790) في الضوابط التي يُقبلُ بها التفسير الإشاري:
قال ابن القيم: «
…
وتفسير على الإشارة والقياس، وهذا الذي ينحو إليه كثير من الصوفية، وهذا لا بأس به بأربعة شرائط: ألَاّ يناقض معنى الآيةِ، وأن يكون معنى صحيحاً في نفسه، وأن يكون في اللفظ إشعارٌ به، وأن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم.
فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة كان استنباطاً حسناً». التبيان في أقسام القرآن، تحقيق: طه شاهين (ص:51).
وقال الشاطبي: «وكون الباطن هو المراد من الخطاب قد ظهر أيضاً مما تقدَّم في المسألة قبلها، ولكن يُشترط فيه شرطان: أحدهما: أن يصحَّ على مقتضى الظاهر المقرر في لسان العرب، ويجري على المقاصد العربية. والثاني: أن يكون له شاهدٌ نصًّا أو ظاهراً في محلٍّ آخر يشهد لصحَّتِه من غير معارضٍ» . الموافقات، تحقيق: محيي الدين (3:264).
وقد ذكر في كلامٍ لاحقٍ ما يصلح أن يُضافَ إلى ضوابطِ قبول التفسير الإشاري، وهو قوله: «
…
ولكن له وجه جارٍ على الصِّحَّةِ، وذلك أنَّه لم يقل إنَّ هذا هو تفسير الآيةِ
…
». الموافقات (2:268).
3 -
أنْ تحتملَ الآيةُ المعنى في السياقِ.
4 -
أنْ لا يُقصَرَ معنى الآيةِ على هذا المحتملِ دون غيره.
فإذا انتقضَ شيءٌ من هذه الضوابطِ حُكِمَ على التَّفسيرِ بالرَّدِّ وعدمِ القبولُ، وسأذكرُ في كُلِّ ضابطٍ مثالاً يوضِّح انتقاضَه، وبالله التوفيق.
الضابط الأول: أن لا تناقض [أي: تبطل] ما جاء عن السلف:
إذا وردَ قولٌ عنِ السَّلفِ في معنى آيةٍ، فإنه لا يجوزُ القولُ بضدِّه، ولا الاعتراضُ على ما جاءَ عنهم، بلْ يكونُ القولُ المناقضُ لقولِهم قولاً مُطَّرَحاً لا عبرةَ به.
وقدْ يقعُ ذلكَ بسببِ الجهلِ بقولِهم، أو بسببِ عدمِ الاعتدادِ بهم وبما وردَ عنهم منْ تفسيرٍ، وهذا شأنُ أهلِ البدعِ.
ومنَ الأمثلةِ في ذلكَ، قولُه تعالى:{فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ} [الدخان: 29]، فقدْ وردَ عنِ السَّلفِ أنَّ البكاءَ منَ الأرضِ والسَّماءِ بكاءٌ حَقِيقِيٌّ، ومنْ ذلكَ ما رواهُ سعيدُ بنُ جبيرٍ (ت:94)، قالَ: «أتى ابنَ عباسٍ رجلٌ، فقال: يا أبا عباسٍ، أرأيتَ قولَ اللهِ تبارك وتعالى:{فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ} [الدخان: 29]، فهل تبكي السَّماءُ والأرضُ على أحدٍ؟.
قالَ: نعم. إنَّه ليسَ أحدٌ منَ الخلائقِ إلَاّ له بابٌ في السماءِ منه ينْزلُ رزقُهُ، وفيه يصعدُ عملُهُ، فإذا ماتَ المؤمنُ، فأغلِقَ بابُه منَ السَّماءِ الذي كان يصعدُ فيه عملُه، وينْزلُ منه رزقُهُ، بكى عليه.
وإذا فَقَدَهُ مُصَلَاّهُ من الأرضِ التي كانَ يُصلِّي فيها، ويذكرُ اللهَ فيها، بَكَتْ عليه. وإنَّ قومَ فرعونَ لم يكنْ لهم في الأرضِ آثارٌ صالحةٌ، ولم يكنْ يصعدُ إلى السَّماءِ منهم خيرٌ، قالَ: فلم تَبْكِ عليهم السَّماءُ والأرضُ» (1).
(1) تفسير الطبري، ط: الحلبي (25:124 - 125). وفيه عن ابن عباس من رواية عطية =
وقدْ وردَ هذا التَّفسيرُ عنْ عليِّ بنِ أبي طالبٍ (ت:40)(1)، وسعيدِ بنِ جبيرٍ (ت:94) (2)، وإبراهيمَ النَّخَعِيِّ (ت:96) (3)، ومجاهدَ (ت:104) (4)، والضَّحَّاكِ بن مزاحم (ت:105) (5)، وقتادةَ (ت:117) (6)، وعطاءَ الخُرَسَانِيِّ (ت:135) (7).
ورُوِيَ في ذلكَ حديثٌ ضعيفٌ عنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: «ما منْ مؤمنٍ إلَاّ وله بابانِ: بابٌ يصعدُ منه عملُه، وبابٌ ينْزلُ منه رزقُهُ، فإذا ماتَ بَكَيَا عليه، فذلك قولُه عز وجل: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ} [الدخان: 29]» (8).
