الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثانياً الاختلافُ بسببِ التَّضادِّ في دلالةِ اللَّفظِ
الأضدادُ: الألفاظُ التي تأتي للمعنى وضِدِّهِ؛ كلفظِ «جَلَلٍ» : للشَّيءِ العظيمِ والشَّيءِ الحقيرِ (1).
والتَّضَاد نوعٌ من المشتركِ اللَّفظيِّ، قال قُطْرُبُ (ت:206): «الوجهُ الثالثُ: أن يتَّفقَ اللَّفظُ ويختلفَ المعنى، فيكونُ اللَّفظُ الواحدُ على معنيينِ فصاعداً
…
ومن هذا: اللَّفظُ الواحدُ الذي يجيءُ على معنيينِ فصاعداً، ما يكون متضادًّا في الشَّيءِ وضِدِّهِ» (2).
وقد اعتنى علماءُ اللَّغةِ بهذه الظَّاهرةِ اللُّغويَّة في كلامِ العربِ، فألَّفوا فيها المؤلفاتِ، منهم: قُطْرُبُ (ت:206)، وأبو عبيدة (ت:210)، والتَّوَّزِيُّ (ت:233)، وابنُ السِّكِّيتِ (ت:244)، وأبو حاتم (ت:255)، وابنُ الأنباريِّ (ت:328)، وغيرُهم.
ولم تَخْلُ هذه المؤلَّفاتُ من الأمثلةِ القرآنيَّةِ التي فُسِّرَت على هذه الظَّاهرةِ اللُّغويَّةِ، ولكنَّ الملاحظَ أنَّ بعضَ الأمثلةِ التي ذكرُوها من الأضدادِ لم يقعْ فيها خلافٌ بين المفسِّرينَ، وإنْ كانَ اللَّفظُ يأتي للمعنى وضِدِّهِ، لكن
(1) ينظر: الأضداد، لابن الأنباري (1 - 6). والأضداد، لأبي حاتم السجستاني، تحقيق: د. محمد عودة أبو جري (ص:79)، والمزهر في علوم اللغة، للسيوطي (1:387).
(2)
الأضداد، لقطرب، تحقيق: الدكتور حنّا حداد (ص:70). وينظر: المزهر في علوم اللغة (1:387).
أحد معانيه جاءَ في غيرِ القرآنِ، أو يجيءُ في موضعين من القرآنِ، ولكلِّ موضعٍ معنى يخالفُ الآخرَ ويُضادُّه، ومنْ ذلكَ: لفظُ «الظَّنِّ» ، حيثُ يُستعملُ عندَ العربِ للشَّكِّ واليقينِ.
وقدْ وردَ في القرآن بالمعنيين، في موضعينِ مختلفينِ، قال ابنُ الأنباريِّ (ت:328): «فأمَّا معنى الشَّكِّ فأكثرُ من أن تُحصَى شواهدُه. وأمَّا معنى اليقين، فمنه قولُ اللهِ عز وجل:{وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا} [الجن: 12]، معناه: عَلِمْنَا. وقالَ جَلَّ اسمُهُ: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا} [الكهف: 53]، معناه: فَعَلِمُوا بغيرِ شَكٍّ
…
» (1).
والمقصودُ أنَّ هذا اللَّفظَ، وإنْ كانَ من الأضدادِ، لم يقعْ بين المفسِّرينَ خلافٌ فيه في موضعٍ واحدٍ.
أمَّا أمثلةُ أحرفِ الأضدادِ التي وقعَ فيها خلافٌ، فمنها:
1 -
اختلفَ المفسِّرونَ في لفظِ «القُرْءِ» في قولِه تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، على قولينِ:
القولُ الأولُ: الحَيضُ.
وبه قالَ عُمَرُ بن الخَطَّابِ (ت:23)، وعَلِيُّ بن أبي طالبٍ (ت:40)، وعبد اللهِ بنُ مسعود (ت:35)، وأبو مُوسَى الأشعريُّ (ت:44)، وأُبَيُّ بنُ كعبٍ (ت:32)، وابنُ عباس (ت:68)، وسعيدُ بن جبيرٍ (ت:94)، ومجاهدٌ (ت:104)، والضَّحَّاكُ (ت:105)، وعكرمةُ (ت:105)، وقتادةُ (ت:117)، والسُّدِّيُّ (ت:128)، وغيرهم (2).
