المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مفهوم المجاز عند أبي عبيدة: - التفسير اللغوي للقرآن الكريم

[مساعد الطيار]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الأولالتفسير اللغوي: مكانته ونشأته

- ‌الفصل الأولالتفسير اللغوي ومكانته

- ‌المبحث الأولتعريفُ التَّفسير اللُّغويِّ

- ‌أولاً: تعريف التفسير:

- ‌التفسير لغةً:

- ‌التفسير اصطلاحاً:

- ‌تحليل هذه التعريفات:

- ‌ثانياً: تعريف اللغة:

- ‌اللغة اصطلاحاً:

- ‌مصطلحُ اللُّغةِ في كلامِ السَّلفِ:

- ‌المعاني المرادفةِ للفظِ اللُّغةِ في القرآن وكلامِ السَّلفِ:

- ‌ثالثاً: تعريف التفسير اللغوي:

- ‌المبحث الثانيمكانة التَّفسير اللُّغويِّ

- ‌الفصل الثانينشأةُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ

- ‌تمهيد

- ‌أولاً: التَّفْسِيرُ اللُّغَوِيُّ عِنْدَ السَّلفِ

- ‌طريقة السَّلفِ في التَّفسير اللُّغويِّ:

- ‌أسلوبُ الوجوه والنَّظائر

- ‌الأشباهُ والنَّظائرُ في اللُّغةِ:

- ‌الوجوهِ والنَّظائر في الاصطلاح:

- ‌بداية الكتابة في هذا العلم:

- ‌علاقةُ الوجوهِ والنَّظائر بالتَّفسير اللُّغويِّ:

- ‌كُلِّيَّات الألفاظِ القرآنيَّة:

- ‌ثانياً: التَّفسيرُ اللُّغويُّ عند اللُّغوِيين

- ‌تمهيد

- ‌أولاً: التفسيرُ اللغويُ في كتبِ الموضوعات:

- ‌ثانياً: التفسير اللغوي في معاجم الحروف:

- ‌القسمُ الثانيالمشاركة المباشرة في تفسير القرآن

- ‌طريقةُ التَّفسير اللُّغويِّ في هذه الكتبِ:

- ‌أولاً: كثرةُ مباحثِ الصَّرفِ والاشتقاقِ:

- ‌ثانياً: كثرة المباحث النحوية:

- ‌ثالثاً: كثرةُ الاستشهادِ منْ لغةِ العربِ:

- ‌رابعاً: بيانُ الأساليبِ العربيَّةِ الواردةِ في القرآنِ:

- ‌ التَّفسيرُ على المعنى

- ‌ علم الوجوه والنَّظائر عند اللُّغويِّين:

- ‌ أسلوبُ التَّفسير اللَّفظيِّ عند اللُّغويِّين:

- ‌الفصل الثالثمسائل في نشأة التفسير اللغوي

- ‌المسألة الأولىفي سَبْقِ السَّلفِ في علمِ التَّفسيرِ

- ‌المسألة الثانيةشمولُ التَّفسيرِ بين السَّلفِ واللُّغويِّين

- ‌المسألة الثالثةفي الاعتمادِ على اللُّغةِ

- ‌المسألة الرابعةفي الشَّاهِد الشِّعريّ

- ‌المسألة الخامسةفي علمِ الوجوهِ والنَّظائرِ

- ‌المسألة السادسةالتَّفسيرُ اللُّغويُّ بين البصرةِ والكوفةِ

- ‌المصدرُ الأولكتب التفسير

- ‌ وجوهِ تأويلِ القرآنِ

- ‌الأولى: الاستشهادُ بأقوالِ السَّلفِ في التَّفسير اللُّغويِّ:

- ‌الثَّانية: قَبُولُ المحتملاتِ اللُّغويةِ الواردةِ عنِ السَّلفِ:

- ‌الثالثةُ: استعمالُ اللُّغةِ في التَّرجيحِ:

- ‌ كثرةُ استخدامِه لأسلوبِ السؤالِ والجوابِ

- ‌ كثرةُ ذكرِه للفروقِ اللُّغويَّةِ بين الألفاظِ

- ‌ الشَّواهد الشِّعريَّةِ:

- ‌ الأساليبُ العربيَّةُ:

- ‌أثر المعتقد في التَّفسير اللُّغويِّ عند الرُّمَّانيِّ:

- ‌أوَّلاً: مفردات ألفاظ القرآن:

- ‌ثالثاً: الترجيح باللغة:

- ‌المصدر الثانيكتب معاني القرآن

- ‌أوَّلاً المراد بمعاني القرآن

- ‌ثانياً لِمَاذَا كَتَبَ اللُّغَوِيُّونَ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ

- ‌أولاً معاني القرآن، للفراء

- ‌أثرُ الاهتمامِ بعلومِ العربيَّةِ في تفسيراتِه:

- ‌صُوَر التَّفْسِير اللُّغويِ في كِتابِ مَعَاني القُرْآنِ:

- ‌أثرُ المعتقدِ في التفسير اللُّغويِّ عند الفرَّاءِ:

- ‌ثانياً مَعَانِي القُرْآنِ لِلاخْفَشِ

- ‌أثرُ المعتقدِ على التَّفسير اللُّغويِّ عند الأخفشِ:

- ‌ثالثاً مَعَانِي القُرْآنِ وَإعْرَابُهُ للزَّجَّاجِ

- ‌أثر المعتقد على التفسير اللُّغوي عند الزَّجَّاج:

- ‌المصدر الثالثكتب غريب القرآن

- ‌أوَّلُ كُتُبِ غَرِيبِ القُرْآنِ:

- ‌أولاً مَجَازُ القُرْآنِ لأبِي عُبَيْدَةَ

- ‌مفهومُ المجازِ عند أبي عبيدة:

- ‌أثر المعتقد على دلالة الألفاظ عند أبي عبيدة:

- ‌ثانياً تَفْسِيرُ غَريبِ القُرآنِ، لابن قُتَيْبَةَ

- ‌ بيان الأصلِ اللغويِّ للَّفظِ:

- ‌ كثرةُ الشَّواهدِ الشِّعريَّةِ:

- ‌أثر المعتقد على التَّفسير اللُّغويِّ عند ابن قتيبة:

- ‌ اهتمامِه بالوجوه والنَّظائر

- ‌المصدرُ الرابعكتب معاجم اللغة

- ‌تَحَرُّزُ ابنِ دريدٍ في التفسير:

- ‌ كثرةُ موادِّهِ اللُّغويَّةِ

- ‌ أنَّه أوسعُ مِمَّنْ تقدمه في عَرْضِ التَّفسيرِ

- ‌المصدرُ الخامسكتب أخرى لها علاقة بالتَّفسيرِ اللُّغويِّ

- ‌أولاً كتب غريب الحديث

- ‌ثانياً كتب الاحتجاج للقراءات

- ‌ثالثاً شروح دواوين الشعر

- ‌رابعاً كُتُبُ الأدَبِ

- ‌الباب الثالثآثار التفسير اللغوي وقواعده

- ‌الفصل الأولأثرُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في اختلافِ المفسرينَ

- ‌أوَّلاً الاختلافُ بسببِ الاشتراكِ اللُّغويِّ في اللَّفظِ

- ‌ثانياً الاختلافُ بسببِ التَّضادِّ في دلالةِ اللَّفظِ

- ‌ثالثاً الاختلافُ بسببِ مخالفةِ المعنى الأشهر في اللَّفظ

- ‌الفصل الثانيأثر التفسير اللغوي في انحراف المفسرين

- ‌الصنف الثاني: أهل البدع:

- ‌الفصل الثالثقواعد في التفسير اللغوي

- ‌أولاً كلُّ تفسيرٍ لغويٍّ واردٍ عن السَّلفِ يُحكمُ بعربيَّته وهو مقدَّمٌ على قولِ اللُّغويين

- ‌تطبيقُ طريقةِ التَّعاملِ مع أقوالِ السَّلف التَّفسيريَّة:

- ‌ أنواع الاختلافِ

- ‌القسمُ الأول: المحتملات اللغوية الواردة عن السلف:

- ‌القسم الثاني: المحتملات اللغوية الواردة عن غير السلف:

- ‌الضابط الثالث: أن تحتمل الآية المعاني في السياق:

- ‌الضابط الرابع: أن لا يُقصَرَ معنى الآية عليها:

- ‌ثالثاً لا يصحُّ اعتمادُ اللغةِ دونَ غيرهَا من المصادرِ التفسيريَةِ

- ‌ منْ أهمِّ مصادرِ التَّفسيرِ

- ‌ مخالفة المصطلحات الشرعيَّة:

- ‌ مخالفة أسباب النُّزول:

- ‌ مخالفة تفسير السَّلف:

- ‌رابعاً لا تعارض بين التفسير اللَّفظي والتفسير على المعنى

- ‌ التفسيرُ على القياسِ والإشَارةِ:

- ‌ التَّفسيرُ على اللَّفظِ:

- ‌ التَّفسيرُ على المعنى:

- ‌ هل يمكنُ معرفةُ التفسيرِ اللَّفظيِّ بواسطةِ التَّفسيرِ على المعنى

- ‌ كيف نُفرِّقُ بين التَّفسيرِ على اللَّفظِ والتَّفسيرِ على المعنى

- ‌ لا بدَّ من وجودِ ارتباط بين التَّفسيرِ على المعنى والتَّفسيرِ اللَّفظي

- ‌أمثلةُ التَّفسير على المعنى:

- ‌الأول: التفسيرُ باللاّزمِ:

- ‌الثاني: التفسيرُ بالمثالِ:

- ‌الثالث: ذكر النُّزول:

- ‌خاتمة البحث

- ‌فهرس القواعد العلمية

- ‌فهرس مسائل الكتاب العلمية

- ‌المراجع والمصادر

الفصل: ‌مفهوم المجاز عند أبي عبيدة:

‌مفهومُ المجازِ عند أبي عبيدة:

والمجازُ عندَ أبي عبيدةَ (ت:210): ما يجوزُ في لغةِ العربِ من التَّعبيرِ عن الألفاظِ والأساليبِ، وليسَ المجازَ الاصطلاحيَّ عندَ البلاغيِّينَ (1)، وهذا ظاهرٌ منْ كتابِهِ.

مراده من تأليفِ المجازِ:

لقدْ كانتْ وِجْهَةُ أبي عبيدةَ (ت:210) في كتابِهِ (مجازِ القرآنِ) واضحةً، حيثُ أرادَ تفسيرَ القرآنِ تفسيراً عربيًّا، لذا اعتمدَ الشواهدَ الشِّعريةَ في بيانِ معاني القرآنِ في كثيرٍ من المواطنِ. وقدْ يكونُ سببُ هذا الاتجاه عندَهُ ما يُحكَى من وجودِ المُعَرَّبِ (2)، فأراد أن يُبينَ أنَّ القرآنَ عربيٌّ، وليسَ فيه مدخلٌ لِلُغَةٍ غيرِها.

ومما يُستأنسُ به في هذا ما عُرِفَ عنه من تشدُّده في نفيِ وجودِ ألفاظٍ بغيرِ لغةِ العربِ في القرآنِ، حيث قالَ:«أُنْزِلَ القرآنُ بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، فمنْ زعمَ أنَّ فيه غيرَ العربيةِ فقدْ أعظمَ القولَ، ومن زعمَ أنَّ «طه» بالنبطيةِ، فقدْ أَكْبَرَ، وإنْ لم يعلمْ ما هو، فهو افتتاحُ كلامٍ، وهو اسمٌ للسُّورةِ وشعارٌ لها.

وقدْ يُوَافِقُ اللَّفظُ اللَّفظَ ويقاربُهُ، ومعناهما واحدٌ، وأحدُهما بالعربيَّةِ والآخرُ بالفارسيَّةِ أو غيرِها؛ فمنْ ذلكَ الإستبرقُ بالعربيَّةِ، وهو الغليظُ من الديباجِ، والفِرِنْدُ، وهو بالفارسيَّةِ: إسْتَبْرَهْ، وكَوْز، وهو بالعربيَّةِ: جَوْزٌ، وأشباهُ هذا كثيرٌ.

ومنْ زعمَ أنَّ {حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} [هود: 82] بالفارسيَّةِ، فقدْ أعظمَ من قال: إنه «سنك» و «كل» ، إنما السِّجِّيلُ: الشديدُ

ففي القرآنِ ما في الكلامِ

(1) المجاز: اللفظ المستعملُ في غير ما وُضِعَ له حقيقةً، ينظر في تعريفه: معجم المصطلحات البلاغية وتطورها، للدكتور: أحمد مطلوب (3:193 - 220).

(2)

المُعَرَّبُ: ما قيل إنه بغير لغة العرب من ألفاظ القرآن.

ص: 336

العربي منَ الغريبِ والمعاني، ومنْ مجازِ ما اختُصِرَ، ومجازِ ما حُذِفَ، ومجازِ ما كُفَّ عنْ خَبَرِهِ، ومجازِ ما جاءَ لفظُهُ لفظ الواحدِ ووقَعَ على الجميعِ

» (1).

وهناكَ وجهٌ آخرُ يُفْهَمُ من قولِه: «قالوا: إنما أنزلَ القرآنُ بلسانٍ عربيٍ مبينٍ، وتصْدَاقُ ذلكَ في آيةٍ منَ القرآنِ، وفي آيةٍ أخرى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم: 4]، فلمْ يَحْتَجِ السَّلفُ ولا الذينَ أدركوا وحيَهُ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم أنْ يسألوا عنْ معانيه؛ لأنَّهمْ كانوا عَرَبَ الألسنِ، فاستغنوا بعلمِهِم به عن المسألةِ عنْ معانيه، وعمَّا فيه مما في كلامِ العربِ مثلُه منَ الوجوهِ والتَّلخيصِ.