ومن ثَمَّ، فالبكاءُ منَ السماءِ والأرضِ حقيقةٌ، وإنْ لم يَعْلَمِ البشرُ كيفيَّةَ
= العوفي ومجاهد. وينظر في تفسير ابن كثير (7:254)، وفي معاني القرآن، للفراء، عن ابن عباس من طريق الكلبي عن أبي صالح (3:41)، وحالُ هذه الروايةِ معلومٌ.
(1)
معاني القرآن للنحاس (6:404)، وتفسير ابن كثير (7:254).
(2)
معاني القرآن، للفراء (2:41)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (25:125).
(3)
تفسير ابن كثير (7:254).
(4)
تفسير ابن كثير (7:254)، والذي ورد في الطبري عنه أنه حكى التفسير، ومنها قوله:«كان يقال: تبكي الأرض على المؤمن أربعين صباحاً» . تفسير الطبري، ط: الحلبي (25:125).
(5)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (25:126).
(6)
تفسير عبد الرزاق (2:170)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (25:126).
(7)
حلية الأولياء (5:197).
وعطاء الخرساني: عطاء بن أبي مسلم، المحدث، الواعظ، المفسّر، مزيل دمش، روى عن عروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح وغيرهما، وعنه: ابن جريج ومعمر بن راشد وغيرهما، صدوق يهم كثيراً ويرسل ويدلس، توفي سنة (135). ينظر: تهذيب الكمال (5:175 - 178)، وتقريب التهذيب (ص:679).
(8)
رواه الترمذي في سننه برقم (3255)، وقال:«هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعاً إلَاّ من هذا الوجه، وموسى بن عبيدة، ويزيد بن أبان الرُّقاشي يضعَّفان في الحديث» .
وقد رواه أبو يعلى، وابن أبي حاتم، ينظر: تفسير ابن كثير (7:253).
كما رواه مرسلاً شريح الحضرمي، ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (25:125).
ذلك (1)، ولا يَصِحُّ إنكارُهُ لعدمِ رؤيةِ ذلكَ منهما؛ لأنَّ عَدَمَ المعرفةِ بِكُنْهِ ذلك لا يلزمُ منه عَدَمُ الوقوعِ، وهو من غيبِ اللهِ المستورِ، واللهُ أعلمُ.
وقد وردتْ أقوالٌ فيها مُنَاقَضَةٌ لما وردَ عنِ السَّلفِ؛ لأنَّ فيها صَرْفاً للَّفظِ عن ظاهرِهِ، ومنها:
1 -
ذهبَ به قومٌ مذاهبَ العربِ في قولِهم: بَكَتْهُ الرِّيحُ والبَرْقُ؛ كأنَّه يريدُ أنَّ اللهَ عز وجل حينَ أهلكَ فرعونَ وقومَهُ وغرَّقَهم وأورثَ منازلَهم وجنَّاتِهم غيرَهم، لم يَبْكِ عليهم بَاكٍ، ولم يجزعْ جازعٌ، ولم يُوجَدْ لهم فَقَدٌ (2).
2 -
وقالَ آخرونَ: أرادَ: فما بكى عليهم أهلُ السَّماءِ ولا أهلُ الأرضِ، فأقامَ السَّماءَ والأرضَ مقامَ أهلِها (3).
وهناكَ تأويلاتٌ أخرى تَخْرُجُ باللَّفظِ عن حقيقِته (4)، اكتفيت بما ذَكَرْتُهُ هنا.
هذا ما قالوه في تفسيرِ الآيةِ، فسلَّطوا عليها تأويلاتِهم المنحرفة، كما سلَّطوه على مذهب السَّلفِ فلم يسلمْ من تحريفاتهم، فقد جعلوا تفسيرَهم ليسَ منْ بابِ الحقيقةِ.
(1) ذكر بعض السلف صورة بكاء السماء، وأنه بحمرتها التي تصير بها، ينظر مثلاً: تفسير ابن كثير (7:254 - 255)، والله أعلم هل هو ذاك البكاء المراد أم لا؟.
(2)
ينظر: تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة (ص:169 - 170)، ومعاني القرآن، للنحاس (6:405)، وبحر العلوم، للسمرقندي (3:218)، وأمالي الشريف المرتضى (1:50 - 53)، والكشاف (3:504)، والمحرر الوجيز (13:277 - 279).
(3)
ينظر: تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة (ص:170)، ومعاني القرآن، للنحاس (6:405)، وبحر العلوم، للسمرقندي (3:218)، وتلخيص البيان في مجازات القرآن، للشريف الرضي (ص:255)، وأمالي الشريف المرتضى (1:50 - 53)، والكشاف (3:504).
(4)
ينظر: تلخيص البيان في مجازات القرآن، للشريف الرضي (ص: 355)، وأمالي الشريف المرتضى (1: 53 - 55)، ومجمع البيان، للطبرسي (25: 112)، ويظهر أنه نقله عن الشريف المرتضى.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزليُّ (ت:538): «وكذلكَ ما يُرْوَى عنِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما منْ بكاءِ مُصَلَّى المؤمنِ وآثارِهِ في الأرضِ، ومصاعدِ عملِه ومهابطِ رزقِهِ في السَّمَاءِ ـ تمثيلٌ» (1).