(1) الأضداد، لابن الأنباري (ص:14). وينظر: الأضداد، لقطرب (ص:71)، والأضداد للأصمعي (ص:34)، والأضداد، لابن السِّكِّيت (ص:188) [كلاهما ضمن ثلاثة كتب في الأضداد، تحقيق: أوغست هفنر]، والأضداد، لأبي حاتم، تحقيق: الدكتور محمد عودة أبو جري (ص:84).
(2)
ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (4:500 - 506)، وتفسير ابن أبي حاتم، تحقيق: أسعد محمد الطيب (2:415).
القولُ الثاني: الطهر.
وبه قالَ زيدُ بنُ ثابتٍ (ت:45)، وعائشةُ بنت الصِّدِّيقِ (ت:58)، ومعاويةُ بنُ أبي سفيانَ (ت:60)، وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ بن الخطاب (ت:74)، وأبانُ بنُ عثمانَ بنِ عفانَ (ت:105) (1)، وسالمُ بنُ عبدِ اللهِ (ت:106) (2)، والزهريُّ (ت:124)، وغيرُهم (3).
وقدْ حكى اللُّغويُّونُ الذينَ كتبوا في معاني القرآنِ وغريبِهِ القولينِ، وممنْ حكاهُما: أبو عبيدة (ت:210)(4)، وابن قتيبة (ت:276) (5)، والزَّجَّاجُ (ت:311) (6)، وابنُ عُزَيزٍ (ت:330) (7)، كما حكاهما ـ أيضاً ـ أصحابُ كُتُبِ الأضدادِ (8)، وكتبُ المعاجمِ اللُّغويةِ (9).
وسببُ الاختلافِ ـ كما هو ظاهرٌ هنا ـ التَّضادُّ في كلمةِ القُرءِ، وهي من الألفاظِ اللُّغويَّةِ التي لها أثرٌ في الحُكْمِ الشَّرعيِّ (علم الفقه)(10)؛ لأنَّ
(1) أبانُ بنُ عثمانَ بنِ عفَّانَ، الفقيه، شَهِدَ الجمل مع عائشة، توفي في المدينة سنة (105). الطبقات (5:151 - 153)، وشذرات الذهب (1:131).
(2)
سالم بن عبد الله بن عمر، الفقيه الزاهد المدني، روى عن أبيه وغيره، وقيل: أصحُّ الأسانيد: الزهري عن سالم عن أبيه، توفي سنة (106). الطبقات (5:195 - 201)، شذرات الذهب (1:133).
(3)
ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (4:506 - 511)، وتفسير ابن أبي حاتم، تحقيق: أسعد محمد الطيب (2:414).
(4)
مجاز القرآن (1:74).
(5)
تفسير غريب القرآن (1:302).
(6)
غريب القرآن (ص:293).
(7)
معاني القرآن (1:302).
(8)
ينظر: الأضداد، لقطرب (ص:108)، الأضداد المنسوب للأصمعي (ص:5)، الأضداد، لابن السِّكِّيت (ص:163)، الأضداد، لأبي حاتم (ص:115)، الأضداد، لابن الأنباري (ص:27).
(9)
ينظر على سبيل المثال: تهذيب اللغة (9:272)، ومادة:(قرأ) في لسان العرب وتاج العروس.
(10)
ينظر على سبيل المثال: الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ط: دار الكتب المصرية (3:113 - 117)، وأضواء البيان، للشنقيطي (1:211 - 219).
المطلوبَ من المرأةِ المطلَّقَةِ أنْ تتربَّصَ ثلاثةَ أطهارٍ، أو ثلاثَ حِيَضٍ.
ولما كانت المسألةُ متعلِّقةً بحُكْمٍ شرعيٍّ كَثُرَ ورودُ أعيانِ العلماءِ من الصَّحابةِ والتَّابعينَ في هذه المسألةِ، وهذا ظاهرٌ في الآياتِ المتعلِّقةِ بالأحكامِ، حيث تجدُ أقوالَ الفقهاء منهم مذكورةً مع أقوالِ المفسِّرينَ، والله أعلم.
