الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثالثاً مَعَانِي القُرْآنِ وَإعْرَابُهُ للزَّجَّاجِ
بدأ أبو إسحاقَ الزَّجَّاجُ (ت:311)، إملاء كتابه في صفر، سنة خمسٍ وثمانينَ ومائتين، وأتمَّه في شهرِ ربيعٍ الأولِ، سنة إحدى وثلاثمائة (1).
ولقدْ كانَ الزَّجَّاجُ (ت:311) نحويًّا لغويًّا بصريَّ المذهبِ، فكتبَ كتابه في معاني القرآنِ وإعرابِه، وقال في أوَّلِه:«هذا كتابٌ مختصرٌ في إعرابِ القرآنِ ومعانيهِ» (2).
وقالَ في موطنٍ من كتابِه: «وهذا البابُ فيه صعوبةٌ، إلَاّ أنَّ كتابَنا هذا يتضمَّنُ شرحَ الإعرابِ والمعاني، فلا بدَّ من استقصائِها على حسبِ ما يُعلمُ» (3).
وهذا يعني أنَّه سيتعرَّضُ لعلمَي المعاني والإعرابِ كسابقَيه، وقدْ كانتْ أصولُه في الإعرابِ على مذهبِ البصريِّينَ، حتى إنَّه شدَّدَ في نقدِه الكوفيِّينَ، فقال ـ عند قوله تعالى:{ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [المائدة: 78]ـ: «و {ذَلِكَ} : الكافُ فيه للمخاطبةِ، واللام في {ذَلِكَ} كُسِرَتْ لالتقاءِ الساكنينِ، ولم يذكرِ الكوفيونَ كَسْرَ هذه اللامِ في شيءٍ منْ كتبِهم ولا عرفوه، وهذه منَ الأشياءِ التي ينبغي أنْ يتكلَّمُوا فيها، إذ كان {ذَلِكَ} إشارةٌ إلى كُلِّ
(1) ينظر: معجم الأدباء (1:151).
(2)
معاني القرآن وإعرابه (1:39).
(3)
معاني القرآن وإعرابه (1:206).
متراخٍ عنك، إلَاّ أنَّ تركَهُم الكلامَ أَعْوَدُ عليهم منْ تَكَلُّمِهِم، إذْ كانَ أوَّلَ ما نطقوا به في «فَعِلَ» قد نقضَ سائرَ العربيةِ، وقد بيَّنا ذلكَ قديماً» (1).
وكانَ علمُ الإعرابِ في كتابِه كثيراً، كما كان عند الفراء (ت:207) والأخفش (ت:215)، غير أنَّه أكثرَ من التفسيرِ وبيانِ المعاني، فكان بذلك متقدِّماً عليهما.
وهناك نصٌّ يشيرُ إلى أنَّ الإعرابَ هو المقصودُ الأوَّلُ الذي أرادهُ بكتابِه هذا، فقد قالَ:«وإنَّما نذكرُ مع الإعراب المعنى والتفسيرَ؛ لأنَّ كتابَ اللهِ ينبغي أنْ يتبيَّنَ، ألا ترى أنَّ الله يقولُ: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [النساء: 82، محمد: 24]، فحُضِضْنا على التَّدبرِ والنَّظَرِ» (2)، فجعل التَّفسيرَ والمعنى مع الإعرابِ على سبيلِ التَّبعيَّةِ في البحثِ، لا الأصل.
ويمكنُ لمطَّلعٍ على الكتابِ أنْ يرى اهتمامه الفائقَ بالإعرابِ منْ خلالِ سورةِ الفاتحةِ وأوائلِ سورةِ البقرةِ.