وإذا كانَ هؤلاءِ لم يَحْتَشِمُوا في ظواهرِ القرآنِ، فَسَلَّطوا عليها التَّأويلَ المزعومَ فيه الرجوعُ إلى الحُجَجِ العقليَّةِ التي هي الدَّليلُ عندَهُم، وعليها تُعْرَضُ ظَوَاهِرُ القرآنِ (2)، وهذا المذهبُ بمسمَّى التَّحريفِ أَوْلَى، فإذا كانَ هذا مذهبُهم في ظواهرِ القرآنِ = فمنْ بابٍ أَوْلَى أنْ لا يَحْتَشِمُوا في ألفاظِ منْ سواهُ.
والمقصودُ أنَّ هذه التَّفاسيرَ المبتدَعَةَ تُنَاقضُ ما جاءَ عنِ السَّلفِ؛ لأنَّ قولَ السَّلفِ يجعلُ البكاءَ منَ السَّماءِ والأرضِ حقيقةً، كما هو ظاهرُ التَّنْزيل. وهذه الأقوالُ بأجمعِها لا تجعلُ لهما بُكَاءً.
ومنْ ثَمَّ، فإنَّ ما ذهبوا إليه ـ من إنكارِ كَونِ السَّماءِ والأرضِ تبكيانِ ـ قولٌ مردودٌ، ولا يؤخذُ به؛ لعدمِ إمكانيَّةِ اجتماعه مع ما قالَه السَّلفُ في معنى الآيةِ، إذ هو مناقضٌ لقولِهم، واللهُ أعلمُ.
(1) الكشاف (3: 504). وينظر تخريج الشريف المرتضى لقول ابن عباس، في أماليه (1:53)، فقد حمله على المجازِ.
(2)
يقول الشريف المرتضى في أماليه (2:350): «اعلمْ أنَّ المُعَوَّلَ فيما يُعتَقَدُ على ما تدلُّ الأدلةُ عليه منْ نَفْيٍ أو إثباتٍ.
فإذا دَلَّتِ الأدلةُ على أمرٍ منَ الأمورِ، وجبَ أنْ نَبْنِيَ كَلَّ واردٍ منَ الأخبارِ ـ إذا كانَ ظاهرُه بخلافِه ـ عليه، ونسوقُه إليه، ونطابقُ بَينَهُ وبَينَهُ، ونُجَلِّي ظاهراً إن كانَ له، ونَشْرِطَ إنْ كانَ مطلقاً، ونخُصَّه إنْ كانَ عامًّا، ونفصِّلَه إنْ كانَ مجملاً، ونوفِّقَ بينه وبينَ الأدلةِ منْ كلِّ طريقٍ اقتضى الموافقةَ وآلَ إلى المطابقةِ.
وإذا كنَّا نفعلُ ذلك ولا نَحْتَشِمُهُ في ظواهرِ القرآنِ المقطوعِ على صحتِه، المعلومِ ورودُه، فكيفَ نتوقَّفُ عن ذلكَ في أخبارِ آحادٍ لا توجبُ عِلْماً، ولا تُثْمِرُ يقيناً؟! فمتى وردتْ عليك أخبارٌ فاعرضْها على هذه الجملةِ وابْنِهَا عليها، وافعلْ فيما حَكَمَتْ به الأدلةُ، وأوجبْتُه الحججُ العقليَّةُ، وإن تعذَّرَ فيها بناءٌ وتأويلٌ وتخريجٌ وتنْزيلٌ، فليسَ غيرُ الاطِّراحِ لها، وترك التعريجِ عليها».
الضابط الثاني: أن يكون المعنى المفسَّر به صحيحاً:
المرادُ بذلك أن يكونَ اللَّفظُ المفسِّرُ لألفاظِ القرآنِ وارداً عن العربِ، وهذا الضَّابطُ يفيدُ في رَدِّ التَّفاسيرِ التي يظهرُ عليها الصِّبغةُ اللُّغويَّةُ، وعندَ التَّحقيقِ يظهرُ أنَها لا تَمُتُّ للُغةِ العربِ بِصِلَةٍ، وغالباً ما تظهرُ هذه المعاني عندَ المبتدعةِ، وهي قسمانِ:
القسمُ الأوَّلُ: أنْ يكونَ المعنى اللُّغويُّ مُسْتَحْدَثاً، وقدْ مَرَّ في الفصلِ السَّابقِ ذكرُ مثالٍ له، وهو تفسيرُ الاستواءِ عندَ جمهورِ المبتدعةِ من أهلِ التَّأويلِ (1)، وسأكتفي بما قد سبقَ ذِكْرهُ مما يتعلَّقُ بهذا القسمِ.