2 -
اختلفَ المفسِّرونَ في لفظِ «عَسْعَسَ» من قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} [التكوير: 17] على قولينِ:
القولُ الأولُ: أدبرَ.
وممنْ قالَ به منَ السَّلفِ: عليٌّ (ت:40)(1)، وابنُ عَبَّاسٍ (ت:68) (2)، والضَّحَّاكُ (ت:105) (3)، وقتادةُ (ت:117) (4)، وابنُ زيدٍ (ت:182) (5)، واختاره الطبريُّ (ت:310) (6)، وزعمَ الفَرَّاءُ (ت:207) أنَّ المفسرينَ أجمعُوا على هذا القولِ (7)!، وهو كما ترى.
القول الثاني: أقبلَ.
وممن قال به من السَّلف: مجاهدُ (ت:104)(8)، والحسنُ (ت:110) (9)، وعطيَّةُ العوفيُّ (ت:111) (10).
(1) تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:78).
(2)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:78).
(3)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:78).
(4)
تفسير عبد الرزاق (2:285)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (30:78).
(5)
تفسير الطبري ط: الحلبي (30:78).
(6)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:79).
(7)
معاني القرآن (3:242).
(8)
تفسير مجاهد (ص:708)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي، ط: الحلبي (30:78).
(9)
تفسير عبد الرزاق (2:285)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (30:78). وعبارته فيهما: «إذا غَشِيَ النَّاس» . وفيها معنى الإقبالِ؛ لأنه لا يغشاهم إلَاّ إذا أقبلَ.
(10)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:79).
وقدْ حَكَى هذينِ القولينِ أصحابُ كتبِ معاني القرآنِ وغريبِهِ؛ كأبي عبيدةَ (ت:210)(1)، وابنِ قُتَيبةَ (ت:276) (2)، والزَّجَّاجِ (ت:311) (3)، وابنِ عُزَيزٍ (4). كما حكاهما أصحابُ كتبِ الأضدادِ؛ كابنِ السِّكيتِ (ت:244) (5)، وأبي حاتم (ت:255) (6)، وابنِ الأنباريِّ (ت:328) (7).
وكذا حكاهما بعض أصحابِ معاجمِ اللُّغةِ؛ كابنِ دُرَيدٍ (ت:321)(8)، والأزهريِّ (ت:370) (9)، وابنِ فارسَ (ت:395) (10)، وغيرِهم (11).
3 -
اختلفَ المفسرونُ في لفظِ «سُجِّرَتْ» (12) من قوله تعالى: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} [التكوير: 6] على أقوالٍ، ومنها قولانِ متضادَّانِ، وهما:
القولُ الأول: مُلِئت (13) وفاضتْ.
وبه قالَ: الرَّبِيعُ بنُ خُثَيم (ت:61)(14)، والضَّحَّاكُ (ت:105) (15)،
(1) مجاز القرآن (2:278 - 288).
(2)
تفسير غريب القرآن (ص:517).
(3)
معاني القرآن وإعرابه (5:292).
(4)
غريب القرآن (ص:265).
(5)
الأضداد (ص:167).
(6)
الأضداد (ص:113).
(7)
الأضداد (ص:32).
(8)
جمهرة اللغة (1:203).
(9)
تهذيب اللغة (1:78 - 79).
(10)
مجمل اللغة، لابن فارس، تحقيق: زهير عبد المحسن سلطان (3:614).
(11)
ينظر: المحيط في اللغة (1:80)، ومادَّة (عسس) في لسان العرب وتاج العروس.
(12)
وقع مثل هذا الخلاف أيضاً في قوله تعالى: {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} [الطور: 6].
(13)
فسَّر بعض السلف التسجير بأنَّه الإيقاد، ورد ذلك عن: علي بن أبي طالب، ومجاهد، وشمر بن عطية، وابن زيد، وسفيان [ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي 27:19، 30:67 - 68]، ويمكن أن يعود هذا إلى معنى الامتلاء؛ أي: أنَّ البحار ملئت ناراً فتأجَّجت.
(14)
ينظر قوله في تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:68).
(15)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:68).
ومحمد بنُ السَّائبِ الكَلْبِيُّ (ت:146)(1).
ومن اللُّغويِّينَ: الفَرَّاءُ (ت:207)(2)، وابنُ قُتَيبَةَ (ت:276) (3)، وثعلب (ت:291) (4).
