المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ثالثا: الترجيح باللغة: - التفسير اللغوي للقرآن الكريم

[مساعد الطيار]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الأولالتفسير اللغوي: مكانته ونشأته

- ‌الفصل الأولالتفسير اللغوي ومكانته

- ‌المبحث الأولتعريفُ التَّفسير اللُّغويِّ

- ‌أولاً: تعريف التفسير:

- ‌التفسير لغةً:

- ‌التفسير اصطلاحاً:

- ‌تحليل هذه التعريفات:

- ‌ثانياً: تعريف اللغة:

- ‌اللغة اصطلاحاً:

- ‌مصطلحُ اللُّغةِ في كلامِ السَّلفِ:

- ‌المعاني المرادفةِ للفظِ اللُّغةِ في القرآن وكلامِ السَّلفِ:

- ‌ثالثاً: تعريف التفسير اللغوي:

- ‌المبحث الثانيمكانة التَّفسير اللُّغويِّ

- ‌الفصل الثانينشأةُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ

- ‌تمهيد

- ‌أولاً: التَّفْسِيرُ اللُّغَوِيُّ عِنْدَ السَّلفِ

- ‌طريقة السَّلفِ في التَّفسير اللُّغويِّ:

- ‌أسلوبُ الوجوه والنَّظائر

- ‌الأشباهُ والنَّظائرُ في اللُّغةِ:

- ‌الوجوهِ والنَّظائر في الاصطلاح:

- ‌بداية الكتابة في هذا العلم:

- ‌علاقةُ الوجوهِ والنَّظائر بالتَّفسير اللُّغويِّ:

- ‌كُلِّيَّات الألفاظِ القرآنيَّة:

- ‌ثانياً: التَّفسيرُ اللُّغويُّ عند اللُّغوِيين

- ‌تمهيد

- ‌أولاً: التفسيرُ اللغويُ في كتبِ الموضوعات:

- ‌ثانياً: التفسير اللغوي في معاجم الحروف:

- ‌القسمُ الثانيالمشاركة المباشرة في تفسير القرآن

- ‌طريقةُ التَّفسير اللُّغويِّ في هذه الكتبِ:

- ‌أولاً: كثرةُ مباحثِ الصَّرفِ والاشتقاقِ:

- ‌ثانياً: كثرة المباحث النحوية:

- ‌ثالثاً: كثرةُ الاستشهادِ منْ لغةِ العربِ:

- ‌رابعاً: بيانُ الأساليبِ العربيَّةِ الواردةِ في القرآنِ:

- ‌ التَّفسيرُ على المعنى

- ‌ علم الوجوه والنَّظائر عند اللُّغويِّين:

- ‌ أسلوبُ التَّفسير اللَّفظيِّ عند اللُّغويِّين:

- ‌الفصل الثالثمسائل في نشأة التفسير اللغوي

- ‌المسألة الأولىفي سَبْقِ السَّلفِ في علمِ التَّفسيرِ

- ‌المسألة الثانيةشمولُ التَّفسيرِ بين السَّلفِ واللُّغويِّين

- ‌المسألة الثالثةفي الاعتمادِ على اللُّغةِ

- ‌المسألة الرابعةفي الشَّاهِد الشِّعريّ

- ‌المسألة الخامسةفي علمِ الوجوهِ والنَّظائرِ

- ‌المسألة السادسةالتَّفسيرُ اللُّغويُّ بين البصرةِ والكوفةِ

- ‌المصدرُ الأولكتب التفسير

- ‌ وجوهِ تأويلِ القرآنِ

- ‌الأولى: الاستشهادُ بأقوالِ السَّلفِ في التَّفسير اللُّغويِّ:

- ‌الثَّانية: قَبُولُ المحتملاتِ اللُّغويةِ الواردةِ عنِ السَّلفِ:

- ‌الثالثةُ: استعمالُ اللُّغةِ في التَّرجيحِ:

- ‌ كثرةُ استخدامِه لأسلوبِ السؤالِ والجوابِ

- ‌ كثرةُ ذكرِه للفروقِ اللُّغويَّةِ بين الألفاظِ

- ‌ الشَّواهد الشِّعريَّةِ:

- ‌ الأساليبُ العربيَّةُ:

- ‌أثر المعتقد في التَّفسير اللُّغويِّ عند الرُّمَّانيِّ:

- ‌أوَّلاً: مفردات ألفاظ القرآن:

- ‌ثالثاً: الترجيح باللغة:

- ‌المصدر الثانيكتب معاني القرآن

- ‌أوَّلاً المراد بمعاني القرآن

- ‌ثانياً لِمَاذَا كَتَبَ اللُّغَوِيُّونَ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ

- ‌أولاً معاني القرآن، للفراء

- ‌أثرُ الاهتمامِ بعلومِ العربيَّةِ في تفسيراتِه:

- ‌صُوَر التَّفْسِير اللُّغويِ في كِتابِ مَعَاني القُرْآنِ:

- ‌أثرُ المعتقدِ في التفسير اللُّغويِّ عند الفرَّاءِ:

- ‌ثانياً مَعَانِي القُرْآنِ لِلاخْفَشِ

- ‌أثرُ المعتقدِ على التَّفسير اللُّغويِّ عند الأخفشِ:

- ‌ثالثاً مَعَانِي القُرْآنِ وَإعْرَابُهُ للزَّجَّاجِ

- ‌أثر المعتقد على التفسير اللُّغوي عند الزَّجَّاج:

- ‌المصدر الثالثكتب غريب القرآن

- ‌أوَّلُ كُتُبِ غَرِيبِ القُرْآنِ:

- ‌أولاً مَجَازُ القُرْآنِ لأبِي عُبَيْدَةَ

- ‌مفهومُ المجازِ عند أبي عبيدة:

- ‌أثر المعتقد على دلالة الألفاظ عند أبي عبيدة:

- ‌ثانياً تَفْسِيرُ غَريبِ القُرآنِ، لابن قُتَيْبَةَ

- ‌ بيان الأصلِ اللغويِّ للَّفظِ:

- ‌ كثرةُ الشَّواهدِ الشِّعريَّةِ:

- ‌أثر المعتقد على التَّفسير اللُّغويِّ عند ابن قتيبة:

- ‌ اهتمامِه بالوجوه والنَّظائر

- ‌المصدرُ الرابعكتب معاجم اللغة

- ‌تَحَرُّزُ ابنِ دريدٍ في التفسير:

- ‌ كثرةُ موادِّهِ اللُّغويَّةِ

- ‌ أنَّه أوسعُ مِمَّنْ تقدمه في عَرْضِ التَّفسيرِ

- ‌المصدرُ الخامسكتب أخرى لها علاقة بالتَّفسيرِ اللُّغويِّ

- ‌أولاً كتب غريب الحديث

- ‌ثانياً كتب الاحتجاج للقراءات

- ‌ثالثاً شروح دواوين الشعر

- ‌رابعاً كُتُبُ الأدَبِ

- ‌الباب الثالثآثار التفسير اللغوي وقواعده

- ‌الفصل الأولأثرُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في اختلافِ المفسرينَ

- ‌أوَّلاً الاختلافُ بسببِ الاشتراكِ اللُّغويِّ في اللَّفظِ

- ‌ثانياً الاختلافُ بسببِ التَّضادِّ في دلالةِ اللَّفظِ

- ‌ثالثاً الاختلافُ بسببِ مخالفةِ المعنى الأشهر في اللَّفظ

- ‌الفصل الثانيأثر التفسير اللغوي في انحراف المفسرين

- ‌الصنف الثاني: أهل البدع:

- ‌الفصل الثالثقواعد في التفسير اللغوي

- ‌أولاً كلُّ تفسيرٍ لغويٍّ واردٍ عن السَّلفِ يُحكمُ بعربيَّته وهو مقدَّمٌ على قولِ اللُّغويين

- ‌تطبيقُ طريقةِ التَّعاملِ مع أقوالِ السَّلف التَّفسيريَّة:

- ‌ أنواع الاختلافِ

- ‌القسمُ الأول: المحتملات اللغوية الواردة عن السلف:

- ‌القسم الثاني: المحتملات اللغوية الواردة عن غير السلف:

- ‌الضابط الثالث: أن تحتمل الآية المعاني في السياق:

- ‌الضابط الرابع: أن لا يُقصَرَ معنى الآية عليها:

- ‌ثالثاً لا يصحُّ اعتمادُ اللغةِ دونَ غيرهَا من المصادرِ التفسيريَةِ

- ‌ منْ أهمِّ مصادرِ التَّفسيرِ

- ‌ مخالفة المصطلحات الشرعيَّة:

- ‌ مخالفة أسباب النُّزول:

- ‌ مخالفة تفسير السَّلف:

- ‌رابعاً لا تعارض بين التفسير اللَّفظي والتفسير على المعنى

- ‌ التفسيرُ على القياسِ والإشَارةِ:

- ‌ التَّفسيرُ على اللَّفظِ:

- ‌ التَّفسيرُ على المعنى:

- ‌ هل يمكنُ معرفةُ التفسيرِ اللَّفظيِّ بواسطةِ التَّفسيرِ على المعنى

- ‌ كيف نُفرِّقُ بين التَّفسيرِ على اللَّفظِ والتَّفسيرِ على المعنى

- ‌ لا بدَّ من وجودِ ارتباط بين التَّفسيرِ على المعنى والتَّفسيرِ اللَّفظي

- ‌أمثلةُ التَّفسير على المعنى:

- ‌الأول: التفسيرُ باللاّزمِ:

- ‌الثاني: التفسيرُ بالمثالِ:

- ‌الثالث: ذكر النُّزول:

- ‌خاتمة البحث

- ‌فهرس القواعد العلمية

- ‌فهرس مسائل الكتاب العلمية

- ‌المراجع والمصادر

الفصل: ‌ثالثا: الترجيح باللغة:

وقالت فرقةٌ: معناه: سمَّاها لهم، ووَسَمَهَا، كلُّ منْزلٍ باسمِ صاحبِهِ، فهذا نَحْوٌ منَ التَّعريفِ.

