الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومادَّةُ «خَسِرَ» في اللُّغةِ تدلُّ على النَّقصِ (1). ويكونُ تفسيرُ من فسَّر بالهلاكِ من التَّفسيرِ باللازمِ؛ أي أنَّ من لازمِ خسارةِ هذا الخاسرِ هلاكُه، والله أعلم.
الثاني: التفسيرُ بالمثالِ:
وهو أن يعمدَ المفسِّرُ إلى لفظٍ عامٍّ، فيذكرَ فرداً من أفراده على سبيلِ المثالِ لهذا الاسمِ العامِّ، لا على سبيلِ التخصيصِ أو المطابقةِ (2).
ومن أمثلتِه:
1 -
في قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} [البقرة: 57]، فُسِّرَ المَنُّ على أقوال:
الأولُ: صَمْغَةٌ تنزلُ على الشجرِ، مثلُ الثَّلجِ.
= نُزِّلت على الخوارج، حسبما تقدم، إلى غير ذلك مما يذكر في التفسير، إنما يحملونه على ما يشمله الموضع بحسب الحاجة الحاضرة لا حسب ما يقتضيه اللفظ لغةً.
وهكذا ينبغي أن تفهم أقوال المفسرين المتقدمين، وهو الأولَى لمناصبهم في العلم، ومراتبهم في فهم الكتاب والسنة». الاعتصام، للشاطبي، تحقيق: محمد رشيد رضا (1:103).
3 -
قال الزركشي: «يكثر في معنى الآية أقوالهم واختلافهم، ويحكيه المصنفون للتفسير بعبارات متباينة الألفاظ، ويظن من لا فهم عنده أن ذلك اختلافاً فيحكيه أقوالاً، وليس كذلك، بل يكون كل واحد منهم ذكر معنىً ظهر من الآية، وإنما اقتصر عليه لأنه أظهر عند ذلك القائل، ولكونه أليق بحال السائل» . البرهان في علوم القرآن (2:159).
4 -
قال الطاهر بن عاشور في تفسير قوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59]، قال:«فما رُويَ عن مجاهد وميمون بن مهران في تفسير التنازع بتنازع أهل العلم إنما هو تنبيه على الفرد الأخفى من أفراد العموم، وليس تخصيصاً للعموم» . التحرير والتنوير (5:100).
(1)
ينظر: مقاييس اللغة (2:182)، ومفردات غريب القرآن (ص:282 - 283).
(2)
هذا يدخلُ في دلالة التضمُّن التي سبق الإشارة إليها.
الثاني: شرابٌ كان ينْزل عليهم، مثلُ العسلِ.
الثالث: خبزُ الرُّقاق (1).
وإذا تأملت هذه الأقوالَ، تبيَّنَ لك أنَّ المنَّ عمومُ ما منَّ الله به على بني إسرائيل، فالمنُّ مِنَ المِنَّةِ، وليس المرادُ به ما ينْزلُ من السَّماء على الشَّجرِ، فينعقدُ كالعسلِ، ويجِفُّ كالصَّمغِ (2)، وأنَّ المفسِّرَ ذكرَ من عمومِ ما منَّ الله به على بني إسرائيلَ مثالاً له، ويبقى ما عداه مسكوتاً عنه عنده، ولو سئل عن العمومِ لقالَ به، والله أعلم.
ويشهدُ لأنَّ المراد به مجموعُ المِنَنِ، ما رواه ابن أبي حاتم (ت:327) عن سعيدِ بن زيدٍ صلى الله عليه وسلم قال: خرج إلينا النبيُّ رضي الله عنه وفي يده كمأةٌ، فقال:«أتدرونَ ما هذا؟ هذا من المنِّ الَّذي أنزل الله على بني إسرائيلَ، وماؤها شفاءٌ للعينِ» (3).
قال ابن كثيرِ (ت:774): «والغرضُ أنَّ عباراتِ المفسِّرينَ متقاربةٌ في شرحِ المَنِّ، فمنهم من فسَّره بالطعامِ، ومنهم من فسَّره بالشَّرابِ، والظَّاهرُ ـ والله أعلمُ ـ أنه كلَّ ما امتنَّ الله به عليهم من طعامٍ وشرابٍ، وغير ذلكَ، مما ليسَ فيه عملٌ ولا كَدٌّ.
فالمنُّ المشهورُ إن أُكلَ وحده كانَ طعاماً حلواً، وإن مُزِجَ معَ الماءِ صارَ شراباً طيِّباً، وإن رُكِّبَ مع غيرِه صارَ نوعاً آخرَ، ولكن ليس هو المرادُ
(1) ينظر من قال به من السلف في تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (2:91 - 94)، وتفسير ابن أبي حاتم، تحقيق: أحمد الزهراني (ص:175 - 177).
(2)
ينظر في معنى المنِّ، مادة (منن) في القاموس المحيط.
(3)
تفسير ابن أبي حاتم، تحقيق: الزهراني (ص:175)، وقد أخرجه البخاري، ينظر: كتاب التفسير، باب (وظَلَّلنا عليكم الغمام
…
) من فتح الباري، ط: الريان (8:14)، كما ذكر شيئاً من طرقه ابن كثير في تفسيره، تحقيق: سامي السلامة (1:268 - 271).