المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌صور التفسير اللغوي في كتاب معاني القرآن: - التفسير اللغوي للقرآن الكريم

[مساعد الطيار]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الأولالتفسير اللغوي: مكانته ونشأته

- ‌الفصل الأولالتفسير اللغوي ومكانته

- ‌المبحث الأولتعريفُ التَّفسير اللُّغويِّ

- ‌أولاً: تعريف التفسير:

- ‌التفسير لغةً:

- ‌التفسير اصطلاحاً:

- ‌تحليل هذه التعريفات:

- ‌ثانياً: تعريف اللغة:

- ‌اللغة اصطلاحاً:

- ‌مصطلحُ اللُّغةِ في كلامِ السَّلفِ:

- ‌المعاني المرادفةِ للفظِ اللُّغةِ في القرآن وكلامِ السَّلفِ:

- ‌ثالثاً: تعريف التفسير اللغوي:

- ‌المبحث الثانيمكانة التَّفسير اللُّغويِّ

- ‌الفصل الثانينشأةُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ

- ‌تمهيد

- ‌أولاً: التَّفْسِيرُ اللُّغَوِيُّ عِنْدَ السَّلفِ

- ‌طريقة السَّلفِ في التَّفسير اللُّغويِّ:

- ‌أسلوبُ الوجوه والنَّظائر

- ‌الأشباهُ والنَّظائرُ في اللُّغةِ:

- ‌الوجوهِ والنَّظائر في الاصطلاح:

- ‌بداية الكتابة في هذا العلم:

- ‌علاقةُ الوجوهِ والنَّظائر بالتَّفسير اللُّغويِّ:

- ‌كُلِّيَّات الألفاظِ القرآنيَّة:

- ‌ثانياً: التَّفسيرُ اللُّغويُّ عند اللُّغوِيين

- ‌تمهيد

- ‌أولاً: التفسيرُ اللغويُ في كتبِ الموضوعات:

- ‌ثانياً: التفسير اللغوي في معاجم الحروف:

- ‌القسمُ الثانيالمشاركة المباشرة في تفسير القرآن

- ‌طريقةُ التَّفسير اللُّغويِّ في هذه الكتبِ:

- ‌أولاً: كثرةُ مباحثِ الصَّرفِ والاشتقاقِ:

- ‌ثانياً: كثرة المباحث النحوية:

- ‌ثالثاً: كثرةُ الاستشهادِ منْ لغةِ العربِ:

- ‌رابعاً: بيانُ الأساليبِ العربيَّةِ الواردةِ في القرآنِ:

- ‌ التَّفسيرُ على المعنى

- ‌ علم الوجوه والنَّظائر عند اللُّغويِّين:

- ‌ أسلوبُ التَّفسير اللَّفظيِّ عند اللُّغويِّين:

- ‌الفصل الثالثمسائل في نشأة التفسير اللغوي

- ‌المسألة الأولىفي سَبْقِ السَّلفِ في علمِ التَّفسيرِ

- ‌المسألة الثانيةشمولُ التَّفسيرِ بين السَّلفِ واللُّغويِّين

- ‌المسألة الثالثةفي الاعتمادِ على اللُّغةِ

- ‌المسألة الرابعةفي الشَّاهِد الشِّعريّ

- ‌المسألة الخامسةفي علمِ الوجوهِ والنَّظائرِ

- ‌المسألة السادسةالتَّفسيرُ اللُّغويُّ بين البصرةِ والكوفةِ

- ‌المصدرُ الأولكتب التفسير

- ‌ وجوهِ تأويلِ القرآنِ

- ‌الأولى: الاستشهادُ بأقوالِ السَّلفِ في التَّفسير اللُّغويِّ:

- ‌الثَّانية: قَبُولُ المحتملاتِ اللُّغويةِ الواردةِ عنِ السَّلفِ:

- ‌الثالثةُ: استعمالُ اللُّغةِ في التَّرجيحِ:

- ‌ كثرةُ استخدامِه لأسلوبِ السؤالِ والجوابِ

- ‌ كثرةُ ذكرِه للفروقِ اللُّغويَّةِ بين الألفاظِ

- ‌ الشَّواهد الشِّعريَّةِ:

- ‌ الأساليبُ العربيَّةُ:

- ‌أثر المعتقد في التَّفسير اللُّغويِّ عند الرُّمَّانيِّ:

- ‌أوَّلاً: مفردات ألفاظ القرآن:

- ‌ثالثاً: الترجيح باللغة:

- ‌المصدر الثانيكتب معاني القرآن

- ‌أوَّلاً المراد بمعاني القرآن

- ‌ثانياً لِمَاذَا كَتَبَ اللُّغَوِيُّونَ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ

- ‌أولاً معاني القرآن، للفراء

- ‌أثرُ الاهتمامِ بعلومِ العربيَّةِ في تفسيراتِه:

- ‌صُوَر التَّفْسِير اللُّغويِ في كِتابِ مَعَاني القُرْآنِ:

- ‌أثرُ المعتقدِ في التفسير اللُّغويِّ عند الفرَّاءِ:

- ‌ثانياً مَعَانِي القُرْآنِ لِلاخْفَشِ

- ‌أثرُ المعتقدِ على التَّفسير اللُّغويِّ عند الأخفشِ:

- ‌ثالثاً مَعَانِي القُرْآنِ وَإعْرَابُهُ للزَّجَّاجِ

- ‌أثر المعتقد على التفسير اللُّغوي عند الزَّجَّاج:

- ‌المصدر الثالثكتب غريب القرآن

- ‌أوَّلُ كُتُبِ غَرِيبِ القُرْآنِ:

- ‌أولاً مَجَازُ القُرْآنِ لأبِي عُبَيْدَةَ

- ‌مفهومُ المجازِ عند أبي عبيدة:

- ‌أثر المعتقد على دلالة الألفاظ عند أبي عبيدة:

- ‌ثانياً تَفْسِيرُ غَريبِ القُرآنِ، لابن قُتَيْبَةَ

- ‌ بيان الأصلِ اللغويِّ للَّفظِ:

- ‌ كثرةُ الشَّواهدِ الشِّعريَّةِ:

- ‌أثر المعتقد على التَّفسير اللُّغويِّ عند ابن قتيبة:

