المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أولا كل تفسير لغوي وارد عن السلف يحكم بعربيته وهو مقدم على قول اللغويين - التفسير اللغوي للقرآن الكريم

[مساعد الطيار]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الأولالتفسير اللغوي: مكانته ونشأته

- ‌الفصل الأولالتفسير اللغوي ومكانته

- ‌المبحث الأولتعريفُ التَّفسير اللُّغويِّ

- ‌أولاً: تعريف التفسير:

- ‌التفسير لغةً:

- ‌التفسير اصطلاحاً:

- ‌تحليل هذه التعريفات:

- ‌ثانياً: تعريف اللغة:

- ‌اللغة اصطلاحاً:

- ‌مصطلحُ اللُّغةِ في كلامِ السَّلفِ:

- ‌المعاني المرادفةِ للفظِ اللُّغةِ في القرآن وكلامِ السَّلفِ:

- ‌ثالثاً: تعريف التفسير اللغوي:

- ‌المبحث الثانيمكانة التَّفسير اللُّغويِّ

- ‌الفصل الثانينشأةُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ

- ‌تمهيد

- ‌أولاً: التَّفْسِيرُ اللُّغَوِيُّ عِنْدَ السَّلفِ

- ‌طريقة السَّلفِ في التَّفسير اللُّغويِّ:

- ‌أسلوبُ الوجوه والنَّظائر

- ‌الأشباهُ والنَّظائرُ في اللُّغةِ:

- ‌الوجوهِ والنَّظائر في الاصطلاح:

- ‌بداية الكتابة في هذا العلم:

- ‌علاقةُ الوجوهِ والنَّظائر بالتَّفسير اللُّغويِّ:

- ‌كُلِّيَّات الألفاظِ القرآنيَّة:

- ‌ثانياً: التَّفسيرُ اللُّغويُّ عند اللُّغوِيين

- ‌تمهيد

- ‌أولاً: التفسيرُ اللغويُ في كتبِ الموضوعات:

- ‌ثانياً: التفسير اللغوي في معاجم الحروف:

- ‌القسمُ الثانيالمشاركة المباشرة في تفسير القرآن

- ‌طريقةُ التَّفسير اللُّغويِّ في هذه الكتبِ:

- ‌أولاً: كثرةُ مباحثِ الصَّرفِ والاشتقاقِ:

- ‌ثانياً: كثرة المباحث النحوية:

- ‌ثالثاً: كثرةُ الاستشهادِ منْ لغةِ العربِ:

- ‌رابعاً: بيانُ الأساليبِ العربيَّةِ الواردةِ في القرآنِ:

- ‌ التَّفسيرُ على المعنى

- ‌ علم الوجوه والنَّظائر عند اللُّغويِّين:

- ‌ أسلوبُ التَّفسير اللَّفظيِّ عند اللُّغويِّين:

- ‌الفصل الثالثمسائل في نشأة التفسير اللغوي

- ‌المسألة الأولىفي سَبْقِ السَّلفِ في علمِ التَّفسيرِ

- ‌المسألة الثانيةشمولُ التَّفسيرِ بين السَّلفِ واللُّغويِّين

- ‌المسألة الثالثةفي الاعتمادِ على اللُّغةِ

- ‌المسألة الرابعةفي الشَّاهِد الشِّعريّ

- ‌المسألة الخامسةفي علمِ الوجوهِ والنَّظائرِ

- ‌المسألة السادسةالتَّفسيرُ اللُّغويُّ بين البصرةِ والكوفةِ

- ‌المصدرُ الأولكتب التفسير

- ‌ وجوهِ تأويلِ القرآنِ

- ‌الأولى: الاستشهادُ بأقوالِ السَّلفِ في التَّفسير اللُّغويِّ:

- ‌الثَّانية: قَبُولُ المحتملاتِ اللُّغويةِ الواردةِ عنِ السَّلفِ:

- ‌الثالثةُ: استعمالُ اللُّغةِ في التَّرجيحِ:

- ‌ كثرةُ استخدامِه لأسلوبِ السؤالِ والجوابِ

- ‌ كثرةُ ذكرِه للفروقِ اللُّغويَّةِ بين الألفاظِ

- ‌ الشَّواهد الشِّعريَّةِ:

- ‌ الأساليبُ العربيَّةُ:

- ‌أثر المعتقد في التَّفسير اللُّغويِّ عند الرُّمَّانيِّ:

- ‌أوَّلاً: مفردات ألفاظ القرآن:

- ‌ثالثاً: الترجيح باللغة:

- ‌المصدر الثانيكتب معاني القرآن

- ‌أوَّلاً المراد بمعاني القرآن

- ‌ثانياً لِمَاذَا كَتَبَ اللُّغَوِيُّونَ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ

- ‌أولاً معاني القرآن، للفراء

- ‌أثرُ الاهتمامِ بعلومِ العربيَّةِ في تفسيراتِه:

- ‌صُوَر التَّفْسِير اللُّغويِ في كِتابِ مَعَاني القُرْآنِ:

- ‌أثرُ المعتقدِ في التفسير اللُّغويِّ عند الفرَّاءِ:

- ‌ثانياً مَعَانِي القُرْآنِ لِلاخْفَشِ

- ‌أثرُ المعتقدِ على التَّفسير اللُّغويِّ عند الأخفشِ:

- ‌ثالثاً مَعَانِي القُرْآنِ وَإعْرَابُهُ للزَّجَّاجِ

- ‌أثر المعتقد على التفسير اللُّغوي عند الزَّجَّاج:

- ‌المصدر الثالثكتب غريب القرآن

- ‌أوَّلُ كُتُبِ غَرِيبِ القُرْآنِ:

- ‌أولاً مَجَازُ القُرْآنِ لأبِي عُبَيْدَةَ

- ‌مفهومُ المجازِ عند أبي عبيدة:

- ‌أثر المعتقد على دلالة الألفاظ عند أبي عبيدة:

- ‌ثانياً تَفْسِيرُ غَريبِ القُرآنِ، لابن قُتَيْبَةَ

- ‌ بيان الأصلِ اللغويِّ للَّفظِ:

- ‌ كثرةُ الشَّواهدِ الشِّعريَّةِ:

- ‌أثر المعتقد على التَّفسير اللُّغويِّ عند ابن قتيبة:

- ‌ اهتمامِه بالوجوه والنَّظائر

- ‌المصدرُ الرابعكتب معاجم اللغة

- ‌تَحَرُّزُ ابنِ دريدٍ في التفسير:

- ‌ كثرةُ موادِّهِ اللُّغويَّةِ

- ‌ أنَّه أوسعُ مِمَّنْ تقدمه في عَرْضِ التَّفسيرِ

- ‌المصدرُ الخامسكتب أخرى لها علاقة بالتَّفسيرِ اللُّغويِّ

- ‌أولاً كتب غريب الحديث

- ‌ثانياً كتب الاحتجاج للقراءات

- ‌ثالثاً شروح دواوين الشعر

- ‌رابعاً كُتُبُ الأدَبِ

- ‌الباب الثالثآثار التفسير اللغوي وقواعده

- ‌الفصل الأولأثرُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في اختلافِ المفسرينَ

- ‌أوَّلاً الاختلافُ بسببِ الاشتراكِ اللُّغويِّ في اللَّفظِ

- ‌ثانياً الاختلافُ بسببِ التَّضادِّ في دلالةِ اللَّفظِ

- ‌ثالثاً الاختلافُ بسببِ مخالفةِ المعنى الأشهر في اللَّفظ

- ‌الفصل الثانيأثر التفسير اللغوي في انحراف المفسرين

- ‌الصنف الثاني: أهل البدع:

- ‌الفصل الثالثقواعد في التفسير اللغوي

- ‌أولاً كلُّ تفسيرٍ لغويٍّ واردٍ عن السَّلفِ يُحكمُ بعربيَّته وهو مقدَّمٌ على قولِ اللُّغويين

- ‌تطبيقُ طريقةِ التَّعاملِ مع أقوالِ السَّلف التَّفسيريَّة:

- ‌ أنواع الاختلافِ

- ‌القسمُ الأول: المحتملات اللغوية الواردة عن السلف:

- ‌القسم الثاني: المحتملات اللغوية الواردة عن غير السلف:

- ‌الضابط الثالث: أن تحتمل الآية المعاني في السياق:

- ‌الضابط الرابع: أن لا يُقصَرَ معنى الآية عليها:

- ‌ثالثاً لا يصحُّ اعتمادُ اللغةِ دونَ غيرهَا من المصادرِ التفسيريَةِ

- ‌ منْ أهمِّ مصادرِ التَّفسيرِ

- ‌ مخالفة المصطلحات الشرعيَّة:

- ‌ مخالفة أسباب النُّزول:

- ‌ مخالفة تفسير السَّلف:

- ‌رابعاً لا تعارض بين التفسير اللَّفظي والتفسير على المعنى

- ‌ التفسيرُ على القياسِ والإشَارةِ:

- ‌ التَّفسيرُ على اللَّفظِ:

- ‌ التَّفسيرُ على المعنى:

- ‌ هل يمكنُ معرفةُ التفسيرِ اللَّفظيِّ بواسطةِ التَّفسيرِ على المعنى

- ‌ كيف نُفرِّقُ بين التَّفسيرِ على اللَّفظِ والتَّفسيرِ على المعنى

- ‌ لا بدَّ من وجودِ ارتباط بين التَّفسيرِ على المعنى والتَّفسيرِ اللَّفظي

- ‌أمثلةُ التَّفسير على المعنى:

- ‌الأول: التفسيرُ باللاّزمِ:

- ‌الثاني: التفسيرُ بالمثالِ:

- ‌الثالث: ذكر النُّزول:

- ‌خاتمة البحث

- ‌فهرس القواعد العلمية

- ‌فهرس مسائل الكتاب العلمية

- ‌المراجع والمصادر

الفصل: ‌أولا كل تفسير لغوي وارد عن السلف يحكم بعربيته وهو مقدم على قول اللغويين

‌أولاً كلُّ تفسيرٍ لغويٍّ واردٍ عن السَّلفِ يُحكمُ بعربيَّته وهو مقدَّمٌ على قولِ اللُّغويين

(1)

ترتبطُ هذه المسألةُ بزمن الاحتجاجِ اللُّغويِّ، ولم أجدْ من أشارَ إلى

(1) كان مجلس الكليَّةِ قد زاد قيداً على هذه القاعدة، وهو: كل تفسيرٍ لغويٍّ ثابت

، وبعد البحثِ وجدت أنَّه لا حاجة لهذا القيدِ؛ لأنَّه لم يقع الاحتجاج بما لم يصحَّ عنهم، أمَّا الآثارُ الضَّعيفةُ فأمرُها محتملٌ مقبولٌ في بيانِ اللغةِ، وقد أشارَ إلى ذلك أحدُ أعمدةِ المحقِّقينَ المعاصرين، وهو الأستاذُ محمود شاكر في تعليقه على تفسير الطبري (1: حاشية ص:453 - 454)، قال:«تبيَّنَ لي مما راجعته من كلامِ الطبري، أنَّ استدلالَ الطبريِّ بهذه الآثارِ التي يرويها بأسانيدها، لا يُراد بها إلَاّ تحقيق معنى لفظٍ، أو بيان سياق عبارة، فهو قد ساق الآثارَ التي رواها بإسنادها ليدلَّ على معنى «خليفة» ، و «الخلافة» ، وكيف اختلفَ المفسرونَ من الأولين في معنى خليفة، وجعل استدلاله بهذه الآثار، كاستدلال المستدلِّ بالشعر على معنى لفظٍ في كتابِ اللهِ.