القسمُ الثاني: أنْ يكونَ المعنى المُفَسَّرُ به مُصْطَلَحاً حَادِثاً، ومنْ ثَمَّ، فإنه لا يَمُتُّ لِلُغَةِ العربِ بِصِلةٍ، وتفسيرُ النُّصوصِ بالاصطلاحِ الحادثِ منْ أخطرِ التَّأويلِ وأشنعِهِ؛ لأنه يُبعدُ القرآنَ عنْ مدلولِه العربيِّ إلى مدلولاتٍ ما أَنزَلَ اللَّهُ بها منْ سلطانٍ، يقول ابنُ القيِّمِ (ت:751) ـ في معرضِ ذِكْرِهِ لأنواعِ التَّأويلِ الباطلِ ـ: «الرابع: ما لم يُؤلَفِ استعمالُهُ في ذلك المعنى في لغةِ المُخَاطَبِ، وإنْ أُلِفَ في الاصطلاحِ الحادثِ، وهذا موضعٌ زَلَّتْ فيه أقدامُ كثيرٍ منَ النَّاسِ، وضَلَّتْ فيه أفهامُهم، حيثُ تأوَّلوا كثيراً منْ ألفاظِ النُّصوصِ بما لم يُؤْلَف استعمالُ اللَّفظِ له في لغةِ العربِ البَتَّة، وإنْ كانَ معهوداً في اصطلاحِ المتأخرينَ، وهذا مما ينبغي التَّنَبُهُ له، فإنه حصلَ بسببِهِ منَ الكذبِ على اللهِ ورسولِهِ ما حصلَ؛ كما تَأَوَّلَتْ طائفةٌ قولَه تعالى:{فَلَمَّا أَفَلَ} [الأنعام: 76] بالحركةِ، وقالوا: استَدلَّ بحركتِه على بطلانِ ربوبيَّتِهِ. ولا يُعْرَفُ في اللُّغةِ التي نزلَ بها القرآنُ أنَّ الأفولَ هو الحركةُ البَتَّةَ في موضعٍ واحدٍ.
وكذلكَ تأويلُ «الأحد» بأنَّه الذي لا يتميَّزُ منه شيءٌ عنْ شيءٍ البَتَّةَ. ثمَّ قالوا: لو كانَ فوقَ العرشِ لم يكنْ أَحَداً. فإنَّ تأويلَ الأحدِ بهذا المعنى لا
(1) ينظر (ص:537 - 540) من هذا البحث.
يعرفُهُ أحدٌ منَ العربِ ولا أهلِ اللُّغةِ، ولا يُعرفُ استعمالُه في لغةِ القومِ في هذا المعنى في موضعٍ واحدٍ أصلاً، وإنَّما هو اصطلاحُ الجَهْمِيَّةِ، والفَلَاسِفَةِ، والمُعْتَزِلَةِ، ومن وافقَهم
…
» (1).
ومنْ ثَمَّ، فكلُّ تفسيرٍ ليسَ له أصلٌ في لغةِ العربِ فهو مردودٌ، وهذا الضابطُ يَرُدُّ كثيراً من التفاسيرِ المبنيَّةِ على المصطلحاتِ الحادثةِ، أيًّا كانتْ، وممنْ كانتْ؛ كتفاسيرِ الرافضةِ، وتفاسيرِ الصوفيَّةِ، وتفاسيرِ الباطِنَّيةِ (2)، وتفاسيرِ الفلاسفةِ، والتفاسيرِ المبنيَّة على العلمِ التجريبيِّ العصريِّ، أو ما يُسمَّى ـ مغالطةً ـ بالتَّفسيرِ العصريِّ، وغيرها.
وقدْ يكونُ شيءٌ من هذه المصطلحاتِ منْ مصطلحاتِ الأممِ غيرِ الإسلاميَّةِ، فيجتهِدُ الَّذي يتناولُ تفسيرَ الآياتِ في التوفيقِ بينَ ما جاءَ في القرآن، وما جاءَ عند هؤلاءِ الأقوامِ، وكثيراً ما يقعُ هذا عند الفلاسفةِ الَّذين عاشوا في ظلِّ الإسلامِ (3).
(1) الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم، تحقيق: د. علي الدخيل الله (1:189 - 191). وينظر: تفسير المنار (1:19 - 20)، ففيه كلام عن هذا الموضوع.
(2)
مضى ذكرُ مثالٍ في المبحث الثاني من الفصل الأول من الباب الأول.
(3)
من الفلاسفة الَّذين كتبوا في التوفيق بين الشريعة والفلسفة: ابن سينا والفارابي وإخوان الصَّفا، وابن رشد، في كتابه (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال).
كما وقع للغزالي مثل ذلك في بعض كتبه؛ ككتاب جواهر القرآن، ومشكاة الأنوار.
وقد كان لهؤلاء محاولات في التوفيق بين الشريعة والفلسفة، فحملوا ألفاظها على ما جاء في فلسفاتِ اليونانِ، فحرَّفوا بذلك الدينَ، وجعلوا ما يصدرُ من أولئك من الكفرِ البواحِ موافقاً لما جاءَ في الشريعة الإسلامية، وقد ناقشهم بعضُ الأعلامِ؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية، في مواطن كثيرة من كتبه؛ ككتاب: درء تعارض العقلِ والنقل، وكتاب بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية أهل الإلحاد من القائلين بالحلول والاتحاد، وغيرها. واللهُ المستعانُ.
