الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لزمت التقديم صارت كالخارج من الشرط، فاستحبوا الفاء وآثروها، كما استحبوها في قولهم: أما أخوك فقاعد، حين ضارعتها» (1).
وقال أبو عبيدة (ت:210) في قوله تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَّرٌّ لَهُمْ} [آل عمران: 180]: «انتصب ولم تعمل (هو) فيه، وكذلك ما وقفت فيه فلم يتمَّ إلَاّ بِخَبَرٍ؛ نحو: ما ظننتُ زيداً هو خيراً منك، وإنما نصبت خيراً؛ لأنك لا تقول: ما ظننتُ زيداً، ثمَّ تسكتُ، وتقولُ: رأيتُ زيداً فيتمَّ الكلام، فلذلك قلت: هو خيرٌ منك، فرفعتَ، وقد يجوز في هذا النصبُ» (2).
وقال الأخفش (ت:215) ـ في قوله تعالى: {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ} [القلم: 51]ـ: «وهذه إِنْ التي تكونُ للإيجابِ وهي في معنى الثقيلةِ، إلَاّ أنَّها ليست بثقيلةٍ؛ لأنَّكَ إذا قلتَ: إِنْ كان عبدُ اللهِ لظريفاً، فمعناه: إنَّ عبدَ اللهِ لَظَرِيفٌ قبلَ اليومِ، فـ «إنْ» تدخل في هذا المعنى، وهي خفيفةٌ» (3).
هذه الأمثلةُ ـ وهي كثيرةٌ جداً في معاني القرآنِ للفرَّاءِ (ت:207) والأخفش (ت:215) ـ توضِّحُ صورةَ المسائلِ النَّحويةِ التي طَرَقَهَا اللُّغويُّون في كتبِ المعاني، ويلاحظُ أنَّ أغلبَ هذه المسائلِ لا أثرَ فيه على التَّفسيرِ، بل هي بكتب النَّحْوِ ألصقُ.
ثالثاً: كثرةُ الاستشهادِ منْ لغةِ العربِ:
لقدْ كانَ الشَّاهدُ العربيُّ عند اللُّغويِّين ذا قيمةٍ كبيرةٍ. ويلاحظُ هاهنا أمرانِ:
الأولُ: أنَّ الشَّواهدَ للمسائلِ النَّحويَّةِ والصَّرفيَّةِ والاشتقاقيَّةِ أكثرُ من الشَّواهدِ اللُّغويَّةِ في كتبِ معاني القرآنِ.
(1) معاني القرآن، للفراء (1:141).
(2)
مجاز القرآن، لأبي عبيدة (1:110). ومن الملاحظ أنَّ المسائلَ النحويةَ في كتابهِ قليلةٌ.
(3)
معاني القرآن، للأخفش، تحقيق: هدى قراعة (2:547).
الثاني: أنَّ كتبَ الغريبِ يكثر فيها الاستشهادُ اللُّغويُّ، وهي أكثرُ من شواهدِ كتبِ المعاني في هذا البابِ.
ومنَ الأمثلةِ على هذه الشَّواهدِ في كتبِ اللُّغويِّين ما يلي:
1 -
قال الفراءُ (ت:207): «وقولُهُ: {لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} [الفرقان: 21]: لا يخافون لقاءنا، وهي لغةٌ تِهاميَّةٌ، يَضَعُونَ الرَّجاءَ في موضعِ الخوفِ إذا كان معه جحدٌ. ومن ذلك قول الله:{مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} [نوح: 13]؛ أي: لا تخافون له عظمةً، وأنشدني بعضهم (1):
لا تَرْتَجِي حين تُلاقِي الذَّائِدا
…
أَسَبْعَةً لاقتْ مَعاً أَمْ واحِدا
يريد: لا تخاف ولا تبالي. وقال الآخر (2):
إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لم يَرْجُ لَسْعَها
…
وَحَالَفَهَا في بيتِ نُوبٍ عَوَامِلِ
يقال: نَوب ونُوب، ويقال: أَوب وأُوب: من الرجوع.
