الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثالثاً الاختلافُ بسببِ مخالفةِ المعنى الأشهر في اللَّفظ
يَرِدُ على اللَّفظِ في لغةِ العربِ احتمالُ الاشتراكِ، كما سبقَ، وقدْ تكونُ دلالةُ اللَّفظِ على المعنيينِ في درجةٍ قويَّةٍ من الاحتمالِ، وقبولِ السياقِ لهما، وقدْ تتفاوتُ هذه المعاني في هذا الاحتمالِ، فيكون اللَّفظُ دائراً بين معنيينِ أحدهُما أشهرُ وأظهرُ في معنى اللَّفظِ من الآخرِ. وإذا دارَ الكلامُ بينَ هذينِ، قُدِّمَ الأشهرُ والأظهرُ من معاني اللَّفظِ، ومنْ أمثلةِ ذلك:
ذكرَ الطبريُّ (ت:310) في قوله تعالى: {وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} [يونس: 87] أقوالاً عنِ السَّلفِ:
القول الأول: وتَرْجَمَهُ بقوله: اجعلوا بيوتَكم مساجدَ تُصَلُّونَ فيها، وذكر ذلك عن ابنِ عباسِ (ت:68)، وإبراهيمَ النَّخَعِيِّ (ت:96) (1)، ومجاهدٍ (ت:104)، والضَّحَّاكِ (ت:105)، وزيدِ بنِ أسلمَ (ت:136)، وأبي مالك غزوانِ الغِفَارِيِّ الكوفيِّ (2)، والربيعِ بن أنس (ت:139) (3).
(1) إبراهيم بن يزيد، النخعي الكوفي، روى عن مسروق وعلقمة وغيرهما، كان هو والشعبي فقيهي الكوفةِ، ينظر: سير أعلام النبلاء (4:520 - 529)، وغاية النهاية (1:29 - 30).
(2)
غزوان الغفاري، أبو مالك، الكوفي، صاحب التفسير، ثقةٌ، روى عن ابن عباس، وروى عنه السدي وغيره. ينظر: الطبقات الكبرى (6:295)، والجرح والتعديل (9:435).
(3)
ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (15:171 - 173).
الثاني: اجعلوا مساجدكم قِبَلَ الكعبة، وذكر ذلك عن ابن عباس (ت:68)، ومجاهد (ت:104)، والضحاك (ت:105)، وقتادة (ت:117) (1).
الثالث: وتَرْجَمَهُ بقوله: اجعلوا بيوتكم يُقَابِلُ بعضُها بعضاً، وذكر ذلك عن سعيد بن جبير (ت:94) (2).
وقد اختار الطبريُّ (ت:310) البيوتَ المسكونةَ، فقالَ: «وأولى الأقوالِ في ذلك بالصَّوابِ، القولُ الذي قدَّمْنَا بيانه، وذلك أنَّ الأغلبَ منْ معاني البيوتِ ـ وإنْ كانتْ المساجدُ بيوتاً ـ البُيُوتُ المسكونةُ، إذا ذُكِرَتْ باسمِها المطلقِ، دونَ المساجدِ، لأنَّ المساجدَ لها اسمٌ هي به معروفةٌ، خاصٌّ لها، وذلكَ: المساجدُ. فأمَّا البُيُوتُ المطلَقَةُ بغيرِ وصلِها بشيءٍ، ولا إضافتِها إلى شيءٍ، فالبُيُوتُ المسكونةُ. وكذلكَ القبلةُ، الأغلبُ من استعمالِ النَّاسِ إيَّاها في قِبَلِ المساجدِ للصَّلواتِ.
فإذا كانَ ذلكَ كذلكَ، وكانَ غيرَ جائزٍ توجيهُ معاني كلامِ اللهِ إلَاّ إلى الأغلبِ من وجوهِهَا، المستعملِ بين أهلِ اللِّسانِ الذي نزلَ به، دونَ الخفيِّ المجهولِ، ما لم تأتِ دلالةٌ تدلُّ على غيرِ ذلكَ ـ ولم يكنْ على قولِه:{وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} دلالةٌ تَقْطَعُ العُذْرَ بأنَّ معناه غيرُ الظَّاهرِ المستعملِ في كلامِ العربِ ـ لم يَجُزْ لنا توجيهُهُ إلى غيرِ الظَّاهرِ الذي وصفْنَا، وكذلك القولُ في: قِبْلَةً» (3).
والمقصودُ هاهنا أنَّ ورودَ هذه المعاني المخالفةِ للمعنى الأشهرِ في مدلولِ اللَّفظِ عندَ العربِ كانتْ سبباً في حَمْلِ بعضِ المفسرينَ الآياتِ عليها. وسأذكرُ بعضَ الأمثلةِ على ذلكَ:
(1) ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (15:173 - 175).
(2)
ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (15:175).
(3)
تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (15:175 - 176). وينظر أمثلةً أخرى في الجزء نفسه (321، 333)، وفي طبعة الحلبي (2:36، 468، 616)، (30:6، 13، 67، 177).
1 -
اختلف المفسرونَ في لفظِ «ضَحِكَتْ» من قوله تعالى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: 71] على قولين:
القولُ الأولُ: أنَّ معنى ضَحِكَتْ: الضَّحِكُ المعروفُ.
وهو قولُ الجمهورِ.
فمنْ أهلِ التَّفسيرِ من السَّلَفِ: عبد الله بنُ عَبَّاسٍ (ت:68)(1)، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ الصَّنْعَاني (ت:114) (2)، وقتادةُ بن دعامة السَّدوسيُّ (ت:117) (3)، وإسماعيلُ السُّدِّيُّ (ت:128) (4)، ومحمد بن السائب الكلبيُّ (ت:146) (5).
ومن أهل اللُّغةِ: أبو زكريَّا الفَرَّاءُ (ت:207)(6)، وأبو العباس ثَعْلَبٌ (ت:291) (7)، وأبو إسحاق الزَّجَّاجُ (ت:311) (8)، وأبو جعفر النَّحَّاسُ (ت:338) (9).
القولُ الثاني: ضَحِكَتْ: حَاضَتْ.
وقدْ وردَ عنْ بعضِ السَّلفِ منهم: ابنُ عبَّاسٍ (ت:68)(10)، ومجاهدُ (ت:104) (11)، وعكرمةُ (ت:105) (12).
(1) ينظر: الدر المنثور (4:448).
(2)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (12:72).
(3)
تفسير عبد الرزاق (1:267)، تفسير الطبري، ط: الحلبي (12:72)، وتفسير ابن أبي حاتم (6:2054).
(4)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (12:72).
(5)
تفسير عبد الرزاق (1:267)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (12:72).
(6)
معاني القرآن (2:22).
(7)
تهذيب اللغة (4:89).
(8)
معاني القرآن وإعرابه (3:62).
(9)
معاني القرآن (3/ 364).