- ‌ اهتمامِه بالوجوه والنَّظائر

- ‌المصدرُ الرابعكتب معاجم اللغة

- ‌تَحَرُّزُ ابنِ دريدٍ في التفسير:

- ‌ كثرةُ موادِّهِ اللُّغويَّةِ

- ‌ أنَّه أوسعُ مِمَّنْ تقدمه في عَرْضِ التَّفسيرِ

- ‌المصدرُ الخامسكتب أخرى لها علاقة بالتَّفسيرِ اللُّغويِّ

- ‌أولاً كتب غريب الحديث

- ‌ثانياً كتب الاحتجاج للقراءات

- ‌ثالثاً شروح دواوين الشعر

- ‌رابعاً كُتُبُ الأدَبِ

- ‌الباب الثالثآثار التفسير اللغوي وقواعده

- ‌الفصل الأولأثرُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في اختلافِ المفسرينَ

- ‌أوَّلاً الاختلافُ بسببِ الاشتراكِ اللُّغويِّ في اللَّفظِ

- ‌ثانياً الاختلافُ بسببِ التَّضادِّ في دلالةِ اللَّفظِ

- ‌ثالثاً الاختلافُ بسببِ مخالفةِ المعنى الأشهر في اللَّفظ

- ‌الفصل الثانيأثر التفسير اللغوي في انحراف المفسرين

- ‌الصنف الثاني: أهل البدع:

- ‌الفصل الثالثقواعد في التفسير اللغوي

- ‌أولاً كلُّ تفسيرٍ لغويٍّ واردٍ عن السَّلفِ يُحكمُ بعربيَّته وهو مقدَّمٌ على قولِ اللُّغويين

- ‌تطبيقُ طريقةِ التَّعاملِ مع أقوالِ السَّلف التَّفسيريَّة:

- ‌ أنواع الاختلافِ

- ‌القسمُ الأول: المحتملات اللغوية الواردة عن السلف:

- ‌القسم الثاني: المحتملات اللغوية الواردة عن غير السلف:

- ‌الضابط الثالث: أن تحتمل الآية المعاني في السياق:

- ‌الضابط الرابع: أن لا يُقصَرَ معنى الآية عليها:

- ‌ثالثاً لا يصحُّ اعتمادُ اللغةِ دونَ غيرهَا من المصادرِ التفسيريَةِ

- ‌ منْ أهمِّ مصادرِ التَّفسيرِ

- ‌ مخالفة المصطلحات الشرعيَّة:

- ‌ مخالفة أسباب النُّزول:

- ‌ مخالفة تفسير السَّلف:

- ‌رابعاً لا تعارض بين التفسير اللَّفظي والتفسير على المعنى

- ‌ التفسيرُ على القياسِ والإشَارةِ:

- ‌ التَّفسيرُ على اللَّفظِ:

- ‌ التَّفسيرُ على المعنى:

- ‌ هل يمكنُ معرفةُ التفسيرِ اللَّفظيِّ بواسطةِ التَّفسيرِ على المعنى

- ‌ كيف نُفرِّقُ بين التَّفسيرِ على اللَّفظِ والتَّفسيرِ على المعنى

- ‌ لا بدَّ من وجودِ ارتباط بين التَّفسيرِ على المعنى والتَّفسيرِ اللَّفظي

- ‌أمثلةُ التَّفسير على المعنى:

- ‌الأول: التفسيرُ باللاّزمِ:

- ‌الثاني: التفسيرُ بالمثالِ:

- ‌الثالث: ذكر النُّزول:

- ‌خاتمة البحث

- ‌فهرس القواعد العلمية

- ‌فهرس مسائل الكتاب العلمية

- ‌المراجع والمصادر

الفصل: ‌صور التفسير اللغوي في كتاب معاني القرآن:

‌صُوَر التَّفْسِير اللُّغويِ في كِتابِ مَعَاني القُرْآنِ:

لقد طغتِ البحوثُ ذات الصِّبغةِ العربيَّةِ على كتابِ الفراءِ (ت:207)، وكان البحث النَّحويُّ أكثرَ بحوثِه في علمِ العربيَّةِ، وقد فاقَ جانبَ المعاني والتَّفسيرِ، وسأذكُرُ هاهنا ما حضَرني من صورِ التفسيرِ اللغويِّ في كتابِ معاني القرآنِ، ومنها:

1 -

بيان دلالة الألفاظ:

حرصَ الفراءُ (ت:207) على بيانِ معاني ألفاظِ القرآنِ، وكانَ الاستشهادُ لها قليلاً، بخلافِ المسائلِ النحويةِ التي قَلَّ أنْ لا يستشهدَ لها. ومن أمثلةِ الألفاظِ التي لم يستشهدْ لها ما يأتي:

* قالَ الفرَّاءُ (ت:207): وقولُه: {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] يريدُ: نَحوَهُ وتِلْقَاءه، ومثلُه في الكلامِ: وَلِّ وجهَكَ شطرَهُ، وتلقاءه، وتجاهَهُ» (1).

* وفي قوله تعالى: {وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا} [الكهف: 40]، قال:«الزَّلقُ: التُّرابُ الذي لا نباتَ فيه، محترقٌ رميمٌ» (2).

* وقال: «قولُ اللهِ عز وجل: {أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ} [الإنسان: 2]، الأمشاجُ: الأخلاطُ: ماءُ الرَّجلِ وماءُ المرأةِ، والدَّمُ، والعلقةُ، ويقالُ للشيءِ منْ هذا إذا خُلِطَ: مَشِيجٌ؛ كقولِك: خَلِيطٌ، ومَمْشُوجٌ؛ كقولك: مَخْلُوطٌ» (3).

ومنْ أمثلةِ الألفاظِ التي استشهدَ لها بالشعرِ أو النَّثرِ ما يأتي:

* قالَ الفراءُ (ت:207): وقولُه: {لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} [الرعد: 41] يقولُ: لا رَادَّ لحكمِه إذا حكمَ شيئاً، والمُعَقِّبُ: الذي يَكِرُّ على الشيءِ، وقولُ لبيدٍ (4):

(1) معاني القرآن (1:84).

(2)

معاني القرآن (2:145).