وقالت فرقةٌ: معناه: شرَّفها لهم، ورفعَها وعلَاّها، وهذا من الأعرافِ التي هي الجبالُ وما أشبهَها، ومنه: أعرافُ الخيلِ.

وقال مؤرجٌ وغيرُه: معناه: طيَّبَها، مأخوذ من العَرْفِ، ومنه: طعامٌ مُعَرَّفٌ؛ أي: مطيَّبٌ، وعرَّفتُ القِدْرَ؛ أي طيَّبتُها بالملحِ والتوابلِ» (1).

‌ثالثاً: الترجيح باللغة:

يكثرُ في ترجيحاتِ ابن عطيَّةَ (ت:542) أنْ لا يذكُرَ فيها مستندَ الترجيحِ، بل يضعِّفُ بعضَ الأقوالِ أو يقوِّيها دونَ أن يذكرَ سببَ ذلكَ، ومن ذلك ترجيحُه لبعضِ الأقوالِ بسببِ اللُّغة، ومما صرَّحَ فيه بالاعتمادِ على اللُّغةِ في الترجيحِ:

1 -

في قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} [المائدة: 4]، قال: «والجوارحُ: الكواسبُ، على ما تقدَّم.

وحكى ابن المنذرِ (2) عن قومٍ أنهم قالوا: الجوارِحُ، مأخوذٌ من الجِراحِ؛ أي: الحيوانُ الذي له نابٌ، أو ظُفُرٌ، أو مِخلبٌ به صيدُه.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله تعالى: وهذا قولٌ ضعيفٌ، وأهلُ اللُّغةِ على خلافِه» (3).

(1) المحرر الوجيز، ط: قطر (13:389).

(2)

محمد بن إبراهيم، أبو بكر النيسابوري، المشهور بابن المنذر، المحدث، الفقيه، المجتهد، المفسر، له اطلاع واسع على خلاف العلماء، وقد صنف في ذلك كتباً، وله كتاب كبير في التفسير. توفي سنة (319). ينظر: طبقات الشافعية الكبرى (3:102)، ومعجم المفسرين (2:465).

(3)

المحرر الوجيز، ط: قطر (4:354).

ص: 232

2 -

وفي قوله تعالى: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [التغابن: 3] قال: «وقرأ جمهورُ النَّاسِ: «صُوَرَكُمْ» بضمِّ الصَّادِ.

وقرأ أبو رزين «صِوركم» بكسرِ الصَّادِ (1).

وهذا تعديدُ النِّعمةِ في حُسْنِ الخِلقَةِ؛ لأنَّ أعضاءَ ابن آدمَ متصرِّفةٌ في جميعِ ما تتصرَّفُ به أعضاءُ الحيوانِ وبزيادات كثيرةٍ فُضِّلَ بها، ثمَّ هو مُفضَّلٌ بحُسنِ الوجهِ، وجمالِ الجوارحِ.

وحُجَّةُ هذا، قوله تعالى:{لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4].

وقالَ بعضُ العلماءِ: النِّعمةُ المُعدَّدةُ هنا إنما هي صورةُ الإنسانِ من حيثُ هو إنسانٌ مُدرِكٌ عاقلٌ، فهذا هو الذي حَسُنَ له حتَّى لَحِقَ ذلك كمالاتٌ كثيرةٌ.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والقول الأول أجرى على لغة العربِ؛ لأنها لا تعرفُ الصُّورةَ إلَاّ الشَّكلَ» (2).

ويظهرُ اعتمادُ ابن عطيَّةَ (ت:542) على اللُّغةِ في بيانِ التَّفسيرِ في مواطنَ كثيرةٍ؛ كتوجيهِ القراءاتِ، أو بيانِ ضعفِ قولٍ، أو ترجيحِ معنًى على غيرِه، أو بيان خروجِ القولِ إلى رموزٍ وباطنٍ ليسَ من معهودِ ألفاظِ القرآن، أو تفسيرِه بمصطلحاتٍ حادثةٍ، أو غيرِ هذه من التطبيقاتِ التي اعتمدَ فيها على اللُّغةِ كثيراً.

(1) القراءة عن أبي رزين في كتاب مختصر في شواذ القرآن، لابن خالويه، تحقيق: برجشتراسر (ص:157)، وقال الهذلي في الكامل (مخطوط، لوحة 243 ب): «صوركم بكسر الصاد حيث وقع الأعمش. الباقون بضمِّها، وهو الاختيار؛ لأنه أشهر» .

وفي ترجمة أبي رزين مسعود بن مالك في غاية النهاية (2:296): «قال يحيى بن معين: حدثنا حجاج الأعور، عن حمزة الزيات، عن الأعمش، عن أبي رزين، أنه قرأ: {فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} بكسر الصادِ» .

(2)

المحرر الوجيز، ط: قطر (14:474 - 475).

ص: 233

ومن الأمثلةِ التي تبيِّنُ ذلك:

1 -

في قوله تعالى: {إِنْ هَذَا إِلَاّ خُلُقُ الأَوَّلِينَ} [الشعراء: 137] بيَّن القراءاتِ، ووجَّه معانيها، فقال: «واختلف القراءُ في ذلكَ، فقرأ نافع (1) وعاصم (2) وحمزة (3) والكسائيُّ وابن عامرٍ (4) {خُلُقُ} بضمِّ اللامِ (5). فالإشارةُ بـ (هذا) إلى دينهم وعبادتهم وتصرُّفِهم في المصانِعِ؛ أي: هذا الذي نحن عليه خُلُقُ الناسِ وعادتُهم، وما بعدَ ذلكَ بعثٌ ولا تعذيبٌ كما تزعم أنت.

وقرأ ابن كثير (6) وأبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو قِلابة «خُلْق» بضمِّ الخاءِ وسكونِ اللامِ، ورواها الأصمعيُّ (7).

(1) نافع بن عبد الرحمن، أبو رويم، مقرئ المدينة، أحد القراء السبعة، ثقة صالح، أخذ القراءة عن جماعة من التابعين، توفي سنة (169)، وقيل غيرها. ينظر: سير أعلام النبلاء (7:336 - 338)، وغاية النهاية (2:331 - 334).

(2)

عاصم بن بهدلة: أبو النجود، الأسدي، الكوفي، أحد القراء السبعة، قرأ على أبي عبد الرحمن السلمي وزر بن حبيش وغيرهما، وقرأ عليه حفص بن سليمان وشعبة، وكان فصيحاً، توفي سنة (127). ينظر: معرفة القراء الكبار (1:88 - 94)، وغاية النهاية (1:346 - 349).

(3)

حمزة بن حبيب بن عمارة الزيات، المقرئ، الكوفي، أحد القراء السبعة، أخذ القراءة على الأعمش وحمران بن أعين وغيرهم، قال الثوري:«ما قرأ حمزة حرفاً إلا بأثر» ، توفي سنة (156)، وقيل غيرها. ينظر: سير أعلام النبلاء (7:90)، وغاية النهاية (1:261 - 263).

(4)

عبد الله بن عامر اليحْصُبي، مقرئ الشام، أحد القراء السبعة، أخذ القراءة عن أبي الدرداء والمغيرة بن أبي شهاب، توفي سنة (118). ينظر: سير أعلام النبلاء (5:292 - 293)، وغاية النهاية (1:423 - 425).

(5)

ينظر: السبعة في القراءات، لابن مجاهد (ص:472)، بدون ذكر الكسائي.

(6)

عبد الله بن كثير بن المطلب، المقرئ، المكي، أحد القراء السبعة، قرأ على مجاهد وغيره، توفي سنة (120). ينظر: سير أعلام النبلاء (5:318 - 322)، وغاية النهاية (1:443 - 445).