وعمومُ هؤلاءِ الذينَ يفسرونَ بالمصطلحاتِ الحادثةِ:
إمَّا أن يكون قولُهم عنْ جهلٍ.
وإمَّا أنْ يكونَ عن هَوًى، فهم يعلمونَ الحقَّ ويخالفونَه.
وإمَّا أنْ يجتمعَ فيهم هذان السَّببانِ اللَّذانِ هما سببُ الأقوالِ المنحرفةِ التي يظهر فيها الجرأة على تأويل كتاب الله بلا علم.
وسأسوقُ لكلِّ قومٍ من هؤلاءِ مثالاً من تفاسيرهمِ، واللهُ المستعانُ.
* من أمثلةِ تفاسيرِ الرَّافضةِ، تفسيرُ قوله تعالى: و {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]، قالوا: أُولي الأمر: الأئمةُ من أهلِ البيتِ (1).
وتخصيصُ أولي الأمرِ بأهلِ البيتِ، تحكُّمٌ لا دليلَ عليه، وهو مخالفٌ لتفسيرِ السَّلفِ، وهم فيه على وجهين:
(1) ينظر على سبيل المثال: مجمع البيان في تفسير القرآن، للطبرسي (5:138 - 139)، وقد ذكر القولين المشهورين، ثم قال: «وأما أصحابنا، فإنهم رووا عن الباقر والصادق عليهما السلام أنَّ أولي الأمر: هم الأئمة من آل محمد، أوجب الله طاعتهم بالإطلاق، كما أوجب الله طاعته وطاعة رسوله، ولا يجوز أن يوجب الله طاعة أحد على الإطلاق إلَاّ إذا ثبتت عصمته، وعلِمَ أنَّ باطنه كظاهره، وأمِنَ منه الغلط والأمر القبيح، وليس ذلك بحاصلٍ في الأمراء ولا العلماء سواهم، جلَّ اللهُ أن يأمر بطاعة من يعصيه أو الانقياد للمختلفين في القول والفعل؛ لأنه محال أن يطاع المختلفون، كما أنه محال أن يجتمع ما اختلفوا فيه.
ومما يدل على ذلك أيضاً: أن الله تعالى لم يقرن طاعة أولي الأمر بطاعة رسوله، كما قرن طاعة رسوله بطاعته إلَاّ وأولو الأمر فوق الخلق جميعاً، كما أن الرسول فوق أولي الأمر وفوق سائر الخلق.
وهذه صفة أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وسلم الذين ثبتت إمامتهم وعصمتهم، واتفقت الأمة على علوِّ مرتبتهم وعدالتهم».
وقد ذكر الراغب في مفردات ألفاظ القرآن تفسير أولي الأمر بأئمة أهل البيت، ولم يعلِّق عليه بشيء. ينظر (ص:90).
الأول: هم الأمراء (1).
الثاني: العلماء (2).
أمَّا مصطلحُ أهلِ البيتِ، وما لَحِقَه من أحكامٍ تخصُّهم عندهم ـ كالعصمةِ وغيرِها ـ فإنَّه جاءَ متأخِّراً، وحملوا عليه الآيةَ، وبنوا عليه وجوبَ طاعتهم دونَ غيرِهم، وغير ذلك من الأحكامِ التي تخصُّ أهلَ البيتِ عندهم.
* ومن تفاسيرِ الفلاسفةِ (3): تفسيرُ الأفولِ في قولِه تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الآفِلِينَ} [الأنعام: 76]، حيثُ فَسَّرَهُ بعضُ المعتزلةِ وغيرُهم منَ المبتدعةِ بأنَّه الحَرَكَةُ (4)، وقصدوا بذلكَ أنَّ إبراهيمَ نَفَى ألوهيَّةَ هذه الكواكبِ بوجودِ الحَرَكَةِ فيها، والحَرَكَةُ دليلٌ على الحدوثِ، ومنْ ثَمَّ، فإنَّ هذه الكواكبَ مُحْدَثَةٌ مخلوقةٌ، والرَّبُّ لا تجوزُ عليه الحَرَكَةُ، فما جاءَ منَ النُّصوصِ التي فيها من صفاتِ اللهِ الاختياريَّةِ؛ كالنُّزولِ، والمجيءِ، وغيرِها، جعلوها تدلُّ على الحركةِ والانتقالِ، ثُمَّ أَوَّلُوهَا بسببِ هذه الدَّعْوَى.
(1) ورد القول بهذا عن أبي هريرة، وابن عباس، وميمون بن مهران، وابن زيد، والسدي، وغيرهم. ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (8:497 - 499)، وتفسير ابن أبي حاتم، تحقيق: أسعد الطيب (3:987 - 988).
(2)
ورد القول بهذا عن ابن عباس، ومجاهد، وابن أبي نجيح، وعطاء بن السائب، والحسن، وأبي العالية. ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (8:449 - 501)، وتفسير ابن أبي حاتم، تحقيق: أسعد الطيب (3:989).
وقد ورد غير هذين القولين، وهما داخلان في أحدهما، كمن قال: أولي الأمر: أبو بكر وعمر، فإنَّ هذا يدخل في القولين معاً، فهم من الأمراء ومن العلماء.