وقال الفرّاء: والنُّوبُ: ذَكَرُ النَّحْلِ» (3).
2 -
وقال أبو عبيدة (ت:210) ـ في قوله تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا} [النبأ: 24]ـ: «نوماً ولا شراباً، وقال الكندي (4):
(1) أورده الفراء في معانيه (1:286)، وقوله في هذا الموضع:«وأنشدني بعضهم» يدلُّ على أنه من روايته، ولم يبيِّن هذا المنشد، هل هو القائل للبيت، أو هو راوٍ له؟
وقد ذُكر هذا البيت في المصادر التي جاءت بعده بلا نسبة، ينظر: تهذيب اللغة (11:182)، ومادة (رجا) في أساس البلاغة ولسان العرب وتاج العروس.
(2)
هو لأبي ذؤيب الهذلي، ينظر: ديوان الهذليين (1:143)، وفي البيت:«خالفها» بدلاً عن «حالفها» ، وهما روايتان كما نصَّ عليه الشارح للديوان، وقال:«والنُّوبُ: التي تنوبُ، تجيء وترجع» .
(3)
معاني القرآن، للفراء (2:265).
(4)
البيت بتمامه:
بَرَدَتْ مَرَاشِفُهَا عَلَيَّ، فَصَدَّنِي
…
- عَنْهَا وَعَنْ قُبْلَتِهَا ـ البَرْدُ
ولم أعرف من هو الكندي الذي نُسِب إليه الشعر، وقد نقل استشهاد أبي عبيدة به: =
.. فَصَدَّني
…
• عنها وعن قُبْلَتِها ـ البَرْدُ
أي: النُّعاس» (1).
3 -
وقال الأخفش (ت:215): «وقوله: {أَوْ نَذَرْتُمْ} [البقرة: 270]، تقول: نَذَرَ يَنْذُرُ على نفسه نَذْراً، ونَذَرْتُ مالي، فأنا أَنْذُرُهُ نَذْراً، أخبرنا بذلك يونس (2) عن العرب. وفي كتاب الله:{لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} [آل عمران: 35]، وقال الشَّاعرُ (3):
هُمْ يَنْذُرُونَ دَمِي وَأَنْـ
…
ـذُرُ إِنْ لَقِيتُ بأنْ أَشُدَّا
وقال غيرُه (4):
الشَّاتِمِي عِرْضِي ولم أَشْتُمْهُمَا
…
والنَّاذِرِينَ إذا لم أَلْقَهُمَا دَمِي» (5)
4 -
وقال ابن قتيبة (ت:276) ـ في غريب القرآن، في قوله تعالى:{وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ} [النور: 11]؛ «أي: عُظْمَهُ، وقال الشاعرُ (6) ـ يَصِفُ امرأةً ـ:
تنامُ عن كِبْرِ شَأنِها فإذا
…
قامتْ رُوَيداً تكادُ تنغرفُ
أي: تنامُ عن عُظْمِ شأنها؛ لأنها مُنَعَّمَةٌ» (7).
وقال في تأويل مشكل القرآن: «
…
ومن ذلك قوله: {وَلَكِنْ لَا
= الطبري في تفسيره، ط: الحلبي (30:8)، وابن دريد في الجمهرة (1:295)، والاشتقاق، له، تحقيق: عبد السلام هارون (ص:478).
(1)
مجاز القرآن (2:282).
(2)
هو يونس بن حبيب الضَّبِّي، وقد مضت ترجمته.
(3)
البيت لعمرو بن معدي كرب، وهو في ديوانه، تحقيق: هاشم الطعان (ص:69).
(4)
البيت لعنترة، وهو من معلَّقته، ينظر: أشعار الشعراء الستة الجاهليين، للأعلم الشنتمري، تحقيق: محمد خفاجي (2:123).
(5)
معاني القرآن، للأخفش (1:202).
(6)
البيت لقيس بن الخطيم، وهو في ديوانه، تحقيق: ناصر الدين الأسد (ص:106).
(7)
غريب القرآن، لابن قتيبة، تحقيق: السيد أحمد صقر (ص:301).