ولا يختلفُ الزَّجَّاجُ (ت:311) في ذكرِهِ لمسائلِ اللُّغةِ عنِ الذينَ سبقوه من اللُّغويَّينَ، وسأذكرُ بعضَ الصُّورِ اللُّغويَّةِ التي ذكرَهَا:
أوَّلاً: بَيَانُ دَلَالَةِ الأَلْفَاظِ:
كانَ الزَّجَّاجُ (ت:311) يحرصُ على بيانِ دلالةِ الألفاظ وتحريرِ معناها في لغةِ العربِ وبيانِ أصلِ اشتقاقِها، كما كان يستشهدُ لبعضِها من لغةِ العربِ ومن أمثلةِ الألفاظِ التي بيَّنَهَا بدونِ استشهادٍ:
1 -
في تفسير قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ} [البقرة: 220]: «قالَ أبو عبيدةَ: معناه: «لأهلكَكُم» (3). وحقيقتُه: ولو شاءَ اللهُ لَكَلَّفَكُمْ ما يَشْتَدُّ
(1) معاني القرآن وإعرابه (2:198).
(2)
معاني القرآن وإعرابه (1:185). وكأنَّ في عبارته إشارةً إلى أنَّه ليس كلُّ ما يُذكرُ من الإعرابِ يفهمُ به كتابُ الله، بلْ لا بدَّ من التفسيرِ لبيانِ المعنى. والله أعلم.
(3)
مجاز القرآن (1:73).
عليكم فَتَعْنَتُونَ. وأصلُ العنتِ في اللغةِ مِنْ قولِهم: عَنِتَ البَعِيرُ: إذا حَدَثَ في رجلِه كَسْرٌ بعد جَبْرٍ لا يمكنه معه تصريفُها، ويقالُ: أَكَمَةٌ عَنُوتٌ: إذا كانَ لا يمكنُ أن يُجَازيَهَا (1) إلَاّ بمشقةٍ عنيفةٍ» (2).
2 -
وفي قوله تعالى: {وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا} [المائدة: 12]، قال: «النقيبُ في اللغةِ كالأميرِ والكفيلِ، ونحنُ نبينُ حقيقتَه واشتقاقَه إنْ شاءَ اللهُ.
يقالُ: نَقَبَ الرَّجلُ على القوم يَنْقُبُ: إذا صارَ نَقِيباً عليهم، وما كانَ نقِيباً، ولقد نَقُبَ، وصناعته: النَّقَابَةُ، وكذلكَ: عَرَفَ عليهم: إذا صارَ عَرِيفاً، ولقد عَرُفَ. ويقالُ لأَوَّلِ ما يبدو من الجَرَبِ (3): النُّقْبَةُ، ويُجمعُ: النُّقُبُ، قال الشاعر (4):
مُتَبَذِّلاً تَبْدُو مَحَاسِنُهُ
…
يَضَعُ الهِناءَ مَوَاضِعَ النُّقْبِ
والنُّقْبَةُ، وجمعُها نُقُبٌ: سراويلُ تلبسُها المرأةُ بلا رجلين.
ويقالُ: فلانَةٌ حسنَةُ النُّقْبَةِ والنِّقَابِ. ويقال: في فلانٍ مَنَاقِبُ جميلةٌ، وهو حسنُ النَّقِيبَةِ؛ أي: حسنُ الخَلِيقَةِ.
ويقالُ: كَلْبٌ نَقِيبٌ: وهو أنْ تُنْقَبَ حَنْجَرَةُ الكلبِ لئلَاّ يطرقهم ضيفٌ بسماعِ نُبَاحِ الكلابِ.
(1) أي: يجوزها ويمُرُّ بها.
(2)
معاني القرآن وإعرابه (1:294 - 295).
(3)
الجرب: بثرٌ يعلو أبدان الناس والإبل. ينظر: تاج العروس، مادة (جرب).
(4)
هو دريد بن الصُّمَّة، وهو في ديوانه، تحقيق: عمر عبد الرسول (ص:44).