وفي القرآنِ مِثْلُ ما في الكلامِ العربي منْ وجوهِ الإعرابِ، ومن الغريبِ والمعاني، ومنَ المحتملِ: منْ مجازِ ما اخْتُصِرَ وفيه مضمرٌ

» (2).

وكأنه يريدُ أنْ يقولَ: إنَّ مَنْ في زمانِه بحاجةٍ إلى بيانِ عربيَّتِهِ، بخلافِ منْ سَلَفهم مِنَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ الذينَ كانوا عرباً يعلمونَ معانيه.

وإذا صَحَّ هذانِ الاستنتاجانِ، فإنهما يكونان سبباً واضحاً لتأليفِ أبي عبيدةَ (ت:210) مجازَ القرآنِ (3)، وأنَّه نَحَى بهِ النَّحْوَ العربيَّ.

(1) مجاز القرآن (1:17 - 18). وينظر تفصيل هذه المجازات التي ذكرها في (1:8 - 16)، ويلاحظ أنَّ في المقدمة المطبوعة اضطراباً، والله أعلم.

(2)

مجاز القرآن (1:8).

(3)

يُذكرُ في كُتبِ التراجمِ قصَّةٌ في سببِ تأليف أبي عبيدة (210) لكتابه هذا، وملخَّصها: أنه قد سألَهُ إبراهيم بن إسماعيل الكاتب في مجلس الفضل بن الربيع، فقال: «قال الله عز وجل: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ} [الصافات: 65]، وإنما يقعُ الوعدُ والإيعادُ بما عُرِفَ مثله، وهذا لم يُعرفْ، فقلتُ: إنما كلمَ اللهُ تعالى العربَ على قدرِ كلامِهم، أما سمعتَ قول امرئ القيس:

أيَقْتُلُنِي والمَشْرَفِيُّ مُضَاجِعِي

وَمَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيَابِ أغْوَالِ

وهم لم يَروا الغولَ قطٌّ، ولكَّنهم لما كانَ أمرُ الغولَ يَهُولُهم به، فاستحسنَ =

ص: 337

أمَّا كَونُه قَصَدَ بيانَ عربيَّةِ القرآنِ، فإنه ظاهرٌ عندَ أدنى تَأَمُّلٍ في كتابِه، وسأذكرُ بعضَ صور التَّفسيرِ اللُّغويِّ الواردةِ في كتابِ مجازِ القرآنِ:

أولاً: بَيَانُ المُفْرَدَاتِ وَشَوَاهِدُهَا:

يظهرُ من موازنة كتاب (مجازِ القرآن) بغيره من كتب المعاني والغريبِ أنه أكثرُها استدلالاً بالشِّعرِ في معاني القرآنِ، وهذا ظاهرٌ لمن ينظرُ إلى ترقيمِ محقِّقِ كتاب المجازِ، حيثُ بلغتْ بتعدادِه اثنين وخمسينَ وتسعِمائةِ شاهدٍ (1).

ومن أمثلةِ تفسيرِه بالشَّاهد الشِّعريِّ:

= الفضلُ ذلك، واستحسنه السائلُ، وعزمتُ من ذلك اليومِ أن أضع كتاباً في القرآن في مثلِ هذا وأشباهه، وما يحتاجُ إليه من علمٍ، فلمَّا رجعتُ إلى البصرةِ عمِلتُ كتابي الذي سَمَّيتُه المجازَ». معجم الأدباء (19:158 - 159).

وهذه القصةُ ـ فيما يبدو ـ غيرُ صحيحةٍ، ويدلُّ على ذلك أمرانِ:

الأول: أنَّ أبا عبيدة لم يذكر هذه القصَّة في مقدمة كتابه، كما هي عادةُ المؤلفينَ في ذكرِ السببِ الداعي إلى تأليف الكتابِ.

الثاني: أنَّ أبا عبيدةَ لم يتعرَّض لتفسيرِ هذه الآيةِ في موضعها ـ ينظر: (2:170) ـ، وكيفَ يغفِلها وهي سبب تأليف هذا الكتاب؟!

وهو لم يتعرض لتفسيرِها في غيرِ هذه المواطن، وقد تتبعت ألفاظَ الآيةِ، فلم أجده فسَّر لفظة «طلع» ، ولا «رؤوس» ، أما لفظُ «الشياطينُ» ، ففسرها بقوله:«كلُّ عات متمرِّدٍ من الجنِّ والإنسِ والدوابِّ، فهو شيطان» . مجاز القرآن (2:32). وهذا كلُّه يدلُّ على ضعفِ هذه الروايةِ، واللهُ أعلم.