(7)

عبد الملك بن قريب، أبو سعيد الأصمعي، اللغوي، الأخباري، صاحب الملح =

ص: 234

عن نافعٍ (1). وقرأ أبو جعفر وأبو عمرو: «خَلْقُ الأوَّلِينَ» بفتحِ الخاء وسكونِ اللام، وهي قراءةُ ابن مسعودٍ، وعلقمةَ (2)، والحسنِ (3)، وهذا يحتمل وجهينِ:

أحدهما: ما هذا الذي تزعمه إلَاّ اختلاقُ الأولين من الكَذَبَةِ قبلك، فأنت على منهاجهم.

والثاني أن يريدوا: ما هذه البِنيةُ التي نحنُ عليها، إلَاّ البِنيةُ التي عليها الأوَّلونَ: حياةٌ وموتٌ، وما ثَمَّ بعثٌ ولا تعذيبٌ.

وكلُّ معنى مِمَّا ذكرتُه تحتملُه قراءةُ «خُلْق» . وروى علقمةُ عن ابن مسعودٍ: (إلَاّ اختلاقُ الأوَّلينَ)(4)» (5).

2 -

في قوله تعالى: {وَفَارَ التَّنُّورُ} [هود: 40]، استخدمَ اشتقاقَ اللَّفظِ لبيانِ ضعفِ قولٍ في التَّفسيرِ، فقال: «وقالت فِرقةٌ: التنُّور: هو الفجرُ، والمعنى: إذا طلعَ الفجرُ، فاركب السفينةَ.

= والنوادر، جالس الخليفة العباسي الرشيد، وألف الكتب، منها: الاشتقاق والوحوش وغيرها، توفي سنة (215)، وقيل غيرها. ينظر: إنباه الرواة (2:197 - 205)، وسير أعلام النبلاء (10:175 - 181).

(1)

لم أجد من نسب القراءة إلى الأربعة، أما قراءةُ أبي قلابة فحكاها ابن خالويه، ينظر: مختصر في شواذ القراءات (ص:107). وأما ما رواه الأصمعي عن نافع، فقد ذكره الهذلي في الكامل في القراءات الخمسين، مخطوط:(لوحة 234 ب).

(2)

علقمة بن قيس النخعي، وُلِدَ في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ القراءة على ابن مسعود عرضاً وسمع من غيره، وكان من أحسن الناس صوتاً، توفي سنة (62). ينظر: معرفة القراء الكبار (1:51 - 52)، وغاية النهاية (1:516).

(3)

هذه قراءة أبي جعفر وأبي عمرو وابن كثير والكسائي وخلف، ينظر: المبسوط في القراءات العشر، لابن مهران (ص:327). وينظر قراءة الحسن في إتحاف فضلاء البشر، للبناء (ص:333)، وينظر: البحر المحيط، ط: المكتبة التجارية (8:180) فقد ذكر هذه القراءة عنهم.

(4)

ذكرها أبو حيان في البحر المحيط (8:180)، ويحتمل أنه نقلها من ابن عطيَّة.

(5)

المحرر الوجيز، ط: قطر (11:137 - 138).

ص: 235

وهذا قولٌ رُويَ عن عليِّ بنِ أبي طالب رضي الله عنه، إلَاّ أنَّ التَّصريفَ يضعفُه، وكان يلزمُ أن يكونَ من التنوير» (1).

3 -

وفي قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1]، قال: «وقال السُّدِّيُّ، وقتادةُ، وجمهورُ المفسِّرينَ: الظُّلماتُ: اللَّيلُ، والنُّورُ: النَّهارُ (2).

وقالت فرقةٌ: الظُّلماتُ: الكفرُ، والنُّورُ: الإيمانُ (3).

قال القاضي أبو محمدٍ رحمه الله: وهذا غيرُ جيِّدٍ؛ لأنه إخراجُ لفظٍ بيِّنٍ في اللُّغةِ، عن ظاهرِه الحقيقي إلى باطنٍ، لغيرِ ضرورةٍ.

وهذا هو طريقُ اللُّغزِ الَّذي بَرِئَ القرآنُ منه» (4).

فجعلَ هذا القولَ غيرَ مُعتدٍّ به، لخروجه عن معنى لغةِ العربِ في دلالة اللَّفظِ، ونحوِه نحوَ الرَّمزِ.

4 -

وأشارَ في قول الله تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً} [النساء: 81] إلى أنَّ القرآن لا يُحملُ على المصطلحاتِ الحادثةِ، فقال:«والوكيلُ القائمُ بالأمورِ، المصلحُ لما يُخافُ من فسادِها. وليس ما غلبَ عليه الاستعمالُ في الوكيل في عصرنا بأصلٍ في كلامِ العربِ، وهي لفظةٌ رفيعةٌ وضعها الاستعمالُ العامِّيُّ كالعريفِ والنَّقيبِ وغيرِه» (5).

(1) المحرر الوجيز، ط: قطر (7:292).

(2)

ينظر قول قتادة والسدي في تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (11:250)، وتفسير ابن أبي حاتم (4:1259 - 1260).

(3)

حكاه الماوردي عن السدي، وهو غريبٌ؛ لأنه سبق النقل عنه في التفسير الأول، إلا أن يكون قولاً ثانياً له، واللهُ أعلمُ.

(4)

المحرر الوجيز، ط: قطر (5:121 - 122)، وينظر أقوالاً أخرى ردَّها على أنها من القول بالرموزِ في القرآن (5:194، 223)، (15:334).

(5)

المحرر الوجيز، ط: قطر (4:146).

ص: 236

5 -

ولذا اعترضَ على تعريفِ التوبةِ عندَ أبي المعالِي الجوينِي (ت:478)(1): «وقال أبو المعالي في (الإرشادِ): التوبةُ في اصطلاحِ المتكلمينَ هي النَّدمُ (2)، بعد أن قال: إنها في اللُّغةِ: الرجوعُ (3)، ثُمَّ ركَّبَ على هذا أن قالَ: إنَّ الكافرَ إذا آمنَ ليسَ إيمانُه توبةً، وإنما توبتُه نَدَمُهُ بَعْدُ (4).

قال القاضي أبو محمدٍ رحمه الله: والذي أقول: إنَّ التوبةَ عقدٌ في تركِ متوبٍ منه، يتقدَّمُها عِلْمٌ بفسادِ المتوبِ منه، وصلاحِ ما يرجعُ إليه، ويقترنُ بها ندمٌ على فارطِ المتوبِ منه لا ينفكُّ منه، وهو من شروطها.

فأقول: إنَّ إيمانَ الكافرِ هو التوبةُ من كفره؛ لأنه هو نفسُهُ رجوعُه.

وتابَ في كلامِ العربِ، معناه: رجعَ إلى الطَّاعةِ والأمثلِ من الأمورِ.

وتصرُّفُ اللَّفظةِ في القرآنِ بـ (إلى)، يقتضي أنها الرجوعُ لا الندم. وإنما الندمُ لاحِقٌ لازِمٌ للتَّوبةِ كما قلنا.

وحقيقةُ التَّوبةِ تركُ مثلِ ما تِيبَ منه عن عزْمَةٍ مُعتَقَدَةٍ على ما فسَّرناه، والله المستعانُ» (5).

(1) عبد الملك بن عبد الله بن يوسف، أبو المعالي الجويني، إمام الحرمين، تعلَّم على والده الذي مات وعمر عبد الملك عشرون سنة، فخلف والده في التدريس، وذاع صيته، كان شافعياً في الفروع، أشعرياً في العقائد، ثم ترك علم الكلام في آخر أمره وتاب منه، له مؤلفات كثيرة، منها البرهان في أصول الفقه، وغيره، توفي سنة (478). ينظر: سير أعلام النبلاء (18:468 - 477)، وطبقات الشافعية الكبرى (3:249 - 283).

(2)

قال أبو المعالي في الإرشاد، تحقيق أسعد تميم (ص:337): «فإن قيل: حرِّروا عبارةً في حقيقةِ التوبةِ على اصطلاحِكم.

قلنا: التوبة: هي الندم على المعصية

».

(3)

ينظر: الإرشاد (ص:337).

(4)

قال أبو المعالي: «الكافر إذا آمن بالله تعالى، فليس إيمانه توبة عن كفره، وإنما ندم على كفره

». الإرشاد (ص:342).

(5)

المحرر الوجيز، ط: قطر (7:320).

ص: 237

هذا، وتتبُّع أمثلةِ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في مثلِ كتابِه تطولُ، وأظنُّ في ما نقلتُه الكفايةَ لبيانِ هذه المسألةِ، واللهُ الموفِّقُ.

أثر الاعتقاد على تفسيره:

لقد كانَ ابن عطيَّةَ (ت:542) أشعريَّ المعتقدِ، ويظهر ذلك من تتبُّع مسائل الاعتقادِ التي طرحها في تفسيرِه، حيث سارَ فيها على هذا المعتقدِ، كما تجد في تفسيرِه نقولاً عن بعضِ كُتبِ الأشاعرةِ؛ ككتاب الإرشادِ إلى قواعد الأدلة في أصول الاعتقاد، لأبي المعالي الجويني (ت:478) (1).