وهذا بيِّنٌ في الفقرة التالية للأثر رقم (605)، إذ ذكر ما رويَ عن ابن مسعود وابن عباس، وما رويَ عن الحسن في بيان معنى «خليفة» ، واستظهر ما يدل عليه كلام كلِّ منهم. ومن أجل هذا الاستدلال لم يبال بما في الإسناد من وهن لا يرتضيه. ودليل ذلك: أن الطبري نفسه قال في إسناد الأثر رقم (465) عن ابن مسعود وابن عباس، فيما مضى (ص:353): «فإن كان الإسناد صحيحاً، ولست أعلمه صحيحاً، إذ كنت في إسناده مرتاباً

»، فهو مع ارتيابه في هذا الإسنادِ، قد ساق الأثرَ للدلالة على معنى اللفظِ وحده، فيما فهمه ابن مسعود وابن عباس ـ إن صحَّ عنهما ـ أو فيما فهمه الرواة الأقدمون في معناه. وهذا مذهب لا بأس به في الاستدلال. ومثله أيضاً ما يسوقه من الأخبار والآثار التي لا يشك في ضعفها، أو في كونها من الإسرائيليات، فهو لم يسقها لتكون مهيمنة على تفسير آي التنزيل الكريم، بل يسوق =

ص: 560

تفصيلِ منْزلة تفسيراتِ طبقاتِ السلفِ في الاحتجاج اللُّغويِّ، سوى الإشارةِ إلى قبولِ تفسيرِ الصَّحابيِّ والاحتجاجِ به، كما سيأتي.

ومفسِّرو السَّلفِ على قسمينِ:

قسمٌ عاصر زمن الاحتجاجِ اللُّغويِّ، كالصحابةِ والتَّابعينَ؛ كزِرِّ بنِ حُبيشٍ (ت:83)، والشَّعبيِّ (ت:103)، والحسنِ (ت:110)، وغيرِهم. وهؤلاءِ كغيرِهم من العربِ الذينِ نُقلتْ أقوالُهم واحتُجَّ بها.

وقسمٌ عاصرَ اللُّغويِّينَ الأوائل الذينَ دوَّنوا اللُّغةَ، كالكلبيِّ (ت:146)، ومقاتلِ بن سليمانَ (ت:150)، وسفيانَ الثَّوريِّ (ت:161)، ومالك بن أنس (179)، وابن زيد (ت:182)، وأقلُّ أحوالِ هؤلاءِ أن يكونوا نَقَلَةً لمعاني الألفاظِ العربيَّةِ التي في القرآنِ، فحالُهم في مثلِ هذا كحالِ من عاصرَهم من اللُّغويِّينَ الذين يحكونَ لغةَ العربِ، وينسبونَ إليها دلالاتِ الألفاظ.

ومع أنَّ بعضَهم كانَ غيرَ عربيِّ الأصلِ، فإنكَ لا تجدُ أحداً من العلماء أنكرَ عليهم تفسيرَ القرآن العربيِّ على عربيَّتِه، ومنْ أمثلةِ هؤلاء المفسِّرينَ:

= الطويل الطويل، لبيان معنى لفظٍ، أو سياق حادثة، وإن كان الأثر نفسه مما لا تقوم به حجة في الدين، ولا في التفسير التامِّ لآي كتاب الله.

فاستدلال الطبري بما ينكره المنكرون، لم يكن إلَاّ استظهاراً للمعاني التي تدلُّ عليها ألفاظ هذا الكتاب الكريم، كما يُستظهرُ بالشعر على معانيها، فهو إذاً استدلالٌ يكاد يكون لغويّاً، ولما لم يكن مستنكراً أن يستدل بالشعر الذي كذب قائله، ما صحت لغته، فليس بمستنكر أن تساق الآثار التي لا يرتضيها أهل الحديث، والتي لا تقوم بها الحجة في الدين، للدلالة على المعنى المفهوم من صريح لفظ القرآن، وكيف فهمه الأوائل، سواءً كانوا من الصحابة أو من دونهم.

وأرجوا أن تكون هذه تذكرة تنفع قارئ كتاب الطبري، إذا ما انتهى إلى شيء مما يعده أهل علم الحديث من الغريب المنكر، ولم يقصر أخي السيد أحمد شاكر في بيان درجة رجال الطبري عند أهل العلم بالرجال، وفي هذا مقنع لمن أراد أن يعرف علم الأقدمين على وجهه، والحمد لله أولاً وآخراً». وينظر:(1: حاشية ص:462).

ص: 561

مولى ابن عباس: عِكْرِمَةُ (ت:105)، وأصلُه بربريٌّ (1)، وكانَ يفسِّرُ القرآنَ بلغة العربِ ويحتجُّ بأشعارِها (2)، ولا تجدُ أحداً عابَ عليه بَرْبَرِيَّتَهُ، ولم يحتجَّ بتفسيرِه لأجلِ هذا الأصلِ البربريِّ، بل كان مُقدماً في علمِ التَّفسيرِ.

ثمَّ إنهم يفسرون القرآن العربيَّ بالعربيَّةِ، ولم يُؤثَرْ عنهم أنهم فسروه بغيرها، فأقلُّ ما يقالُ فيهم أنهم ناقلونَ لِلُغَةِ العربِ، وهم ثِقَةٌ في ذلكَ، فقبولُ ما فسَّروا به على أنه لغةٌ يمكنُ أنْ يدخلَ من هذا البابِ.

وإنَّ ممَّا يُسْتَانسُ به في هذه المسألةِ أنَّ أهلَ اللُّغةِ ينقلونَ بعضَ أقوالِهم ويشرحونَ غريبَها (3).

(1) جاء في تهذيب الكمال (5:209): «عكرمة القرشي الهاشمي، أبو عبد الله المدني، مولى عبد الله بن عباس، أصله من البربر من أهل المغرب، كان لحصين بن أبي الحر العنبري، فوهبه لعبد الله بن عباس حين جاء والياً على البصرةِ لعلي بن أبي طالب» .

(2)

من استشهاده بالشعر، تفسيره لقول الله تعالى:{ذَوَاتَا أَفْنَانٍ} [الرحمن: 48]، قال: «ذواتا ظِلٍّ وأغصان، ألم تسمع إلى قول الشاعر:

ما هاجَ شَوقَك من هَدِيلِ حَمَامَةٍ

تَدْعُو عَلَى فَنَنِ الغُصُونِ حَمَاماً

تَدْعُو أبا فَرْخَينِ صَادَفَ طَائِراً

ذا مخلبينِ من الصُّقُورِ قطاما»

ينظر: إيضاح الوقف والابتداء (1:65).

(3)

إنَّ شرحَ اللغويين لأقوالِ السلفِ ظاهرٌ في كتب اللغة، ولعله يكفي التمثيلُ ببعض ذلك؛ لأنَّه ليس هذا محلُّ جَرْدِ ذلك، ومن ذلك ما ورد في لسان العربِ: في مادة (مزر، مزز) شرح قولٍ لأبي العالية، في مادة (شوى) شرحُ قولٍ لمجاهد، في مادة (كرع) شرح قول لعكرمة، في مادة (زلحف) شرح قولٍ لسعيد بن جبير، وفي مادة (صعفق) شرح قولٍ للشعبي.

ولو تُتَبِّعت كتبُ غريب الحديث التي دوَّنها اللغويون، فسيظهر شرحهم لأقوالِ السلفِ، ومن ذلك آخر الجزء الخامس من غريب الحديث لأبي عبيد، وآخر الجزء الثاني من غريب الحديث لابن قتيبة، وقد قمت بالاطلاع على مخطوطٍ نفيسٍ في الخزانة العامة في الرباط، برقم (197)، وهو الدلائل في غريب الحديث، للسَّرقسطي، فإذا فيه جزءٌ كبيرٌ في شرحِ أقوال التابعين وأتباعهم، وإليك بعض من ذكرهم مع ذكر ترقيم مُرقِّمِ المخطوط: طاووس بن كيسان (142 - 143)، الحسن =

ص: 562

ويبنى على ذلك:

أنَّ ما ورد عن هؤلاء السلف الكرام من تفسير ألفاظِ القرآن، أو فهمِهم له، فإنه جارٍ على لغة العرب، وهو حجة يجب الاحتكام إليه، ولا يصحُّ ردُّه ولا الاعتراضُ عليه (1).

= البصري (171 - 188)، الشعبي (199 - 229)، مجاهد (299 - 232)، عكرمة (233 - 235)، قتادة (235 - 238)، سعيد بن أبي عروبة (270)، محمد بن مسلم الزهري (274 - 279)، مالك بن أنس (283 - 287)، سفيان الثوري (288 - 292).

وهنا ملاحظتان:

الأولى: أنَّ الحسن البصريَّ من أكثرِ التابعين وأتباعهم من حيث نقل أقواله وشرحها في كتب غريب الحديث.

الثانية: أنَّ الشَّرحَ في بعضِ الآثارِ الواردة عنهم لا يكونُ من كلامِهم هم، بل قد يكونون سئلوا عن مسألةٍ، فأجابوا عنها، ويكونُ في السؤال الذي وُجِّه إليهم لفظة غريبة تحتاجُ إلى بيانٍ، فيبيِّنُها اللغوي.

(1)

من العجيبِ أنَّ أبا حيان الأندلسي في تفسير قَوْلِهِ تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} قال: «والذي رُوِيَ عن السلف لا يساعد عليه كلام العرب؛ لأنهم قدروا جواب «لولا» محذوفاً، ولا يدل عليه دليل؛ لأنهم لم يقدروا: لهمَّ بها، ولا يدل كلام العرب إلَاّ على أن يكون المحذوف من معنى ما قبل الشرط؛ لأن ما قبل الشرط دليل عليه.