القولُ الثاني: يبستْ، وذهبَ ماؤهَا.
وبه قالَ: الحسنُ البصري (ت:110)(5)، وقتادةُ (ت:117) (6).
وقدْ حكى بعضُ علماءِ اللُّغةِ الذين كتبوا في الأضدادِ هذين القولينِ (7)، كما حكاهما أصحابُ المعاجمِ اللغوية (8). قال أبو زيدٍ الأنصاريُّ (ت:215): «المسجورُ: يكونُ المملوءَ، ويكون الذي ليس فيه شيءٌ» (9).
وبهذا يظهر أنَّ مادَّة «سجر» ذات دلالتين متضادَّتين في لغةِ العربِ، والآيةُ تحتملُ هاتين الدِّلالتين، فقال مفسِّرٌ بأحدهما، وقال الآخرُ بالدِّلالة الأخرى، اجتهاداً منهما في اختيارِ إحدى الدِّلالتينِ، والله أعلم.
والمقصودُ: أنَّ التَّضادَّ الذي في دلالةِ الكلمةِ الواحدةِ كان سبباً في
(1) تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:68).
(2)
معاني القرآن (3:239). وينظر (3:91).
(3)
تفسير غريب القرآن (ص:516). وقد فسر أبو عبيدة الموضع الذي في سورة الطور بهذا التفسير، ينظر: مجاز القرآن (2:230).
(4)
تاج العروس، مادة (سجر).
(5)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:68). وعلَّقه البخاري عنه، ينظر: فتح الباري، ط: الريان (8:562).
(6)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:68).
(7)
ينظر: الكتب الآتية من كتب الأضداد: لقطرب (ص102)، والتَّوَّزِيِّ (ص:103)، وابن السِّكِّيت (ص:168)، وأبو حاتم (144)، وابن الأنباري (ص:54).
(8)
ينظر ـ مثلاً ـ: تهذيب اللغة (10:575 - 576)، ولسان العرب وتاج العروس، مادة (سجر).
(9)
تهذيب اللغة (10:577).
الخلافِ بينَ المفسِّرينَ. ويمكنُ بالرجوعِ إلى كتبِ الأضدادِ لمعرفةُ ما حُكِيَ من أحرفِ الأضدادِ التي وقعَ فيها خلافٌ بينَ المفسرينَ (1).
ومما ينبغي أن يُذكَر: أنَّه ليس كلُّ حرفٍ ادُّعي فيه التَّضادُّ أنَّ هذا يقبلُ على إطلاقِه؛ بلْ لا بُدَّ من تحريرِ هذا التَّضادِّ، فإنْ ثبتَ، قيلَ به، وإلَاّ فَلا، واللهُ أعلمُ.
ومنْ ذلكَ ادَّعاءُ التَّضَادِّ في دلالةِ «بعد» منْ قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء: 105]، وقوله تعالى:{وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30].
قال أبو حاتم (ت:255): «وقالوا: قَبْلُ وبَعْدُ منَ الأضدادِ، وقالوا في قوله تعالى:{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ} [الأنبياء: 105]: منْ قَبْلِ الذِّكرِ.
(1) ينظر الألفاظ التالية:
1 -
الأنداد، في أضداد ابن الأنباري (ص:23 - 26).
2 -
أسروا الندامة، في أضداد قطرب (ص:89)، والأصمعي (ص:21)، والتوَّزي (ص:91)، وابن السِّكِّيت (ص:176)، وابن الأنباري (ص:45 - 46).
3 -
القانع، في أضداد ابن الأنباري (ص:66 - 68).
4 -
وراء، في أضداد قطرب (ص:105)، والأصمعي (ص:20)، والتَّوَّزي (ص:89)، وأبي حاتم (ص:92 - 94)، وابن الأنباري (ص68 - 71).
5 -
مُفْرَطون، في أضداد قطرب (ص:114)، وابن الأنباري (ص:71 - 72).
6 -
أكاد أخفيها، في أضداد قطرب (ص:87)، والتَّوَّزي (ص:91)، وابن السِّكِّيت (ص:177)، وأبي حاتم (ص:131)، وابن الأنباري (ص:95).
7 -
كلما خبت، أضداد ابن الأنباري (ص:175).