(3)

معاني القرآن: (3:214).

(4)

هو في ديوانه بشرح الطوسي، تحقيق: حنا نصر (ص:186).

ص: 284

حَتَى تَهَجَّرَ فِي الرَّوَاحِ وَهَاجَهُ

طَلَبُ المُعَقِّبِ حَقَّهُ الْمَظْلُومُ

مِنْ ذلكَ؛ لأنَّ الْمُعَقِّبَ صاحبُ الدَّينِ، يرجعُ على صاحبِه فيأخذُهُ منه، أو مَنْ أُخِذَ منه شَيءٌ فهو راجعٌ ليأخذَه» (1).

* وقالَ: «وقولُه: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} [البقرة: 175]، فيه وجهانِ: أحدُهما: معناه: فما الذي أصبرَهم على النارِ؟

والوجهُ الآخرُ: فما أجرأهم على النارِ! قال الكسائيُ: سألني قاضي اليمنِ، وهو بمكةَ، فقالَ: اختصمَ إليَّ رجلانِ من العرب، فحلفَ أحدُهما على حقِّ صاحبِه، فقالَ له: ما أصبرك على اللهِ! وفي هذه أنْ يُرادَ بها: ما أصبرك على عذابِ اللهِ، ثُمَّ تُلْقِي العذابَ، فيكونُ كلاماً؛ كما تقولُ: ما أشبهَ سخاءك بحاتم» (2).

هذا، وقدْ كانَ الفرَّاءُ (ت:207) مَرْجِعاً في بيانِ معاني مفرداتِ اللُّغةِ، وقد اعتمدَ عليه الأزهريُّ (ت:375) في كتابِه الكبيرِ (تهذيبِ اللُّغةِ)، وأسندَ إليه كثيراً من بيانِ معاني الألفاظِ، وستأتي الإشارةُ إلى ذلك (3).

2 -

بيان لغات العرب وقولها:

حرصَ الفرَّاءُ (ت:207) على بيانِ لغاتِ العربِ، كما حَرِصَ على بيانِ طريقةِ نُطقِها لبعضِ الكلماتِ، وما بينها من تغايُرِ الحركاتِ، ومن ذلكَ قولُه:

(1) معاني القرآن (2:66).

(2)

معاني القرآن (1:103)، وقد ورد هذا الأثر منقولاً عن الفراء في تفسير الطبري، ط: الحلبي (1:236)، وفيه:«أخبرني الكسائي، قال: أخبرني قاضي اليمن» ، وهو أصح مما في نسخة المعاني ـ والله أعلم ـ؛ لأنَّ سباق الخبر لا يدل على وجود سؤال، إنما هو خبر.

وينظر أمثلة أخرى (1:50، 60، 61، 173)، (2:40، 63، 108، 265)، (3:90، 92، 111، 117، 120، 121، 243، 246ت، 247، 251، 286)، وغيرها.

(3)

سيأتي في كتب اللغةِ من مصادر التفسير، عند الحديث عن كتاب تهذيب اللغةِ.

ص: 285

«وقولُه: {قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ} [الأنبياء: 42] مهموزٌ، ولو تركتَ همزَ مثلِه في غيرِ القرآنِ، قلتَ: يَكْلُوكُم بواوٍ ساكنةٍ، أو يَكْلَاكُم بألفٍ ساكنةِ، مثلَ يخشاكم، ومن جعلَها واواً ساكنةً قال: كَلَان بالألفِ، تتركُ منها النَّبْرَةَ (1).

ومَنْ قالَ: يَكْلاكُم، قالَ: كَلَيتُ؛ مثلَ: قَضَيتُ، وهي لغةُ قريشٍ، وكُلٌ حسنٌ، إلا أنهم يقولون في الوجهين: مَكْلُوَّةٌ بغيرِ همزٍ، ومَكْلُوٌّ بغيرِ همزٍ أكثر مما يقولون: مَكْلِيةٌ.

ولو قيلَ: مَكْلِيٌّ في قول الذين يقولون: كَلَيتُ كان صواباً» (2).

وهذا الأسلوبُ في بيانِ لغاتِ العربِ كثيرٌ عند الفرَّاء (ت:207)، والمقصودُ بالحديثِ هنا، ما كان له أثرٌ في التَّفسيرِ لا في التَّعبيرِ.

وتجده في هذا الموضوعِ: إمَّا أن يجعلَ التمثيلَ الذي يذكرُه من قولِ العربِ دونَ تخصيصٍ لقبيلةٍ بعينها، وإمَّا أنْ ينصَّ على قبيلةٍ بعينِها، ومنْ ذلكَ:

* قال الفرَّاءُ (ت:207) في قوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196]: «العرب تقول ـ للذي يمنعه من الوصول إلى إتمامه حَجِّهِ أو عمرتِه خوفٌ أو مرضٌ، وكلِّ ما لم يكنْ مقهوراً؛ كالحبس والسِّجن، يقالُ للمريضِ ـ: قدْ أُحْصِرَ، وفي الحَبْسِ والقَهْرِ: قدْ حُصِرَ. فهذا فرقُ بينهما.

ولو نَوَيتَ في قهرِ السُّلطانِ أنها عِلَّةٌ مانعةٌ، ولم تذهبْ إلى فِعْلِ الفَاعِلِ، جازَ لكَ أنْ تقولَ: قدْ أُحْصِرَ الرجلُ.

ولو قلتَ في المرضِ وشبهِهِ: إن المرضَ قدْ حَصَرَهُ أو الخوفَ، جازَ أنْ تقولَ: حُصِرتُمْ» (3).

(1) النبرة: الهمزة.

(2)

معاني القرآن (2:204).

(3)

معاني القرآن (1:177 - 188).

ص: 286

* وقال: «وقولُه: {يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} [الإسراء: 102]: ممنوعاً مِنَ الخيرِ، والعربُ تقولُ: ما ثَبَرَكَ عنْ ذَا؛ أيْ: ما منعَكَ منه وصرفَكَ عنه» (1).

* وقالَ: «وأمَّا قولُه: {وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} [البقرة: 61] فإنَّ الفُومَ ـ فيما ذكر ـ لغةٌ قديمةٌ، وهيَ الحِنْطَةُ والخُبْزُ جميعاً قد ذكرا.