ومن المسائل الاعتقاديَّةِ التي ذكرَها:

1 -

التوحيد؛ كدليلِ العقلِ على الصانعِ (2)، ودليل التمانع (3)، وأنَّ أولَ واجبٍ على المكلفِ النَّظرُ (4).

2 -

تقديم العقلِ على النَّقل (5).

3 -

التَّحسينُ والتَّقبيحُ (6).

(1) هذا الكتاب أحد الكتب التي أجيزت له بالسند إلى مؤلفها، ينظر: فهرس ابن عطية، تحقيق: محمد أبو الأجفان ومحمد الزاهي (ص:77). ومن كتب الأشاعرة التي ذكرها في فهرسه: التلخيص، للجويني (ص:77)، والتمهيد للباقلاني (ص:62، 76، 95)، ومشكل الحديث، لابن فورك (ص:75)، والرسالة في عقود أهل السنة، لابن مجاهد صاحب الأشعري (ص:126).

(2)

المحرر الوجيز، ط: قطر (2:53).

(3)

المحرر الوجيز، ط: قطر (10:135 - 136).

(4)

المحرر الوجيز، ط: قطر (13:403).

(5)

المحرر الوجيز، ط: قطر (5:306)، (15:219).

(6)

المراد به عندهم أن العقل لا يحسن شيئاً ولا يقبحه، كما هو قول المعتزلة، بل التحسين والتقبيح من الشرع، ومع تقريرهم هذه العقيدَةَ فإنك تجدهم يعتمدونَ التحسينَ العقلي في مثلِ نصوصِ الصفاتِ، فيؤوِّلونها بعقولهم، ولا يتركونها على ما جاءت في الشرعِ بناءً على قاعدة أنَّ التحسين والتقبيح إنما يُعلمُ بالشرعِ، فمن أيِّ =

ص: 238

4 -

مسائلُ الإيمانِ، كالمرادِ به (1)، وخَلْقِهِ (2)، وزيادتِه (3). ويدخلُ في ذلكَ المسائلُ المتعلِّقةُ بالكفرِ، ومن أغربِ المسائلِ التي تبنَّاها في ذلكَ أنه استبعدَ وجودَ كفرِ العنادِ والجحودِ (4)، وفي هذا مخالفةٌ لظاهِرِ الآياتِ الدَّالةِ على ذلكَ؛ كقوله تعالى:{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14].

5 -

مسألة الكسبِ الأشعري (5)، وهي ترجعُ إلى مفهومِ القدرِ وعلاقته بأفعالِ العبادِ، ومن ذلكَ ما أوردَه في تفسيرِ قوله تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ

} [الأنفال: 17]، قال: «هذه مخاطبةٌ للمؤمنينَ، أعلمَ اللهُ بها أنَّ القتلة من المؤمنينَ ليسوا هم مستبدِّينَ بالقتلِ؛ (لأنَّ القتلَ)(6) بالإقدارِ عليه.

والخلقُ والاختراعُ في جميعِ حالات القاتلِ إنما هيَ للهِ تعالى، ليسَ للقاتلِ فيها شيءٌ، وإنما يُشاركُه بتكسُّبِه وقصدِهِ، وهذه الألفاظُ تَرُدُّ على من يقولُ بأنَّ أفعال العبادِ خلقٌ لهم» (7).

وموضوعُ الكسبِ الأشعريِّ طويلٌ، وفيه فلسفةٌ ليسَ هذا محلُّ عرضها،

= الشَّرعِ علموا تحسينَ تحريف معاني الصفاتِ الإلهيةِ؟! وليس هذا مجال عرض هذا الموضوع، واللهُ الموفِّقُ. وينظر في موضوع التحسين والتقبيح: المحرر الوجيز، ط: قطر (1:430)، (2:62)، (5:275، 454 - 455، 487)، (6:154).

(1)

المحرر الوجيز، ط: قطر (2:80، 536)، (6:255).

(2)

المحرر الوجيز، ط: قطر (1:116)، (2:466).

(3)

المحرر الوجيز، ط: قطر (3:424)، (6:216 - 217)، (7:84)، (12:39)، (13:399).

(4)

ينظر مثلاً: المحرر الوجيز، ط: قطر (1:249 - 446 - 447)، (4:305)، (5:183 - 184)، (11:489 - 490).

(5)

المحرر الوجيز، ط: قطر (3:186)، (4:60، 161)، (6:124، 148)، (11:256)، (12:543)، (14:108)، (15:360).

(6)

هذه زيادة من الطبعة المغربية (8:33)، وهي غير موجودة في القطرية.

(7)

المحرر الوجيز، ط: قطر (6:249).

ص: 239

وإنما نهايةُ هذه النَّظريةِ إلى الجبرِ؛ لأنَّ الفاعلَ عندهم على الحقيقةِ هو اللهُ، وهذا غيرُ صوابٍ، وإنما الصواب في ذلك: أنَّ الله خالقُ أفعالِ العبادِ، والعبادُ هم الفاعلونَ حقيقةً بما خلقَ اللهُ فيهم من المشيئةِ والاختيارِ والقدرةِ التي بها يفعلونَ (1)، واللهُ أعلمُ.

6 -

التَّأويلُ، وقد نصَّ على قاعدةٍ في التأويلِ، فقال:«التَّأويل لا يضطر إليه إلا في ألفاظ النَّبيِّ عليه السلام، وفي كتاب الله، وأمَّا في عبارة مفسِّر فلا» (2).

ولم يذكرْ ضابطاً فيما يُأوَّلُ وما لا يُأوَّلُ من النُّصوصِ، وإنما يرجعُ الأمرُ عنده إلى عقلِه الذي يحكمُ بالتَّأويلِ هنا ولا يحكمُ به هناك، وإلَاّ فلمَ أنكر على من قال بالتَّأويلِ في أمورِ المعادِ ما دام أنَّه فتحَ البابَ للتَّأويلِ وصحَّحَهُ، ولم يقولُ: «

أنَّ القولَ في الميزانِ هو من عقائدِ الشَّرعِ الذي لم يُعرفْ إلَاّ سمعاً، وإن فتحنا فيه باب المجازِ (3) غمرتنا أقوالُ الملحدة

(1) ينظر: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، لابن القيم، ط: دار الكتب العلمية (ص:233).

(2)

المحرر الوجيز، ط: قطر (2:386)، وقد ذكر هذه القاعدة لأن منذر بن سعيد أوَّل تفسير السدي في الكرسي، قال السدي: الكرسي موضع قدميه، وأوَّلها منذر بمعنى: ما قدم من المخلوقات، قال ابن عطية: «وهذا عندي عناء؛ لأن التأويل لا يضطر إليه إلَاّ في ألفاظ النبي عليه السلام

». ينظر: المحرر الوجيز، ط: قطر (2:285 - 286).

وقد ذكر ابن عرفة هذه القاعدة عند هذه الآية، ينظر: تفسير ابن عرفة برواية الأبي، تحقيق: حسن المناعي (2:728).

وما قعَّده ابن عطيَّة هنا، كان قد خالفه في (1:223 - 224)، حيث قال ـ عند قوله تعالى:{ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} ـ: «واستوى: قال قوم: معناه: علا دون تكييف ولا تحديد، هذا اختيار الطبري، والتقدير: علا أمره وقدرته وسلطانه» . وهذا غير مراد الطبري، بل تأويلٌ لكلامه.

(3)

التأويلُ والمجازُ وجهانِ لعملةٍ واحدةٍ، وإن شئتَ قلتَ: إنَّ المجازَ أداةُ التأويلِ، والمرادُ به التأويلُ المنحرفُ.

ص: 240

والزَّنادقةِ في أنَّ الميزانَ والسِّراطَ والجنَّة والنَّار والحشر ونحو ذلك إنما هي ألفاظٌ يرادُ بها غيرُ الظَّاهرِ.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله: فينبغي أن يُجرى في هذه الألفاظِ إلى حملها على حقائقها

» (1).

وهذا الذي حَذِرَ منه قد وقعَ، وقد اعتمدَ بعضُ الفلاسفةِ الذينَ عاشوا في ظلِّ الإسلامِ على مبدَئِه في التَّأويلِ (2)، وليسَ له أن يقولَ: هذه الأمورُ

(1) المحرر الوجيز، ط: قطر (5:432 - 433).

(2)

ينظر مثلاً: كتاب فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، ومما ذكره في هذا الكتابِ أنَّ الشريعةَ على ثلاثةِ أقسامٍ:

ظاهرٌ لا يجوزُ تأويله

وظاهرٌ يجبُ على أهلِ البرهانِ تأويلُه، وحملهم إياه على ظاهره كفرٌ، وتأويل غير أهل البرهانِ له، وإخراجه عن ظاهره كفرٌ في حقِّهم أو بدعة، ومن هذا الصِّنفِ آيةُ الاستواء وحديث النُّزول

والصنف الثالث من الشرع مترددٌ بين هذين الصنفينِ، يقع فيه شكٌ، فيلحقُه قومٌ ممن يتعاطى النظر بالظاهر الذي لا يجوزُ تأويله، ويلحقه آخرونَ بالباطنِ الذي لا يجوزُ حمله على الظاهرِ

ينظر: فصل المقال (ص:27 - 28).