والبيت قاله في الخنساء: الشاعرة المعروفة، وكانت تَهْنَأُ إبلاً جربى؛ أي: تطليها بالقطران، فَنَضَتْ عنها ثيابها لتغتسل، فرآها، فقال قصيدته التي أولها:
حَيُّوا تمَاضِرَ وارْبَعُوا صَحْبي
…
وَقِفُوا إنَّ وُقُوفَكُمْ حَسْبِي
قال أبو علي القالي: «والنُّقْبُ: القِطعُ المتفرِّقة من الجرب في جلد البعير، ويقال: النُّقَبُ، أيضاً بفتح القاف، والواحدة: نُقبة» . ينظر: الأمالي، لأبي علي القالي (2:161).
وهذا البابُ كلُّه يجمعُه التَّأثيرُ الذي له عُمْقٌ ودُخُولٌ، فمنْ ذلكَ: نَقَبْتُ الحائطَ؛ أي: بَلَغْتُ في الثَّقْبِ آخرَهُ، ومنْ ذلك: النُّقْبَةُ منَ الجربِ؛ لأنَّه دَاءٌ شديدُ الدُّخُولِ، والدليلُ على ذلكَ: أنَّ البعيرَ يُطْلَى بالهِنَاءِ، فيوجدُ طعمُ القَطِرَانِ في لحمِه.
والنُّقْبَةُ: هذه السراويلُ التي لا رجلينَ لها، قد بُولِغ في فتحِها ونقبِها.
ونِقَابُ المرأةِ: وهو ما ظهرَ من تَلَثُّمِها من العينين والمَحَاجِرِ.
والنَّقْبُ: الطريقُ في الجبلِ. وإنَّما قيل: نَقِيبٌ؛ لأنَّه يعلمُ دخيلةَ القومِ ويعرفُ مَنَاقِبَهُمْ، وهو الطريقُ إلى معرفةِ أمورِهِم» (1).
3 -
وفي قوله تعالى: {فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ} [الشعراء: 94]: «أي: في الجحيمِ، ومعنى {فَكُبْكِبُوا}: طُرِحَ بعضُهم على بعضٍ. وقال أهلُ اللُّغةِ: معناه: هُوِّرُوا (2). وحقيقةُ ذلكَ في اللُّغةِ تكريرُ الانكبابِ؛ كأنَّه إذا أُلقِيَ، يَنْكَبُّ مَرَّةً بعد مَرَّةٍ حتى يستقرَّ فيها» (3).
أمَّا جانب الاستشهاد، فقدْ بلغتِ الشواهدُ الشعريةُ مع عَدِّ المكرر منها في الاستشهادِ في كتابِ (معاني القرآن وإعرابه) قرابةَ سِتَّةٍ وتسعينَ وخمسمائةِ شاهدٍ شعريٍّ، وكثيرٌ من هذه الشَّواهدِ في مسائلِ النَّحْوِ والصَّرْفِ، وفيها ما هو في بيانِ دلالةِ الألفاظِ، إلَاّ أنَّه الأقلُّ، كما هي العادةُ في الكتبِ التي تجمعُ بين الإعرابِ والمعاني، ومنْ أمثلةِ هذه الشَّواهدِ الشِّعريةِ:
1 -
في قوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} [المعارج: 43]، قال: «ومعنى {يُوفِضُونَ} : يُسْرِعُونَ، قال الشاعر (4):
(1) معاني القرآن وإعرابه (2:157 - 159). وينظر: (2:230، 233).
(2)
يقال: هَوَّرَ الرجلَ: صرعَه، وهَوَّرَ البناءَ: هدمَه، القاموس المحيط، مادة (هور).
(3)
معاني القرآن وإعرابه (4:94).
(4)
البيت من شواهد الفراء في كتابه معاني القرآن (3:186)، وفيه:«ظلَّت» ، بدلاً عن «تعدو» ، واستشهد به الطبري في تفسيره، ط: الحلبي (29:89) وفيه «تغدو» ، بدل =
لأنْعِتَنْ نَعَامَةً مِيفَاضا
…
خَرْجَاءَ تَعْدُو تَطْلُبُ الأضَاضا
المِيفَاضُ: السَّرِيعَةُ.
وخَرْجَاءُ: ذَاتُ لونينِ: سوادٍ وبياضٍ.