وبمناسبةِ هذه الروايةِ، فإنَّ الاستفادةَ من كتبِ التراجمِ، فيما تذكره من أخبارٍ يحتاجُ إلى منهجٍ يُبِّصرُ الباحث فيه؛ لأنَّ بعضَ الباحثينَ يأخذُ هذه الرواياتِ مسلَّمةً، وقد يبني عليها أحكاماً، واللهُ المستعانُ.

(1)

بلغت شواهد أبي عبيدة (952) شاهداً، تبعاً لترقيم الدكتور فؤاد سزكين، مع ملاحظة أنه أدخل الشواهد التي وجدها في حواشي النسخ التي اعتمدها، خاصة حاشية النسخة (S) التي امتازت بكثرة الشواهد من بين النسخ المعتمدة، وهي إضافات من غير أبي عبيدة.

ص: 338

1 -

قال: «{رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]؛ أي: المخلوقين، قال لبيد بن ربيعة (1):

مَا إِنْ رَأَيْتُ وَلَا سَمِعْـ

ـتُ بِمِثْلِهِمْ فِي العَالَمِينَ

وواحدهم: عَالَم

» (2).

2 -

وقال: {الصِّرَاطَ} [الفاتحة: 6]: الطريق، المنهاجُ الواضحُ، قال (3):

........

فَصَدَّ عَنْ نَهْجِ الصِّرَاطِ القَاصِدِ

وقال جَرِير (4):

أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلَى صِرَاطٍ

إذَا اعْوَجَّ المَوَارِدُ مُسْتَقِيمِ

والمواردُ: الطُرُقُ: ما وردتَ عليه من ماءٍ، وكذلك القرى.

وقال (5):

(1) ديوانه، تحقيق: حنَّا نصر (ص:263).

ولبيد: لبيد بن ربيعة العامري، الشاعر الجاهلي المشهور، صاحب أحد المعلقات، أدرك الإسلامَ، فأسلمَ وحسن إسلامه، فأقلَّ من قولِ الشعرِ، توفي سنة (41). ينظر: معجم الشعراء المخضرمين والأمويين (ص:404)، ومعجم الشعراء (ص:229).

(2)

مجاز القرآن (1:22).

(3)

لم ينسبه، وهو في تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (1:171)، وعند ابن عطية، ط: قطر (1:118): الواضح، بدل القاصد، ونسبه المحقق إلى تميم بن أبيٍّ بن مقبل، ولم أجده في ديوانه، تحقيق: عزة حسن. وقد نقل القرطبيُ هذا البيت في تفسيره، ط: دار الكتب (1:147) عن ابن عطيةَ.

(4)

ديوانه، بشرح ابن حبيب (1:218).

(5)

لم ينسبه أبو عبيدة، وقد نسبه الطبري في تفسيره إلى أبي ذُؤيب الهذلي، ونسبه القرطبي في تفسيره إلى عامر بن الطُّفيل، وهو ليس في شعرِ أبي ذؤيب في ديوان الهذليين، ولا في ديوان عامرِ بن الطفيلِ، وكذا قال فؤاد سزكين ومحمود شاكر. ينظر: حاشية مجاز القرآن (1:34)، وحاشية تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (1:710 - 171). وفي تفسير القرطبي (1:147): «شَحّنَّا» ، بدل:«وطئنا» .

ص: 339

وَطِئْنَا أَرْضَهُمْ بِالْخَيْلِ حَتَّى

تَرَكْنَاهُمْ أَذَلَّ مِنَ الصِّرَاطِ» (1)

3 -

وقال: {الْمُفْلِحُونَ} : كلُّ منْ أصابَ شيئاً فهو مُفلحٌ، ومصدره: الفلاحُ، وهو البقاء، وكلُّ خيرٍ. قال لبيد بن ربيعة (2):

نَحُلُّ بِلاداً كُلُّها حُلَّ قَبْلَنَا

وَنَرْجُو الفَلَاحَ بَعْدَ عَادٍ وَحِمْيَرِ

الفَلَاحُ؛ أي: البقاء. وقال عَبيدُ بن الأبرص (3):

أَفْلِحْ بِمَا شِئْتَ، فَقَدْ يُدْرَكُ بِالضَّـ

ـعْفِ، وَقْدْ يُخْدَعُ الأَرِيبُ

والفَلَاحُ في موضعٍ آخرَ: السَّحُورُ أيضاً.

وفي الأذان: حيَّ على الفلَاحِ، وحيَّ على الفَلَحِ جميعاً.

والفلَاّحُ: الأكَّارُ، وإنما اشتُقَّ من: يَفْلَحُ الأرضَ؛ أي: يَشُقُّها ويُثِيرُها.