(3)
تجدُ في كتاب روح المعاني، للآلوسي أمثلةً كثيرةً من التفاسيرِ التي نقلها عن ابن سينا، وينظر منه على سبيل المثال، تفسير سورة الفلق (30:284 - 285).
(4)
ينظر: الرد على بشر المريسي (ص:55)، وتفسير الرازي (13:43)، ودرء تعارض العقل والنقل (1:310 - 315)، والصواعق المرسلة (1:190).
وقد ردَّ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيمِيَّةَ (ت:728)، على تفسيرِهم للأفولِ، فقالَ: «
…
الوجهُ الثَّالثُ: أنَّ الأُفُولَ هو المَغِيبُ والاحْتِجابُ، ليسَ هو مجرَّدَ الحركةِ والانتقالِ، ولا يقولُ أَحَدٌ ـ لا من أهلِ اللُّغةِ ولا من أهلِ التَّفسيرِ ـ: إنَّ الشمسَ والقمرَ في حَالِ مسيرِهما في السَّماءِ، إنهما آفلانِ، ولا يقولُ للكواكب المرئيَّةِ في السَّماءِ في حالِ ظهورِها وجريانِها: إنها آفلةٌ، ولا يقولُ عاقلٌ لكلِّ مَنْ مَشَى وسَافَرَ وطَارَ: إنه آفِلٌ.
الوجهُ الرَّابعُ: أنَّ هذا القولَ الذي قَالُوه لمْ يَقُلْهُ أحدٌ من علماءِ السَّلفِ أهلِ التَّفسيرِ، ولا من أهلِ اللُّغةِ، بل هو منَ التَّفسيراتِ المُبْتَدَعَةِ في الإسلامِ، كما ذَكَرَ ذلكَ عثمانُ بنُ سعيدٍ الدَّارِمِيُّ (1) وغيرُه من علماءِ السُّنَّةِ، وبَيَّنُوا أنَّ هذا منَ التَّفسيرِ المُبْتَدَعِ.
وبِسَبَبِ هذا الابتداعِ أخذَ ابنُ سِينَا (2) وأمثالُه لفظَ الأفولِ بمعنى الإمكانِ كما قال في إشاراتِه: قال قومٌ: إنَّ هذا الشَّيءَ المحسوسَ موجودٌ لذاتِه واجبٌ لنفسه، لكنْ إذا تذكرتَ ما قيلَ في شرطِ واجبِ الوجودِ لم تجدْ هذا المحسوسَ واجباً، وتَلَوتَ قوله تعالى:{لَا أُحِبُّ الآفِلِينَ} [الأنعام: 76]، فإنَّ الهُوِيَّ في حَظِيرَةِ الإمكانِ أُفُولٌ (3). فهذا قولُه.
ومنَ المعلومِ بالضَّرورِة من لغةِ العربِ أنهم لا يُسَمُّونَ كلَّ مخلوقٍ موجودٍ آفِلاً، ولا كُلَّ موجودٍ بغيرِهِ آفِلاً، ولا كُلَّ موجودٍ يَجِبُ وجودُهُ بغيرِهِ لا بنفسِهِ آفِلاً، ولا ما كانَ من هذه المعاني التي يَعْنِيهَا هؤلاءِ بلفظِ الإمكانِ،
(1) ينظر رده على بشر المريسي (ص:55).
(2)
الحسين بن عبد الله بن الحسن، أبو علي، المعروف بالشيخ الرئيس، فيلسوف، طبيب، كان أهل بيته من الإسماعيلية، له آثارٌ كثيرةٌ في الطبِّ والفلسفة والمنطق؛ ككتاب القانون، وكتاب الشفاء، وغيرها. توفي سنة (428). ينظر: عيون الإنباء في طبقات الأطباء (ص:437 - 459)، سير أعلام النبلاء (17:531 - 536).
(3)
الإشارات والتنبيهات، لابن سينا (3:531 - 532).
بل هذا أعظمُ افتراء على القرآنِ واللُّغةِ منْ تسميةِ كلِّ متحركٍ آفِلاً. ولو كانَ الخليلُ أرادَ بقولِه: {لَا أُحِبُّ الآفِلِينَ} [الأنعام: 76] هذا المعنى، لم ينتظرْ مغيبَ الكوكبِ والشَّمسِ والقَمَرِ، فَفَسَادُ قولِ هؤلاءِ المتفلسفةِ في الاستدلالِ بالآيةِ أظهرُ منْ فسادِ قولِ أولئكَ.
وأعجبُ من هذا قولُ مَنْ قالَ في تفسيرِهِ: إن هذا قولُ المحققينَ (1).
واستعارتُهُ لفظَ «الهُوِيِّ، والحَظِيرَةِ» لا يوجبُ تبديلَ اللُّغةِ المعروفةِ في معنى الأفولِ، فإنْ وَضَعَ هو لنفسِهِ وَضْعاً آخرَ، فليسَ له أنْ يتلوَ عليه كتابَ اللهِ تعالى فيبدِّله ويحرِّفهُ» (2).