(10)
تفسير ابن أبي حاتم (6:2055).
(11)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (12:73)، وفي هذه الراوية: علي بن هارون، وهو مجهول، وعمرو بن الأزهر العتكي، وهو كذاب يضع الحديث. ينظر: تعليق محمود شاكر على هذا الأثر في تفسير الطبري (15:392).
(12)
تفسير عبد الرزاق (1:267)، والدر المنثور (4:452)، عن أبي الشيخ، وقد ذكر =
ومن اللُّغويِّينَ: صاحبُ كتابِ العينِ (1)، ونقل ابن قتيبة (ت:276) القولينِ ولم يعترضْ على هذا القولِ (2)، ونقل الطبريُّ هذا المعنى عنْ بعضِ البصريِّينَ مع شواهدِهِم عليه (3).
وقال أبو بكر بن دريد (ت:321): «وفي التَّنْزِيلِ: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ} [هود: 71] ذكرَ المفسِّرونَ أنَّها حَاضَتْ، واللهُ أعلمُ.
قالَ أبو بكرٍ: ليسَ في كلامِهِم: ضَحِكَتْ في معنى حَاضَتْ إلَاّ في هذا» (4).
وقال أبو بكر بن الأنباريِّ (ت:328): «أنكرَ الفَرَّاءُ، وأبو عبيدةَ، وأبو عبيدٍ أنْ يكون «ضحكت» بمعنى حَاضَتْ. وَعَرَفَهُ غيرُهم، قالَ الشَّاعِرُ (5):
تَضْحَكُ الضَّبْعُ لِقَتْلَى هُذَيْلٍ
…
وَتَرَى الذِّئبَ لَهَا يَسْتَهِلُّ
قال بعضُ أهلِ اللُّغةِ: معناه: تحيضُ» (6).
وسببُ هذا الخلافِ أنَّ المعنى الأوَّلَ ـ أي: الضحكَ ـ هو المشهورُ في دلالةِ اللَّفظِ، أمَّا الثاني فقليلٌ، ولذا أنكرَهُ بعضُ اللُّغويينَ، ولكَّنه إنكارٌ مردودٌ، إذ المُثْبِتُ مُقَدَّمٌ على النَّافي، ومنْ حفظَ حُجَّةٌ على منْ لم يحفظْ (7).
= عكرمة ـ في رواية أبي الشيخ عنه ـ شاهداً شعرياً:
إني لآتِي العِرْسَ عِنْدَ طُهُورِهَا
…
وَأَهْجُرُهَا يَوماً إذا هِيَ تَضْحَكُ
(1)
كتاب العين (3:58).
(2)
تفسير غريب القرآن (ص:205).
(3)
تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (15:392 - 393).
(4)
جمهرة اللغة (1:546).
(5)
البيت مُختلفٌ في نسبتِه، فنُسِبَ للشَّنْفَرى، ولتأبَّطَ شَرّاً، ولابن أخته، ولخلف الأحمر، ينظر: المعجم المفصَّل في شواهد اللغة العربية (6؛285).
(6)
زاد المسير، تحقيق: محمد عبد الرحمن (4:103)، وينظر: مفاتيح الغيب، للرازي، ط: دار الكتب العلمية (18:22).
(7)
ينظر: روح المعاني (12:98).
وهذا القولُ، فضلاً عن ورودِهِ عنِ السَّلفِ، فإنه مُدعَّمٌ بالشَّواهدِ الشِّعريَّةِ التي تُثْبِتُهُ لغةً (1)، وهو مع ثبوتِه لغةً، أضعفُ في التَّفسير منَ القولِ الأوَّلِ (2)؛ لأنَّ المعنى المشهورَ مُقدَّمٌ على المعنى القليلِ.
2 -
اختلفَ المفسرونَ في لفظِ «بَرْداً» منْ قولِهِ تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا} [النبأ: 24] على أقوالٍ، منها:
القولُ الأولُ: البَرْدُ: الهواءُ الباردُ الذي يُبَرِّدُ حرارةَ الجسمِ، ونُسِبَ إلى مقاتلِ بنِ سليمانَ (ت:150) (3)، واختارَه الطَّبريُّ (ت:310) (4)، وأبو جعفر النَّحَّاسُ (ت:338) (5).
وقال المَاوَرْدِيُّ (ت:450)(6): «أنه بردُ الماءِ وبردُ الهواءِ، وهو قول كثيرٍ من المفسرين» (7).
القولُ الثاني: البَرْدُ: النَّومُ، وقد نُسِبَ هذا القول إلى بعضِ السَّلفِ،
(1) ينظر الشواهد في: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (15:393)، وروح المعاني (12:98)، ولسان العرب، مادة (ضحك).
(2)
ينظر: غرائب التفسير، للكرماني، تحقيق: شمران سركال (1:512)، وقد جعله من العجيب [والعجيب: ما فيه أدنى خلل ونظر (2:1413)]. وينظر: المحرر الوجيز، ط: قطر (7:345)، والتسهيل لعلوم التنْزيل، لابن جُزَي (2:109).
(3)
معالم التنْزيل، للبغوي (4:438)، وزاد المسير، لابن الجوزي (8:165).
(4)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:12).
(5)
إعراب القرآن، للنحاس، تحقيق: الدكتور زهير غازي زاهد (5:131 - 132)، والقطع والائتناف، للنحاس (ص:758).
(6)
علي بن محمد بن حبيب، أبو الحسن المَاوَرْدِيُّ، القاضي الشافعيُّ، أصوليٌّ، فقيهٌ، أديبٌ، مفسِّرٌ، له في التفسير كتابُ النُّكت والعيون، توفي سنة (450). ينظر: طبقات الشَّافعية، لابن السُّبْكي (5:267 - 285)، ومعجم المفسرين (1:375).
(7)
النكت والعيون، للماوردي، تحقيق: السيد بن عبد المقصود (6:187)، وينظر: المحرر الوجيز (15:287).
وهم: ابنُ عَبَّاسٍ (ت:68)(1)، ومجاهدُ بنُ جبر (ت:104) (2)، والسُّدِّيُّ (ت:128) (3).
وهو اختيارُ أبي عبيدةَ (ت:210)(4)، وابنِ قُتَيبَةَ (ت:276) (5)، وثعلب (ت:291) من اللُّغويِّين (6)، وقد نُسِبَ هذا القول إلى غيرهم (7).
وإذا نظرتَ إلى هذين المدلولينِ، فإنَّكَ ستجدُ أنَّ المدلولَ الأولَ الذي فُسِّرَ به لفظِ «البَرْدِ» أشهرُ في إطلاقِ اللُّغةِ من المدلولِ الثاني.
قال النَّحَّاسُ (ت:338)؛ «وأصَحُّ هذه الأقوالِ القولُ الأوَّلُ؛ لأنَّ البَرْدَ ليسَ باسمٍ من أسماءِ النَّومِ، وإنَّما يُحتَالُ فيه، فيقال للنَّومِ بَرْدٌ؛ لأنَّه يُهَدِّي العَطَشَ.