قالَ بعضُهم: سمعْنَا العربَ منْ أهلِ هذه اللُّغةِ يقولونَ: فَوِّمُوا لنا، بالتَّشديدِ لا غيرَ، يريدونَ: اخْتَبِزُوا، وهيَ في قراءةِ عبدِ اللهِ:«وثُومِهَا» بالثاءِ (2)، فكأنَّه أشبهُ المعنيينِ بالصَّوابِ، لأنَّه معَ ما يشاكلُه من العدسِ والبصلِ وشبهِهِ.

والعربُ تُبْدِلُ الفاءَ بالثاءِ، فيقولونَ: جَدَثٌ وجَدَفٌ، ووقعوا في عَاثُورِ وعَافُورِ شَرٍّ، والأثَاثِي والأثَافِي، وسمعتُ كثيراً من بني أسدٍ يُسَمِّيَ المَغَافِيرَ: المَغَاثِيرَ» (3).

* وقالَ: «وقولُه: {حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98]: ذُكِرَ أنَّ الحَصَبَ في لغةِ أهلِ اليمنِ: الحَطَبُ

وأمَّا الحَصَبُ فهو في معنى لغةِ نجدٍ: ما رميتَ به في النَّارِ؛ كقولِك: حَصَبْتُ الرجلَ؛ أي: رَمَيْتُهُ» (4).

وفي هذه الأمثلةِ يظهرُ نَصُّ الفراءِ (ت:207) على أن هذا ما تقوله العربِ، أو أنَّه من لغةِ قبيلةٍ معينةٍ.

(1) معاني القرآن (2:132). وينظر: (1:62، 106، 117)، (2:174، 191، 205، 206، 217)، (3:236).

(2)

ذكر عنه هذه القراءة جمع من العلماء، منهم: ابن أبي داود في كتاب المصاحف، تحقيق: آرثر جفري (ص:54)، وذكر عن هارون: أن ابن عباس كان يأخذ بها. وأخرجها ابن خالويه في مختصر شواذ القراءات (ص:6)، ونسبها إلى ابن عباس أيضاً.

(3)

معاني القرآن (1:41).

(4)

معاني القرآن (2:212). وينظر: (1:41،286)، (2:23، 106، 154، 230، 265، 296).

ص: 287

3 -

ذِكْرُ الْمُحْتَمَلَاتِ اللُّغَوِيَّةِ للنَّصِّ القرآنيِ:

لَمَّا كانتِ المباحثُ العربيةُ هي الوجهةُ التي سَلَكَهَا الفراءُ (ت:207) في كتابِه (معاني القرآن)، فإنَّ اهتمامه بالمحتملاتِ اللغويةِ للنَّصِّ القرآني كانَ أحدَ هذه المباحثِ التي رَكَّزَ عليها في البيانِ.

ويظهرُ في مثلِ هذه المحتملاتِ ـ إذا كانتْ مشكلةً في التعبيرِ ـ حِرْصَهُ على إيرادِ الشواهدِ والأساليبِ الكلاميةِ التي تُبَيِّنُ النَّصَّ القرآنيَ، ومنْ ذلكَ:

* ما ذكره في تفسيرِ قوله تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَاّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171]، قال: «أضافَ المثلَ إلى الذينَ كفروا، ثمَّ شبَّهَهم بالرَّاعي، ولم يقلْ: كالغنمِ، والمعنى ـ واللهُ أعلمْ ـ: مثلُ الذي كفروا كمثلِ البهائمِ التي لا تَفْقَهُ ما يقولُ الراعي أكثرَ من الصوتِ، فلو قالَ لها: ارعِيْ أو اشربي، لم تدْرِ ما يقولُ لها، فكذلكَ مثلُ الذينَ كفروا فيما يأتيهم منْ القرآنِ وإنذارِ الرسولِ.

فأضيفَ التَّشبيهُ إلى الرَّاعي، والمعنى ـ والله أعلمُ ـ في المرعيِّ، وهو ظاهرٌ في كلامِ العربِ أنْ يقولوا: فلانٌ يخافُكَ كخوفِ الأسدِ، والمعنى: كخوفِه الأسدَ؛ لأنَّ الأسدَ هو المعروفُ بأنَّه المخوفُ، وقال الشاعرُ (1):

لَقَدْ خِفْتُ حَتَى مَا تَزِيدُ مَخَافَتِي

عَلَى وَعْلٍ في ذِي المَطَارَةِ عَاقِلُ

والمعنى: حتى ما تزيدُ مخافَةَ وَعْلٍ على مخافتي، وقالَ الآخرُ (2):

كَانَتْ فَرِيضَةَ مَا تَقُولُ كَمَا

كَانَ الزِّنَاءُ فَرِيضَةَ الرَّجْمِ

والمعنى كما كان الرَّجم فريضة الزِّنَى، فيتهاون الشَّاعر بوضع الكلمة

(1) البيت للنابغة الذبياني، في ديوانه، تحقيق: محمد الطاهر بن عاشور (ص:198)، وقال في شرحه: ذو المطارة: اسم جبل، وهو بفتح الميم، عاقل: متحصن، فيه فرار من الصيادين.

(2)

البيت للنابغة الذبياني في ديوانه، تحقيق: عبد العزيز رباح (ص:235).

ص: 288

على صحتها لاتضاح المعنى عند العرب. وأنشدني بعضهم (1):

إنَّ سِرَاجاً لَكَرِيمٌ مَفْخَرُهُ

تَحْلَى بِهِ الْعَيْنُ إذَا مَا تَجْهَرُهُ

والعينُ لا تَحْلَى به، إنما يَحْلَى هو بها.

وفيها معنىً آخرُ: تضيفُ الْمَثَلَ إلى الذين كفروا، وإضافتُه في المعنى إلى الوعظِ؛ كقولِك: مَثَلُ وَعْظِ الذينَ كفروا وواعظِهِم كمثلِ النَّاعِقِ؛ كما تقولُ: إذا لقيتَ فلاناً فَسَلِّمْ عليه تسليمَ الأميرِ، وإنما تريدُ به: كما تُسِلِّمُ على الأميرِ. وقالَ الشاعرُ (2):

فَلَسْتُ مُسَلِّماً مَا دُمْتُ حَيًّا

عَلَى زَيْدٍ بِتَسْلِيمِ الأَمِيرِ

وكُلٌّ صوابٌ» (3).