وقد طهرنا كتابنا هذا من نقل ما في كتب التفسير مما لا يليق ذكره، واقتصرنا على ما دلَّ عليه لسان العرب، ومساق الآيات التي في السورة مما يدل على العصمة وبراءة يوسف عليه السلام من كل ما يشين

». البحر المحيط (6:258).

والسلف الذين لا يساعد كلام العرب على قولهم هم: عبد الله بن عباس، وابن أبي مُلَيكَةَ، ومجاهد، والقاسم بن أبي بزة، وسعيد بن جبير، وعكرمة. ينظر أقوالهم في تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (16:35 - 37).

فهل هؤلاء يفسرون بغير لغة العرب، ثم أليس فيهم ابن عباس، وهو ممن يحتج بعربيته بلا خلافٍ، مع ما آتاه الله من فهم القرآن؟

ولن يكون أبو حيان ـ أو من جاء بعد هؤلاء السلف ـ أشدَّ تعظيماً للأنبياء منهم، لذا فالصواب أن يجعل ما ورد عن هؤلاء من لغة العرب، وأن يحمل نحو القرآن وإعرابه على ما فسروه، لا أنْ يُرَدَّ ويُزعم أن تفسيرهم لا يساعد عليه كلام العرب، والله أعلم.

ص: 563

وقد نبَّه إلى هذا أبو النَّصْرِ السَّمَرْقَنْدِي (1) في كتابِه «المدخل لعلم تفسيرِ كتاب الله تعالى» ، فجعلَ فيه باباً بعنوانِ:«ما جاءَ عنْ أهلِ التَّفسيرِ ولا يوجدُ له أصلٌ عندَ النَّحويين ولا في اللغةِ» (2).

وقد ذكرَ أمثلةً لهذه المسألةِ، ومنها: «

كما جاءَ عن الأئمَّةِ في تفسيرِ بعضِ الآياتِ مما يشكلُ على أهلِ اللُّغة أصلُها وبناؤها؛ كقوله تعالى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ} [هود: 71]، قالَ بعضُ المفسِّرينَ: معناه: حَاضَتْ.

فأينَ مَحَلُّ حاضتْ منْ ضَحِكَتْ في اللُّغةِ؟! إلَاّ ما حُكِيَ منْ بعضِ أهلِ اللُّغةِ أنه قالَ: ضَحِكَتِ الأرنبُ: إذا خرجَ مِنْ قُبُلِهَا دَمٌ، كان (3) هذا استعارةً من ذلك، والله أعلم» (4).

وفي تفسيرِ قولِه تعالى: {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} [يوسف: 31] ذَكَرَ الأزهريُّ (ت:370) قولاً عن ابنِ عباسٍ (ت:68)، وهو:«أكبرنه: حِضْنَ» (5). ثمَّ قال: «فإنْ صَحَّتِ الرِّوايةُ عنِ ابنِ عباسٍ سَلَّمْنَا له، وجعلْنَا الهاءَ في قولِه: {أَكْبَرْنَهُ} هاءَ وَقْفَةٍ، لا هاءَ كنايةٍ، واللهُ أعلمُ بما أراد» (6).

ولهذا فإنَّكَ تَجِدُ بعضَ اللُّغويينَ يذكرُ أنَّ بعضَ الألفاظِ لم تُعرفْ دلالتُها

(1) أحمد بن محمد بن أحمد، أبو النصر السمرقندي، المعروف بالحدادي، قرأ على أبي سعيد السيرافي وابن مهران، له باع في علم القرآن والتفسير والعربية، ومن كتبه: الموضح لعلم القرآن، والمدخل لعلم تفسير كتاب الله، توفي (بعد:400)، ينظر: غاية النهاية (1:105).

(2)

المدخل لعلم تفسير كتاب الله تعالى (ص:98).

(3)

لعلها: كأنَّ.

(4)

المدخل لعلم تفسير كتاب الله تعالى (ص:105 - 106). وينظر فيه أمثلة أخرى (ص:98 - 112).

(5)

ينظر الرواية عنه في تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (16:76)، وهي روايةٌ ضعيفةٌ عنه، ينظر تعليق محمود شاكر رحمه الله.

(6)

تهذيب اللغة (10:212). وينظر: المدخل لعلم تفسير كتاب الله تعالى (ص:106).

ص: 564

إلَاّ عنِ المفسِّرينَ (1)، ومنْ أمثلةِ ذلكَ:

1 -

التَّفَثُ في قوله تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} [الحج: 29]، فقدْ ذكرَ أبو جعفر النَّحاسُ (ت:338) قولَ ابنِ عباسٍ (ت:68): «التَّفَثُ: الحَلْقُ والتَّقصيرُ، والرَّمْيُ، والذَّبحُ، والأخذُ منَ الشارِبِ واللِّحْيَةِ، ونتفُ الإبطِ، وقَصُّ الأظافرِ» .

ثمَّ قالَ أبو جعفر النَّحاسُ (ت:338): «وكذلكَ هو عندَ جميعِ أهلِ التَّفسيرِ؛ أي: الخروجُ منَ الإحرامِ إلى الحِلِّ. لا يعرفُه أهلُ اللُّغةِ إلَاّ منَ التَّفسيرِ» (2).

2 -

الرَّبَّانِيُّونَ في مثل قولِه تعالى: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِّيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ} [آل عمران: 79]. قالَ أبو عبيدةَ (ت:210): «لَمْ يَعرفوا الرَّبَّانِيِّينَ» (3).

يقصدُ أبو عبيدةَ (ت:210) بقوله: «لم يعرفوا» : أهلَ اللغةِ، قالَ أبو عبيدٍ القاسمُ بنُ سلامٍ (ت:224): «وأحسبُ الكلمةَ ليستْ بعربيةٍ، إنما هي عَبْرَانِيَّةٌ (4)

(1) ينظر مثلاً ما ذكره ابن دريد في جمهرة اللغة من تفسير السَّكَرِ بالخلِّ، في قول الله تعالى:{تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَناً} [النحل: 67].

(2)

معاني القرآن، للنحاس (4:402)، وينظر: تهذيب اللغة (14:266).

(3)

مجاز القرآن (1:97).

(4)

العبرانيَّةُ لسانُ بني إسرائيل، وهي من مادة «عبر» ويظهرُ أنَّها مرادفَةٌ لمعنى البَدْوِ، ومما يدلُّ على ذلك قول الله تعالى:{وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ} [يوسف: 100]، فهم كانوا في باديةِ أهل الشامِ، ومعنى العبراني: العابر؛ كعابر السبيل، فهم يعبرون الصحراء، وليسوا من أهل القرى المقيمين فيها، وتأمَّل تقارب هذا المعنى في العبراني، مع معنى الأعراب؛ أي: سكَّان الصحراء.

وفي قاموس الكتاب المقدس إشارة إلى ذلك، فقد جاء فيه (ص:596): «عبرانيون: هم أحد فروع الدوحة السامية، ويُنسب اسمهم إلى عابر، أحد أجداد إبراهيم الذي أتى بهم إلى فلسطين، وقد منحهم اللقب الكنعانيون، إذ سمَّوا إبراهيم: إبرام العبراني، بعد أن عبر نهر الفرات إلى فلسطين» .

وهم يزعمونَ في معنى هذا الاسم أنَّه نسبة إلى عابر جدِّ إبراهيم (ينظر مثلاً: قاموس =

ص: 565

أو سُرْيَانِيَّةٌ (1)، وذلكَ أنَّ أبا عبيدةَ زَعَمَ أنَّ العربَ (2) لا تعرفُ الرَّبَّانِيِّينَ.

قالَ أبو عبيدٍ: وإنَّمَا عَرَفَها الفقهاءُ وأهلُ العِلْمِ» (3).

يقصدُ أبو عبيدٍ (ت:224) بالفقهاءِ وأهلِ العلمِ: أهلَ التفسيرِ مِنَ السَّلفِ، وقدْ وردَ عنهم تفسيرُ الرَّبَّانِيِّينَ بأنهم الحكماءُ العلماءُ، أو الفقهاءُ العلماءُ، أو الحكماءُ الفقهاءُ (4). وتفسيرِ هؤلاءِ السَّلفِ يدلُّ على أنهم يعرفونَ هذه اللَّفظةَ، وأنهم فسَّروها بلغةِ العربِ، إذ لو كانتْ مِنَ المُعَرَّبِ لنَصَّ عليه أحدُهم، وهذا ما لم يردْ عنهم.

وليسَ لأبي عبيدٍ (ت:224) في هذا التفسيرِ سوى الظَّنِّ اعتماداً على قولِ أبي عبيدةَ (ت:210) وليسَ هذا بكافٍ في إخراجِ لفظٍ منَ القرآنِ العربيِّ إلى لغةٍ غيرِها، ولو جعلَ أبو عبيدٍ (ت:224) قولَ هؤلاء السَّلفِ حُجَّةً في العربيَّةِ، لما احتاجَ إلى هذا التَّخريجِ، ولقالَ: ما لم يَعرِفْهُ أبو عبيدةَ (ت:210) عَرَفَهُ غيرُه من السَّلفِ الذين لم يُشِيروا إلى أنَّ هذا اللفظَ أو تفسيرَه غيرُ عربيٍّ.

ثمَّ إنَّ اللَّفظَ جَارٍ في بنائه على لغةِ العرب، فقدْ جاءَ في تهذيبِ اللُّغةِ:

= الكتاب المقدس: ص:588، 596)، وذلك غير صحيحٍ؛ لأنَّه لو كان كذلك، لكان إسماعيل وبنوه عبرانيين، وتحقيق هذا المعنى لا يحتمله هذا الموضع، والله الموفق.

(1)

السريانيَّةُ أحد اللغاتِ القديمة، وهي تنحدر من اللغة الآرامية، وقد تُرجِمَ بها كتابُ العهد القديم المعروف بالبشيطا (أي: البسيطة)، واعتمدها المسيحيون المجاورون للرَّهَا لغةً دينيةً.

ينظر: معجم الحضارات السامية (ص:477).

(2)

إن كان أبو عبيدٍ يقصدُ بهم أهل اللغة، فصحيحٌ، وإن كان يقصدُ أهلَ اللسان ممن نزلَ عليهم القرآن من مسلمين وكفار، فقد ورد عنهم تفسير الربانييِّن، كما أنَّ هذا يخالف مذهب أبي عبيدة في عدم وجود المعرَّبِ في القرآنِ، ومن ثَمَّ لا يكون تفسير أبي عبيد لكلام أبي عبيدة صحيحاً، والله أعلم.