ومعنى الأَضَاضِ: الموضعُ الذي يُلجَأُ إليه، يقال: أضَّتْنِي إليك الحاجةُ أَضَاضاً» (1).
2 -
في قوله تعالى: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} [آل عمران: 37]، قالَ: «والمحرابُ: أشرفُ المجالسِ، والمُقَدَّمُ فيها. وقدْ قيلَ أنَّ مساجدَهم كانت تُسمَّى المحاريبَ.
والمحرابُ في اللغةِ: الموضعُ العالي الشريفُ، قال الشاعر (2):
رَبَّةُ مِحْرَابٍ إذَا جِئْتُهَا
…
لَمْ أَلْقَهَا أوْ أَرْتَقِي سُلَّمَا
ومنه قولُه تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} [ص: 21]» (3).
3 -
وفي تفسيرِ قوله تعالى: {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ} [الأعراف: 22]، قال: «ومعنى {يَخْصِفَانِ} : يجعلانِ ورقةً على ورقةٍ، ومنه قيلَ للخَصَّافِ الذي يرقعُ النَّعْلَ: هو يَخْصِفُ، قال الشاعر (4):
= «تعدو» ، وهو في الصحاح ولسان العرب وتاج العروس، مادة (أضض).
(1)
معاني القرآن وإعرابه (5:224).
(2)
البيت لوضَّاحِ اليَمَنِ، وهو من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن (2:144)، وجمهرة اللغة (1:276)، ولسان العرب وتاج العروس، مادة (حرب).
(3)
معاني القرآن وإعرابه (1:403). وقال في آية سورة ص التي ذكرها: «والمحراب: أرفع بيت في الدار، وكذلك هو أرفع مكانٍ في المسجد. والمحراب هاهنا كالغرفة» ثمَّ ذكر قول الشاعر. ينظر (4:325).
(4)
البيت للأعشى، وهو في ديوانه (ص:200)، وصدره:
قَالَتْ أرَى رَجُلاً في كَفِّهِ كَتِفٌ
…
.........
…
... أوْ يَخْصِفُ النَّعْلَ لَهْفِي أيَّةً صَنَعَا
ويجوزُ: يَخْصِفَانِ ويَخِصِّفَانِ، والأصلُ الكسرُ في الخاءِ، وفتحُها وتشديدُ الصادِ، ويكون المعنى: يختصفان» (1).
ثانياً: المُحْتَمَلَاتُ اللُّغَوِيَّةُ:
إذا احتملَ اللَّفظُ أكثرَ منْ دلالةٍ بسببِ الاشتراكِ أو غيرِه، فإنَّه يبيِّنُ ذلك، ومن ذلك:
1 -
تفسيره لقوله تعالى: {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} [الشعراء: 153]، قال:«أي: مِمَّن له سَحْرٌ، والسَّحْرُ: الرِئةُ؛ أي: إنما أنت بشرٌ مثلنا. وجائزٌ أن يكون من المسحَّرين: من المُفَعَّلِينَ، من السِّحْرِ؛ أي: مِمَّنْ قد سُحِرَ مرَّةً بعد مرَّةٍ» (2).
2 -
في قوله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} [محمد: 22]، قال: «فمن قرأ {تَوَلَّيْتُمْ} بالفتح، ففيه وجهان:
أحدهما: أن يكون المعنى: لعلكمْ إنْ تولَّيتم عن ما جاءكم به النبي صلى الله عليه وسلم، أنْ تعودوا إلى أمرِ الجاهليةِ، فَتفْسِدُوا، ويَقْتُلُ بعضكمْ بعضاً. {وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ}؛ أي: تَئدُوا البناتِ؛ أي: تدفنونهنَّ أحياء.
ويجوزُ أنْ يكونَ: فِعلُكمْ إذا تولَّيتمْ الأمرَ أنْ تُفسِدوا في الأرضِ وتقطعوا أرحامَكم، ويقتُلُ قريشٌ بني هاشمٍ، وبنو هاشمٍ قريشاً، وكذلك إن توليتم» (3).