* وفي قولِه تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَاّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَاّ يَظُنُّونَ} [البقرة: 78]، قال: «والأُمْنِيَّةُ في المعنى: التلاوةُ؛ كقولِ اللهِ عز وجل: {إِلَاّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} [الحج: 52]؛ أي: في تلاوتِه.

والأمَانيُّ ـ أيضاً ـ: أن يفتعِلَ الرَّجلُ الأحاديثَ المفتعلَةَ، قال بعضُ العربِ لابن دَابٍ ـ وهو يُحَدِّثُ الناسَ ـ: أهذا شيءٌ رَوَيْتَهُ أمْ شيء تَمَنَّيْتَهُ؟ يريدُ: افتعلتَهُ، وكانتْ أحاديثَ يسمعونها من كبرائهمْ ليستْ منْ كتابِ اللهِ، وهذا أبينُ الوجهينِ» (4).

(1) لم أجد قائله، وقد استشهد به الفارابي في ديوان الأدب (4:94)، وهو في اللسان وتاج العروس، مادة (حلا).

(2)

نسب الأصمعي هذا البيت لأعرابي زمن الحجاج، وله تتمة أبيات، ضمن قصة ذكرها، ينظر: تاريخ بغداد (1:251)، ذكرها الخطيب بسنده.

(3)

معاني القرآن (1:99 - 100).

(4)

معاني القرآن (1:49 - 50). وينظر: (1:103)، (2:187، 237، 239)، (3:218، 223).

ص: 289

* وقالَ: «قولُه: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ} [القمر: 54] معناه: أنهار، وهو في مذهبِه كقوله:{سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45].

وزعمَ الكسائيُّ أنَّه سمعَ العربَ يقولونَ: أتينا فلاناً، فكنَّا في لَحْمَةٍ ونَبِيذَةٍ، فَوَحَّدَ، ومعناه الكثيرُ.

ويقالُ: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ} [القمر: 54] في ضياءٍ وسَعَةٍ، وسمعتُ بعضَ العربِ ينشدُ (1):

إنْ تَكُ لَيْلِياً فإنِّي نَهِرُ

مَتَى أَرَى الصُّبْحَ فَلَا أَنْتَظِرُ

ومعنى نَهِرُ: صاحبُ نهارٍ» (2).

وفي هذه الأمثلةِ السابقةِ يظهرُ إيرادُ الفراءِ (ت:207) للمحتملاتِ اللغويةِ الواردةِ على النَّصِّ القرآنيِّ، كما يظهرُ حرصُهُ على إيرادِ الشَّواهدِ على هذه المحتملاتِ.

وفي بعض المواطن يحكي مثلَ هذه المحتملات دون أن يبين رأيَهُ

(1) كذا أنشده الفراء، وقد نقله عنه الطبري في تفسيره، ط، الحلبي (27:113)، وفي الصحاح، مادة (نهر): «ورجل نَهِرٌ: صاحب نهارٍ يُغِيرُ فيه، قال الراجز:

إن كُنْتَ لَيْلِياً فَإِنِّي نَهِرْ

مَتَى أرَى الصُّبْحَ فَلا أنْتظِرْ»

وقال ابن بَرِي ـ معلقاً على الصحاح ـ: «وذكر في هذا الفصل بيتاً شاهداً على رجلٍ نَهِرٍ، وهو:

إنْ كُنْتَ لَيْلِياً فَإنِّي نَهِرْ

قال الشيخ: البيت مُغيَّرٌ، وصوابه ما أنشده سيبويه:

لَسْتُ بِلَيْلِيٍ وَلَكِنِّي نَهِرْ

لا أَدْلُجُ اللَّيْلَ وَلَكِنْ أبْتَكِرْ

وجعل «نَهِرْ» في مقابل «ليلي» ؛ كأنه قال: لست بليلي ولكنِّي نهاري». التنبيه والإيضاح عما وقع في الصحاح، لأبي محمد عبد الله بن بري، تحقيق: عبد العليم الطحاوي (2:221).

(2)

معاني القرآن (3:111).

ص: 290

فيها، ومنْ ذلكَ ما وردَ عنه في قولِه تعالى:{النَّجْمُ الثَّاقِبُ} [الطارق: 3]، قال:«والثَّاقبُ: المضيءُ، والعربُ تقولُ: اثْقُبْ نارَكَ: للمُوقِدِ. ويقال: إنَّ الثَّاقبَ: هو النَّجْمُ الذي يقال: له زُحَلْ. والثَّاقبُ الذي قدِ ارتفعَ عن النُّجومِ. والعربُ تقولُ للطائرِ إذا لحقَ ببطنِ السماءِ ارتفاعاً: قَدْ ثَقَبَ. كلُّ ذلكَ جاءَ في التفسيرِ» (1).

4 -

تَوْجِيهُ القِرَاءَاتِ:

اتخذتِ القراءاتُ: شاذُّها ومتواترُها مكاناً كبيراً في كتاب (معاني القرآن)، وهو في ذلك يذكرُ توجيهها في لغةِ العربِ، ويبينُ ما بينها من الفروقِ، إنْ وُجِدَ، سواءً أكانَ اختلافاً في معنًى أم في غيرِه مما لا أثرَ له في المعنى؛ كالاختلافِ في الحركاتِ (2)، أو اللَّهجاتِ، أو التَّصريفِ، ومن أمثلةِ ذلكَ قولُه:«وقولُه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ} [الأحزاب: 21] كانَ عاصمُ بنُ أبي النَّجُودِ يقرأُ: «أسوة» برفع الألفِ في كلِّ القرآنِ. وكان يحيى بنُ وثَّابٍ (3) يرفعُ بعضاً ويكسر بعضاً، وهما لغتان، الضَّمُّ في قيسٍ.

والحسنُ وأهلُ الحجازِ يقرؤون: «إسوة» بالكسرِ في كلِّ القرآنِ لا يختلفون

» (4).