ومن ذلك قولهم: إنَّ الحَدِيدَ بِالْحَدِيدِ يُفْلَحُ (4)؛ أي: يُفلَقُ.

والفلَاّح: هو المُكَاري، في قول ابن أحمر (5) أيضاً (6):

لَهَا رِطْلٌ تَكِيلُ الزَّيتَ فِيهِ

وَفَلَاّحٌ يَسُوقُ لَهَا حِمَاراً

(1) مجاز القرآن (1:24 - 25).

(2)

البيت في ديوان، شرح الطوسي (ص:103).

(3)

عَبِيدُ بن الأبرص بن حَنْتَم، من شعراء الجاهلية، والمعمَّرين، كان سيداً وفارساً من فرسان بني أسد. ينظر: الشعر والشعراء (1:267 - 269)، ومعجم الشعراء (155 - 156).

والبيت في ديوانه، ط: دار بيروت (ص:26).

(4)

هذا المثل يُضربُ في الشيء الشديد يستعان به على ما يشاكله. ينظر: مجمع الأمثال، للميداني، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم (1:16).

(5)

عمرو بن أحمر الباهلي، شاعر مخضرم، أدرك الإسلام وأسلم، وغَزَى الرومَ، فأصيبت إحدى عينيه، توفي زمن عثمان. ينظر: الشعر والشعراء (1:356 - 359)، ومعجم الشعراء (ص:173).

(6)

البيت في ديوان ابن الأحمر (ص:75)، ينظر: المعجم المفصَّل (3:82).

ص: 340

فلَاّح: مُكَارٍ. وقال لبيد (1):

اعْقِلي إنْ كُنْتِ لَمَّا تَعْقِلي

وَلَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ كَانَ ذَا عَقَلْ

أي: ظَفِرَ، وأصاب خيراً» (2).

وأمَّا تفسيره للألفاظ بدون ذكر الشَّواهد فهو كثير، وعلى ذلك أغلبُ مادَّةِ الكتاب، ومن ذلك:{يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} (3): مجازه: يبنون، ويَعْرِشُ ويَعْرُشُ لغتانِ، وعريشُ مكَّةَ: خيامُها.

{وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ} : مجازه: قَطَعْنَا.

{يَعْكُفُونَ} : أي: يقيمونَ، ويَعْكِفُونَ: لغتان» (4).

ثانياً: الأسَالِيبُ العَرَبِيَّةُ في الخِطَابِ:

يلحظ القارئُ لكتابِ المجازِ كثرةَ بيانِ الأساليبِ العربيَّةِ التي نزلَ بها القرآنُ (5)، ويجدُ في هذا كثرةَ قولِه: تقولُ العربُ، والعربُ تفعلُ ذلكَ، والعربُ تجعلُ، والعربُ تصنعُ

إلخ.

وهذه الأساليبُ منها ما له أثرٌ في تَغَيُّرِ المعنى، ومنها ما أثرُهُ في جمالِ الكلامِ وبلاغتِه ومقتضى حالِه، وسأذكرُ من الأمثلةِ ما لهُ أثرٌ في التفسيرِ:

1 -

قال: «{فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 4]، فخرجَ هذا مخرجَ

(1) البيت في ديوانه، شرح الطوسي (ص:122).

(2)

مجاز القرآن (1:30 - 31).

(3)

أولُ الآيةِ: {وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ} الآية.

(4)

مجاز القرآن (1:227).

(5)

ذكر في مقدمة كتابه أكثرَ من ثلاثينَ أسلوباً في الخطاب العربي، وذكر لها أمثلة، ينظر:(1:8 - 16).

وقد أحصيت في تطبيقاته في كتابه أكثر من مائة موضع، ينظر مثلاً:(1:70، 100، 267، 272، 273، 274، 279، 282، 331، 362، 364)، (2:8، 36، 38، 44، 47، 58، 70)، وغيرها.

ص: 341

فِعْلِ الآدميين، وفي آيةٍ أخرى:{أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4]، وفي آيةٍ أخرى {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: 11] فخرجَ على تقديرِ فِعْلِ الآدميين، والعرب قدْ تفعلُ ذلك، وقال (1):

شَرِبْتُ إذَا مَا الدِّيكُ يَدْعُو صَبَاحَهُ

إذَا مَا بَنُو نَعْشٍ دَنَوا فَتَصَوَّبُوا

وزعم يونس (2) عن أبي عمرو (3): أنَّ {خَاضِعِينَ} ليست من صفةِ الأعناقِ، وإنما هي من صفةِ الكنايةِ عن القومِ التي في آخر الأعناقِ، فكأنَّه في التمثيلِ: فظلَّتْ أعناقُ القومِ، في موضع «هم» .