والواجبُ أن يُحْمَلَ كتابُ اللهِ جلَّ وعَزَّ على الظَّاهِرِ والمعروفِ من المعاني، إلَاّ أنْ يَقَعَ دَليلٌ على غيرِ ذلكَ» (8).
(1) معالم التنْزيل، للبغوي (4:438).
(2)
النكت والعيون، للماوردي (6:187)، وزاد المسير، لابن الجوزي (8:165).
(3)
النكت والعيون، للماوردي (6:187)، وزاد المسير، لابن الجوزي (8:165).
(4)
مجاز القرآن، لأبي عبيدة (2:282).
(5)
تفسير غريب القرآن (ص:509).
(6)
تفسير القرآن، للسمعاني، تحقيق: ياسر بن إبراهيم، وغنيم عباس (6:139).
(7)
نسبه ابن عطية في تفسيره إلى الكسائي، والفضل بن خالد، ومعاذ النحوي. ينظر: المحرر الوجيز (15:287).
(8)
إعراب القرآن، للنحاس (5:132)، وينظر له القطع والائتناف (ص:758). وهذا الترجيح مأخوذ من الإمام الطبري، كما هي عادة النحاس في استفادته من ترجيحات الطبري واختياراته، قال الطبريُّ في تفسيره، ط: الحلبي (30:13): «والنوم، وإن كان يُبرِد غليل العطش ـ فقيل له من أجل ذلك: البرد ـ فليس هو باسمه المعروف، وتأويل كتاب الله على الأغلب من معروف كلام العرب دون غيره» . وينظر: التحرير والتنوير (30:37).
والمقصودُ أنَّ هذا الخلافَ كان بسببِ حَمْلِ اللَّفظِ على المعنيينِ: الأشهرِ المعروفِ، والأقلِ المنكورِ، واللهُ أعلمُ.
3 -
اختلفَ المفسِّرونَ في لفظِ «يَنْصُرَهُ» مِنْ قولِه تعالى: {مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} [الحج: 15] على قولينِ:
القولُ الأوَّلُ: ينصره: يعينُهُ في الغَلَبَةِ على عدوِّهِ.
وقال به من السَّلفِ: قتادةُ (ت:117)، وابنُ زيد (ت:182) (1).
وقال به من اللُّغويينَ: الفَرَّاءُ (ت:207)(2)، والزَّجَّاجُ (ت:311) (3)، والنَّحَّاسُ (ت:338) (4)، والأزْهَرِيُّ (ت:370) (5).
القول الثاني: ينصره: يرزقه، وفي معنى الآية احتمالان:
الاحتمال الأول: ما قاله ابنُ عبَّاسٍ (ت:68) من أنَّ المعنى: منْ كانَ يَظُنُّ أنَّ اللهَ لَنْ يَرْزُقَ محمداً صلى الله عليه وسلم (6).
الاحتمال الثاني: ما قاله مجاهدٌ بن جبر (ت:104) من أنَّ المعنى: منْ كانَ مِنَ النَّاسِ يظنُّ أنَّ الله لنْ يرزقه، فالضَّميرُ يعودُ على «مَنْ» (7).
ومن اللُّغوييِّنَ من فسَّر النَّصرَ بالرِّزقِ؛ كأبي عبيدةَ (ت:210)(8)، وقد رجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ (9).
(1) ينظر قولهما في تفسير الطبري، ط: الحلبي (17:126).
(2)
معاني القرآن (2:218).
(3)
معاني القرآن وإعرابه (3:417).
(4)
إعراب القرآن (4:90).
(5)
تهذيب اللغة (12:160).
(6)
ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (17:127).
(7)
ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (17:127).
(8)
مجاز القرآن (2:46)، واستدلَّ له بنثرٍ من قول العرب وبشعر.
(9)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (17:128).
وسببُ هذا الخلافِ أنَّ المعنيينِ واردانِ في هذه اللَّفظةِ، غيرَ أنَّ الأوَّلَ هو المعنى المشهورُ في اللَّفظةِ، لذا لم يردْ هذا الخلافُ في مدلولِ هذه اللَّفظةِ في القرآنِ إلَاّ في هذا الموضعِ؛ أي أنَّ الغالبَ في مدلولِها في القرآن: معنى التأييدِ والإعانةِ، وهو المعروفُ من معنى اللَّفظِ.
قال ابنُ عَطِيَّة (ت:542): «والنَّصْرُ: معروفٌ، إلَاّ أنَّ أبا عُبَيدَةَ ذَهَبَ به إلى معنى الرِّزْقِ» (1).
(1) المحرر الوجيز (10:239)، وقد رجَّح معنى النصر (ص:242)، فقال:«وأبين وجوه هذه الآية: أن تكون مثلاً، ويكون النصر المعروف» .
رابعاً الاختلاف بسبب أصل اللَّفظ واشتقاقه
الاشتقاقُ: أَخْذُ صِيغَةٍ مِنْ أخرى مع اتفاقِهما معنًى، ومادةً أصليةً، وهيئةَ تركيب لها؛ ليُدلَّ بالثانيةِ على معنى الأصلِ، بزيادةٍ مفيدةٍ؛ لأجلها اختلفا حروفاً أو هيئةً؛ كضاربِ من ضَرَبَ، وحَذِرٌ من حَذِرَ، وهذا هو الاشتقاقُ الأصْغَرُ (1)، وهو المقصود هنا.
والاشتقاقُ عَوْدٌ باللَّفظِ إلى أصلِه لِيُنْبِئَ عن معناه. وبما أنه مفيدٌ في معرفةِ أصلِ الكلمةِ، فإنه يفيدُ كذلك في معرفةِ خطأ بعضِ التَّفاسيرِ الشَّاذَّةِ التي خرجَ بها قائلوها عن المعنى المعروفِ بسببِ دعوى باطلةٍ، ومن ذلك:
1 -
ما وردَ عن بعضِهم في تفسيرِ قولِ الله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} [الإسراء: 71] بأنَّ إماماً: جمعُ أُمٍّ.
(1) ينظر: المزهر، للسيوطي (1:346 - 347)، وينظر غيره من التعريفات في: الكليات، للكفوي، تحقيق: عدنان درويش ومحمد المصري (ص:117)، والعلم الخفاق في علم الاشتقاق، محمد صديق خان، تحقيق: نذير محمد مكتبي (ص:65 - 76).