ثمَّ قال: «فإن قيل: فإذا تبين أن الشرع في هذا على ثلاث مراتب، فمن أي المراتبِ الثلاثِ هو عندكم ما جاء في صفات المعاد وأحواله؟

فنقول: إنَّ هذه المسألة الأمر فيها بيِّنٌ أنها من الصنفِ المختلَفِ فيه، وذلك أنا نرى قوماً ينسبون أنفسهم إلى البرهان يقولون: إن الواجب حملها على ظاهرها إذ كان ليس هناك برهان يؤدي إلى استحالة الظاهر فيها، وهذه طريقة الأشعرية. وقوم آخرون ممن يتعاطون البرهان يتأوَّلونها، وهؤلاء يختلفون في تأويلها اختلافاً كثيراً، وفي هذا الصنف أبو حامد معدودٌ هو وكثيرٌ من المتصوفة

». فصل المقال (ص:28).

ومراده بالبرهان: الطرق الفلسفية، وأبو حامد هو الغزالي.

فينظر كيف أدَّى التأويلُ الذي سُلِّطَ على نصوصِ الوحيينِ إلى هذه المقالاتِ الزائفةِ، التي ليس فيها إلا الرجوعُ إلى العقولِ المجرَّدةِ، والعياذ باللهِ من الضلالِ.

وينظر في هذا الموضوعِ: موقف ابن تيمية من الأشاعرةِ، للدكتور: عبد الرحمن بن =

ص: 241

إنما تُعلمُ من جهةِ السَّمعِ فقط؛ لأنَّ من يؤوِّلُ نصوص المعادِ يمكنُ أن يقولَ: للعقلِ فيها مدخلٌ. وبهذا تضطربُ الأمورُ ولا يسلمُ في الشَّريعةِ بابٌ؛ لأنَّه يمكنُ أن يُحملَ على المجازِ العقليِّ، وهذا الموضوعُ يطولُ ذكره، وفيه خروجٌ عن المقصودِ، واللهُ الموفِّقُ.

ومما وقعَ عندَهُ في بابِ التأويلِ، تأويلُ الصفاتِ الإلهيَّةِ، ومنها: صفةُ الغضبِ (1)، والاستهزاءِ (2)، والاستحياءِ (3)، والاستواءِ (4)، والكلامِ (5)، والوجهِ (6)، والعلمِ (7)، والعجبِ (8)، والمحبةِ (9)، والعلوِّ (10)، وغيرها مما يطول ذكره.

وكما هو الحالُ في الجدلِ العقديِّ الدائرِ بين المعتزلةِ والأشعريَّةِ، فإنَّكَ تجد أنَّ ابنَ عطيَّةَ (ت:542) يورد آراءَ المعتزلةِ ويفنِّدها، وهي كثيرةٌ في كتابِه؛

= صالح المحمود (2:896 - 923)، فقد تكلَّم عنه تحت عنوان:(تسلط الفلاسفة والباطنية على المتكلمين).

(1)

المحرر الوجيز، ط: قطر (1:127، 320)، (3:327)، (6:91، 248)، (13:238، 438).

(2)

المحرر الوجيز، ط: قطر (1:176 - 177).

(3)

المحرر الوجيز، ط: قطر (1:212).

(4)

المحرر الوجيز، ط: قطر (1:223 - 224)، (14:286).

(5)

المحرر الوجيز، ط: قطر (1:243)، (2:74)، (3:148)، (4:296)، (5:248)، (6:67)، (7:196)، (12:331).

(6)

المحرر الوجيز، ط: قطر (1:456)، (3:57)، (11:350)، (14:197).

(7)

المحرر الوجيز، ط: قطر (2:91، 384)، (3:341، 412)، (4:298)، (11:355)، (12:178)، (13:418)، (14:324).

(8)

المحرر الوجيز، ط: قطر (2:75 - 76)، (12:340).

(9)

المحرر الوجيز، ط: قطر (2:192)، (3:80)، (11:335)، (14:425).

(10)

المحرر الوجيز، ط: قطر (1:387)، (2:387)، (5:147، 225)، (13:140)، (14:87)، (15:15).

ص: 242

كمسألة الرزق؛ أي: كون الحرامِ رزقاً (1)، ومسألةِ أفعالِ العبادِ وما يتعلق بها من نفي إضلالِ اللهِ للعبدِ، وتزيينِ الشهواتِ له، وغيرِها من المسائلِ المتعلقةِ بهذا (2)، ومسألةِ التحسينِ والتقبيحِ العقليينِ (3).

وهناك غيرُها من المسائلِ، ولو كان البحث فيها لسردتُها كاملةً.

هذا، ولم يسلمِ ابنُ عطيَّةَ (ت:542) من إيرادِ أقوالٍ للمعتزلةِ دونَ أن يردَّها، بلْ تراهُ يحكيها على أنها أحدُ الاحتمالاتِ في الآيةِ، دونَ أن يُنبِّهَ على خطئها (4)، ويبدو أنَّ هذا الصَّنيعَ جعلَ ابنَ عرفةَ التُّونسيَّ (ت:803) ـ وهو أشعريٌّ ـ يُوجِّه له نقداً شديداً، قال ابن حجر (ت:852): «ومن هؤلاءِ منْ يدسُّ البِدعَ والتفاسيرَ الباطلة في كلامه، فيَرُوجُ على أكثرِ أهلِ السُّنَّةِ؛ كصاحبِ الكشَّافِ، ويقربُ من هؤلاءِ تفسيرُ ابن عطيَّةَ، بلْ كانَ الإمامُ ابنُ العرفةِ المالكي (5) يُبالغُ في الحطِّ عليه، ويقول: إنه أقبحُ من صاحبِ الكشَّافِ؛ لأنَّ كلَّ أحدٍ يعلمُ اعتزالَ ذلكَ فيتجنَّبُهُ، بخلافِ هذا، فإنه يُوهِمُ الناسَ أنه من أهلِ السُّنَّةِ» (6).

والمقصودُ هنا بيانُ أثرِ المعتقدِ على تفسيرِه اللُّغويِّ، ذلك أنَّه يختارُ من

(1) المحرر الوجيز، ط: قطر (1:147 - 148، 199)، (2:66)، (5:14)، (7:243).

(2)

المحرر الوجيز، ط: قطر (1:216)، (2:212، 467)، (3:40)، (3:140)، (5:387، 390)، (6:5)، (7:281 - 282)، (11:390).

(3)

المحرر الوجيز، ط: قطر (1:430) وقد ردَّ فيها على قول المعتزلةِ في مفهومِ النسخِ، وينظر المواطن التي سبق ذكرها في هذه المسألةِ.

(4)

ينظر أمثلةً من ذلك في المحرر الوجيز، ط: قطر (1:155، 357)، (2:75)، (3:148، 184).

(5)

هو محمد بن محمد بن عرفة الورغميُّ التونسي (ت:803)، وهو مشهورٌ بابن عرفة، لا ابن العرفة، وقد سبقت ترجمته.

(6)

ينظر هذا النقلَ عن ابن حجر في تحفة الأحوذي، للمباركفوري، تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان (8:278).

ص: 243

معاني اللغةِ وتوسُّعها ما يناسِبُ معتقده، وسأكتفي بذكرِ بعضِ الأمثلةِ، لئلَاّ يطولَ المقامُ، واللهُ الموفِّقُ:

1 -

في قوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [يونس: 14]، قال ابن عطيَّةَ (ت:542): «لننظر، معناه: لنبيَّنَ في الوجودِ ما علمناه أزلاً، لكنْ جَرَى القولُ على طريقِ الإيجازِ والفصاحةِ» (1).

ففسَّرَ النَّظرَ هنا بما ترى، وفيه خروجٌ عن معنى النَّظرِ المعروفِ في لغةِ العربِ، وإنما قال ذلكَ لأنَّ العلمَ عنده علمٌ واحدٌ أزليٌّ، ولم يفرِّق بين العلمِ بالشَّيء قبلَ وقوعِه، والعلم به بعد الوقوعِ، وكأنه يلزم من قوله أنه علمه أزلاً وانتهى. وهو بهذا لم يثبتِ الرُّؤيةَ المدلولَ عليها بالنَّظرِ، ولم يُثبتِ علمَ اللهِ بهم بعد أن جعلهم خلائفَ، فتأمَّل كيفَ جرَّه نفيُ وقوع العلمِ بالمعلومِ بعد وقوعه إلى هذا الذي قال.

2 -

وفي قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2]، قال:«والإنزال، إما بمعنى الإثبات، وإما أن تتصف به التِّلاوة والعبارة» (2).

وفي قوله تعالى: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} [الأنبياء: 50]، قال:«أنزلناه، إما أن يكونَ بمعنى أثبتناهُ، كما تقول: أنزل السُّلطان (3) فلاناً بمكان كذا: إذا أثبته، وإما أن يتعلق النُّزولُ بالمَلكَ» (4).