(3)

ينظر: المعرب، للجواليقي، تحقيق: أحمد شاكر (ص:161)، وتهذيب اللغة (15:179).

(4)

ينظر تفسيراتهم في تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (6:540 - 543).

ص: 566

«وقال سيبويه: زادوا ألفاً ونوناً في الرَّبَّاني إذ أرادوا تخصيصاً بِعِلْمِ الرَّبِّ دونَ غيرِهِ؛ كأنَّ معناه: صاحبُ العِلْمِ بالرَّبِّ دونَ غيرِه منَ العلومِ.

وقال: وهذا كما قالوا: رجلٌ شَعْرَانِيٌّ، ولِحْيَانِيٌّ، ورَقَبَانِيٌّ، إذا خُصَّ بكثرةِ الشَّعَرِ، وطولِ اللِّحيةِ، وغِلَظَ الرَّقبةِ

والرَّبِّيٌّ: منسوبٌ إلى الرَّبِّ، والرَّبَّانِيُّ: الموصوفُ بِعِلْمِ الرَّبِّ» (1).

وقدْ يكونُ الرَّبَّانِيُّ ـ أيضاً ـ منسوباً إلى الرَّبَّانِ، قالَ الطَّبَرِيُّ (ت:310): «وأولى الأقوالِ عندي بالصوابِ في الرَّبَّانِيِّينَ: أنهم جَمْعُ رَبَّانِيِّ، وأنَّ الرَّبَّانِيَّ المنسوبُ إلى الرَّبَّانِ الذي يَرُبُّ النَّاسَ، وهو الذي يُصْلِح أمورَهم ويَرُبُّهَا ويقومُ بها، ومنه قولُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ (2):

وَكُنْتُ امْرُأً أَفْضَتْ إِلَيْكَ رَبَابَتِي

وَقَبْلَكَ رَبَّتْنِي، فَضعْتُ، ربُوبُ

يعني بقوله: رَبَّتْنِي: وَلِيَ أمري والقيامَ به قبلك من يَرُبُّهُ ويُصْلِحُهُ، فلم يصلحوه، ولكنهم أضاعوني، فضعتُ.

يقالُ منه: رَبَّ أمري فلانٌ، فهو يَرُبُّه ربًّا، وهو رابُّه. فإذا أريد به المبالغة في مدحه قيل: هو ربَّان، كما يقال هو نعسان، من قولهم: نَعَسَ يَنعُس. وأكثر ما يجيء من الأسماءِ على فَعْلانِ ما كانَ منَ الأفعالِ ماضيهِ على فَعِلَ؛ مِثْلَ قولِهم: هو سكرانٌ، وعطشانٌ، وريَّانٌ، من سَكِرَ يَسْكَرُ، وعَطِشَ يَعْطَشُ، ورَوِي يُرْوَى. وقد يجيء مما ماضيه على فَعَل يَفْعُلُ، نحو ما قلنا من نَعَسَ يَنْعُسُ ورَبَّ يَرُبُّ.

فإذا كانَ الأمرُ في ذلكَ على ما وصفْنَا، وكان الرَّبَّانُ ما ذكرنا، والرَّبَّانِيُّ هو المنسوبُ إلى منْ كانَ بالصِّفةِ التي وصفتُ، وكانَ العالِمُ بالفقهِ

(1) تهذيب اللغة (15:178).

(2)

البيت في ديوانه بشرح الأعلم الشَّنْتَمَرِّي، تحقيق: حنا نصر (ص:28). وهو فيه:

وأَنْتَ امْرُؤٌ أفْضَتْ إِلَيْكَ أَمَانَتِي

وَقَبْلَكَ رَبَّتْنِي، فَضَعْتُ رُبُوبُ

ص: 567

والحكمةِ منَ المصلحين يَرُبُّ أمورَ المسلمينَ، بتعليمِه إياهم الخيرَ، ودعائهم إلى ما فيه مصلحتهم، وكانَ كذلكَ الحكيمُ التَّقِيُّ للهِ، والوليُّ الذي يَلِي أمورَ النَّاسِ على المنهاجِ الذي وَلِيَهُ المقسطونَ منَ المصلحينَ أمورَ الخلقِ، بالقيامِ فيهم بما فيه صلاحُ عاجلِهم وآجلِهم، وعائدةُ النَّفعِ عليهم في دينهم ودنياهم، كانوا جميعاً يستحقُّونَ أنْ يكونوا ممنْ دخلَ في قولِه عز وجل:{وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِّيِّينَ} .

فالرَّبَّانيُّونَ إذاً: هم عِمَادُ النَّاسِ في الفقهِ والعلمِ وأمورِ الدِّينِ والدنيا. ولذلكَ قالَ مجاهدُ: هم فوقَ الأحبارِ؛ لأنَّ الأحبارَ: هم العلماءُ، والرَّبَّانيُّ: الجامعُ إلى العلمِ والفقهِ، البصرَ بالسِّياسةِ والتَّدبيرِ، والقيامَ بأمورِ الرَّعيَّةِ، وما يصلحُهم في دنياهم ودينهم» (1).

وبهذا يُعلم أنَّ لفظَ الرَّبَّانِيِّينَ عربيٌّ، وأنَّ السَّلفَ عرفوه وبيَّنوا معناه، وأنَّ جَهْلَ أهلِ اللُّغةِ به لا يُخرجُه إلى كونه مُعَرَّباً، وأنهم لو اعتمدوا تفسيرَ السَّلفِ في ثبوتِ اللُّغةِ لحكموا بعربيَّتِه، والله أعلم.

وبعد فإنَّ المقصود أنَّ السَّلفَ بطبقاتِهم الثلاث أَقْدَرُ على تحديدِ المعنى العربيِّ للقرآنِ ممنْ جاءَ بعدهم، ولذا فإنَّ الرُّجوعَ إلى تفسيرهم، واعتبارَه في نقلِ اللُّغةِ مما لا بدَّ منه؛ لأنهم: إمَّا عَرَبٌ تُنْقَلُ عنْ مثلِهم اللُّغةُ؛ كالصَّحابةِ وكبارِ التَّابعينَ، وإمَّا أنْ يكونوا في عَصْرِ الاحتجاجِ؛ كصغارِ التَّابعينَ، وكبارِ أتباعِ التَّابعينَ، الذين عاصرَهم اللُّغويُّونَ الذينَ نقلوا اللُّغةَ ودوَّنوها، وأقلُّ حالِ مفسِّري أتباعِ التَّابعينَ أنْ يكونوا بمنزلة هؤلاءِ اللُّغويِّينَ في نقلِ اللُّغةِ، والله أعلم.

ومما ينبغي التنبُّه له: أنَّ تفسيرَ الصحابيِّ ـ خصوصاً ـ مقدَّمٌ على تفسيرِ اللُّغويِّ، كائناً من كانَ هذا اللُّغويُّ، وبهذا قالَ جمعٌ من العلماءِ أو أشارَ، ومن ذلكَ:

(1) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (6:543 - 544).

ص: 568

* أشارَ الطبريُّ (ت:310) إلى الاحتجاجِ بتفسيرِ الصَّحابيِّ في اللُّغةِ عند قولِه تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78] لما ذَكَرَ تفسيرَ ابن مسعود، أنَّه قالَ حينَ غربتِ الشَّمسُ: دَلَكتْ بَرَاحِ (1).

قال الطبريُّ (ت:310): «وقد ذكرتُ في الخبرِ الذي رويتُ عن عبد الله بنِ مسعودٍ أنه قال حين غربتِ الشَّمسُ: دلكتْ بَرَاحِ؛ يعني: بَرَاحِ، مكاناً.

ولستُ أدري هذا التَّفسيرَ؛ أعني قوله: بَرَاحِ مكاناً، مِنْ كلامِ مَنْ هو ممنْ في الإسنادِ، أو مِنْ كلامِ عبدِ الله، فإنْ يكنْ منْ كلامِ عبدِ اللهِ، فلا شكَّ أنَّه كانَ أعلمَ منْ أهلِ الغريبِ الذينَ ذكرتُ قولَهم (2). وأنَّ الصَّوابَ في ذلكَ قولُه دونَ قولِهم، وإنْ لم يكنْ منْ كلامِ عبدِ اللهِ، فإنَّ أهلَ العربيَّةِ كانوا أعلمَ بذلكَ منه (3)

» (4).

فابنُ مسعودٍ (ت:35) جعلَ تفسيرَ الشَّمسِ: بَرَاحِ، على أنَّه منْ أسمائها، وهذا التفسيرُ يلزمُ قَبُولُهُ منْ حيثُ اللُّغة؛ أيْ أنَّ منْ أسماءِ الشَّمسِ: بَرَاحِ، على وَزْنِ قَطَامِ، لورودِهِ عنِ ابنِ مسعودٍ (ت:35).

* وقال ابن العربيِّ (ت:543): «قال الفراءُ: معنى قوله: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ

(1) ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (15:134)، وقد ورد روايةٌ قبلها عن ابن عباس، قال: دلوك الشمس: غروبها، يقول: دلكت براح، وكذا ورد عن أبي وائل شفيق بن سلمة، كما في غريب الحديث، لأبي عبيد، تحقيق: حسين محمد شرف (5:412).

(2)

تفسير الطبري، ط: الحلبي (15:136)، وقد ذكر عن أبي عبيدة والأصمعي وأبي عمرو الشيباني أنها: بِرَاحِ، واستدلوا بقول الشاعر:

هذا مَقَامُ قَدَمَيْ رَبَاحِ

غُدْوَةً، حَتَى دَلَكَتْ بِرَاحَ

وقرؤوها بكسر الباء؛ يعني: أن الناظر يضع كفه؛ أي: راحته، على حاجبه من شعاع الشمس.

(3)

يظهر أيضاً أنه لو كان من كلام الأسود الذي روى الخبر عن ابن مسعود، لكان حجة كذلك؛ لأنَّ الأسود بن يزيد النخعي، عربي، وتوفي سنة (75)، فهو متقدِّم في الوفاة، وهو في عصر من يُحْتَجُّ بكلامهم، والله أعلم.

(4)

تفسير الطبري، ط: الحلبي (15:137).

ص: 569

أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158](1)؛ معناه: أنَّ يطوفَ، وحرف (لا) زائدٌ (2).

وهذا ضعيفٌ من وجهين:

أحدُهما: أنَّا قد بيَّنا في مواضع أنَّه يبعدُ أن تكون (لا) زائدةٌ.