(2)
الكشاف، للزمخشري، ط: دار المعرفة (2:459). وقد جعله الكرماني في كتابه: =
2 -
وفَسَّرَ الزَّجَّاجَ (ت:311) قولَ الله تعالى: {وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا} [الكهف: 40]، فقال:«وهذا موضعٌ لطيفٌ يحتاجُ أنْ يُشْرَحَ، وهو أنَّ الحُسْبَانَ في اللُّغةِ هو الحِسَابُ، قالَ تعالى: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} [الرحمن: 5]، المعنى: بِحِسَابٍ. فالمعنى في هذه الآيةِ: أنْ يُرسِلَ عليها عذابَ حُسْبَانٍ، وذلك الحُسْبَانُ هو حِسَابُ ما كسبتْ يداكَ» (1).
وقد تعقَّبَ الأزْهَرِيُّ (ت:370) هذا القولَ، فقال:«والذي قاله الزَّجَّاجُ في تفسيرِ هذه الآيةِ بعيدٌ، والقولُ ما قاله الأخْفَشُ وابنُ الأعْرَابِيِّ وابنُ شُمَيْل (2)، والمعنى ـ والله أعلم ـ: أنَّ اللهَ يُرْسِلُ على جَنَّةِ الكافرِ مَرَامِيَ مِنْ عَذابٍ، إما بَرَدٌ، وإمَّا حِجَارَةٌ، أوْ غيرُها مما شاءَ، فَيُهْلِكُهَا ويُبْطِلُ غَلَّتَهَا» (3).
في هذا المثال جعل الزَّجَّاجُ (ت:311) الحُسْبَانَ: جمع الحِسَابِ، والصَّحيحُ أنَّه جمعٌ، واحدتُه: حُسبانة، وهي المرامي.
ويلاحظُ في هذا المثالِ أنَّ لفظَ «حِسَاب» ولفظَ «حُسْبَانَة» مفترقان في الرسمِ، وقد اتفقا في الجمعِ على صيغةٍ واحدةٍ، وهي الحُسْبَانُ، وهذا ما أحدثَ ذلك الخلافَ في تفسيرِ هذه اللَّفظةِ، وهذا يعني أنَّ هذا المبحثَ مرتبطٌ بمبحثِ المشتركِ اللَّفظيِّ من هذه الجِهَةِ، واللهُ أعلمُ.
والأمثلةُ لهذا المبحثِ كثيرةٌ (4)، وسأذكرُ منها ما يلي:
= غرائب التفسير، من قسم العجيب الذي فيه أدنى خَلَلٍ ونَظَرٍ (2:636)، ونسبه البغوي في تفسيره، تحقيق: خالد العك، ومروان سرور (3:126)، إلى محمد بن كعب القرظي.
(1)
معاني القرآن وإعرابه (3:290).
(2)
الحُسْبَانُ في قولِهم: المَرَامي. ينظر: تهذيب اللغة (4:332).
(3)
تهذيب اللغة (4:332). وقد فسر السلف هذه الآية بمثل ما ذكره عن الأخفش وابن الأعرابي وابن شميل، ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (15:248 - 249).
(4)
هذا المبحثُ وما سبقه من المباحثِ مما يصلحُ لتوسيع البحثِ فيه لكثرةِ الأمثلةِ التطبيقيَّةِ التي يمكنُ أن يُدرِّسها من أرادَ التفسير، ويجعلها مادَّةً للنقاشِ مع طلَاّبِه.
1 -
اختلفَ المفسِّرونَ في تفسيرِ لفظِ «عِضِينَ» من قوله تعالى: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} [الحجر: 91] على قولين:
القول الأول: عِضِين: فرَّقُوه فِرَقاً، وجعلوه أعضاءَ كأعضاءِ الجَزُورِ [أي: الجمل]، فهو من العضو.
وقالَ به منَ السَّلفِ:
حبرُ الأمَّةِ ابنُ عَبَّاسٍ (ت:68)(1)، وسعيد بنُ جُبَير (ت:94) (2)، ومجاهدٌ بن جبر (ت:104) (3)، والضَّحَّاكُ بنُ مزاحم (ت:105) (4)، وعِكْرِمَةُ (ت:105) (5)، وعطاءُ بنُ أبي رَبَاح (ت:114) (6)، وقَتَادَةُ (ت:117) (7)، وعبد الرحمن بنُ زَيد (ت:182) (8).
وممن قال به منَ اللُّغويينَ:
الخَلِيلُ بنُ أحمدَ (ت:175)(9)، والفَرَّاءُ (ت:207) (10)، وأبو عُبَيدَةَ (ت:210) (11)، والأخفشُ (ت:215) (12)، وابنُ الأعرابيِّ (ت:231) (13)، وابنُ قُتَيبَةَ (ت:276) (14).
(1) تفسير الطبري، ط: الحلبي (14:61، 64).
(2)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (14:62، 64).
(3)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (14:63).
(4)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (14:64).
(5)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (14:62).
(6)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (14:64).
(7)
تفسير عبد الرزاق (1:303)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (14:64).
(8)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (14:64).
(9)
مقاييس اللغة، لابن فارس (4:347).
(10)
معاني القرآن (2:92).
(11)
مجاز القرآن (1:355).
(12)
معاني القرآن (2:413).
(13)
ينظر: لسان العرب، مادة (عضا).
(14)
تفسير غريب القرآن (ص:239).
القولُ الثاني: عِضِين: سِحْرٌ.
ووردَ هذا التَّفسيرُ عن مجاهدٍ (ت:104)(1)، وعِكْرِمَةَ (ت:105) (2).
وقد أشارَ إلى هذا القولِ جَمْعٌ منْ أهلِ اللُّغةِ (3).
وسببُ هذا الخلافِ: اختلافُ النَّظرِ إلى أصلِ هذا اللَّفظِ واشتقاقِهِ، قالَ الأزهريُّ (ت:370) مبيناً ذلك: «وأمَّا قولُ اللهِ جلَّ وعزَّ: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} [الحجر: 91]، فقدِ اختلفَ أهلُ العربيَّةِ في اشتقاقِ أصلِهِ وتفسيرِه، فمنهم من قالَ: واحدُها عِضَةٌ، وأصلُها عَضْوَةٌ، من عَضَّيْتُ الشَّيءَ: إذا فَرَّقتُهُ، جعلوا النُّقصانَ الواو [كذا]، والمعنى: أنَّهم فرَّقوا ـ يعني: المشركون ـ أقاويلَهم في القرآنِ؛ أي: فجعلوه مَرَّةً كَذِباً، ومَرَّةً سِحْراً، ومَرَّةً شِعْراً، ومَرَّةً كِهَانَةً.
ومنهم منْ قالَ: أصل العِضَةِ عِضِهَةٌ، فاستثقلُوا الجمعَ بينَ هاءينِ، فقالوا: عِضَةٌ، كما قالوا: شفةٌ، والأصلح شَفَهَةٌ، وكذلك سَنَةٌ، وأصلُها: سَنَهَةٌ.