والعربُ قدْ تتركُ الخبرَ عن الأولِ، وتجعلُ الخبرَ للآخرِ منهما، وقال (4):

طُولُ اللَّيَالي أَسْرَعَتْ فِي نَقْضِي

طَوَينَ طُولِي وَطَوَينَ عَرْضِي

فتركَ طولَ اللَّيالي، وحَوَّلَ الخبرَ على اللَّيالي، فقال: أسرعتْ، ثُمَّ قال: طوينَ. وقال جرير (5):

(1) البيت للنابغة الجعدي، وهو في ديوانه (ص:4)، وقد استشهد به أبو عبيدة (1:276) وذكر أوله: تمزَّزها والديك، بدل: شربت إذا ما الديك.

وبنات نعشٍ: سبعة كواكب، وذكَّرها في البيت، لأنَّ الكواكب ذكر. ويدعو صباحه: وقت صباحِه. وتصبوا: تدنوا من الأفق للغروبِ. وهذا البيت في وصف خمرةٍ باكرَها بالشراب عند صياح الديك. ينظر: شرح محقق الديوان (ص:4)، بتصرف.

(2)

يونس بن حبيب النحوي، وقد سبقت ترجمته.

(3)

أبو عمرو بن العلاء.

(4)

نسبه بعضهم إلى الأغلب العجلي، وبعضهم إلى العجاج ـ ولم أجده في ديوانه بتحقيق عزة حسن ـ وقال غيرهم: هو من شوارد الرجز، لا يُعرف قائله، ينظر: الكتاب، لسيبويه، تحقيق عبد السلام هارون (1:53)، وتفسير الطبري، تحقيق: شاكر (7:87)، وخزانة الأدب، للبغدادي، تحقيق: عبد السلام هارون (4:226)، والمعجم المفصل في شواهد اللغة العربية (10/ 394 - 395).

(5)

البيت في ديوانه، شرح ابن حبيب (2:546).

ص: 342

رَأتْ مَرَّ السِّنِينَ أَخَذْنَ مِنِّي

كَمَا أَخَذَ السَّرَارُ مِنَ الهِلَالِ

رجعَ إلى «السنين» وترك «مرَّ» .

وقال الفرزدقُ (1):

تَرَى أَرْبَاقَهُمْ مُتَقَلِّدِيهَا

إذَا صَدَئُ الحَدِيد على الكماةِ

فلم يجعل الخبرَ للأرباقِ، ولكن جعله للذين في آخرها من كنايتهم، ولو كان للأرباقِ لقال: متقلدات، ولكن مجازه: تراهم متقلدين أرباقَهم» (2).

ذكرَ أبو عبيدةَ (ت:210) في هذه الآية احتمالين في معنى {خَاضِعِينَ} :

الأول: أن تكونَ من صفةِ الأعناقِ، وهي بذاتها تكونُ خاضعةً، وإنما جاء التَّعبيرُ عنها بالجمعِ الذي يُعبَّرُ به عن الآدميين (3)؛ أي: جمع المذكر السالم؛ لأنه مما يظهر فيهم.

الثاني: أن تكون من صفةِ الضَّميرِ «هم» ، في {أَعْنَاقِهِمْ} ، العائدِ على النَّاسِ، وعلى هذا القولِ ـ وهو قول أبي عمرو ـ لا يكون في اللفظِ خروجٌ عن أصلِه؛ لأنَّ الآدميين يُخبر عنهم بالواو والنون، أو الياء والنون، بخلافه المواتُ الذي لا يُخبرُ عنه بذلك، وإنْ أُخبرَ عنه به، فهو خروجٌ عن أصل الخطاب لمعنى يريده القائلُ.

(1) الفرزدق، هو همام بن غالب، أبو فراس التميمي، الشاعر المعروف، كان يُهاجي الشعراء، وعلى رأسهم جرير، وهو في الطبقة الأولى من الشعراء الإسلاميين، توفي سنة (110). ينظر: خزانة الأدب (1:217 - 223)، ومعجم الشعراء (ص:208).

ولم أجد البيت في ديوانه الذي شرحه وضبطه علي الفاعور، وقد ذكر فؤاد سزكين أنه في ديوانه (ص:131)، ولم أحصل على هذه الطبعة التي أعاد إليها فؤاد، وقد وجدته ضمن أبيات للفرزدق في كتاب شرح نقائض جرير والفرزدق، لأبي عبيدة، تحقيق: محمد حُوَّرْ ووليد خالص (3:893).

(2)

مجاز القرآن (2:83 - 84).