ومنْ أمثلةِ ما يختلفُ بهِ المعنى باختلافِ القراءةِ ما يأتي:

قال: «وقولُه: {لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا} [الواقعة: 19]: عنِ الخمرِ. {وَلَا يُنْزِفُونَ} ؛

(1) معاني القرآن (3:254).

(2)

يلاحظ هاهنا أن الإعراب قد يكون له أثر في المعنى، فيكون الإعرابُ تابعاً للمعنى؛ لأنه فرع عن المعنى.

(3)

يحيى بن وثَّاب الأسدي، الكوفي، العابد، تابعي، ثقة، إمام، كبير القدر، روى عن ابن عباس وعمر وأبي عبد الرحمن السلمي وزِرٍّ وغيرهم، وقرأ عليه: الأعمش وطلحة بن مُصرِّف وغيرهما، توفي سنة (103). ينظر: معرفة القراء الكبار (1:62 - 65)، وغاية النهاية (2:380).

(4)

معاني القرآن (2:339).

ص: 291

أي: لا تذهبُ عقولُهم، يقالُ للرجلِ إذا سَكِرَ: قد نُزِفَ عقلُهُ، وإذا ذهبَ دمُهُ وغُشِيَ عليه أو ماتَ، قيل: منْزوف.

ومن قرأ: «يُنْزِفُونَ» يقول: لا تفنى خمرُهم، والعرب تقول للقوم إذا فَنِيَ زادُهم: قد أَنْزَفُوا، وأَقْتَرُوا، وأَنْفَضُوا، وأَرْقَلُوا، وأَمْلَقُوا» (1).

* وقالَ: «وقولُه عز وجل: {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} [الانفطار: 7] قرأها الأعمشُ (2) وعاصمٌ «فَعَدَلَكَ» مخففةً، وقرأها أهل الحجاز «فعدَّلك» مشدَّدة.

فمنْ قرأها بالتَّخفيفِ، فوجهُهُ ـ والله أعلم ـ: فصَرَفَكَ إلى أيِّ صورةٍ شاءَ، إمَّا: حَسَنٍ، أو قبيحٍ، أو طويلٍ، أو قصيرٍ

ومنْ قرأ: «فعدَّلَكَ» مشدَّدةً، فإنه أرادَ ـ واللهُ أعلمُ ـ جعلكَ مُعْتَدِلاً مُعَدَّلَ الخَلْقِ، وهو أعجبُ الوجهينِ إليَّ، وأجودُها في العربيةِ؛ لأنك تقولُ:{فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} [الانفطار: 8]، فتجعلُ (في) للتَّركيبِ، أقوى في العربيَّةِ مِنْ أنْ يكونَ (في) للعَدْلِ؛ لأنَّك تقولُ: عَدَلْتُكَ إلى كذا وكذا، وصَرَفْتُكَ إلى كذا وكذا، أجودُ منْ أنْ تقولَ: عَدَلْتُكَ فيه، وصَرَفْتُكَ فيه» (3).

5 -

الأُسْلُوبُ العَرَبِيُّ فِي الخِطَابِ القُرْآنِيِّ:

بيَّنَ الفرَّاءُ (ت:207) كثيراً منَ الأساليبِ العربيَّةِ النَّحويَّةِ، واستشهدَ لها

(1) معاني القرآن (3:123).

(2)

سليمان بن مِهران الأعمش، أبو محمد الكوفي، الإمام العلم، روى عن عبد الله بن أبي أوفى وسعيد بن جبير وغيرهما، وقرأ عليه حمزة الزيات، وروى عنه السفيانان وغيرهم، كان صاحب مُلَحٍ ونوادر، توفي سنة (148)، ومعرفة القراء الكبار (1:94 - 96)، وغاية النهاية (1:315 - 316).

(3)

معاني القرآن (3:244)، وينظر أمثلة أخرى في (1:64، 69 - 70، 75، 177)، (2:239، 252، 253)، (3:32، 36، 79 - 80، 243. 244، 252، 254، 261، 262، 265).

ص: 292

بأمثلةٍ تُوضِّحُها، وقدْ كانَ للمعاني نصيبٌ في هذا البيانِ، فقدْ أولاهُ الفرَّاءُ (ت:207) عنايَتَه، ووضَّح منه جملةً كثيرةً، وإن كان البيانُ النحويُّ لأساليب العرب أكثر، ومن الأساليب التي بينها في الخطاب القرآنيِّ، ما يأتي:

* الخِطَابُ بِالْمُسْتَقْبَلِ لأَمْرٍ قَدْ مَضَى:

قالَ الفرَّاءُ (ت:207): «وقولُه: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ} [البقرة: 91] يقول القائل: إنما (تقتلونَ) للمستقبلِ، فكيفَ قالَ:(من قبل)؟، ونحنُ لا نجيزُ في الكلامِ: أنَا أضربُك أمسِ، وذلكَ جائزٌ إذا أردتَ بـ (تفعلون) الماضيَ، ألا تَرى أنَّكَ تُعَنِّفُ الرجلَ بما سلفَ من فعلِه، فتقولُ: ويحكَ لِمَ تكذبْ؟ لم تُبَغِّضْ نفسَكَ إلى النَاسِ؟! ومثلُه قولُ اللهِ: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} [البقرة: 102]، ولَمْ يَقُلْ: ما تلتِ الشياطينُ. وذلكَ عربيٌّ كثيرٌ في الكلامِ، أنشدني بعضُ العربِ (1):

إذَا مَا انْتَسَبْنَا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ

وَلَمْ تَجدِي مِنْ أَنْ تُقِرِّي بِهَا بُدَّا

فالجزاءُ للمستقبل، والولادة كلها قد مضت (2)، وذلكَ أَنَّ المعنى معروفٌ.

ومثلُه في الكلامِ: إذا نظرتَ في سِيرِ عمر (3) رحمه الله لم يسئْ، والمعنى؛ لم تجدْهُ أساءَ، فلمَّا كانَ أمرُ عمرَ لا يُشَكُّ في مُضِيِّه، لم يقعْ في الوهمِ أنه مستقبلٌ، فلذلكَ صلحَتْ {مِنْ قَبْلُ} مع قوله:{فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ} ، وليس الذين خوطبوا بالقتلِ همُ القَتَلَةُ، إنَّما قَتَلَ الأنبياءَ أسلافُهُم الذين مضوا، فتولَّوهم على ذلك ورضوا به فَنُسِبَ القتلُ إليهم» (4).