وقالَ الفَرَّاءُ: العِضُونَ في كلامِ العربِ: السِّحْرُ (4)، وذلكَ أنَّه جعلَه من العِضْهِ، وَرُوِيَ عنْ عِكْرِمَةَ أنَّه قالَ: العِضْهُ: السِّحْرُ بلسانِ قُرَيشٍ. وهم يقولون للسَّاحِرِ: عَاضِهٌ (5). والكِسَائِيُّ (6) ذهبَ إلى هذا» (7).
(1) تفسير الطبري، ط: الحلبي (14:66).
(2)
تفسير عبد الرزاق (1:303)، وغريب الحديث، للحربي، (3:925)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (14:66).
(3)
ينظر: معاني القرآن، للفراء (2:92)، ومعاني القرآن، للنحاس (4:43)، وينظر: الصحاح، مادة (عضه)، ولسان العرب وتاج العروس، مادة (عضا).
(4)
ينظر: قوله في معاني القرآن (2:92).
(5)
ينظر قوله في تفسير الطبري، ط: الحلبي (14:66).
(6)
ينظر: غريب الحديث، للحربي (3:925).
(7)
تهذيب اللغة (1:130 - 131).
2 -
اختلفَ المفسِّرونَ في لفظِ «صلصال» منْ قولِه تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} [الحجر: 26] على قولين:
القولُ الأولُ: الصِّلْصَالُ: الطِّينُ اليابسُ الَّذي إذا نَقَرْتَهُ صَلَّ؛ أي: أصدرَ صوتاً.
وبه قالَ: ابنُ عَبَّاسٍ (ت:68)(1)، وقتادةُ (ت:117) (2).
ومِنَ اللُّغويينَ: أبو عبيدةَ (ت:210)(3)، وابنُ قتيبةَ (ت:276) (4)، والزَّجَّاجُ (ت:311) (5).
القولُ الثاني: الصَّلْصَالُ: المُنْتِنُ.
وبه قالَ مجاهد (ت:104)(6). ولم أجدْ أحداً مِنَ اللُّغويينَ قالَ به، وإنْ كانَ بعضُهم قدْ ذَكَرَهُ عنْ مجاهد (ت:104) (7).
والقولُ الأوَّلُ جعلَ أصلَ الكلمةِ مِنَ الصَّلْصَلةِ؛ أي: الصَّوتُ، ومنه: صَلْصَلَةُ اللِّجَامِ، والحُلْيِ؛ أي: صوتُهُما، والصَّلْصَلَةُ: صَوتُ الرَّعْدِ إذا كانَ صَافِياً، ويقالُ لِلْفَرَسِ إذا كانَ حَادَّ الصَّوتِ: فَرَسٌ صَلْصَالٌ (8).
وأمَّا القولُ الثاني، فجعلَ أصلَه مِن صَلَّ الشَيءُ، إذا تغيَّرَ وأنْتَنَ.
(1) الدر المنثور (5:76).
(2)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (14:27). وقد ترجم الطبري لهذا القول المذكور، وأورد الرواية عن ابن عباس ومجاهد والضحاك، وليس فيها تصريح بحدوث الصوت، فتركتها.
(3)
مجاز القرآن (1:350).
(4)
تفسير غريب القرآن (ص:237 - 238).
(5)
معاني القرآن وإعرابه (3:178).
(6)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (14:28).
(7)
ينظر: تهذيب اللغة (12:113)، وتاج العروس، مادة (صلل).
(8)
ينظر: لسان العرب، مادة (صلل).
قالَ الطَّبريُّ (ت:310): «وقالَ آخرونُ: الصَّلْصَالُ: المُنْتِنُ، وكأنَّهم وجَّهوا ذلكَ إلى أنَّه مِنْ قولِهم: صَلَّ اللَّحْمُ، وأَصَلَّ: إذا أَنْتَنَ» (1).
3 -
اختلفَ المفسِّرونَ في لفظِ «مُسْتَمِرٌّ» من قولِه تعالى: {وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} [القمر: 2] على أقوالٍ، منها:
القولُ الأوَّلُ: مُسْتَمِرٌّ، ذاهبٌ وزائلٌ.
وقالَ به منَ السَّلفِ: مجاهدُ بن جبرٍ (ت:104)(2)، وقتادةُ بن دعامة السدوسي (ت:117) (3).
ومِنَ اللُّغويِّينَ: الفَرَّاءُ (ت:207)(4)، والزَّجَّاجُ (ت:311) (5).
القولُ الثاني: مُسْتَمِرٌّ: شَدِيدٌ قَوِيٌّ.
وقدْ نُسِبَ إلى أبي العَالِيَةِ (93)، والضَّحَّاكِ بنِ مُزَاحِمٍ (ت:105) (6).
وممن قال به من أهلِ اللُّغةِ: أبو عبيدةَ (ت:210)(7)، وابنُ قتيبةَ (ت:276) (8)، وابنُ عُزَيزٍ السِّجسْتَانِيُّ (ت:330) (9).
(1) تفسير الطبري، ط: الحلبي (14:28)، وينظر: تهذيب اللغة (12:113).
(2)
تفسير مجاهد (ص:633)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (27:88)، وعلَّقه عنه البخاري في صحيحه (فتح الباري: 8:482). وينظر: تغليق التعليق، لابن حجر، تحقيق: سعيد القزقي (4:326 - 327).
(3)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (27 - 88).
(4)
معاني القرآن (3:104).
(5)
معاني القرآن وإعرابه (5:85).
(6)
ينظر: معالم التنْزيل (4:258)، والمحرر الوجيز (14:141)، وزاد المسير (7:243).
(7)
مجاز القرآن (2:240).
(8)
تفسير غريب القرآن (ص:431).
(9)
غريب القرآن (ص:330).
ومن ثَمَّ، فإنَّ أصلَ اللَّفظِ على التَّفسيرِ الأوَّلِ: مَرَّ يَمُرُّ: إذا ذَهَبَ (1). وأصلُه على التَّفسير الثَّاني: أنَّه مُسْتَفعِلٌ مِنَ الإمْرَارِ، مِنْ قولِهم: قدْ مَرَّ الحَبْلُ: إذا صَلُبَ وَقَوِيَ واشْتَدَّ (2).
وبهذه الأمثلةِ يظهرُ أنَّ التَّفسيرِ يختلفُ باختلافِ النَّظرِ إلى أصلِ اللَّفظةِ، وإنْ كانتْ صُورةُ اللَّفظِ في الأصلينِ تنتهي إلى صيغةٍ واحدةٍ (3).
(1) ينظر: تهذيب اللغة (15:198).
(2)
ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (27:88)، وتفسير غريب القرآن (ص:431).
(3)
الأمثلة في هذا الباب كثيرة، وينظر الألفاظ التالية في تهذيب اللغة، مع موازنتها بأقوال المفسرين: حصيراً (4:233)، حسوماً (4:344)، حاق (5:126)، المحيض (5:159)، تصدى (12:104)، مسنون (12:301)، مثاني (15:138)، أماني (15:534).