الثاني: أنَّ لا لغويٌّ ولا فقيهٌ يعادِلُ عائشةَ رضي الله عنها، وقد قرَّرتها غيرَ زائدةٍ، وقد بيَّنت معناها (3)، فلا رأيَ للفراءِ ولا لغيره» (4).

* ومما يستأنسُ به في هذا المقامِ ما وردَ منْ تفسيرِ ابنِ مسعودٍ لقولِه تعالى: {يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ} [الإسراء: 57]، قال: «كان ناس من الإنس يعبدون ناساً من الجِنِّ

» (5).

قال ابنُ حَجَر العسقلانيُّ (ت:852): «واستشكلَ ابنُ التِّينِ (6) قولَه: (ناساً من الجِنِّ)، حيثُ إنَّ النَّاسَ ضِدُّ الجِنِّ

ويا ليتَ شعري، على من يعترضُ!» (7).

وهذا المنهجُ الذي سَلَكَهُ هؤلاء هو المنهجُ الصَّحيحُ؛ أي أنَّ كلامَ

(1) هذه قراءة ابن عباس وأنس بن مالك وشهر بن حوشب وغيرهم، ينظر: تفسير ابن عطية، ط: قطر (2:38).

(2)

هذا أحد الأوجه التي ذكرها الفراء في تفسيرِ الآية، ينظر: معاني القرآن (1:95).

(3)

ذكر ابن العربي قولها قبل هذا التنبيه، وهو أنَّ بعض الصحابة كان يتحرَّج من الطواف بالصفا والمروة، فنَزلت الآية بشأنهم. ينظر: أحكام القرآن (1:46 - 47).

(4)

أحكام القرآن، لابن العربي (1:47 - 48). وينظر إشارته إلى عربيَّة الصحابةِ والتابعينَ، وتقديم قولهم في التفسيرِ اللُّغويِّ (1:180، 377).

(5)

أخرجه البخاري في كتاب التفسير، ينظر: فتح الباري، ط: الريان (8:249).

(6)

عبد الواحد بن التين، أبو محمد الصفاقسي، له شرح مشهور لصحيح البخاري، سماه:«المخبر الصحيح في شرح البخاري الصحيح» ، وقد نقل منه ابن حجر في الفتح، وابن رُشيد، توفي سنة (611)، ينظر: نيل الابتهاج بتطريز الديباج (على حاشية الديباج المُذهب (ص:188)، وشجرة النور الزكية، لمخلوف (1:168).

(7)

فتح الباري، ط: الريان (8:249).

ص: 570

هؤلاءِ الصَّحابةِ وتفسيرَهم حجةٌ في اللُّغةِ يلزمُ قبولُها، وهو مقدَّمٌ على قولِ اللُّغويِّينَ، خلافاً لما قالَهُ الشَّوكَانِيُّ (ت:1250) (1) في هذا المقام: «وأمَّا ما كانَ منها ثابتاً عنِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم، فإنْ كانَ من الألفاظِ التي نقلَها الشَّرعُ إلى معنى مغايرٍ للمعنى اللُّغويِّ بوجهٍ من الوجوهِ، فهو مقدَّمٌ على غيرِه. وإنْ كانَ منَ الألفاظِ التي لم ينقلْها الشَّرعُ، فهو كواحدٍ منْ أهلِ اللُّغةِ الموثوقِ بعربيَّتِهم، فإذا خالفَ المشهورَ المستفيضَ لم تقمْ الحجَّةُ علينا بتفسيرِه الذي قاله على مقتضى لغةِ العربِ، فبالأولى تفاسيرُ من بعدَهم من التَّابعينَ وتابعيهم وسائِرِ الأئمةِ» (2).

وهذا المنهجُ الذي ذكره الشَّوكَانِيُّ (ت:1250) غيرُ سديدٍ، وقولُه:«فإذا خالفَ المشهورَ المستفيضَ» افتراضٌ لم يُمثِّلْ له بمثالٍ يدلُّ على وجودِه عنده، وهو مع ذلكَ يرى في التَّفسيرِ أنَّ بعضَ المعاني يُستشهَد لها بالبيتِ المجهولِ القائلِ، ومع ذلك يقبلُه ولا يقول فيه مثلَ هذه القاعدةِ، فكيف يتركُ ما وردَ عن السَّلفِ في هذا المقامِ، وهم ـ أخصُّ الصَّحابة ـ عربٌ تُحكى عنهم اللُّغةُ؟!.

ومن هنا يمكنُ أنْ يقالَ: إنَّ ما وقعَ من بعضِ اللُّغويِّينَ من إنكارٍ لبعضِ تفسيراتِ السَّلفِ أوْ رَدِّهَا، بزعمهم أنها ليستْ من لغةِ العربِ = عملٌ غيرُ صحيحٍ، ولا يُعتمدُ عليه. ومن الأمثلةِ التي وقَعَ فيها اعتراضٌ من بعضِ اللُّغوييِّنَ، ما يأتي:

(1) محمد بن علي بن محمد، أبو عبد الله الشوكاني، نِسْبَةً إلى هجرة شوكان من بلاد اليمن، له مشاركة في عدة علوم: الفقه، والأصول، والحديث، والتفسير، وله فيه كتابه: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير، توفي سنة (1250)، وقد ترجم حياته في كتابه: البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع (2:214 - 225)، وينظر: معجم المفسرين (2:593).

(2)

فتح القدير، للشوكاني (1:12).

ص: 571

1 -

في قولِه تعالى: {وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ} [الواقعة: 29]، قالَ أبو عبيدةَ (ت:210): «زعمَ المفسِّرونَ أنَّه الموزُ (1)، أمَّا العربُ، فالطَّلْحُ عندهم: شَجَرٌ كثيرُ الشَّوكِ» (2).

وعبارتُه هذه فيها تضعيفٌ لما وردَ عن المفسِّرينَ من السلف، كما أنَّ فيها إشارة إلى أنَّ ما وردَ عنهم ليسَ من قَولِ العربِ! وقدْ وردَ تفسيرُه بالموزِ عن صحابيين، هما: عليٌّ (ت:40)، وابنُ عباسٍ (ت:68)، وورد عن جمعٍ من التابعينَ، وهم: قسامةُ بنُ زهيرٍ (ت: بعد80)(3)، ومجاهدُ (ت:104)، وعطاءُ (ت:114)، وقتادةُ (ت:117) (4).

أليسَ عليٌّ (ت:40)، وابنُ عباسٍ (ت:68) مِمَّنْ تُؤخذُ منهم اللُّغةُ؟! إنَّهم منَ العربِ، فكيفَ يقولُ أبو عبيدةَ (ت:210): «أما العربُ، فالطَّلحُ عندهم: شجرٌ كثيرُ الشَّوكِ» ؟

لو كانَ أبو عبيدةَ (ت:210) يعتمدُ تفسيراتِ السَّلفِ في إثباتِ اللُّغةِ، لقالَ بأنَّ هذا اللفظَ له معنيان عند العربِ، كما هو الحالُ في غيرِه من الألفاظِ التي تعدَّدتْ دلالاتُها عندَ العربِ.

قالَ إبراهيمُ الحَرْبِيُّ (ت:285): «والذينَ قالوا: هو المَوزُ، هو غيرُ معنى

(1) قال الحربي في غريب الحديث (2:631): «أخبرنا سلمة، عن الفراء: {وَطَلْحٍ} قال: زعم المفسرون أنه الموز» . والذي في معاني القرآن (3:124) من رواية محمد بن الجهم: «ذكر الكلبي أنه الموز. ويقال: هو الطلح الذي تعرفون» .

(2)

مجاز القرآن (2:250)، قد اعترض على هذا التفسير أبو إسحاق النظام، ينظر: الحيوان، للجاحظ (1:343).

(3)

قسامة بن زهير المازني البصري، ثقة، روى عن أبي موسى الأشعري وأبي هريرة، وروى عنه قتادة وغيره، توفي (بعد 80). ينظر: تهذيب الكمال (6:122 - 123)، وتقريب التهذيب (ص:801).

(4)

ينظر آثارهم في: تفسير الطبري، ط: الحلبي (27:181 - 182)، وغريب الحديث، للحربي (2:631)، وقد زاد نسبته إلى عكرمة والحسن.

ص: 572

الحديثِ (1)، لقوله: بشوكِ الطَّلحِ. فلعله اسمٌ لِشَجَرِ شوكٍ وللموزِ» (2).

وقال: «قوله: {وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ} [الواقعة: 29]: هو الموزُ، وهو لا شوكَ له. والطَّلحُ غيرُ منضودٍ، وإنما ذلكَ الموزُ، نُضِدَ على بعضٍ» (3).

وكَونُ أبي عبيدةَ (ت:210) لم يعلمْ أنَّ العربَ تطلقُ على الموزِ مسمَّى الطَّلْحِ، فإنَّ هذا لا يعني عدمَ وجودِ هذه الدلالةِ عندَهم، إذْ عَدَمُ العلمِ بالشَّيءِ، لا يعني العِلْمَ بالعَدَمِ.

وقد ذَكَرَ عبدُ الرَّحمنِ بْنُ زَيْدٍ بن أسلمَ (ت:182)، أنَّ أهلَ اليَمَنِ يُسَمُّونَ الموزَ: الطَّلحَ (4). فإنْ كانَ أبو عبيدةَ (ت:210) قد جَهِلَ ذلكَ، فإنَّ غيرَه قدْ عَرَفَ هذا المعنى لذلك اللَّفظِ، واللهُ أعلمُ.

2 -

في قوله تعالى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الحجر: 72]، قال الأزهريُّ (ت:370): «روى أبو الجَوزَاءِ (5) عنِ ابنِ عباسٍ في قولِه: {لَعَمْرُكَ} [الحجر: 72]، يقولُ: بِحَيَاتِكَ. قال: وما أقسمَ اللهُ بحياةِ أحدٍ إلَاّ بحياةِ النَّبي صلى الله عليه وسلم (6).

وأخبرني المنذريُّ، عن أبي الهيثمِ أنه قالَ: النَّحويونَ ينكرونَ هذا، ويقولونَ: معنى «لعمرك» : لَدِينُكَ الَّذي تَعْمُرُ، وأنشد (7):

(1) الحديث الذي يشرح غريبه هو: «الشهداء أربعة: فرجل لقي العدو، فكأنما يُضرَب جِلده بشوك الطلح

». غريب الحديث (2:630).

(2)

غريب الحديث، للحربي، تحقيق: د. سليمان العايد (2:631).

