الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقوله تعالى: {وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ} [الروم: 22] قال الطَّبريُّ (ت:310): «واخْتِلافُ منطقِ ألسنَتِكُم ولُغَاتِكم» (1).
ومن ذلك: قولُ ابنِ عباسٍ (ت:68) ـ في تفسيرِ قوله تعالى: {إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} [العاديات: 6]ـ قال: «الكَنُودُ بلسانِنا أهلَ البلدِ (2): الكفورُ» (3).
وقولُ سعيدِ بن المسيبِ (4)(ت:94): «الماعونُ بلسانِ قريشٍ: المالُ» (5).
ثالثاً: تعريف التفسير اللغوي:
بعدَ أنْ تمَّ التَّعَرُّفُ على مفرداتِ هذا المصطلحِ، فإنه يمكنُ الانطلاقُ منها إلى تعريفِ هذا المصطلحِ، فأقولُ:
التفسيرُ اللغويُ: بيان معاني القرآن بما ورد في لغة العرب.
أمَّا الشِقُّ الأولُ مِنَ التعريفِ، وهو بيان معاني القرآن: فإنه عامُّ يشملُ كُلَّ مصادرِ البيانِ في التَّفسيرِ؛ كالقرآنِ، والسُّنَّةِ، وأسباب النزول، وغيرها.
وأمَّا الشِّقُّ الثاني منه، وهو بما ورد في لغة العرب: فإنه قَيدٌ واصفٌ لنوعِ البيانِ الذي وَقَعَ لتفسيرِ القرآنِ، وهو ما كان طريقُ بيانِه عن لغةِ العربِ.
وبهذا النَّوعِ من البيانِ يخرجُ ما عداه من أنواعِ البيان؛ كالبيانِ الكائنِ بأسبابِ النُّزولِ وقصصِ الآيِ، أو غيرِها مما ليس طريقُ معرفتِه اللُّغةُ. كما يخرج بهذا القيدِ ما كان طريقُ بيانِه بغيرِ لغةِ العربِ، كمن يُفسِّرُ بمدلولاتٍ لا تُعرفُ عند العربِ؛ كالمصطلحاتِ الحادثةِ.
(1) تفسير الطبري، ط: الحلبي (21:31 - 32).
(2)
يعني: مكة.
(3)
الدر المنثور (8:603).
(4)
سعيد بن حزن (المسيب) القرشي، روى عن جمع من الصحابة؛ كعمر وعثمان وعلي، وكان من أفقه التابعين، توفي سنة (94)، وقيل غيرها. ينظر: الجرح والتعديل (4:59 - 61)، والثقات (4:273 - 275).
(5)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:319). وينظر في الصفحة نفسها قول الزهري.
والمرادُ بما وردَ في لغةِ العربِ: ألفاظُها وأساليبُها التي نزلَ بها القرآنُ.
وقد أشارَ إلى هذا الشَّاطِبِيُّ (ت:790)(1)، فقال: «فإنْ قلنا إنَّ القرآنَ نزلَ بلسانِ العربِ، وإنَّه عربيٌ، وإنه لا عُجْمَةَ فيه، فيعني أنه أُنزِلَ على لسانِ معهودِ العربِ في ألفاظِها الخاصةِ وأساليبِ معانيها، وأنها فيما فُطِرتْ عليه من لسانِها تُخَاطِبُ بالعامِّ يُرَادُ به ظاهره، وبالعَامِّ يراد به العَامُّ في وجهٍ والخاصُّ في وجهٍ، وبالعَامِّ يُرادُ به الخاصُّ، وظاهرٌ ويُرادُ به غيرُ الظاهرِ، وكلُّ ذلك يُعرَفُ من أوَّلِ الكلامِ أو وسطِه أو آخرِه
…
» (2).
ومن أمثلةِ تفسيرِ الألفاظِ، تفسيرُ لفظ «استوى» في قوله تعالى:{ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [يونس: 3]، قال أبو عبيدة (3) (ت:210): «مَجَازُهُ: ظَهَرَ عَلَى العَرْشِ وعَلَا عَلَيه.
ويُقالُ: اسْتَوَيتُ على ظَهْرِ الفَرَسِ، وعلى ظَهْرِ البَيتِ» (4).
ومن أمثلةِ تفسيرِ الأساليبِ، تفسيرُ أبي عبيدة (ت:210) لقوله تعالى: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191]، قال:«والعربُ تختصرُ الكلامَ ليخفِّفُوه، لِعِلْمِ المستمعِ بتمامِه، فكأنه في تمامِ القولِ: ويقولون: ربنا ما خلقتَ هذا باطلاً» (5).
(1) إبراهيم بن موسى الغرناطي المعروف بالشاطبي، الفقيه، الأصولي المحقق، صاحب كتاب الموافقات والاعتصام، توفي سنة (790). ينظر: نيل الابتهاج بتطريز الديباج (ص:46 - 50)، وشجرة النور الزكية (1:231).
(2)
الموافقات تحقيق: محيي الدين عبد الحميد (2:45 - 46)، وينظر: الاعتصام، للشاطبي (2:293 - 294)، ثم ينظر أصل هذا الكلام في كتاب الرسالة، للإمام الشافعي (ص:51 - 53)، فقد نقل الشاطبي منه هذا الكلام، وزاد عليه.
(3)
معمر بن مثنى البصري، مولى بني تيم، عالِمٌ بالعربيةِ، ومن أكثر الناس رواية لها، وله فيها كتب كثيرة، ومما كتبه في القرآن كتابه المشهور: مجاز القرآن، توفي سنة (210). ينظر: مراتب النحويين (ص:77 - 79)، وطبقات النحويين واللغويين (ص:175 - 178).
(4)
مجاز القرآن (1:273).
(5)
مجاز القرآن (1:111).