خامساً الاختلاف بسبب المعنى القريب المتبادر للذهن والمعنى البعيد لِلَّفظِ
إذا كان للفظِ مدلولانِ، أحدهما قريبٌ متبادرٌ للذِّهنِ، والآخرُ بعيدٌ، وسمعْتَ متكلِّماً يتكلَّم بهذا اللَّفظِ، فإنَّ الغالبَ أن يتبادرَ إلى ذهنِكَ المعنى الظَّاهِرُ القريبُ، دون المعنى البعيدِ الذي لا يُوصَلُ إليه إلَاّ بتقليبِ النَّظرِ في المعاني المحتملةِ.
فلو قالَ قائلٌ: اهْجُرْ فلاناً، لذهبَ الذِّهنُ إلى معنى التَّرْكِ، أي: اتركُهُ وصحبتَهُ، لأنَّ هذه الدِّلالةَ هي المعنى المتبادرُ القريبُ من الذِّهنِ في مدلولِ هذا اللَّفظِ. وقدْ لا يَخْطُرُ ببالِكَ أنَّ المرادَ هاهنا السَّبُ، وهو معنى آخرُ مُحْتَمَلٌ في دلالةِ هذا اللَّفظِ.
والتَّفريقُ بينَ المعنى القريبِ والمعنى البعيدِ يمكنُ أنْ تكونَ كثرةُ الاستعمالِ هي المرجعَ في معرفتِهِ، فكثرةُ استعمالِ العربِ لهذا اللَّفظِ في هذا المعنى دونَ ذاكَ يجعلُه أقربُ إلى الذِّهْنِ مِنْ غيرِه عندَ وُرُودِ الاحتمالِ عليه في سياقٍ مِنْ سِياقاتِ الكلامِ.
وقدْ وَرَدَتْ ألفاظٌ في القرآنِ حملَها المفسِّرونَ على معانٍ محتملةٍ فيها، غيرَ أنَّ بعضَها يكونُ أقربَ إلى الذِّهنِ مِنْ بعضٍ، لشهرتِه وكثرة استعمالِه في أحدِ معاني اللفظِ.
ومِنْ هذه الأمثلةِ التي وقعَ خلافٌ فيها بينَ المُتَأَوِّلينَ لكتابِ الله، ما يأتي:
1 -
اختلفَ المفسِّرونَ في لفظِ الأعناقِ مِنْ قوله تعالى: {إِنْ نَشَا نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 4]، على أقوالٍ:
القولُ الأول: أعناقهم: الأَعْنَاقُ المعروفَةُ؛ أي: الرِّقَاب.
ومِمنْ قالَ بهِ مِنَ السَّلفِ: ابنُ عَبَّاسٍ (ت:68)(1)، ومجاهدُ بنُ جبرٍ (ت:104) (2)، وقُتادةُ (ت:117) (3).
ومن اللُّغويِّينَ: الفَرَّاءُ (ت:207)(4)، وأبو عبيدةَ (ت:210) (5)، ونَسَبَهُ المُبَرِّدُ (ت:285) إلى عَامَّةِ النَّحويِّينَ (6)، ورجَّحَهُ الطبريُّ (ت:310) (7).
القولُ الثَّاني: أعناقهم: كُبَرَاؤهم وأشرافُهم.
وقدْ نَسَبَهُ الفَرَّاءُ (ت:207) إلى مجاهد (ن:104)(8).
وقالَ به: قُطْرُبُ (ت:206)(9)، وابنُ عُزَيْزَ (ت:330) (10).
القولُ الثَّالثُ: أعناقهم: جَمَاعَتُهُمْ.
وقالَ به بعضُ اللُّغويِّينَ: صاحبُ كتابِ العينِ (11)، وأبو زيدٍ الأنصاريُّ
(1) تفسير الطبري، ط: الحلبي (19:59).
(2)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (19:59).
(3)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (19:59)، وتفسير ابن أبي حاتم (8:2750).
(4)
معاني القرآن (2:277).
(5)
مجاز القرآن (2:83).
(6)
الكامل (2:669).
(7)
قال الطبري: «وأولى الأقوالِ في ذلك بالصواب، وأشبهُها بما قال أهل التأويل في ذلك: أن تكون الأعناق هي أعناق الرجال، وأن يكون معنى الكلام: فظلت أعناقهم ذليلة للآية التي ينْزلها الله عليهم من السماء» . تفسير الطبري، ط: الحلبي (19:62).
(8)
معاني القرآن: (2:277)، وقد نسبه إليه ـ كذلك ـ النحاسُ في معاني القرآن (5/ 62).
(9)
النكت والعيون، للماوردي (4:165).
(10)
غريب القرآن (ص:257).
(11)
كتاب العين (1:168).
(ت:215)(1)، وابنُ فَارِسَ (ت:395) (2).
وقد نَسَبَهُ النَّحَّاس (ت:338) إلى الأخفشُ (ت:215)(3)، كما نَسَبَهُ الأزهريُّ (ت:370) إلى أكثرِ المفسِّرين (4).
إذا تأملتَ هذه الأقوالَ، وجدتَ أنَّ القولَ الأوَّلَ الذي قال به السَّلفُ وجمعٌ من اللغويِّينَ أقربُ إلى الذِّهنِ مِنَ المعنيينِ الآخَرَيْنِ، وهما ـ مع كونهما محتملينِ ـ مرجوحانِ بسبب أنَّ القولَ الأوَّلَ هو الأقربُ المتبادرُ للذِّهنِ، واللهُ أعلمُ (5).
2 -
اختلفَ المفسِّرونَ في لفظِ الثِّيابِ مِنْ قَوْلِه تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] على أقوالٍ، منها:
القولُ الأوَّلُ: ثيابك: الثيابُ الملبوسةُ، ويكونُ ذلك بإبعادِ النجاسةِ عنها.
(1) ينظر: نسبته إليه في: الكامل، للمبرد (2:669)، ومعاني القرآن، للنحاس (5:63)، ومقاييس اللغة، لابن فارس (4:159).
(2)
مقاييس اللغة (4:159).
(3)
معاني القرآن، للنحاس (5:63). والذي في معاني القرآن للأخفش (2:460): «يزعمون أنها على الجماعات» .
(4)
تهذيب اللغة (1:252). وهذه النسبة إن كان المراد بها مفسري السلف، ففي ذلك نظر، والله أعلم.
(5)
لا يشكل على هذا قوله: {خَاضِعِينَ} حيث جاءت على جمع ما يعقل، والأعناق تجمع على ما لا يعقل، وقد أجاب العلماء عن هذا بأجوبة، منها.
1 -
أنها لما نُسِب إليها فعل يناسب العقلاء جاء الجمع على جمعهم؛ كقوله تعالى: {رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4].
2 -
أنَّ خاضعين صفةٌ للكنايةِ عن القوم، التي هي الضمير «هم» في أعناقهم، والتقدير: فظلت أعناق القوم خاضعين. وقد سبق ذكرُ هذا التخريجِ، وينظر: مجاز القرآن (2:83)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (19:59 - 62).