(3)

غريب الحديث، للحربي، تحقيق: د. سليمان العايد (2:631).

(4)

ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (27:182).

(5)

أوس بن عبد الله الرَّبَعِي، أبو الجوزاء، البصري، روى عن ابن عباس وغيره، كان ثقةً، مع إرسالٍ كثيرٍ، قُتِلَ في الجماجم سنة (83). ينظر: تهذيب الكمال (1:298)، وتقريب التهذيب (ص:155).

(6)

ينظر تفسير ابن عباس في تفسير الطبري، ط: الحلبي (14:44).

(7)

البيت لعمر بن أبي ربيعة، ينظر ديوانه، ط: دار صادر (ص:438). وفي الديوان: يلتقيان، بدل يجتمعان.

ص: 573

أيُّها المُنْكِحُ الثّرَيا سُهَيلاً

عَمْرَكَ اللهَ كَيْفَ يَجْتَمِعَانِ

قال: عَمْرَكَ اللهَ؛ أيْ: عِبَادَتَكَ الله

» (1).

وهذا الإنكارُ الذي نسبهُ أبو الهيثمِ إلى النَّحويينَ غيرُ مقبول، فإنْ كانَ ما قالُوه في معنى «عَمْرَكَ اللهَ» صحيحاً، فإنَّه لا يلزم منه خطأُ غيرِه، خاصَّةً أنَّ المفسَّرَ به ممنْ تؤخذُ منه اللُّغةُ، وهو أدرى بمعنى اللَّفظِ في لغتِه ممنْ جاءَ بعده من اللُّغويينَ. ولا شَكَّ أنَّ قولَه مقدَّمٌ على قَولِهم، ومن ثَمَّ، فإنَّ تفسيرَهُ يُقْبَلُ لغةً وتفسيراً، ولا يَصِحُّ عليه مثلُ هذا الاعتراض.

3 -

في قولِ تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ} [الإسراء: 60]، أوردَ الإمامُ البُخَارِيُّ (ت:256) عن ابن عباس (ت:68) أنَّه قالَ: «هي رؤيا عينٍ، أُريَهَا الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم ليلةَ أُسْرِيَ به» (2).

وقال ابنُ حجر العَسْقَلَانِيُّ (ت:852): «واستُدلَّ به على إطلاقِ لفظِ الرُّؤيا على ما يُرَى بالعينِ في اليَقَظَةِ. وقدْ أنكرَهُ الحَرِيرِيُّ (3) تبعاً لغيرِه، وقالوا: إنَّما يُقالُ رُؤْيَا في المَنَامِ، وأمَّا في اليَقَظَةِ فيُقالَ: رُؤْيَةٌ (4).

(1) تهذيب اللغة (2:381).

(2)

صحيح البخاري، مع فتح الباري، ط: الريان (8:250). وينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (15:110 - 112) فقد أورد هذه الرواية عن ابن عباس، وأورد قول غيره من المفسرين الذين جعلوا الرؤيا متعلقةً بما رآه الرسول صلى الله عليه وسلم ليلةَ أُسرِيَ به.

(3)

القاسم بن علي بن محمد، أبو محمد الحريري، من أهل البصرة، صاحب المقامات، أحد أئمة الأدب واللغة، وله من التصانيف درة الغوَّاص في أوهام الخواصِّ، وغيرها، توفي سنة (516). إنباه الرواة (3:23 - 27)، ومعجم الأدباء (16:261 - 293).

(4)

قال الحريري: «ويقولون: سُرِرْتُ برؤيا فلانٍ، إشارةً إلى مرآه، فيوهمون فيه؛ كما وهم أبو الطيب في قوله لبدر بن عمار ـ وقد سامره ذات ليلة إلى قِطع من الليل ـ:

مَضَى اللَّيلُ والفَضْلُ الَّذِي لَكَ لَا يَمْضِي

وَرُؤْيَاكَ أَحْلَى في العيونِ مِنَ الغَمْضِ

والصحيح أن يقال: سُرِرْتُ برؤيتك؛ لأنَّ العرب تجعل الرؤية لما يُرى في اليقظة، والرؤيا لما يُرَى في المنام؛ كما قال ـ سبحانه ـ إخباراً عن يوسف عليه السلام: =

ص: 574

ومِمَّنِ استعملَ الرُّؤيا في اليَقَظَةِ المتنبي في قولِه (1):

.......

وَرُؤْيَاكَ أَحَلَى فِي الْعُيُونِ مِنَ الغَمْضِ

وهذا التَّفسيرُ يَرُدُّ على مَنْ خَطَّأَهُ» (2).

إنَّ هذا الصنيعَ من ابنِ حَجَرٍ (ت:852) هو الصَّوابُ بعينِهِ، ولا عِبْرَةَ بمنْ أنكرَ هذا المدلولَ اللُّغويَّ الواردَ عن ابنِ عباسٍ (ت:68)، ولو تفرَّدَ به لقُبِلَ منه، كيف وقد وردَ لهذا المدلولِ شاهدٌ آخرُ؟!

قالَ ابنُ بَرِّي (ت:582): «اعلمْ أنَّ الرُّؤيا تكونُ في المنامِ كما ذكرَ، إلَاّ أنَّ العربَ قد استعملتها في اليقظةِ، وذلك في نحوِ قولِ الرَّاعِي (3) يصفُ ضيفاً طرقه ليلاً (4):

رَفَعَتْ لَهُ مَشْبُوبَةً عَصَفَتْ لَهَا

صَباً، تَزْدَهِيهَا مَرَّةً وَتُقِيمُهَا

فَكَبَّرَ للرُّؤْيَا، وَهَشَّ فُؤَادُهُ

وَبَشَّرَ نَفْساً كَانَ قبل يَلُومُهَا

وعلى هذا فُسِّرَ في التنْزيلِ ـ وعليه جلة المفسرين ـ قولُه تعالى: {وَمَا

= {هَذَا تَاوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ} [يوسف: 100]». درة الغوَّاص في أوهام الخواص، تحقيق: د. عبد الله بن علي الحسيني (ص:137 - 138).

وممن تبِع مذهب الحريري هذا صلاحُ الدين خليل بن أيبك الصفدي، ينظر: الغيث المسجم في شرح لامية العجم (2:121 - 122).

(1)

ديوانه، ط: دار صادر (ص:157)، وأوله:

مَضَى اللَّيلُ والفَضْلُ الَّذِي لَكَ لَا يَمْضِي

.......

(2)

فتح الباري، ط: الريان (8:250).

(3)

عُبيد بن حُصين بن معاوية، أبو جندل، المشهور بالراعي النميري، كان شاعراً، وكان يميل إلى الفرزدق، فهجاه جرير هجاءً مقذعاً، وكان يمدح يزيد بن معاوية وأمراء بني أمية، توفي سنة (90). ينظر: معجم الشعراء (ص:94)، معجم الشعراء المخضرمين والأمويين (ص:153).

(4)

ينظر: ملحقات الديوان من ديوان الراعي، تحقيق: هلال ناجي ونوري حمودي (ص:243)، والاقتضاب في شرح أدب الكتاب، للبطليوسي (ص:180)، والفائق، للزمخشري (4:104)، وغيرها.

ص: 575

جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ} [الإسراء: 60]» (1).

لقدْ كانَ في غيابِ قضيةِ الاحتجاجِ بتفسيرِ الصَّحابةِ وغيرِهم منَ السَّلفِ عندَ اللغويين ما يظهر مثل هذه الاعتراضات على بعض تفسيراتهم، ولو استفاد اللُّغويُّونَ من تفسيراتِهم في ثبوتِ دلالة بعض الألفاظِ في اللُّغةِ لوجدوا في ذلكَ علماً كثيراً وشواهدَ لغويَّةً كافيةً.

ولقدْ كانَ اللُّغويُّونَ ـ فيما يبدو ـ يجعلونَ مفسِّري السَّلفِ قَسِيماً لهم في علمِ التَّفسيرِ، مما يدلُّ على ذلك أنهم في نقلِ الأقوالِ في تفسيرِ الآيةِ يجعلونَ أهلَ التَّفسيرِ صنفاً مقابلاً لأهل اللُّغةِ، فيقولون: قالَ أهلُ التَّفسيرِ .. ، وقالَ أهلُ اللُّغةِ (2)

، أو ينصونَ على أقوالِ بعضِ اللُّغويِّين.

ولقد أشارَ بعضهم على أنَّ أهلِ التَّفسِير لا يؤخذُ بتفسيراتهم اللُّغويِّةِ في ثبوتِ معنى اللفظِ في اللُّغةِ، بلْ يقْبَلُونَه منهم على أنَّه تفسيرٌ، وليسَ على أنَّه من اللُّغةِ.

ومنْ ذلكَ ما وَرَدَ عن ثعلب (ت:291): «قال أبو عَمْرٍو (3): سمعتُ أبا موسى الحَامِضَ (4) يسألُ أبا العباسِ عن قولِه: {فَضَحِكَتْ} [هود: 71]؛ أي: حاضت، وقالَ: إنه قدْ جاءَ في التَّفسيرِ.

(1) حواشي ابن بري وابن ظفر على درة الغواص في أوهام الخواص، تحقيق: د. أحمد طه حسانين سلطان (ص:126 - 127). وقد نُقِلَ قوله باختصارٍ في لسان العرب، مادة (رأى)، وقد ذهب البطليوسي إلى ما ذكره ابن بري. ينظر له: الاقتضاب شرح أدب الكتاب (2:149)، وينظر شرح درة الغواص، للشهاب الخفاجي (ص:142).

(2)

ينظر ـ على سبيل المثال ـ: معاني القرآن وإعرابه، للزجاج (3:404، 423)، (4:52، 62، 67، 103)، (5:320، 330، 333)، وتهذيب اللغة (8:432)، (14:243، 256).

(3)

كذا ورد في تهذيب اللغةِ وفي لسان العربِ، مادة (ضحك). ولم أعرف من هو، ويحتمل أنه تصحَّف عن «أبي عمر» ، وهو أبو عمر الزاهد، المعروف بغلام ثعلب، وقد أخذ عنهما كما في ترجمة ثعلب في إنباه الرواة (1:174)، وفي ترجمة أبي موسى الحامض في إنباه (2:21). ثم طبع كتاب ياقوتة الصراظ لأبي عمر الزاهد (ص:266 - 269)، وفيه هذا النقل، وبه ظهر لي أنه أبو عمر، وأن ما في تهذيب اللغة المطبوع تصحيف، وتحقيق تهذيب اللغة فيه تصحيف كثير.

