الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأول
أثرُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في اختلافِ المفسرينَ
وفيه:
أولاً: الاختلافُ بسببِ الاشتراكِ اللُّغويِّ في اللَّفظِ.
ثانياً: الاختلافُ بسببِ التَّضادِّ في دلالةِ اللَّفظِ.
ثالثاً: الاختلافُ بسببِ مخالفةِ المعنى الأشهرِ في اللَّفظِ.
رابعاً: الاختلافُ بسببِ أصلِ اللَّفظِ واشتقاقِهِ.
خامساً: الاختلافُ بسببِ النظرِ إلى المعنى القريبِ المتبادرِ للذهنِ والمعنى البعيدِ لِلَّفظِ.
تمهيد
لمَّا كان التَّفسيرُ اللُّغويُّ من أكبر المصادر التفسيريَّة، فإنَّه سيكونُ له أثرٌ كبيرٌ في التَّفسيرِ، ولا شَكَّ.
وقد تأمَّلتُ الألفاظَ القرآنيَّةَ، فوجدتُ أنَّ الألفاظَ على قسمين:
القسمُ الأولُ: اللَّفظُ الذي لا يحتملُ إلَاّ معنًى واحداً، وهو إمَّا ألَاّ يخفى على أحدٍ من العربِ؛ كالأرضِ، والسَّماءِ، والضَّحِكِ، والْحَثِّ، والأساسِ، والنَّبأ، وغيرِها من الألفاظِ العامَّةِ التي لا يجهَلُهَا العربِيُّ.
وإمَّا أنْ يكونَ فيه غرابةٌ على بعضِ النَّاسِ، ولكنَّه ـ كذلك ـ لا يحتملُ إلَاّ معنًى واحداً؛ كالتَّبَابِ، والأحْقَافِ، والشَّانِئ، وغيرِها.
القسمُ الثاني: اللَّفظُ الذي يحتملُ أكثرَ من معنًى في وَضْعِ اللُّغةِ؛ كالقُرْءِ، وعَسْعَسَ، والعَتِيقِ، والحَرْدِ، والمَمْنُونِ، وغيرِها.
وهذا القسمُ هو الذي تَبْرُزُ فيه آثارُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ: لأنَّ اللَّفظَ الذي لا يحتملُ إلَاّ معنًى واحداً لا يمكنُ أنْ يُتَصَوَّرَ فيه وقوعُ الخلافِ.
وقدْ صار هذا الاحتمالُ اللُّغويُّ ذا جانبين في أثرِه في التَّفسيرِ:
أمَّا أوَّلُهما، فيمكنُ أنْ يُوصَفَ بأنَّه سلبيٌّ؛ لأنَّ فيه استعمالاً لهذا الاحتمالِ في الانحرافِ بالتَّفسيرِ إلى غيرِ المعنى المرادِ والصَّحيحِ، وسببُ ذلك ـ في الغالبِ ـ: أنَّ المرءَ يعتقدُ، ثمَّ يبحثُ في الاستدلالِ لهذا المعتقَدِ، فيجدُ في مجازِ اللُّغةِ وقليلِها وشاذِّها ما يكونُ دليلاً له، فيتمسَّكُ به، ويتركُ القولَ الذي هو أقربُ منه ظاهراً وحقيقةً.
وأمَّا الثاني، فيمكنُ أنْ يُوصَفَ بأنَّه الجانبُ الإيجابيُّ، وهو هذه الاحتمالاتُ اللُّغويَّةُ التي أثْرَتْ التَّفسيرَ بسببِ اختلافِ فُهُومِ المفسِّرينَ فيها.
وهذه الاحتمالاتُ قدْ تكونُ الآيةُ قابلةً لها بلا تضادٍّ، وقد لا تكونُ كذلك، ولكُلٍّ حُكْمُهُ من حيثُ القبولُ والرَّدُّ، وسيأتي شيءٌ منْ هذا إنْ شاءَ اللهُ.
وسأجعلُ هذين الجانبينِ في فصلينِ، ثمَّ أُتبِعُهُمَا بفصلٍ فيه شيءٌ من قواعدِ التَّفسيرِ اللُّغويِّ التي ظهرتْ من خلالِ هذا البحثِ. وسيكونُ تقسيمُ هذه الفصولِ كالآتي:
الفصل الأول: أثرُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في اختلافِ المفسرينَ.
الفصل الثاني: أثرُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في انحرافِ المفسرينَ.
الفصل الثالث: قواعدُ في التَّفسيرِ اللُّغويِّ.