* ومن أمثلةِ تفسيرِ القرآن بمصطلحاتِ العلمِ التَّجريبيِّ، الذي فُتِنَ به كثيرونَ، فصاروا يُجهِدونَ أنفسَهم في التوفيقِ بين ما في هذه العلوم التَّجريبيَّةِ الحديثةِ وبين نصوصِ القرآن، وقد أتوا في كثيرٍ من الأحيانِ بالطَّوامِّ، ولَيِّ أعناقِ النصوصِ إلى هذه العلومِ؛ كأنها هي الأصلُ، والقرآن تبعٌ لها، ومن أمثلةِ ذلك:
يقول الشَّيخ أحمد محيي الدِّين العجوز ـ في كتابه (معالم القرآن في عوالم الأكوان) تحت عنوانِ: «حقيقة الذَّرَّةِ وطاقتها» ـ:
«وقال العلماءُ قديماً: أنَّ الجوهرَ الفردَ (الذَّرَّةَ) لا يتجزَّأ (3)، ولا يمكنُ له ذلكَ. بيدَ أنَّ علماء الذَّرَّةِ في عصرنا الحديثِ توصَّلوا إلى تجزئةِ الذَّرَّةِ،
(1) هو الرازي، وقد قال في تفسيره (13:43): «وأيضاً قال بعضُ المحقِّقينَ: الْهُوِيُّ في خطرة (كذا) الإمكانِ أفولٌ» .
(2)
درء تعارض العقل والنقل (1:313 - 315). وقد نقل بعد هذا تفسير القرامطة والباطنية للكوكب والشمس والقمر، وهو من جنس هذا الذي ذكرته في تفسير الأفول عند المبتدعة.
(3)
الجوهر الفرد: هو الجزء الذي لا يتجزَّأ، وهو لا شكل له، ولا يشبهه شيء من الأشكالِ.
ينظر: كشاف اصطلاحات الفنون، للتهانوي، تحقيق: لطيف بديع (1:290 - 291).
وإلى معرفةِ وزنها. واعتبروا أنَّ وزنها (1.66) جزءً من مليونِ مليارِ مليارِ جزءٍ من الغْرَامِ، فسبحان اللهِ الَّذِي خلقَ الذَّرَّةَ ونواتها وما فيها من طاقةٍ وكتلةٍ وقوَّةٍ.
وإذ توصَّلَ رجالُ العلمِ الحديثِ إلى تجزئتها، فإنَّ القرآن الكريمَ أعلنَ ذلكَ صراحةً مشيراً لذلكَ بلفظِ (أصغر)؛ أي: أصغر من الذَّرَّةِ، فقال:{وَمَا تَكُونُ فِي شَانٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَاّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [يونس: 61].
فذكر اللهُ: {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} ، وهو وزنُها، {وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ} ، وهو جُزْؤها، فيكونُ القرآنُ قدْ سبقَ علماءَ الذَّرَّةِ بذكر ثقلها ووزنها وانقسامها، فكانَ ذلك معجزةً واضحةً» (1).
وهذا المتعرِّضُ لتفسيرِ هذه الآية ـ كما ترى ـ لم يُجهِدْ نفسَه في البحثِ عن معنى الذَّرَّةِ في لغةِ العربِ ولا في قولِ المفسِّرينَ، إذ لا تجدُ لهم ذِكْراً عنده، بل حملها على مصطلحاتٍ حادثةٍ، فجعلها بمعنى الجوهرِ الفردِ عند المتكلِّمينَ، ثمَّ جعلها الذَّرَّة المعروفةَ في هذا العصرِ في اصطلاحِ الفيزيائيين والكيميائيين (2)، وهلْ أُنزلَ القرآن على مصطلحاتِ المتكلمينَ أو منْ جاءَ بعدَهم؟!.
(1) معالم القرآن في عوالم الأكوان، للشيخ أحمد محيي الدين العجوز (ص:298 - 299).
(2)
الذَّرَّة في الفيزياء والكيمياء أصغر جزءٍ من المادة، وكان يُعتقَدُ أنها لا تنقسمُ، ثُمَّ ثبتَ بعدَ ذلكَ وقوعُ الانقسامِ فيها، وأنها تتكون من نيوترونات وبروتونات. ينظر: الموسوعة العربية الميسرة، ط: دار الشعب (ص:844).
أينَ لغةُ من نزلَ القرآن بلسانهم؟!.
إنَّ الذَّرَّةَ بلسانِ العربِ: النَّملةُ الصَّغيرةُ، وهذا هو المعنى المعروفُ من هذا اللَّفظِ، ولذا تجدُ في بعضِ المعاجمِ:«والذَّرُّ: جمع ذرَّة، معروفٌ» ؛ أي أنَّ هذا المعنى لا يخفى على أحدٍ يتكلَّمُ هذه اللُّغةَ.
وهذا المعنى هو المرادُ هنا، وَرَدَ ذلكَ عنِ ابنِ عباسٍ (ت:68) (1). وقالَ الطَّبَرِيُّ (ت:310): «وقوله: {مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ} [يونس: 61]: يعني: من زِنَةِ نملةٍ صغيرةٍ، يُحكَى عن العربِ: خُذْ هَذَا، فَإِنَّهُ أَخَفُّ مِثْقَالاً مِنْ ذَاكَ؛ أي: أخفُّ وزناً (2).