(1) البيت منسوبٌ لزائدة بن صعصعة. ينظر: المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية (2:175).

(2)

يعني بالجزاء: قول الشاعر: إذا ما، والولادة في قول الشاعر: لم تلدني.

(3)

أي: سيرة عمر.

(4)

معاني القرآن للفراء (1:60 - 61).

ص: 293

بيَّن الفراءُ (ت:207) في هذا النَّصِّ أنَّه جازَ الحديثُ عَنِ الماضي بفعلٍ دالٍ على الاستقبالِ؛ لأنَّ في الكلامِ دليلاً على إرادةِ المُضِي.

قال الزجاجُ (ت:311): «وإنما جازَ أنْ يُذكَرَ هاهنا لفظُ الاستقبالِ والمعنى المُضِي؛ لقوله: {مِنْ قَبْلُ}» (1).

كما بين الفرَّاء (ت:207) أنَّه جازَ خطابُ الحاضرينَ بما فعلَه الأسلافُ منهم لرضاهم بهذا العملِ، حتى صاروا كأنهم فعلُوه بأنفسِهِم، إذ الراضي كالفاعلِ، وما ذكره مِنْ نَسْبِ القتلِ إلى حاضري التَّنْزيلِ أسلوبٌ عربيٌّ عريقٌ.

وقد شرحَ الطبريُّ (ت:310) ذلكَ الأسلوب، فقالَ: «وإنما جازَ أنْ يُقالَ: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} [البقرة: 49]، والخطابُ بهِ لِمَنْ لَمْ يدركْ فرعونَ ولا الْمُنَجَّينَ منه؛ لأنَّ المخاطَبينَ بذلكَ كانوا أبناءَ من نجَّاهم مِن فرعونَ وقومِه، فأضافَ ما كانَ منْ نِعَمِهِ على آبائهم إليهم، وكذلكَ ما كانَ منْ كُفْرَانِ آبائهم على وجهِ الإضافةِ؛ كما يقولُ القائلُ لآخر: فعلنا بكم كذا، وقتلناكم، وسبيناكم، والمُخْبِرُ: إمَّا أنْ يكونَ يعني قومَه وعشيرتَه بذلكَ، أو أهلَ بلدِهِ ووطنِهِ، كانَ المَقُولُ له ذلكَ أدرك ما فُعِلَ بهم من ذلك أوْ لَمْ يدركْه؛ كما قالَ الأخْطَلُ (2) يهاجي جريرَ بنَ عَطِيَّة:

وَلَقَدْ سَمَا لَكُمُ الهُذَيلُ فَنَالَكُمْ

بِإرَابَ، حَيْثُ يُقَسِّمُ الأنْفَالَا

في فَيلَقٍ، يَدْعُو الأَرَاقِمَ، لَمْ تَكُنْ

فُرْسَانُهُ عُزْلاً وَلَا أَكْفَالَا

ولم يلحقْ جريرٌ هذيلاً ولا أدركَه ولا أدركَ إرابَ ولا شهده. ولكنه لما

(1) معاني القرآن وإعرابه، للزجاج (1:175).

(2)

غياث بن الصَّلت، أبو مالك، المشهور بالأخطل، التغلبي النصراني، قال الشعر لمعاوية وعبد الملك، وكان يهاجي جريراً وينتصر عليه للفرزدق. ينظر: الشعر والشعراء (1:483 - 496)، ومعجم الشعراء (ص:13).

والبيت في ديوانه، بشرح: مهدي محمد ناصر الدين (ص:248).

ص: 294

كان يوماً من أيامِ قومِ الأخطلِ على قومِ جريرٍ (1)، أضافَ الخطابَ إليه وإلى قومِه. فكذلكَ خطابُ اللهِ عز وجل مَنْ خاطبَهُ بقولِه:{وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} [البقرة: 49]، لما كانَ فعلُه ما فعلَ منْ ذلكَ بقوم مَنْ خاطبَه بالآيةِ وآبائهم، أضافَ فعلَه ذلكَ الذي فعلَه بآبائهم إلى المخاطبين بالآية وقومِهم» (2).

* الجَزَاءُ عَنِ الفِعْلِ بِمِثْلِ لَفْظِهِ، وَالْمَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ (3):

قالَ الفرَّاءُ (ت:207): وقوله: {فَإِنِ انْتَهَوْا} [البقرة: 192]، فلم يبدءوكم {فَلَا عُدْوَانَ} على الذين انتهوا، إنما العدوانُ على مَنْ ظَلَمَ: على من بدأكم ولَمْ يَنْتَهِ.

فإنْ قالَ قَائِلٌ: أرأيتَ قولَهُ: {فَلَا عُدْوَانَ إِلَاّ عَلَى الظَّالِمِينَ} أعدوانٌ هو، وقدْ أباحَهُ اللهُ لهم؟!

قلنا: ليسَ بعدوانٍ في المعنى، إنما هو لفظٌ على مِثلِ ما سبقَ قبلَهُ، ألا

(1) الهذيل: هو الهذيل بن هبيرة التغلبي، غزا بني يربوع بإراب، وهو ماء لبني رياح بن يربوع، فقتل منهم وسبى، وكان جدُّ جرير من السبي.

والأراقم: هم جشم ومالك والحارث وثعلبة ومعاوية وعمرو، أبناء بكر بن حبيب التغلبي رهط الهذيل، سُمُّوا بذلك لقول كاهنتهم وهم صبيان تحت دثار، فانكشف عنهم، ورأتهم، فقالت: كأنهم نظروا إليَّ بعيون الأراقم، وهي من أخبث الحيات.

ومعنى: سما إليكم: أشرف وقصد نحوكم. والأنفال: الغنائم. والفيلق: الكتيبة من الجيش. والعزل: الذين لا سلاح معهم. والأكفال: جمع كِفْلٍ، وهو الذي لا يثبت على متن فرسه، ولا يُحسِن الركوب. ينظر: تعليق محمود شاكر على البيتين في تفسير الطبري: (2:38 - 39). وقد نقلته عنه بتصرف.