الفصل الأول
أثرُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في اختلافِ المفسرينَ
نشأ الخلافُ في التَّفسيرِ نتيجةً للاجتهادِ فيه، وقد يكونُ الخلافُ بسببِ الاختلافِ في اعتمادِ المصدرِ، فهذا يفسِّرُ معتمداً على حديثٍ نبويٍّ، وذاك يفسِّر معتمداً على اللُّغةِ. كما قدْ يحدثُ الخلافُ في الاعتمادِ على المصدرِ الواحدِ، وأكثرُ ما يقعُ ذلك في مصدرِ اللُّغةِ، وذلك راجعٌ إلى الاحتمالِ اللُّغويِّ الذي يَرِدُ على النَّصِّ القرآنِيِّ.
وسأبيِّنُ هنا الخلافَ الذي نشأ في التَّفسيرِ اللُّغويِّ بسببِ اختلافِ دلالةِ اللَّفظِ في اللُّغةِ. وقدْ ظهرَ لي من خلالِ الاستقراءِ ما يأتي:
أولاً: الاختلافُ بسببِ الاشتراكِ اللُّغويِّ في اللَّفظِ.
ثانياً: الاختلافُ بسببِ التَّضادِّ في دلالةِ اللَّفظِ.
ثالثاً: الاختلافُ بسببِ مخالفةِ المعنى الأشهرِ في اللَّفظِ.
رابعاً: الاختلافُ بسببِ أصلِ اللَّفظِ واشتقاقِهِ.
خامساً: الاختلافُ بسببِ النظرِ إلى المعنى القريبِ المتبادرِ للذهنِ والمعنى البعيدِ لِلَّفظِ.
وهناكَ اختلافٌ بسببِ الاختلافِ في القراءةِ، ولم أَرَهُ يدخلُ في هذا البابِ، وإن كانَ يعتمدُ على الدلالةِ اللُّغويَّةِ؛ لأنَّ هذا الاختلافَ واقعٌ في لفظينِ: لكلِّ لَفْظٍ منهما معنى يغايرُ المعنى الآخرَ، بخلافِ ما أنا بصددِهِ هنا، إذ للَّفْظِ الواحدِ أكثرُ من معنًى.
ومنْ أمثلةِ الاختلافِ بسببِ القراءةِ:
قولُه تعالى: {هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ} [يونس: 30] حيثُ وَرَدَ في لفظِ «تبلوا» قراءتانِ: تتلوا بالتاء، وتبلوا بالباء.
قال الأزهري (ت:370): «فمنْ قرأ: تبلوا، فمعناه: تَخْبُرُ؛ أي: تَعْلَمُ كلُّ نفسٍ ما قدَّمت. ومنْ قرأ: تتلوا بتاءين، فهو منَ التِّلاوةِ؛ أي: تَقْرَأُ كلُّ نفسٍ، ودليل ذلك قولُه:{اقْرَا كِتَابَكَ} [الإسراء: 14].
وقالَ بعضُ المفسرينَ ـ في قوله: تتلوا ـ: تَتْبَعُ كلُّ نفسٍ ما أسلفتْ؛ أي: قدمتْ منْ خَيرٍ أو شَرٍّ» (1).
إنَّ القراءتينِ في هذا المثالِ مختلفتانِ في النُّطْقِ، وتبعَهُ اختلافُ تفسيرِهما، ولذا صارتْ كُلُّ قراءةٍ كأنَّها آية مستقلَّةٌ عن أختها. وهي بهذا خارجةٌ عن المقصودِ في هذا البحثِ (2).
أمَّا ما وردَ من اختلافِهِم في مدلولِ: تَتْلُوا، بأنه: تَتْبَعُ أو تَقْرَأُ، فهو داخلٌ في هذا البحثِ؛ لأنه اختلافٌ في دلالةِ لفظٍ واحدٍ في صورةٍ واحدةٍ.
وسأشرحُ هذه الأسبابَ، وأذكرُ لكلِّ سببٍ ما يوضِّحه منَ الأمثلةِ.
(1) القراءات وعلل النحويين فيها (1:271)، وفيه تخريج هذه القراءات.
(2)
ومثل هذا: الاختلاف الوارد في لفظ «تهجرون» من قوله تعالى: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ} [المؤمنون: 67]، ولفظ «يصدون» من قوله تعالى:{إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} [الزخرف: 57]، ولفظ «ضنين» من قوله تعالى:{وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} [التكوير: 24]، وغيرها.