(4)

سليمان بن محمد بن أحمد، أبو موسى النحوي، المعروف بالحامض، أخذ عن

ص: 576

فقالَ: ليس في كلامِ العربِ، والتَّفسيرُ مُسَلَّمٌ لأهلِ التَّفسيرِ.

فقالَ لهُ: فأنتَ أنشدْتَنَا (1):

تَضْحَكُ الضَّبْعُ لِقَتْلَى هُذَيْلٍ

وتَرَى الذِّئْبَ بِهَا يَسْتَهِلّ

فقالَ أبو العباسِ: تَضْحَكُ هاهنا: تَكْشِرُ، وذلك أنَّ الذِّئبَ يُنَازِعُهَا على القَتِيلِ، فتَكْشِرُ في وَجْهِهِ وَعِيداً، فيتركُها مع لَحْمِ القَتِيلِ وَيَمُرُّ» (2).

وقد ورد تفسيرُ لفظِ: «ضحكت» بمعنى: حَاضَتْ عن ثلاثةٍ من مفسري السَّلفِ، وهم: عبد الله بن عباس (ت:68)(3)، ومجاهد بنُ جبرٍ (ت:104) (4)، وعكرمة (ت:105) (5).

= ثعلب وغيره، وكان ديِّناً صالحاً، خلط النَّحوَين، وكان يتعصَّبُ على البصريين، له كتاب في النحو، توفي سنة (305). ينظر: طبقات النحويين واللغويين (ص:152 - 153)، وإنباه الرواة (2:21 - 22).

(1)

سبق تخريجه.

(2)

تهذيب اللغة (4:89 - 90).

(3)

تفسير ابن أبي حاتم، تحقيق: أسعد محمد الطيب (6:2055).

(4)

تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (15:392). والرواية عنه فيها عمرو بن الأزهر العتكي، وهو كذاب يضع الحديث، ينظر حاشية شاكر لهذا الأثر.

(5)

تفسير عبد الرزاق (1:267)، والدر المنثور (4:452) عن أبي الشيخ، وذكر فيه عكرمة شاهداً، وهو قول الشاعر:

إنِّي لآتِي العُرْسَ عِنْدَ طُهُورِها

وَأهْجُرُها يَوماً إذَا هِيَ تَضْحَكُ

وقد ورد عن بعض البصريين أنَّ بعض أهل الحجاز أخبره عن بعضهم: أنَّ العرب تقول: ضحكت المرأة: حاضت، ذكره الطبري. ينظر: تحقيق: شاكر (15:392 - 393)، وذكر له شواهد شعرية.

وفي العين (3:58)، فقال:«وقوله: {فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا} [هود: 71]، يعني: طمثت» .

وذكره ابن قتيبة في غريب القرآن (ص:205)، ولم يعترض عليه.

وقال ابن دريد في جمهرة اللغة (1:546): «ذكر المفسرون أنها حاضت، والله أعلم.

قال أبو بكر: ليس في كلامهم ضحكت بمعنى: حاضت إلَاّ في هذا».

ص: 577

فهؤلاء هم الذين وردَ عنهم التَّفسيرُ، وهم صحابيٌّ وتابعيان، ومعَ ذلكَ لم يقبلْ ثَعْلَبٌ (ت:291) قولَهم في اللُّغةِ، وقال:«ليس في كلامِ العربِ، والتَّفسيرُ مُسَلَّمٌ لأهلِ التَّفسيرِ» .

فإن لم يكن هذا التفسيرُ من لغةِ العربِ، فمن أين جاء به هؤلاءِ المفسِّرون.

إنَّ عبارةَ ثعلبٍ (ت:291) هذه = تُشْعِرُ بأنَّ قولَ أهلِ التَّفسيرِ حجةٌ على أهلِ التَّفسيرِ لا غيرَ، أمَّا اللُّغويونَ فلا، وهذا فيه نَظَرٌ، وإنَّما صدرَ منه مثل هذا لِعَدَمِ اعتبارِه بما جاءَ عنِ السَّلفِ في نَقْلِ اللُّغةِ.

وأصرحُ منه في ردَّ ما جاء عن السلفِ، ابنُ دَرَسْتَوَيه (ت:347) (1)، حيث قال: «وأما قولُه (2): أَخْنَسْتُ عنِ الرَّجُلِ حَقَّهُ، فإنما جاء على أَفْعَل، بألف، لِنَقلكَ الفِعْلَ إليك من الحق وتصييرك الحق مفعولاً، وكان في الأصل فاعلاً، ألا ترى أنكَ تقولُ: خَنَسَ عنه حَقُّهُ: إذا تأخَّر. ثم تقول: أَخْنَسْتُ أنا الحَقَّ عنه؛ أي: جعلتُه متأخراً، وهذا مُطَّرِدٌّ في بابه.

ولا معنى لقولِه: سَتَرْتُهُ عنه، ولو كانَ فيه معنى سَتَرْتُهُ، لقيلَ في كلِّ مستورٍ: أَخْنَسْتُهُ (3). وإنما هذا تفسيرٌ أُخِذَ عن رواةِ تفسيرِ القرآنِ في قولِ اللهِ عز وجل: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ *الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} [التكوير: 15، 16]: أنها الكواكبُ المُسْتَتِرَةُ التي لا تظهرُ. وإنما قيلَ لها: الخُنَّسُ؛ لقصورِها في السَّيرِ

(1) عبد الله بن جعفر بن درستويه، أبو محمد النحوي، أخذ عن المبرد وابن قتيبة وغيرهما، وكان شديد الانتصار للبصريين، له كتاب التوسط بين الأخفش وثعلب في تفسير القرآن، وغيره من التصانيف الجياد، توفي سنة (347). ينظر: طبقات النحويين واللغويين (ص:116)، وإنباه الرواة (2:113 - 114).

(2)

يعني صاحب الفصيح.

(3)

هذا الردُّ غيرُ لازمٍ؛ لأنَّ بعضَ الدلالات يكونُ خاصًّا بلفظٍ دون غيرِه، وهو ما يُعرفُ بالفروقِ اللغويةِ، فمثلاً: ليس كل جلوسٍ قعوداً، بل هذا يخصُّ حالةً، وذاك يخصُّ أخرى.

ص: 578

عن المنازلِ، لا لانْسِتَارِهَا، وإنْ كانتْ مُنْسَتِرَةً» (1).

وهذا المعنى الذي ذَكَرَ أنَّهُ أخذَهُ عن أهلِ التَّفسيرِ، كانَ من الواجبِ أنْ يقبلَه، ولكنَّهُ اعترضَ عليه، وجعلَه تفسيراً، وكأنَّه يشيرُ إلى أنَّه لا يؤخذُ منه لغةٌ، وهذا غير صحيحٍ، بلْ إنْ كانَ وارداً عن السَّلفِ، فالأصلُ قبولُه.

وقد جرَّ هذا التَّعاملُ إلى أن يطلقُوا على ما وردَ عن السَّلفِ مصطلحَ التَّفسيرِ؛ كأهلِ التَّفسيرِ، وجاء في التَّفسيرِ، وقال المفسرونُ، وكلُّ هذا يُشعرُ بتميُّزِهم عنهم، وأنَّهم ليسوا ممن يؤخذُ عنهم اللُّغةُ.

وقدْ تتبَّعتُ مصطلحَي «التفسير والمفسرين» ـ عدا من ينصُّون عليه منْ المفسِّرينَ ـ في معانِي القرآنِ، للفرَّاءِ (ت:207) (2)، وغريبِ القرآن، لابن قتيبةَ (ت:276) (3)، ومعاني القرآنِ وإعرابِه، للزجَّاجِ (ت:311) (4)، وغريبِ القرآنِ، لابن عُزَيز (ت:330) (5)، وتهذيبِ اللُّغةِ، للأزهري (ت:370) (6)، فوجدتُ أنَّهم

(1) تصحيح الفصيح، لابن درستويه، تحقيق: عبد الله الجبوري (1:270).

(2)

على سبيل المثال: بلغت في المجلد الأول أكثر من خمسين موضعاً، منها:(36، 37، 40، 75، 77، 89، 92، 94، 118، 122، 172، 205، 218، 224، 224، 390، 393، 476) وغيرها.

(3)

بلغت عنده قرابة ثلاثين موضعاً، منها:(ص:43، 61، 104، 166، 207، 266، 310، 332، 360، 409، 431، 498)، وغيرها.

(4)

بلغت ـ مثلاً ـ في الجزء الرابع مائة وستين موضعاً، منها:(14، 19، 29، 39، 45، 66، 74، 76، 77، 83، 90، 91، 153، 209، 320، 335، 384، 418، 427، 433، 439، 440، 447)، وغيرها.

(5)

بلغت المواضع عنده أكثر من عشرين موضعاً، منها:(ص:97، 106، 110، 120، 151، 175، 219، 145، 207، 260)، وغيرها.

(6)

بلغت ـ مثلاً ـ من الجزء (4 - 7) أكثر من أربعين موضعاً، منها:(4:3، 81، 112، 118)، (5:16، 22، 47)، (6:26، 75، 92)، (7:28، 247، 341، 541)، وغيرها.

ويلاحظ أن الأزهري قد ينقل عن غيره هذه العبارة، ولذا يكثر عنه نقلها عن الفراء والزجاج؛ لإكثاره النقل عنهما، ومن نقوله لهذه العبارة عن غيرهما. =

ص: 579

يطلقونَها ـ في الغالب ـ على ما لا يؤخذُ من طريقِ اللُّغةِ في علمِ التَّفسيرِ؛ كسببِ نُزُولٍ، أو قِصَّةِ آيةٍ، أو تفسيرٍ نَبَويٍّ، أو تعيينِ منْ نزلَ بشأنِهِ الخطابُ، أو غيرِ ذلكَ مما ليسَتِ اللُّغةُ طريقَهُ.

وربَّما قابلوا أهلَ التَّفسيرِ بأهلِ اللُّغةِ؛ كقولهم: وهذا قولُ أهلِ التَّفسيرِ وأهلِ اللُّغةِ، أو غيرها من العباراتِ (1). وهذا يُشعِرُ بتميُّزِ أصحابِ كلِّ علمِ بعلمِهِم، وأنَّ أهلَ التَّفسيرِ لا علاقَةَ لهم بعلمِ اللُّغةِ.