وتفسيرُ الإنزال بالإثباتِ ليس معروفاً في لغة العربِ، وإنما المعروفُ: نزل بالمكانِ إذا حلَّ فيه؛ كقوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ

(1) المحرر الوجيز، ط: قطر (7:117).

(2)

المحرر الوجيز، ط: قطر (7:431). وينظر: (7:171).

(3)

وردت في مطبوعة قطر: «الشيطان» ، وصوابه:«السلطان» ، كما في المطبوعة المغربية (11:141).

(4)

المحرر الوجيز، ط: قطر (10:160).

ص: 244

الْمُنْزِلِينَ} [المؤمنون: 29]، وغيرها من الآياتِ، وهذا المعنى لا يُحملُ عليه معنى نزولِ القرآنِ، كما أنَّ الحلولَ في المكانِ لا يخلو من معنى الهبوطِ من علو إلى سفلٍ، قال ابن فارس (ت:395): «النون والزاء واللام كلمةٌ صحيحةٌ تدلُّ على هبوطِ شيءٍ ووقوعِه

» (1).

وقال الزَّبيديُّ في تاج العروس: «(النُّزولُ) بالضمِّ (الحلولُ)، وهو في الأصلِ انحطاطٌ من علوٍّ» (2).

وإنما قَادَهُ إلى ذلكَ إنكارُه تَكَلُّمَ اللهِ بوحيه إلى جبريلَ، وسماعَ جبريلَ ذلك من اللهِ (3)، وإنكارَه علوَّ اللهِ على خلقِه (4)، وما يتبعُه من صفةِ استوائه

(1) مقاييس اللغة (5:417).

(2)

تاج العروس، مادة (نزل).

(3)

صفة الكلامِ الإلهي عنده قد ذكرها في مواضع، منها قوله: «وكلامُ اللهِ لموسى عليه السلام دونَ تكييفٍ ولا تحديدٍ ولا تجويزِ حدوثٍ، ولا حروفٍ، ولا أصواتٍ.

والذي عليه الراسخونَ في العلم أنَّ الكلامَ: المعنى القائم بالنفسِ، ويخلقُ اللهُ لموسى أو جبريلَ إدراكاً من جهةِ السَّمعِ يتحصَّلُ به الكلامُ

». المحرر الوجيز، ط: قطر (4:296)، وينظر (6:67). وسيأتي تتمةٌ في الكلامِ على هذه الصفةِ الإلهيةِ.

(4)

فسَّر اسم الله العليَّ، فقال: «والعليُّ: يرادُ به عُلوُّ القُدرةِ والمنزلةِ، لا عُلوُّ المكانِ؛ لأن اللهَ مُنَزَّهٌ عن التَّحيُّزِ. وحكى الطَّبريُّ عن قومٍ أنهم قالوا: هو العليُّ عن خلقِه بارتفاعِ مكانه عن أماكنِ خلقِه.

قال القاضي أبو محمدٍ رحمه الله: وهذا قولُ جَهَلَةٍ مُجسِّمين، وكانَ الوجه ألَاّ يُحكى».

المحرر الوجيز، ط: قطر (2:387).

وهذا من غرائبِ الإمامِ ابن عطية ـ عفا الله عنه ـ وأهل السنةِ من المحدثين والفقهاء على إثباتِ العلوِّ لله، وقد كتبَ فيه كثيرونَ، منهم الإمام الذهبي، وقد ذكر عن الإمامِ مالكٍ الذي يَتَّبعه ابن عطيَّةَ في الفروعِ إثباتَ العلوِّ، فقال:«اللهُ في السَّماءِ، وعلمه في كلِّ مكانٍ لا يخلو منه شيءٌ» . العلوُّ للعليِّ العظيمِ، للذهبي، تحقيق: د. عبد الله بن صالح البرَّاك (2:951)، والكتابُ بأكملِه في إثباتِ العلوِّ كما هو ظاهرٌ من عنوانِه.

ص: 245

على عرشِه استواءً يليقُ بجلالهِ وعظمتِه (1)، ولو كانَ يُثبتُ هذه الأوصافَ الإلهيَّةَ كما أخبرَ اللهُ بها من دونِ أن يؤوِّلها، لما قالَ في معنى نزولِ القرآنِ هذا القولَ الذي هو بعيدٌ عن ظاهرِ معنى النُّزولِ.

ولما أرادَ أن يحملَ النُّزولَ على ظاهرِه جعلَهُ من صفةِ التِّلاوةِ أو العبارةِ (2) أو

(1) قال في الاستواء: «واختصارُ القولِ في قوله سبحانه: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [يونس: 3]: أن يكونَ استوى بقهرِه وغلبتِه، وإما أن يكونَ استوى، بمعنى: استولى ـ إن صحَّتِ اللفظةُ في اللسانِ، فقد قيل في قولِ الشاعرِ:

قَدِ اسْتَوَى بِشِرٌ عَلَى العِرَاقِ

مِنْ غَيرِ سَيفٍ وَلا دَمٍ مِهْرَاقِ

إنه بيتٌ مصنوعٌ ـ وإما أن يكونَ فعل فعلاً في العرشِ سمَّاه استوى». ينظر: المحرر الوجيز، ط: قطر (7:101)، وينظر:(5:526)، (10:4 - 5)، (14:286).

وردُّ هذا يطول، وينظر إلى الإمامِ المالكيِّ ابن عبدِ البرِّ في كتابه: التمهيد لما في الموطَّأ من الأسانيد (7:129 - 144)، فقد كتب هذه الصفحاتِ في إثبات الاستواء، ومن (ص:145 - 159) تقريرٌ في إثباتِ صفات الباري.

وأذكر لك أطرافاً من كلامه في شرح حديث نزول الباري إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، قال: «وفيه دليل على أن الله عز وجل في السماء على العرش من فوق سبع سماوات، كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم: إن الله عز وجل في كل مكان، وليس على العرش، والدليل على صحة ما قالوه [كذا] أهل الحق في ذلك، قول الله عز وجل:{الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]

» التمهيد (129).

وقال: «والاستواء: الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله عز وجل، وقال:{لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} [الزخرف: 13]

» (ص:131).

وفيه كلامٌ كثيرٌ انتخبتُ منه هذا، ليكونَ توضيحاً لمذهب ابن عبد البرِّ المالكي الذي هو مذهبُ السلفِ في هذه المسألةِ، واللهُ الموفِّقُ.

(2)

تأويلُ النُّزولِ بأنَّه نزولُ التلاوةِ أوِ العبارةِ مذهبٌ خطيرٌ؛ لأنَّه يعني أنَّ القرآن الذي نقرؤه ليسَ الذي تكلَّمَ اللهُ به إلى جبريلَ، وإنما هو عبارةٌ عن كلامِ اللهِ، أما كلام اللهِ ـ عنده ـ فهو المعنى القائمُ بالنَّفسِ، وهو معنًى واحدٌ أزليُّ.

وقد صرَّحَ بعضُ متأخري الأشاعرةِ بأنَّ القرآن الذي نقرؤه مخلوقٌ، فقال: «ومذهبُ أهلِ السُّنَّةِ [يقصدُ الأشاعرةَ] أنَّ القرآنَ؛ بمعنى الكلامِ النَّفسيِّ، ليس بمخلوقٍ، وأما القرآنُ؛ بمعنى اللفظِ الذي نقرؤه، فهو مخلوق، لكن يمتنعُ أن يقالَ: القرآن مخلوقٌ، =

ص: 246

الملكِ (1)؛ لأنَّ هذه عنده يمكنُ أن تنْزلَ. واللهُ الموفِّقُ.

3 -

وفي قوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59]، قال: «وقوله عز وجل: {ثُمَّ قَالَ} ترتيبٌ للأخبارِ لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، والمعنى: خلقَه من ترابٍ، ثمَّ كان من أمره في الأزلِ أن قالَ له: كنْ وقتَ كذا

» (2).

وقال في قوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82]: «وقوله: {كُنْ} أمرٌ للشَّيءِ المخترَعِ عند تعلُّقِ القدرةِ به، لا قبلَ ذلكَ ولا بعدَه (3).

= ويرادُ به اللفظ الذي نقرؤه، إلَاّ في مقامِ التعليمِ؛ لأنه ربما أوهمَ أنَّ القرآنَ؛ بمعنى كلامه تعالى، مخلوقٌ

». تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد، لإبراهيم البيجوري (ص:49).

(1)

انظر بُعْدَ هذا التأويلِ وتعسُّفه من أجلِ ما يعتقدُه المفسِّرُ في كلامِ اللهِ سبحانه. الله يقولُ: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا} [يوسف: 2]، فالمنَزَّلُ القرآن كما هو ظاهرُ النَّصِّ، وهو يجعله للمَلَكِ!

(2)

المحرر الوجيز، ط: قطر (3:148).

