الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النَّظائرِ، ولما كان الأمر كذلكَ، فإنِّي رجعتُ إلى كتبِ اللُّغةِ؛ لمعرفةِ معنى الأشباهِ، وهل بينه وبين النَّظائرِ فرقٌ في المعنى.
الأشباهُ والنَّظائرُ في اللُّغةِ:
ورد في القاموسِ المحيطِ: «الشِّبهُ ـ بالكسرِ والتحريكِ وكأميرٍ ـ: المِثْلُ، والجمعُ: أشباهٌ» (1).
وقال الزَّبيديُّ (ت:1205) في شرحه: «النَّظيرُ ـ كأميرٍ ـ والمُنَاظِرُ: المَثِيلُ والشَّبِيهُ في كلِّ شيءٍ، يقال: فلانٌ نَظِيرُكَ؛ أي: مِثْلُكَ؛ لأنَّه إذا نَظَرَ إليهما النَّاظِرُ رآهما سواءً» (2).
وقال: «والنَّظَائِرُ: الأفَاضِلُ والأمَاثِلُ؛ لاشْتِبَاهِ بعضهم ببعضٍ في الأخلاقِ والأفعالِ والأقوالِ» (3).
ومن هذا يتبينُ أنَّ لفظيْ الأشباهِ والنَّظَائرِ يأتيان في اللُّغة لمعنىً واحدٍ، ولَمَّا لَم يتبينْ مرادُ من أطلقَ الأشباهَ والنَّظائرَ على هذا العلمِ، فإنَّ اللُّغةَ تُحَكَّمُ في هذا، ويكونُ معنى الأشباهِ هو معنى النَّظائرِ.
الوجوهِ والنَّظائر في الاصطلاح:
غلبَ هذا المصطلحُ على المؤلَّفات التي كُتِبَتْ في هذا العلمِ، وقد اختلفَ العلماءُ في بيانِه (4)، ولما لم يكنْ تحريرُ هذا الخلافِ من صلبِ
= مقاتل: الأشباه والنظائر، ولا الدكتور سليمان القرعاوي الذي ألَّف في هذا العلم كتابه (الوجوه والنظائر، دراسة موازنة) مع أنه من صميم بحثه. والله الموفق.
(1)
القاموس المحيط، للفيروزآبادي، مادة (شبه).
(2)
تاج العروس، للزَّبيدي، مادة (نظر).
(3)
تاج العروس، للزبيدي، مادة (نظر).
(4)
ينظر: تفسير سورة الإخلاص، لابن تيمية، تحقيق: عبد العلي عبد الحميد حامد، (ص:209)، وفتاوى ابن تيمية، جمع ابن قاسم (16:524)، ثمَّ ينظر في بيان هذا المصطلح أو الاختلاف فيه: نزهة الأعين والنظائر في علم الوجوه والنواظر، لابن =
البحثِ، فإنِّي قد حَرَصْتُ على استقراءِ أوَّلِ كتابٍ فيه: كتابِ مقاتلِ بنِ سليمانَ البلخيِّ (ت:150)(1)، حتى أتبينَ منه المرادَ بهذا المصطلحِ؛ لأنَّ من كتبَ بعده في هذا العلمِ عَالَةٌ عليه، وإذا ظهرَ بهذا المصطلحِ، فإنه يُحتكمُ إليه، ويُصحَّحُ ما خالفَه من التَّعريفاتِ التي ذكرها العلماءُ.
وبعدَ استقراءِ كتاب مقاتلٍ (ت:150)، ظهرَ لي مرادُه بعلمِ الوُجُوهِ والنَّظائِر، وإليك هذا المثال الذي يتبيَّنُ منه مرادُه بالوجوه والنَّظائرِ:
* قال مقاتل (ت:150): «تفسيرُ الحسنى على ثلاثةِ أوجهٍ:
فوجهٌ منها: الحسنى؛ يعني: الجنَّةَ، فذلك قولُه في يونسَ:{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى} [يونس: 26]؛ يعني: الذين وَحَّدُوا لهم الحسنى؛ يعني: الجنَّةَ، {وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26]؛ يعني: النَّظرَ إلى وجهِ اللهِ.