ومنَ الأمثلةِ التي تدلُّ على أنَّ غالبَ ما ينقلونَه عنِ المفسِّرينَ مما لا يؤخذُ عنِ طريقِ اللُّغةِ:

1 -

في قوله تعالى: {إِلَاّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} [آل عمران: 75]، قال الفرَّاءُ (ت:207): «يقولُ: إلَاّ ما دمتَ له متقاضياً، والتَّفسيرُ في ذلكَ: أنَّ أهلَ الكتابِ كانوا إذا بايعهم أهلُ الإسلامِ أدَّى بعضُهم الأمانةَ، وقالَ بعضُهم: ليسَ للأُمِّيِّينَ ـ وهمُ العربُ ـ حُرمةٌ كحرمةِ أهلِ ديننا، فأخبرَ اللهُ تبارك وتعالى أنَّ فيهم أمانةً وخيانةً، فقال تبارك وتعالى: {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [آل عمران: 75] في استحلالِهم الذَّهابَ بحقوقِ المسلمينَ» (2).

ذكرَ الفراء (ت:207) في هذا الموضع معنى الجملةِ من حيثُ اللغة، ثمَّ ذكر قصةَ الآيةِ، وجعلَها من التَّفسيرِ؛ لأنَّه لا يتأتَّى أخذُها إلَاّ منْ طريقِ الرِّوايةِ.

= ينظر: عن الليث (7:388)، (9:228)، (10:655).

وعن أبي حاتم (9:20).

وعن أبي بكر ابن الأنباري (10:364)، (13:69).

وعن اللحياني (15:146).

(1)

ينظر مثلاً: معاني القرآن وإعرابه، للزجاج (5:52، 62، 67، 102، 201). وتهذيب اللغة (1:92، 99)، (2:145، 291)، (14:227، 143، 256).

(2)

معاني القرآن، للفراء (1:224).

ص: 580

2 -

في قوله تعالى: {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [البقرة: 24]، قال ابنُ قتيبة (ت:276): «والحجارةُ، قالَ المفسِّرونَ: حجارةُ الكبريتِ» (1).

وتخصيصُ الحجارةِ بحجارةِ الكبريتِ، لا يمكنُ أخذه من طريقِ اللُّغةِ، ولكن يؤخذُ منْ طريقِ الرِّوايةِ عنِ المفسرينَ.

3 -

في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} [البقرة: 275]، قالَ الزَّجَّاجُ (ت:311): «المعنى: الذين يأكلونَ الرِّبَا لا يقومونَ في الآخرةِ إلا كما يقومُ المجنونُ منْ حالِ جنونِه. زعمَ أهلُ التَّفسيرِ أنَّ ذلكَ عَلَمٌ لهم في الموقفِ، يعرفُهم به أهلُ الموقفِ، يُعْلَمُ به أنهم أكَلَةُ الرِّبا في الدنيا» (2).

فذكر المعنى الذي يتأتى من طريقِ اللغةِ، ثمَّ نسبَ إلى أهلِ التَّفسيرِ ما لا يتأتَّى منْ طريقِ الرِّوايةِ، لا منْ طريقِها، مع أنَّه وردَ عنهم تفسيرُ المَسَّ بالجنونِ (3).

4 -

في قوله تعالى: {وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} [الفرقان: 24]، قال ابنُ عُزَيْزٍ السجستاني (ت:330): «مِنَ القائلةِ، وهي الاستكنانُ في وقتِ نصفِ النَّهارِ.

وجاءَ في التَّفسيرِ أنَّه لا ينتصفُ النَّهارُ يومَ القيامةِ حتى يستقرَّ أهلُ الجنَّةِ في الجنَّةِ، وأهلُ النَّارِ في النَّارِ (4)، فَتَحِينُ القائلةُ وقدْ فُرِغَ مِنَ الأمرِ، فيقيلُ أهلُ الجنَّةِ في الجنَّةِ، وأهلُ النَّارِ في النَّارِ» (5).

وما ذكرَه ابنُ عُزَيزٍ السجستاني (ت:330) هنا لا يمكنُ أنْ يُدركْ منْ طريقِ اللُّغةِ، بلْ طريقُهُ الروايةُ، وهي التي فسَّرَ بها أهلُ التَّفسيرِ.

(1) غريب القرآن (ص:43).

(2)

معاني القرآن وإعرابه، للزجاج (1:358).

(3)

ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (6:8 - 10).

(4)

ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (19:5)، وتفسير ابن أبي حاتم، تحقيق: أسعد محمد الطيب (8:2680 - 2681).

(5)

غريب القرآن (ص:110).

ص: 581

وإذا تأمَّلتَ هذه المسألةَ، فإنَّه سَيَبِينُ لك ـ إن شاء اللهُ ـ ما يأتي:

1 -

أنَّ بحث المفسِّرينَ في التَّفسيرِ كانَ أوسعَ من بحثِ اللُّغويينَ، فالمفسِّرونَ كانوا يفسِّرونَ بما لديهم من لغةِ العربِ، والحديثِ النَّبويِّ، وأسبابِ النزُّولِ، وقصصِ وأحوالِ من نزلَ فيهم الخطابُ منَ العربِ المشركينَ واليهودِ والنَّصارى، وغيرِها مما لا يُدركُ باللُّغة.

أمَّا اللُّغويُّونَ فكانَ جانبُ البحثِ النَّحويِّ واللُّغويِّ يَطغَى على كتبِهم الّتي أَلَّفُوهَا في غريبِ القرآنِ ومعانيه، ولذا ساروا بها على المنهجِ اللُّغويِّ في البحثِ، وصاروا يستدلونَ بقولِ شاعرٍ أو غيرِه ممن سبقَ عَصْرَ السَّلفِ أو أدركَهم، ولا ينظرونَ إلى تفسيراتِ هؤلاءِ السَّلفِ ـ الذين هم في عصرِ من يحتجونَ بشعرِه وقولِه ـ على أنها مرجعٌ من مراجعِ اللُّغويِّينَ، لذا قلَّ أن تجدَ تفسيراتِهم في كُتُبِ اللُّغويِّينَ في البحثِ القرآنيِّ أو اللُّغويِّ.

ولقدَ عَمَدْتُ إلى كتابِ لسانِ العربِ (1) لأستجليَ صِحَّةَ هذه المسألةِ، وجردتُ ما فيه من رواياتٍ تفسيريَّةٍ لمفسِّرينَ ولُغويِّينَ لهم أقوالٌ كثيرةٌ في التفسيرِ، وهم: ابن عباسٍ (ت: 68)، ومجاهدُ بن جبرٍ (ت:104)، والفراء (ت:207)، والزَّجاجُ (ت:311).

وبعدَ جردِ تفسيراتِهم ظهر لي جليًّا قلَّةُ اعتمادِ اللغويينَ على تفسيرِ السلفِ في كتبهم اللغويةِ، وكانتِ النَّتيجةُ كالآتي:

* لم يتجاوزِ التَّفسيرُ المنقولُ عن ابنِ عباسٍ (ت:68) أكثرَ من مائةٍ وأربعينَ موضعاً (2).

(1) اخترتُ هذا الكتابَ اللغويَّ لأنَّه من أكبرِ كتبِ اللغةِ التي حوت مفرداتٍ كثيرةً، وقد اعتمد ابن منظور في كتابه هذا على خمسةِ كتبٍ، نقل ما فيها، وهي: تهذيبُ اللغةِ للأزهري، والمحكم والمحيطُ الأعظم لابن سيده الأندلسي، والصحاح للجوهري، وحواشي الصحاح، لابن برِّي، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير الجزري، وهو بهذا يُعدُّ موسوعةً ضخمةً في مفرداتِ هذه اللغةِ الشريفةِ.

(2)

ينظر ـ على سبيل المثالِ ـ الموادَّ الآتيةَ: (رفث، روح، سكر، صهر، طهر، عصر، =

ص: 582

* لم يتجاوز التفسيرُ المنقولُ عن مجاهدٍ (ت:104) السبعينَ نقلاً (1).

* أمَّا الفرَّاءُ (ت:207)، والزَّجَّاج (ت:311)، فقد تجاوزَ النَّقلُ عن كلِّ واحدٍ منهما السِّتمائة موضعٍ، وقد كان النَّقل عنهما من كتابيهما في معاني القرآن، وكان بواسطةِ كتابِ تهذيبِ اللغةِ، وقد سبقَ بيانُ نسبةِ تفسيرَيهما في كتاب تهذيبِ اللغةِ.

2 -

أنَّ قَصْرَ الاستفادةِ مِنْ تفسيرِ السَّلفِ على ما لا يُدْرَكُ باللُّغةِ فيه قُصُورٌ في البَحثِ، وكأنه يُوحِي باقتدارِ اللُّغويِّ على معرفةِ عربيَّةِ القرآنِ دونَ الرُّجوعِ إلى تفسيراتِهم. ولقدْ كانَ هذا من أسبابِ وجودِ بعضِ الأقوالِ الشَّاذَّةِ في تفسيرِ اللُّغويِّين؛ لأنها تعتني بمصدرٍ واحدٍ دونَ غيرِه مِن مصادرِ التَّفسيرِ.

3 -

لقدْ أفرزَ عدمُ وضوحِ هذه القضيَّةِ عندَ اللُّغويِّينَ ردَّهم بعضَ أقوالِ السلفِ، وكأنَّهم غفلوا عن أنَّ هؤلاءِ مِمَّنْ تُؤْخَذُ منهم اللُّغةُ، وبالأخصِّ مفسروا الصَّحابةِ، كابنِ مسعودٍ (ت:35) وابنِ عباسٍ (ت:68)، وكبارِ مفسري التَّابعينَ.

ويلحقُ هذا الاعتراضُ على هؤلاء اللغويينَ كلَّ من فسَّرَ القرآنَ بعدهم ممن يعترضُ على أقوالِ السَّلفِ، ولا يجعلُها حجَّةً في اللُّغةِ، ومن أمثلة ذلك ما وقعت فيه بنتُ الشاطئ (د. عائشةُ بنتُ عبد الرحمن) من ردِّ تفسيرهم في قوله تعالى:{وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} [البلد: 2]، قالت: «

كما نستبعدُ أن يكون حلٌّ بمعنى إحلالِ اللهِ لرسوله هذا البلدَ، يفعلُ به بعد الفتحِ ما شاء؛ لظهورِ تكلُّفِه، فضلاً عن كونِ الصِّيغةِ لا تقبلُ لغويًّا أن يكونَ الإحلالُ من حلَّ، وليسَ الاشتقاق.

= نشط، شرع، شغف، رتق، غسق، حبك، جمل، رتل، ظلم، هيم، حصن، قطن، لعن)، وغيرها.

(1)

ينظر ـ على سبيل المثال ـ الموادَّ الآتيةَ: (أب، ودَّ، ضغثَ، طلح، حفد، ثبر، ثمر، دسر، كور، أزَّ، سجن)، وغيرها.

ص: 583