والذرة: واحدة الذر، والذر: صغار النمل» (3).
* ومن أمثلةِ التَّفسيراتِ العصريَّةِ الحديثة:
1 -
ما ورد في كتابِ (الكتاب والقرآن ـ قراءة معاصرة) في تفسير المراد بالجيوب في قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور: 31]: «والجيبُ ـ كما نعلم ـ: هو فتحةٌ لها طبقتانِ، لا طبقةٌ واحدةٌ؛ لأنَّ الأساسَ في (جيبِ) هو فعلُ (جوب) في اللسانِ العربيِّ، له أصلٌ واحدٌ، وهو الخرقُ في الشَّيء، ومراجعةُ الكلامِ: السؤال والجواب.
فالجيوبُ في المرأةِ لها طبقتانِ، أو طبقتانِ مع خرقٍ، وهي: ما بين الثَّديينِ، وتحت الثَّديينِ، وتحت الإبطينِ، والفرج، والأليتينِ (4)، هذه كلها جيوبٌ، فهذه الجيوبُ يجبُ على المرأةِ المؤمنةِ أن تغطيها، لذا قال:{وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} » (5).
(1) ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:270 - 271)، والدر المنثور (2:539).
(2)
ورد هذا عند أبي عبيدة، قال:«أي: زنَةَ نملةٍ صغيرةٍ، ويقال: خذ هذا فإنه أخفُ مثقالاً؛ أي: وزناً» مجاز القرآن (1:278).
(3)
تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (15:116 - 117).
(4)
الصَّوابُ: الأليتانِ.
(5)
الكتاب والقرآن/ قراءة معاصرة، للدكتور: محمد شحرور (ص:607)، والكتاب مليءٌ بالمغالطاتِ والأخطاءِ العجيبة، وقد كثرت عليه الردود العلمية القيمة.
وهذا الكلامُ فيه اعتداءٌ على العربيَّةِ، وإدِّعاءٌ عليها في معنى الجيوبِ؛ لأنَّ المعنى الذي ذكره للجيب:«فتحة لها طبقتانِ» ، معنًى مُحدَثٌ، وكأنَّه أخذه من المعنى الدارجِ بين العامَّةِ، وهو تسمية المخبأةِ جيباً، وهذا اصطلاحٌ حادثٌ، لم يُعهدْ في لسانِ العربِ، ولا من نزلَ فيهم الخطاب، ومن ثَمَّ لا يصحُّ استنباطٌ معنى لغوي منه، ولا حملُ القرآنِ عليه.
والجيبُ في اللُّغةِ مأخوذٌ من مادة (جوب)، أو تكون الياء فيه أصليةً (1)، وتكونُ مادة مستقلَّةً، وكلاهما في جميع الأحوالِ يرجعانِ إلى أصلٍ واحدٍ يدلُّ على خرقِ الشَّيء أو قطعه (2)، والمرادُ به في الآيةِ طوق الرأس مما يلي الرَّقبةَ، وهو ما يدخلُ فيه الرأسُ، والمعنى في ذلك أنْ تُغطِّيَ المرأةُ رأسها حتى يصلَ خمارُها إلى صدرِها فيتغطَّى منها الجيبُ.
وهذا القائلُ، جعلَ معنى الجيبِ: الفتحةَ التي لها طبقتانِ، ثُمَّ حملَ الجيوبَ المذكورةَ على هذا المعنى الذي اختاره، تاركاً بذلكَ المعهودَ من لغةِ العرب، والمعروفَ من معنى الجيوبِ على من نزل القرآنُ بلغتِهم، وفسَّرُوه بفعلِهم، فأسدلوا الخمارَ حتى الصَّدرِ (3).
2 -
وما ورد في كتاب (مفهوم النَّصِّ/ دراسة في علوم القرآنِ)، حيث ذكرَ المؤلِّفُ في تفسيرِ قوله تعالى:{اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1]، قال:«المسألةُ الأولى: أنَّ الأمر بالقراءةِ هنا أمرٌ بالتَّرديدِ، و «اقرأ» ؛ معناها: «ردِّدْ» ، وذلك على خلاف الفهمِ الشَّائعِ حتى الآنَ، والمستقر نتيجةَ تطوّرِ الشَّفاهيةِ إلى التدوينِ
…
» (4).
(1) ينظر مثلاً: لسان العرب وتاج العروس، مادة (جيب).
(2)
ينظر: مقاييس اللغة (1:490 - 491)، (1:497 - 498)، والقاموس المحيط وشرحه تاج العروس، ولسان العرب، مادة (جوب)، ومادة (جيب).
(3)
ينظر في الردِّ على هذا التحريف في هذه الآية وما يتعلق بها من حكم، كتاب: بيضة الديك ـ نقد لغوي لكتاب الكتاب والقرآن، ليوسف الصيداوي (ص:75 - 97).
(4)
مفهومُ النص/ دراسة في علوم القرآن، للدكتور: نصر حامد أبو زيد (ص:75).