(2)

تفسير الطبري، ط: شاكر (2:38 - 39)، وقد كرر الطبري هذا المعنى في الجزء نفسه في أكثر من موضع:(23 - 24، 164، 245، 298، 302، 353)، وينظر: الصاحبي في فقه اللغة، لابن فارس، تحقيق: السيد أحمد صقر (ص:364).

(3)

أخذت هذا العنوان من ابن قتيبة في كتابه تأويل مشكل القرآن (ص:277)، وينظر: الصاحبي في فقه اللغة (ص:385).

ص: 295

تَرَى أنه قال: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]، فالعدوانُ مِنَ المشركينَ في اللَّفظِ ظُلْمٌ في المعنى، والعدوانُ الذي أباحَهُ اللهُ وأمرَ بهِ المسلمينَ إنما هو قصاصٌ. فلا يكونُ القصاصُ ظلماً، وإنْ كانَ لفظُه واحداً.

ومثلُه قولُ اللهِ تبارك وتعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40]، وليستْ منَ اللهِ مثلُ معناها منَ المسيءِ؛ لأنها جزاءٌ» (1).

وهذا يعني أنَّ ما يصدر من المسلمين إنما هو مقابلٌ وجزاءٌ لما صدر من الكفار، وإنما سمِّيَ باسمه على سبيل المجازاة، فاتَّفق اللفظ واختلف المعنى المراد به في كل موضع، وهذا ما يُسمَّى في علم البلاغة «باب المشاكلة» .

قال الطبري (ت:310): «فإن قال قائل: وهل يجوز الاعتداء على الظالم فيقال: {فَلَا عُدْوَانَ إِلَاّ عَلَى الظَّالِمِينَ} ؟

قيل: إن المعنى في ذلك غيرَ الوجهِ الذي إليه ذهبت. وإنما ذلك على وجه المجازاةِ، لِمَا كان من المشركين من الاعتداءِ. يقولُ: افعلوا بهم مثلَ الذي فعلوا بكم، كما قال: إن تعاطيتَ مني ظلماً تعاطيتُه منك. والثاني ليس بظلمٍ؛ كما قالَ عمرُو بنُ شأسٍ الأسديِّ (2).

جَزَينَا ذَوِي العُدْوَانِ بِالامْسِ قَرْضَهُمُ

قِصَاصاً، سَوَاءً حَذْوَك النَّعْلَ بِالنَّعْلِ (3)

(1) معاني القرآن (1:116 - 117)، وينظر: تفسير الطبري، ط: شاكر (1:302 - 303ت)، (3:573)، وينظر أمثلة أخرى عند ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن (ص:277 - 278)، والصاحبي في فقه اللغة (ص:384 - 385).

(2)

عمرو بن شأسٍ الأسدي، شاعر مخضرم، يكنى أبا عرار، أسلم في صدر الإسلام، وشهد القادسية، كانت أمُّه سوداء، وكانت زوجه تعيره بذلك، حتى طلَّقها. ينظر: معجم الشعراء (ص:185)، ومعجم الشعراء المخضرمين والأمويين (328).

والبيت ليس في ديوانه، بتحقيق يحيى الجبوري، وقد قال الأستاذ المحقق: محمود شاكر: «لم أجد البيت» .

(3)

تفسير الطبري، شاكر (3:573). وينظر أصل هذا الكلام عند الأخفش في معانيه، تحقيق: هدى قراعة (1:173).

ص: 296

* الاسْمَانِ المُصْطَحِبَانِ: يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى صَاحِبِهِ، فَيُسَمَّيَانِ جَمِيعاً بِهِ (1):

قالَ الفراءُ (ت:207): «وقولُه: {يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ} [الزخرف: 38] يريدُ: ما بينَ مشرقِ الشتاءِ، ومشرقِ الصيفِ.

ويقالُ: إنه أرادَ المشرقَ والمغربَ، فقال:{الْمَشْرِقَيْنِ} وهو أشبهُ الوجهينِ بالصوابِ؛ لأن العربَ قدْ تجمعُ الاسمينِ على تسميةِ أشْهَرِها، فيقال: قدْ جاءكَ الزَّهْدَمَان (2)، وإنما أحدُهما زَهْدَمٌ. قالَ الشاعرُ (3):

أَخَذْنَا بِآفَاقِ السَّمَاءِ عَلَيْكُم

لَنَا قَمَرَاهَا وَالنُّجُومُ الطَّوالِعُ

يريدُ: الشمسَ والقمرَ.

وقال الآخر (4):

قَسَمُوا البِلَادَ فَمَا بِهَا لِمَقِيلِهِم

تَضْغِيثُ مُفْتَصِلٍ يُبَاعُ فَصِيلُهُ

فِقُرَى العِرَاقِ مَسِيرَةُ يَوْمٍ وَاحِدٍ

فَالبَصْرَتَانِ فَوَاسِطٌ تَكْمِيلُهُ

يريدُ: البصرةَ والكوفةَ.

قال: وأنشدني رجلٌ من طَيِّء (5):

(1) أخذت هذا العنوان من كتاب الغريب المصنف، لأبي عبيد القاسم بن سلام، تحقيق: د. المختار العبيدي (3:674)، وكتاب الصاحبي في فقه اللغة (ص:120).

(2)

قال ابن دريد: «ومن بني عبس: الزهدمان، وهما زهدم وكردم، ادَّعيا أسْرَ حاجب بن زُرَارة، ولهما حديث يوم جَبَلَة.

وزهدم: اسم من أسماء الصقر، زعموا. وأمَّا كردم، فمن الكردمة، وهو عدوٌ بِفَزَعٍ فيه ثِقَلٌ وَبُطْءٌ» الاشتقاق (ص:280 - 281).

(3)

البيت للفرزدق، في ديوانه، ضبطه: علي الفاعور (ص:361).

(4)

أنشد البيت الثاني أبو عبيد في الغريب المصنَّف (3:675)، ونقله عنه ابن سيده في المخصَّص، ط: دار الفكر (13:225 - 228)، وهو تحت هذا الباب المذكور، وقد أورده صاحب لسان العرب وتاج العروس في مادة (كمل).

(5)

البيت في لسان العرب وتاج العروس مادة (وصل).

ص: 297