وبه قال: ابنُ عَبَّاسٍ (ت:68)(1)، والضَّحَّاكُ (ت:105) (2)، وعِكْرِمَةُ (ت:105) (3)، وطَاوُسُ بنُ كَيسَانَ اليمانيُّ (ت:106) (4)، ومحمدُ بنُ سِيرينَ (ت:110) (5)، وعبدُ الرحمن بن زيد (ت:182) (6)، وسُفْيَانُ بنُ عُيَينَةَ (ت:198) (7)، والشافعيُّ (ت:204) (8).
القولُ الثَّاني: أنَّ الثيابَ: النَّفْسُ، ويكونُ ذلك بتزكيَتِها، وعبَّرَ عنها بعضُهم بقولِه:«عَمَلَكَ فَأَصْلِحْهُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا كانَ خبيثَ العمل، قالوا: فلانٌ خبيثُ الثِّيابِ، وإذا كانَ حَسَنَ العملِ، قالوا: فلانٌ طاهرُ الثِّيابِ» (9).
وورد هذا المعنى عن ابنِ عبَّاسٍ (ت:68)(10)، والنَّخَعِيِّ (ت:96) (11)، وعامرٍ الشَّعْبِيِّ (ت:103) (12)، ومجاهدِ بنِ جبرٍ (ت:104) (13)، وعَطَاءِ بنِ أبي رباحٍ (ت:114) (14)، وقتادةَ (ت:117) (15).
(1) تفسير الطبري، ط: الحلبي (29: 145، 146)، وتفسير ابن أبي حاتم (10:3382).
(2)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (29:146).
(3)
نسبه إليه: أبو المظفر السمعاني في تفسيره (6:89)، والبغوي في تفسيره (4:413)، وابن الجوزي في تفسيره (8:121).
(4)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (29:146).
(5)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (29:146).
(6)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (29:147).
(7)
نسب إليه هذا القولَ ابنُ قتيبة في تفسير غريب القرآن (7:495).
(8)
أحكام القرآن، للبيهقي (ص:81).
(9)
هذا قول أبي رزين، ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (29:146).
(10)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (29:145، 146).
(11)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (29:146).
(12)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (29:146).
(13)
نسبه إليه البغوي في تفسيره (4:413). كما نسبه إليه الضحاك والزهري.
(14)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (29:146).
(15)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (29:146). وعبارة قتادة: «طهِّرها من المعاصي، =
وقال به منَ اللُّغويِّين: الفَرَّاءُ (ت:207)(1)، وابنُ قُتَيْبَةَ (ت:276) (2)، والزَّجَّاجُ (ت:311) (3).
وإذا تأملتَ هذه الأقوالَ، وجدتَ أنَّ القولَ الأوَّلَ هو القريبُ المتبادرُ للذِّهنِ، بخلافِه القولُ الثَّاني الذي هو أبعدُ منه، إذ لا يتبادرُ إلى الذهنِ إرادته، وكلا القولينِ محتملٌ في الآيةِ (4)، والله أعلم.
3 -
اختلفَ المفسِّرونَ في لفظ «حَمَّالَةَ الحَطَبِ» مِنْ قولِه تعالى: {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} [المسد: 4] على قولين:
القولُ الأوَّلُ: حَمَّالَةَ الحَطَبِ: تحملُ الشَّوكَ، وتلقيه في طريقِ الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم.
وهذا قولُ ابنِ عَبَّاسٍ (ت:68)(5)، ومجاهدَ (ت:104) (6)، والضَّحَّاكِ (ت:105) (7)، والحَسَنِ (ت:110) (8)، وابنِ زيدٍ (ت:182) (9)، وعَطِيَّةَ العَوفِيِّ الجَدَلِيِّ (ت:111) (10)، واختارَه الطَّبَرِيُّ (ت:310) (11).
= فكانت العرب تسمي الرجل إذا نكث ولم يفِ بعهده أنه دَنِسُ الثياب، وإذا وفى وأصلح قالوا: مطهر الثياب».
(1)
معاني القرآن (3:200).
(2)
تأويل مشكل القرآن (ص:142)، وتفسير غريب القرآن (ص:495).
(3)
معاني القرآن وإعرابه (5:245).
(4)
ينظر في صحةِ احتمال القولين لمعنى الآية ـ مثلاً ـ: أحكام القرآن، لابن العربي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم (4:1887)، والتحرير والتنوير (29:297).
(5)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:338).
(6)
الدر المنثور (8:667).
(7)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:339).
(8)
نسبه إليه هود بن محكم في تفسيره، وهو مختصر لتفسير يحيى بن سلام (4:542).
(9)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:339).
(10)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:339).
(11)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:339).
القولُ الثاني: حَمَّالَةَ الحَطَبِ: تمشي بالنَّميمةِ.
وهو قولُ مجاهد (ت:104)(1)، وعِكْرِمَةَ (ت:105) (2)، والحَسَنِ البصريِّ (ت:110) (3)، وقتادةَ (117)(4)، وسفيان الثوريِّ (ت:164) (5).
وبه قال: الفَرَّاءُ (ت:207)(6)، وابنُ قُتَيبَةَ (ت:276) (7).
والقولُ الأوَّلُ هو القولُ المتبادرُ الأقربُ إلى الذِّهنِ، وهو المعنى الظاهرُ مِنَ اللَّفظِ، قالَ الطَّبَريُّ (ت:310): «وأولى القولينِ عندي، قولُ مَنْ قالَ: كانتْ تَحْمِلُ الشَّوكُ، فتطرحُه في طريقِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ ذلكَ هو أظهرُ معنى ذلكَ» (8).
والمرادُ بالشَّوكِ هنا: الشَّجرُ الذي فيه شوكٌ، قالَ عَطِيَّةُ العَوفِيُّ (ت:111): «كانتْ تَضَعُ العَضَاةَ (9) على طريقِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فكأنما يَطَأُ به كثيباً» (10)، وقالَ ابنُ زَيدٍ (ت:182): «كانتْ تأتي بأغصانِ الشَّوكِ، فتطرحُها باللَّيلِ في طريقِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم» (11)، وعلى هذا فمنْ عَبَّرَ بالشَّوكِ فإنَّه فَسَّرَ بالجزءِ الذي هو المقصودُ في الإيذاءِ، واللهُ أعلمُ.
(1) تفسير مجاهد (ص:759)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (30:339).
(2)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:339).
(3)
الدر المنثور (8:667).
(4)
تفسير عبد الرزاق (2:331)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (30:339).
(5)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:339).
(6)
معاني القرآن (3:299).
(7)
تأويل مشكل القرآن (ص:160)، وتفسير غريب القرآن (ص:542).