3 -
وفي قوله تعالى: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} [الرحمن: 6]، قال: «قال أهل اللغة وأكثرُ أهلِ التفسيرِ: النجمُ: كلُّ ما نبتَ على وجهِ الأرضِ ممَّا ليسَ لهُ ساقٌ. والشجرُ: كلُّ ما كانَ لهُ ساقٌ.
(1) معاني القرآن وإعرابه (2:327).
(2)
معاني القرآن وإعرابه (4:96 - 97).
(3)
معاني القرآن وإعرابه (5:13).
ومعنى سجودِهما: دورانُ الظِّلِّ معهما؛ كما قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ} [النحل: 48].
وقدْ قيلَ: إنَّ النجمَ أيضاً يرادُ به النجومُ، وهذا جائزٌ أنْ يكونَ؛ لأنَّ الله عز وجل قدْ أعلمَنَا أنَّ النجمَ يسجدُ، فقالَ:{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ} [الحج: 18].
ويجوزُ أنْ يكونَ النَّجمُ ههنا، يعني به ما نبت على وجهِ الأرضِ، وما طلعَ من نجومِ السماءِ، يقالُ لكلِّ ما طلعَ: قدْ نَجَمَ» (1).
ثَالِثاً: تَوْجِيهُ القِرَاءاتِ:
إذا اختلفَ مدلولُ اللفظِ بسببِ اختلافِ القراءةِ، فإنَّه يبينُ هذا الاختلافَ، ومن ذلكَ تفسيرُه لقولِه تعالى:{إِنْ هَذَا إِلَاّ خُلُقُ الأَوَّلِينَ} [الشعراء: 137]، قال:«ويُقرأ: «خَلْقَ» ، فمن قرأ «خُلُقَ»: بضمِّ الخاءِ، فمعناه: عادةُ الأوَّلينَ. ومن قرأ «خَلْقُ» بفتحِ الخاءِ، فمعناه: اختلاقُهم وكَذِبُهم (2).
وفي {خُلُقُ الأَوَّلِينَ} وجهٌ آخرُ؛ أي: خُلِقْنَا كما خُلِقَ منْ كانَ قَبْلَنَا، نَحْيَا كما حَيَوا، ونموت كما ماتوا ولا نُبْعَثُ؛ لأنهم أنكروا البعثَ» (3).
2 -
وقال: «وقولُه عز وجل: {أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى} [النجم: 12] و «أفَتُمَارُونَهُ» ، وقُرِئت بالوجهين جميعاً (4).
(1) معاني القرآن وإعرابه (5:96).
(2)
قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي والحضرمي بفتح الخاء وسكون اللام. وقرأ الباقون بضم الخاء واللام. ينظر: القراءات وعلل النحويين فيها (2:476)، والسبعة (472).
(3)
معاني القرآن وإعرابه (4:97).
(4)
قرأ حمزة والكسائي بفتح التاء بغير ألف وسكون الميم: «أَفَتَمْرُونَهُ» ، وقرأ الباقون بضم التاء وألف:«أَفَتُمَارُونَهُ» . ينظر: السبعة في القراءات (ص:615)، والتذكرة في القراءات (1:697).
فمن قرأ: «أَفَتَمْرُونَهُ» ، فالمعنى: أفتجحدونه.
ومن قرأ: «أَفَتُمَارُونَهُ» ، فمعناه: أتجادلونه في أنه رأى الله عز وجل بقلبه، وأنه رأى الكبرى من آيات ربه» (1).
3 -
وفي قوله تعالى: {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} [التكوير: 24]، قال:«{وَمَا هُوَ عَلَى الغَيبِ بِظَنِينٍ}، ويُقرأ: «بِضَنِينٍ» (2).
فمن قرأ: «بظنِينٍ» ، فمعناه: ما هو على الغيبِ بمتَّهمٍ، وهو الثقةُ فيما أدَّاهُ عن اللهِ عز وجل، يقالُ: ظَنَنْتُ زيداً في معنى: اتَّهمتُ زيداً.