ونَظِيرُها في النَّجمِ، حيثُ يقولُ:{وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} [النجم: 31]؛ يعني: بالجنَّةِ، وكقولِه في الرحمنِ:{هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَاّ الإِحْسَانُ} [الرحمن: 60] يقول: هلْ جزاءُ أهلِ التَّوحيدِ إلا الجنَّةَ.
= الجوزي (ص:83 - 84)، ومختصر الصواعق المرسلة، لابن القيم (ص:457)، والبرهان في علوم القرآن، لبدر الدين الزركشي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم (1:102)، والإتقان في علوم القرآن، للسيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم (2:121)، وكشف الظنون، لحاجي خليفة (2:2001)، وكشاف اصطلاحات الفنون، للتهانوي (3:1391)، ومفتاح دار السعادة، لطاش كبري زاده (2:377)، وأبجد العلوم، لصديق حسن خان (2:567)، والوجوه والنظائر، للقرعاوي (ص:12).
(1)
مقاتل بن سليمان بن بشير، أبو الحسن البلخي، المفسر، وهو مجروحٌ في روايته، غير أنه كان من أوعية العلم، بحراً في التفسير، قال الشافعي: «الناس كلهم عيال على ثلاثة: مقاتل بن سليمان في التفسير
…
»، له كتاب في التفسير، توفي سنة (150).
ينظر: طبقات المفسرين، للداودي (2:330)، ومعجم المفسرين (2:682 - 683).
الوجه الثاني: الحسنى؛ أي: البنون، فذلك قول الله تعالى في النَّحْلِ:{لَهُمُ الْحُسْنَى} [النحل: 62](1)؛ أي: البنون.
والوجه الثالث: الحسنى؛ يعني: الخيرَ، فذلك قولُه في براءة:{إِنْ أَرَدْنَا إِلَاّ الْحُسْنَى} [التوبة: 107] يقولُ: ما أردنا ببناء المسجدِ إلَاّ الخيرَ (2).
ونظيرها في النساءِ: {إِنْ أَرَدْنَا إِلَاّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقًا} [النساء: 62](3)، يعني: الخير» (4).
تحليلُ هذا المثالِ:
1 -
إنَّ مقاتلَ بنَ سليمان (ت:150) جعلَ لفظَ الحسنى في القرآن على ثلاثةِ وجوهٍ: (الجنَّة، والبنون، والخير)، وهذه الوجوهُ معانٍ مختلفةٌ لهذه اللَّفظةِ.
2 -
وإنه يكفي في الوجوه اتفاقها في المادَّةِ، وإن لم تتفقْ في صورةِ اللَّفظِ؛ كالحسنى والإحسان.
3 -
وإنه في الوجه الأولِ فَسَّرَ الحسنى في آيةِ يونسَ بأنها الجنَّة، ثمَّ جعل الحسنى في آية سورةِ النَّجمِ نظيرةً لآيةِ سورةِ يونس.
وفسَّرَ الحسنى في آية سورة براءة بأنها الخير، ثُمَّ جعلَ الحسنى في آية سورة النِّساء نظيرةً لها، فهما موضعان مختلفان من القرآنِ، لكنهما اتفقا في
(1) الآية: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى} ، وما يكرهونه: البناتُ، حيثُ يقولونَ الملائكةُ بناتُ اللهِ، تعالى اللهُ عما يقولون علوًّا كبيراً.
(2)
إشارةً إلى أول الآيةِ، وهو قوله تعالى:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ} الآية.
(3)
الآية ضمن آيات في المنافقين، ومطلعها:{فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَاّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقًا} .
(4)
الأشباه والنظائر، لمقاتل (ص:11).