(3)

هذا يعني أنَّ أمرَ اللهِ كانَ في الأزل، ولا يحصلُ له كلامٌ عند إرادةِ إيجادِ شيءٍ من المخلوقاتِ أو المأموراتِ بقولهِ:«كن» ، وهذا المذهبُ خطأٌ محضٌ، وهو مبنيٌ على مسألةِ العلم والقدر والكلامِ، وهي عنده أنها قديمةٌ قِدَمَ الذاتِ، فهو قال:«كن» في الأزلِ، وإنما تأخَّرَ المقدور، قالَ:«وتلخيصُ المعتقدِ في هذه الآيةِ أنَّ اللهَ عز وجل لم يزل آمراً للمعدومات بشرطِ وجودها، قادراً على تأخيرِ المقدوراتِ، عالماً مع تأخر وقوع المعلوماتِ، فكلُّ ما في الآيةِ مما يقتضيِ الاستقبالَ، فهو بحسبِ المأموراتِ، إذ المحدثاتُ تجيءُ بعد أن لم تكن، وكلُّ ما يستندُ إلى اللهِ تعالى من قدرةٍ وعلمٍ وأمرٍ، فهو قديمٌ لم يزلْ. ومن جعل من المفسرينَ (قضى) بمعنى: أمضى عند الخلقِ والإيجادِ، فكأنَّ إظهارَ المخترعاتِ في أوقاتها المؤجَّلَةِ قولٌ لها «كن» ، إذ التأملُّ يقتضي ذلكَ

».

المحرر الوجيز، ط: قطر (1:463 - 464).

وبهذه العقيدةِ ألغى ظاهرَ المعنى، وألغى دلالة التعقيب بالعطف بالفاء، ورجَّح الاستئناف على العطف في قوله تعالى:{وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} =

ص: 247

وإنما يؤمرُ تأكيداً وإشارةً بها، وهي أوامرُ دونَ حروفٍ وأصواتٍ، بلِ الكلامُ القائمُ بالذاتِ» (1).

وهذا الكلامُ مبنيُّ على أنَّ اللهَ لهُ كلامٌ نفسيٌ قائمٌ بذاتِه، وهو لا يتكلَّمُ بمشيئتِه وإرادتِه، وهذا مخالفٌ لتنْزيهِ اللهِ الفعَّالِ لما يريدُ، فهو متَّصفٌ بصفةِ الكلامِ أزلاً، وهو أيضاً يتكلمُ متى شاء، كما أنَّه متى شاء سخِطَ، ومتى شاءَ رضِيَ إلى غيرِ ذلك من الأفعالِ الاختياريَّةِ التي يفعلها الفعَّالُ لما يريدُ متى ما أرادَ لا رادَّ لمشيئتِه، ولا حاجبَ له سبحانه وتعالى عن فعلِه.

ولما كانت هذه عقيدتُه في كلامِ اللهِ، ألغى دلالةَ عطفِ التراخي في «ثُمَّ» ، ودلالةَ التعقيبِ في «الفاء» ؛ لأنهما تدلانِ على تكلُّمه سبحانه عند حدوثِ هذه الأشياءِ، وهذا يخالفُ معتقدَه؛ لذا لم يمنعه هذا من مخالفةِ المعروفِ من اللغةِ من أجلِ رأيه الذي يعتقدُه.

4 -

وفِي قول الله تعالى: {إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} [هود: 90]، قال:«وَدُودٌ، معناه: أنَّ أفعالَه ولطفَه بعبادِه لما كانت في غايةِ الإحسانِ إليهم، كانتْ كَفِعْلِ منْ يتودَّدُ ويَوَدُّ المصنوعَ له» (2).

وما ذكرَه ليسَ معنًى لاسمِ اللهِ الوَدُودِ، بلْ هو من لازمِ معنى هذا

= [البقرة: 117]، قال: «و (قضى): معناه: قدَّر، وقد يجيءُ بمعنى أمضى، ويتجه في هذه الآيةِ المعنيانِ، فعلى مذهبِ أهل السنةِ: قدَّر في الأزلِ وأمضى فيه، وعلى مذهبِ المعتزلة: أمضى عند الخلقِ والإيجادِ.

و (الأمرُ): واحدُ الأمورِ، وليس هنا بمصدرِ أمرَ يأمرُ.

و (يكون): رفعٌ على الاستئنافِ. قال سيبويه: معناه: فهو يكونُ، وقال غيره:(يكون) عطفٌ على (يقول)، واختاره الطبريُّ وقرَّره. وهو خطأ من جهة المعنى؛ لأنه يقتضي أنَّ القولَ مع التَّكوينِ والوجودِ

». المحرر الوجيز، ط: قطر (1:462).

وما خطَّأ الطبري به هو قول السلفِ، وهو المعنى الموافقُ للنصوصِ، ومن ثَمَّ فالإعرابُ بالعطفِ صحيحٌ لا إشكالَ عليه، إلَاّ عند من يأخذُ عقيدته من العقلِ المجرَّدِ ويعرضُ عليه نصوص الوحيينِ، والله المستعانُ.

(1)

المحرر الوجيز، ط: قطر (12:330 - 331).

(2)

المحرر الوجيز، ط: قطر (7:384).

ص: 248

الاسمِ الحسنِ، وليسَ تفسيرُه هذا من التفسيرِ باللازِمِ الذي يُحتملُ في التفسيرِ؛ لأنَّه لا يصلحُ التفسيرُ باللازمِ إلَاّ مع إثباتِ الأصلِ، وتفسيرُهُ هذا مبنيٌّ على إنكارِ معنى ما يتضمَّنُه هذا الاسمُ الحسنُ من الصِّفةِ التي تدلُّ على المحبةِ (1)، ولذا عدل إلى لازمِ الصِّفةِ، لا إلى تفسيرِ معناها في أصلِ اللغةِ.

(1) المحبةُ عنده، مرَّةً ترجع إلى الذَّاتِ، ومرةً إلى الفعلِ، وإذا رجعت إلى الذاتِ، فهي بمعنى الإرادةِ، وإذا رجعت إلى الفعلِ، فهي على حسبِ ما جاءت به في السياق، ومن ذلك ما ذكره عند قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف: 4]، قال:«ومحبَّة اللهِ تعالى هي ما يظهرُ عليهم من نصره وكرامته، وهي هنا صفة فعلٍ، وليستْ بمعنى الإرادة؛ لأنَّ الإرادةَ لا يصحُّ أن يقع ما يخالفها، ونحن نجد المقاتلين على غير هذه الصفةِ كثيراً» . المحرر الوجيز، ط: قطر (14:425).

وموضوع مخالفته في معنى صفة المحبَّةِ يحتاجُ إلى مناقشةٍ أطول من هذا المكان، ولكن أنبِّه هنا إلى خطئه في تفسير المحبَّة، ذلك أن تفسيره لها ليسَ من المعروف في لغةِ العربِ، ولا يدلُّ عليه العقلُ.

وقد وقع من لوازم تفسير المحبَّة بالإرادةِ أن تأوَّل بعضُ المتكلمينَ بعض الآياتِ على غيرِ الصوابِ، ومن ذلك، تفسير قوله تعالى:{وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205]، قال ابن عطية: «و (لا يحب) معناه: لا يُحبُّه من أهلِ الصلاحِ، أو لا يحبُّه ديناً، وإلَاّ فلا يقع ما يحبُّ الله وقوعَه، والفساد واقعٌ، وهذا على ما ذهبَ إليه المتكلِّمونَ من أنَّ الحبَّ بمعنى الإرادةِ.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والحبُّ له على الإرادة مزيَّةُ إيثارٍ، فلو قال أحدٌ: إنَّ الفسادَ تنقصه مزيَّةُ الإيثارِ لصحَّ ذلك، إذ الحبُّ من اللهِ تعالى إنما هو لما حسُنَ من جميعِ جهاته». المحرر الوجيز، ط: قطر (2:192).

وتفسير لا يحبُ: لا يحبه من أهل الصلاحِ عليه اعتراضانِ:

الأولُ: أنه يلزم من هذا التفسيرِ لازمٌ باطلٌ، وهو أنه يفهم منه أنه يحبُّه من أهل الفسادِ، وهذا المعنى غيرُ صحيحٍ.

الثاني: أنَّ المعنى لو كان صحيحاً، فإنه لا يصحُّ حمل الآيةِ عليه؛ لأن سياق الآية في الكافرِ الألدِّ الخَصِمِ، لا المؤمن، وإدخالُ المؤمنِ في المعنى تحكُّمٌ لا دليلَ عليه.

والموضوع فيه أكثر من هذا، أكتفي بما أوردته، واللهُ الموفِّقُ.

ص: 249

والودودُ اسمٌ حسنٌ يتضمَّنُ صفةَ المودَّةِ، وهي بمعنى المحبَّةِ في أصل الوضعِ اللُّغويِّ لمعنى هذا اللفظِ، قال ابن فارسٍ (ت:395): «الواو والدال: كلمةٌ تدلُّ على محبَّةٍ» (1).