ومن قرأ: «بِضَنِينٍ» ، فمعناه: ما هو على الغيبِ ببخيلٍ؛ أي: هو صلى الله عليه وسلم يؤدِّي عن الله، ويعلِّمُ كتاب الله» (3).
رَابِعاً: بَيَانُ الأُسْلُوبِ العَرَبي:
مما كانت كتب معاني القرآن تحرص عليه وتورده: الأسلوبُ العربيُّ الذي نزل به القرآن، وقد بين الزَّجَّاج (ت:311) كغيره ممن كتب في هذا العلم بعضاً من الأساليب التي نزل بها القرآن موافقاً لأساليب العرب، ومن ذلك:
1 -
في قوله تعالى: {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 4]، قال: «وقال: {خَاضِعِينَ} ، وذَكَّرَ الأعناقَ؛ لأنَّ خضوعَ الأعناقِ هو خضوعُ أصحابِ الأعناقِ، لَمَّا لم يكنِ الخضوعُ إلَاّ لخضوعِ الأعناقِ (4) جازَ أن يُعبِّرَ (5) عن
(1) معاني القرآن وإعرابه (5:71 - 72).
(2)
قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالظاء، وقرأ نافع وعاصم وحمزة وابن عامر بالضاد.
ينظر: السبعة في القراءات (ص:673)، والتذكرة في القراءات، لابن غلبون، تحقيق: عبد الفتاح بحيري (2:756).
(3)
معاني القرآن وإعرابه (5:293).
(4)
في تهذيب اللغة (1:153): «إلَاّ بخضوع الأعناق» .
(5)
في تهذيب اللغة (1:153): «جاز أن يُخْبِرَ» .
المضافِ إليه، كما قالَ الشاعرُ (1):
رَأتْ مَرَّ السِّنِين أَخَذْنَ مِنِّي
…
كَمَا أَخَذَ السَّرَارُ مِنَ الهِلالِ
لمَّا كانتِ السِّنُونُ لا تكونُ إلَاّ بِمَرٍّ، أخبرَ عن السِّنِينِ، وإنْ كانَ أضافَ إليها المُرُورَ
…
» (2).
2 -
وفي قوله تعالى: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم: 9] قال: «المعنى: كان ما بينه وبينَ رسولِ اللهِ مقدارَ قوسينِ مِنَ القَسِيِّ العربيَّةِ أو أقربَ.
وهذا الموضعُ يحتاجُ إلى شرحٍ؛ لأنَّ القائلَ قد يقولُ: ليسَ تخلو «أو» منْ أنْ تكونَ للشَّكِّ أوْ لغيرِ الشَّكِّ، فإنْ كانتْ للشَّكِّ، فمُحَالٌ أنْ يكونَ موضعَ شكٍّ. وإنْ كانَ معناها: بلْ أدنى، بلْ أقرب، فما كانتِ الحاجةُ إلى أنْ يقولَ:{فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ} [النجم: 9]، كانَ ينبغي أنْ يكونَ: كانَ أدنى منْ قابِ قوسينِ؟
والجوابُ في هذا ـ واللهُ أعلمُ ـ: أنَّ العبادَ خُوطبوا على لغتِهم ومقدارِ فهمِهم، وقيلَ لهم في هذا ما يقالُ للذي يَحْرِزُ، فالمعنى: فكانَ على ما تُقدِّرونَه أنتم، قَدْرَ قوسينِ أو أقلَّ منْ ذلكَ، كما تقولُ في الذي تُقَدِّرُهُ: هذا قَدْرُ رمحينِ أو أنقصُ من رمحينِ أو أرجَحُ، وقد مَرَّ مثل هذا (3) في قوله:{وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147]» (4).
(1) البيت لجرير، وهو في ديوانه، شرح محمد بن حبيب (2:546).
(2)
معاني القرآن وإعرابه (4:82).
(3)
ينظر: معاني القرآن وإعرابه (4:314).
(4)
معاني القرآن وإعرابه (5:71).