(8)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:339)، والعبارة فيها قلق، ولعل صحتها:«لأن ذلك هو أظهر معانيه» ؛ لأنه كثيراً ما يعبِّر بهذه العبارة، والله أعلم.
(9)
العضاة: كلُّ ذات شوك من الشجر، ينظر: القاموس المحيط، مادة: عضه.
(10)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:339).
(11)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:339).
والمعنى الثاني أبعدُ عن الذِّهنِ مِنَ المعنى الأوَّلِ، غيرَ أنَّه معروفٌ في اللُّغةِ، قالَ ابنُ قُتَيْبَةَ (ت:276): «قالَ ابنُ عَبَّاسٍ ـ في رواية أبي صالحٍ عنه ـ: الحَطَبُ: النَّمِيمَةُ، وكانتْ تُوَرِّشُ (1) بين النَّاسِ.
ومنْ هذا قيل: فلانٌ يَحْطِبُ عَلَيَّ: إذا أغرى به، شَبَّهُوا النَّمِيمَةَ بالحَطَبِ، والعَدَاوَةَ والشَّحْنَاءِ بالنَّارِ؛ لأنَّهما يقعانِ بالنَّمِيمَةِ، كما تُلْهِبُ النَّارُ الحَطَبَ، ويقالُ: نارُ الحِقْدِ لا تَخْبُو. فاستعاروا الحَطَبَ في موضعِ النَّمِيمَةِ. وقالَ الشَّاعِر (2) ـ وذَكَرَ امْرَأةً ـ:
مِنَ البِيضِ لَمْ تَصْطَدْ عَلَى حَبْلِ سَوْأَةً
…
وَلَمْ تَمْشِ بَيْنَ الْحَيِّ بالحَظْرِ الرَّطْبِ
أي: لم تُوجَدَ على أمرٍ قبيحٍ، ولم تَمْشِ بالنَّمائمِ والكذبِ.
والحَظْرُ: الشَّجَرُ ذو الشَّوكِ.
وقالَ آخرُ (3):
فَلَسْنَا كَمَنْ تُزْجَى المَقَالَةُ شَطْرَهُ بِقَرْفِ العَضَاةِ الرِّطْبِ والعَبَلِ اليَبْسِ» (4).
وبهذا يظهرُ أنَّ المعنيينِ محتملانِ في الآيةِ، غيرَ أنَّ أحدَهما أسبقُ إلى الذِّهنِ منَ الثاني. وهكذا كلُّ ما شاكلَ هذه الأمثلةَ (5).
(1) التوريش: التحريش. ينظر: القاموس المحيط، مادة (ورش).
(2)
جاء هذا البيت في تهذيب اللغة، للأزهري (ت:4/ 394): بالحطب الرطب، وكذا في مقاييس اللغة، لابن فارس (2:79)، وقد نقله عن الأزهري صاحبا لسان العرب وتاج العروس في مادة (حطب)، وورد البيت في تفسير القرطبي (20:239)، وصدره:
من البيض لم تصطد على ظهر لأمة
…
........
(3)
القِرْفُ: القِشْرُ، والمرادُ به في البيتِ: اللِّحاءُ الذي يكونُ على الساق. والعبل اليبس: الورق الساقطُ من الشجرِ، والله أعلم، ولم أجد البيت فيما بين يدي من المصادر.
(4)
تأويل مشكل القرآن (ص:160).
(5)
ينظر مثلاً: تفسير «المساجد» بأنها أعضاء السجود في قوله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18]، وتفسير «الرجم» في مثل قوله:{لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ} [مريم: 46] بأنه السبُّ. وتفسير «النعجة» في قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً}
…
} [ص: 22] بأنه المرأة، وهناك غير هذه الأمثلة.
وقبلَ أنْ أختمَ هذا الفصلَ، أنبِّه على أمورٍ:
الأول: أنه قد تتفقُ الصيغةُ، ويختلفُ الأصلُ اللفظي المأخوذةُ منه، فما كانَ الأصلُ فيه مختلفاً، جعلتُ سببَ الاختلافِ فيه: النظر إلى أصل الاشتقاقِ، وما كان غير ذلك، جعلته من المشتركِ اللغويِّ، مثلُ لفظِ «مستمر» ، هل هو من مرَّ يمرُّ، أو أمرَّ الحبلُ: إذا اشتدَّ وقوي.
فهما، وإن كانا اتفقا في صيغةِ المصدرِ إلَاّ أنَّ معناهما مختلفانِ، لذا قد يُحكمُ على التفسيرِ بهما أنهما من المشتركِ اللَّفظيِّ باعتبارِ اشتراكِ هذه الصيغةِ في الدلالةِ على هذا المعنى، ولكن إذا اعتبرتَ أصلِ اللفظِ جعلتَ الاختلافَ بسببِ النظرِ إلى أصلِ اللفظِ، وهو الأصحُّ، واللهُ أعلمُ.
أمَّا إذا اتفقت الصيغة والأصلُ كلفظِ «نجم» ، فإنه من المشترك اللَّفظيِّ، ولا يدخلُه احتمالُ الاختلافُ بسبب أصل اللفظِ واشتقاقِه، لأنَّ أصله واحدٌ، والله أعلمُ.
الثاني: الفرقُ بين المعنى المشهورِ وضدِّه، والمعنى القريبِ وضدِّه.
لما جمعت الأمثلةَ من هذا البابِ وقسمتُها، جعلتُ كلَّ ما وقعَ عليه اعتراضٌ من العلماءِ في القسمِ المقابلِ للمشهورِ، أمَّا إذا لم يقعْ منهم اعتراضٌ على المعنى المذكورِ فإني جعلتُه من القسمِ المقابلِ للمعنى القريبِ.
الثالث: أنَّه يدخلُ في هذا البابِ ما كان الخلافُ فيه بسببِ حملِ اللَّفظِ على الحقيقةِ والمجازِ، عند من يقولُ به، لذا حملَ بعضُهم بعضَ هذه الأمثلةِ المذكورةِ على المجازِ، كالخلافِ في قولِه تعالى:{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4]، قال ابنُ العَرَبِيِّ (ت:543): «ليس يمتنعُ أنْ تُحْمَلَ الآيةُ على عمومِ المرادِ فيها بالحقيقةِ والمجازِ
…
» (1).
وعوداً على بدءِ فإنَّ هذا الاختلافَ الكائنَ بسببَ اللُّغةِ كانَ له أثرٌ في تَعَدُّدِ المحتملاتِ التَّفسيريَّةِ، وكانتْ هذه المحتملاتُ متراجحةً بين القبولِ وعدمِه، وليس هاهنا محلُّ بحثِ هذه المسألةِ، وإنما المرادُ إبرازُ الأثرِ الذي أفرزَهُ هذا الاحتمالُ اللُّغويُّ في التَّفسيرِ، واللهُ الموفِّقُ.
(1) أحكام القرآن، لابن العربي (4:1887).