وقال الزَّجَّاجُ (ت:311): «الودودُ: هذا يجوزُ أن يكونَ فعولاً بمعنى فاعلٍ. ويجوزُ أن يكونَ فعولاً بمعنى مفعولٍ، واللهُ قد وصف نفسه في مواضعَ بأنه يُحِبُّ، ولا يُحِبُّ إلا وهو أيضاً محبوبٌ مودودٌ عند أوليائه، فهو بمعنى مودودٍ» (2).

مشكلةُ الاعتقادِ ثمَّ الاستدلالُ لهذا المعتقد، وأثرهُ عند ابن عطيَّةَ:

ولقدْ كانت قضيَّةُ تأصيلِ المعتقدِ أوَّلاً، ثُمَّ الاستدلالُ له من السِّماتِ البارزةِ لأهلِ البدعِ، ولذا تراهم يدفعونَ ظاهرَ النصوصِ، ويُسلِّطونَ عليها التأويلَ بكلِّ ما يستطيعونَ ليسلمَ لهم ما اعتقدوه، وهذا منهجٌ واضحُ الخطأ، بل العقيدةُ تؤخذُ من نصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ بلا تحريفٍ ولا تأويلٍ.

ومن أوضحِ الأمثلةِ التي وقعَ فيها ابن عطيَّةَ (ت:542) ـ مع ما تقدَّمَ من الأمثلةِ ـ رأيُهُ في كفرِ العنادِ والجحودِ، ومن ذلك ما ذكرَ في قوله تعالى:{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14]، قال: «وظاهر قوله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} حصولُ الكفرِ عناداً، وهي مسألةٌ قولينِ (3)، هل يجوزُ أن يقعَ أم لا؟

(1) مقاييس اللغة (6:75).

(2)

تفسير أسماء الله الحسنى، للزجاج، تحقيق: أحمد يوسف الدقاق (ص:52)، وينظر: الزاهر في معاني كلام الناس، لابن الأنباري (1:184)، واشتقاق أسماء الله الحسنى، لأبي القاسم الزجاجي، تحقيق: المبارك (ص:152)، والتبيان في أقسام القرآن، لابن القيِّم (ص:59 - 60).

(3)

هذا النقل من طبعة المغرب، ويبدو أنه سقط حرف الجرِّ (على)، وفي المحرر الوجيز، ط: قطر (11:179): «وهي مسألة فيها قولانِ» .

ص: 250

فجوَّزت ذلك فرقةٌ، وقالتْ: يجوزُ أن يكونَ الرجلُ عارفاً، إلَاّ أنَّه يجحدُ عناداً ويموتُ على معرفتِهِ وجحودِه، فهو بذلك في حكمِ الكافرِ المخلَّدِ، قالوا: وهذا حُكمُ إبليسَ، وحكمُ حييِّ بنِ أخطبٍ وأخيه، حسبَما رُوِيَ عنهما.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وإن عُورِضَ هذا المثالُ، فُرِضَ إنسانٌ ويجوزُ (1) فيه ذلك.

وقالت فرقةٌ: لا يصِحُّ لوجهينِ:

أحدهما: أنَّ هذا لا يجوزُ وقوعُه من عاقلٍ.

والوجهُ الآخر: أنَّ المعرفةَ تقتضي أنْ يَحِلَّ في القلبِ، وذلكَ إيمانٌ، وحكمُ الكافرِ لا يلحقُه، إلَاّ بأن يَحِلَّ في القلبِ كفرٌ، ولا يصحُّ اجتماعُ الضِّدينِ في محلٍّ.

قالوا: ويشبهُ في هذا العارفُ الجاحدُ أن يُسلبَ عندَ الموافاةِ تلك المعرفة، ويحل بدلَها الكفرُ.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والذي يظهرُ عندي في هذه الآيةِ وكلِّ ما جرى مجراها: أنَّ الكفرةَ كانوا إذا نظروا في آياتِ موسى أعطتهم عقولُهم أنَّها ليست تحت قدرةِ البشرِ، حصلَ لهم اليقينُ أنها من عند اللهِ تعالى، فيغلبُهم أثناء ذلك الحسدُ، ويتمسَّكونَ بالظنونِ في أنه سِحرٌ وغير ذلك مما يختلجُ في الظَّنِّ بحسبِ كلِّ آيةٍ، ويلجون في ذلك، حتى يُستلبَ ذلك اليقين أو يدوم كذلك مضطرباً. وحُكمه حكمُ المستلَبِ في وجوه عذابهم» (2).

(1) الصواب بإسقاط الواو، وهي غير موجودة في المحرر الوجيز، ط: قطر (11:179).

(2)

المحرر الوجيز، ط: المغرب (12:96 - 97). وقد نقلتُه منها لأنَّ في طبعة: قطر (11:179 - 180) سقطٌ مخلٌّ يُقدَّر بسطرينِ، والله المستعانُ، وقد كرر هذه النظرية في (5:182 - 184)، وينظر:(1:249، 446، 447)، (4:304 - 305)، (12:489 - 490).

ص: 251

وقال في قوله تعالى: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33]: «و {يَجْحَدُونَ} ، حقيقته في كلام العربِ: الإنكارُ بعد المعرفةِ، وهو ضدُّ الإقرار

» (1). ثمَّ قال: «وكفر العناد جائزُ الوقوعِ بمقتضى النَّظرِ، وظواهرُ القرآنِ تعطيه؛ كقوله تعالى:{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} [النمل: 14]، وغيرها

» (2)، ثُمَّ قالَ:«وأنا أستبعدُ العنادَ مع المعرفةِ التامَّةِ» (3).

وكيف يستبعد هذا مع قولِ الله: {وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} ، وإلَاّ فما معنى اليقين، أليسَ هذا هو تمامُ العلمِ والمعرفةِ بالشيءِ؟!

وهذا الموضوع مرتبطٌ بأصلٍ من أصولِ العقائد عنده، وهو مفهومُ الإيمانِ، أنه التَّصديقُ، ولذا لا يرى فيه الزيادة ولا النقصانَ، مخالفاً بذلك صريحَ النصوصِ التي تدلُّ على ذلك، ومن ذلك قوله: «وقوله تعالى: {فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً} [آل عمران: 173]؛ أي: ثبوتاً واستعداداً، فزيادةُ الإيمانِ في هذا هي في الأعمالِ.

وقد أطلقَ العلماءُ عبارةَ: إنَّ الإيمانَ يزيدُ وينقصُ، والعقيدةُ في هذا أنَّ نفسَ الإيمانِ الذي هو تصديقٌ واحدٌ بشيءٍ ما، إنما هو معنى فردٌ، لا تدخلهُ زيادةٌ إذا حصلَ، ولا يبقى منه شيءٌ إذا زالَ

» (4).

وهذا المفهوم الخاطئ في المرادِ بالإيمانِ الشَّرعيِّ (5)، هو الذي جعله يستبعدُ وقوع كفر العنادِ مع المعرفةِ التَّامَّةِ؛ لأنَّ مجرَّدَ استيقانِه بالنُّبوَّةِ تصديقٌ،

(1) المحرر الوجيز، ط: قطر (5:182).

(2)

المحرر الوجيز، ط: قطر (5:183).

(3)

المحرر الوجيز، ط: قطر (5:184).

(4)

المحرر الوجيز، ط: قطر (3:424).

(5)

سيأتي نقاشُ مصطلحِ الإيمانِ في الباب الثالث، تحت قاعدة: لا يصح اعتمادُ اللغة دون غيرها من المصادر التفسيرية.

ص: 252

والتَّصديقُ إيمانٌ، ومن عقيدته أنه لا يمكنُ اجتماعُ الضِّدينِ في القلبِ (1)، فلا بدَّ أن يكون: إمَّا هذا، وإمَّا هذا.

وهذه العقيدةُ المقرَّرةُ من غيرِ القرآنِ، السَّابقةُ لتفسيرِه له، جعلته يدخلُ إلى تفسيرِ القرآنِ بمعتقداتٍ سابقةٍ، فما وجد من ظواهرِ النُّصوصِ يخالفُها، سلَّطَ عليها التَّأويلَ والمجازَ؛ ليسلمَ له ما أصَّله قبلُ من العقائدِ، والله المستعانُ والموفقُ.

(1) الصوابُ في هذه المسألةِ: أنه يمكن أن يجتمعَ في القلب تصديقٌ بالرسالةِ، وكفرٌ بها، كما وقعَ من إبليسَ وأبي جهلٍ وحُيَيِّ بن أخطبٍ وغيرهم ممن صرَّح بمعرفته للرسولِ وأعلنَ كفرَه به. وهذا من الظواهرِ التي لا تُنازعُ لوضوحِها وكثرتِها، ولكن من ركَّب معتقداتِه من العقلِ، وجعله هو المبدأ في تقريرها دون الرجوع إلى الكتابِ والسنةِ، يتخبَّطُ ويخالفُ بدهيَّاتِ العقائدِ، والله المستعانُ.

ص: 253