8 -
فما فوقها، أضداد قطرب (ص:133)، وأبي حاتم (ص:118).
9 -
الصريم، في الأضداد لقطرب (ص:121)، والأصمعي (ص:41)، والتَّوَّزي (ص:99)، وابن السِّكِّيت (ص:195)، وأبي حاتم (ص:121)، وابن الأنباري (ص:84 - 85). وغيرها.
وقالوا في قوله سبحانه وتعالى: {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30]، قالوا: قبل ذلك؛ ألا ترى أنَّه قال: {خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت: 9]، ثمَّ قال:{ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} [فصلت: 11](1)، فخَلْقُ الأرضِ قبلَ السَّماءِ، فلما قال:{بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30]، كانَ المعنى: قبلَ ذلكَ؛ لأنَّ قبلها: {أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا} {رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا} [النازعات: 27، 28]، ثمَّ قال:{وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30].
قال أبو حاتم: وقدْ قالوا غيرَ هذا التفسيرِ» (2).
وفي تفسيرِ لفظِ قبل بلفظِ بعد = خروجٌ باللَّفظِ عن الأصلِ الذي جُعِلَ له، ولا يصِحُّ هذا إلَاّ إذا لم يُفهَمِ الكلامُ إلَاّ على معنى الضِّدِّ، والآيةُ مفهومةٌ على بقاءِ «بعد» على ظاهرِها، لذا لا حاجةَ لادِّعاءِ التَّضَادِّ في دلالتها.
وسأذكرُ أقوال المفسِّرينَ في آيةِ سورةِ الأنبياءِ (3)؛ ليتبيَّنَ أنَّ الآيةَ لها معنًى على الأصلِ منْ دلالةِ «بعد» ، وأنَّه لا حاجَة إلى هذا التَّأويلِ الذي يُخرِجُها عن أصلِها اللُّغويِّ من معنى البعديَّةِ.
أوردَ الإمامُ الطبريُّ (ت:310) ثلاثةَ أقوالٍ للسَّلفِ في معنى هذه الآيةِ، وكُلُّ هذه الأقوالِ تجعلُ لفظةَ «بعد» على دلالتِها اللُّغويَّةِ المعروفةِ في البعديَّةِ.
القول الأولُ: الزَّبُورُ: كتبُ الأنبياءِ، والذِّكْرُ: أُمُّ الكتابِ؛ أي: اللَّوحُ المحفوظُ.
(2)
الأضداد، لأبي حاتم السجستاني (ص:167)، وينظر: الأضداد، لقطرب (ص:100)، فقد فسر: بعد؛ بمعنى: مع.
(3)
قد سبق الجوابُ عن آيةِ سورة النازعات.
وبه قال: سعيدُ بنُ جبيرٍ (ت:94)، ومجاهدُ (ت:104)، وعبدُ الرَّحمنِ بنُ زيدٍ (ت:182) (1)، واختارَه الطبريُّ (ت:310) (2).
القولُ الثاني: الزَّبُورُ: الكتبُ التي أنزلَها اللهُ على مَنْ بعدَ موسى من الأنبياءِ، والذِّكْرُ: التَّورَاةُ.
وبه قالَ: ابنُ عَبَّاسٍ (ت:68)، والضَّحَّاكُ (ت:105) (3).
القولُ الثالثُ: الزَّبُورُ: زَبُورُ دَاوُدَ عليه السلام، والذِّكْرُ: التَّورَاةُ، وهو قول عامرٍ الشَّعْبِيِّ (ت:103) (4).
وهذه الأقوالُ ـ كما ترى ـ ليسَ فيها إخراجٌ لدلالةِ «بعد» اللُّغويَّةِ عن أصلِها في البَعْدِيَّةِ المضَادَّةِ لمعنى القَبليَّةِ، وبقاءُ اللَّفظِ على معناه المعروف أولى من إخراجِه عنه بلا دلالةٍ سوى الاحتمالِ والتَّوَهُّمِ، واللهُ أعلمُ.
(1) ينظر أقوالهم في تفسير الطبري، ط: الحلبي (17:103).
(2)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (17:104).
(3)
ينظر أقوالهم في تفسير الطبري، ط: الحلبي (17:103).
(4)
ينظر تفسير الطبري، ط: الحلبي (17:103 - 104).