(3)

ينظر أمثلةً لذلك في مجاز القرآن (2:38، 40، 42، 93، 153، 162، 196).

ص: 343

2 -

وقال: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} [الرعد: 31] مجازُه مجازُ المكفوفِ عن خبرِه، ثُمَّ استُؤنِفَ، فقال:{بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا} [الرعد: 31]، فمجازُه: لو سُيِّرتْ به الجبالُ لسارتْ، أو قُطِّعتْ به الأرضُ لتقطَّعتْ، ولو كُلِّمَ به الموتى لنُشِرتْ.

والعربُ تفعلُ مثلَ هذا، لعلمِ المستمعِ به، استغناءً عنه، واستخفافاً في كلامهم، قال (1):

خَلا أَنَّ حَيّاً مِنْ قُرَيْشٍ تَفَضَّلُوا

عَلَى النَّاسِ أَوْ أَنَّ الأَكَارِم نَهْشَلا

وهو آخرُ قَصِيدةٍ، ونصبه وكفَّ عن خبره واختصره، وقال (2):

الطَّعْنُ شَغْشَةٌ، والضَّرْبُ هَيْقَعَةٌ

ضَرْبَ المُعَوِّلِ تَحْتَ الدِّيمَةِ العَضَدا

وَلِلْقِسِيِّ أَزَامِيلٌ وَغَمْغَمَةٌ:

حِسَّ الجَنُوبِ، تَسُوقُ المَاءَ والبَرَدا

حَتَّى إذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدَةٍ

شَلًّا كَمَا تَطْرُدُ الجَمَّالَةُ الشُّرُدَا

وهو آخر قصيدةٍ، وكُفَّ عن خبره» (3).

(1) هذا البيتُ منسوبٌ للأخطل، كما في خزانة الأدب (10:454)، وهو ليس في ديوانه بتحقيق: مهدي ناصر الدين، وينظر: المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية (6:98).

(2)

الأبيات لعبد مناف بن ربع الهذلي، وهو في ديوان الهذليين (2:140 - 42)، وقد جاء في مجاز القرآن بعد هذه الأبيات شرحها، وهو كالآتي:«وقوله: شَغْشَغَة؛ أي: يُدخله ويُخرجه. والهَيقَعَةُ: أن يضرب بالحدِّ من فوق. والمعوِّل: صاحب العالةِ، وهي ظُلَّةٌ يتَّخذها رعاةُ البَهْمِ بالحجاز إذا خافت البردَ على بَهمِها، فيقول: فيعتضدُ العضَدَ من الشجر لبَهْمِه؛ أي: يقطعه. والدِّيمةُ: المطر الضَّعيفُ الدَّائمُ. والأزاميل: الأصوات، واحدها: أزمل، وجمعها: أزامل، زاد الياء اضطراراً، والغماغم: الأصوات التي لا تفهم. حسَّ الجنوب: صوتها. قتائدة: طريق. أسلكوهم وسلوكهم: واحدٌ» . مجاز القرآن (1:331 - 332)، وينظر شرحها أيضاً في ديوان الهذليين.

(3)

مجاز القرآن (1:331).

ص: 344

وعلى هذا القول يكون جواب «لو» محذوفاً، وهذا أسلوبٌ عربيٌّ شائعٌ، وقد ذكرَ له شواهدَ من الشِّعرِ، وإنما يختلف التَّفسيرُ هنا في أمرين:

الأوَّلُ: في زَعْمِ أنَّ الجوابِ متقدِّمٌ عليها، وهو قولُه:{وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَانِ} [الرعد: 30](1). وعلى هذا لا يكونُ في الآية حذفٌ.

الثاني: أنَّ الجوابَ محذوفٌ، واختُلِفَ في تقديرِه، ويُبنَى على هذا الاختلافِ اختلافُ التَّفسيرِ، ومن هذه التَّقديراتِ:

* ولو أنَّ قرآناً سُيِّرتْ به الجبالُ، أو قُطِّعَتْ به الأرضُ، أو كُلِّمَ به الموتى = لكانَ هذا القرآنُ. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ اللُّغةِ (2).

* ولو أنَّ قرآناً سُيِّرَتْ به الجبالُ، أو قُطِّعَتْ به الأرضُ، أو كُلِّمَ به الموتى = لما آمنوا (3).

* ومنها ما قدَّره أبو عبيدةَ (ت:210). وظاهرٌ اختلافُ المعنى والتَّفسيرِ بسببِ الحذفِ هنا، واللهُ أعلم.

وظاهرةُ أساليبِ الخطابِ العربيِّ التي نزل بها القرآنُ مما يحتاجُ إلى دراسةٍ مستقلَّةٍ، وفيها معلوماتٌ كثيرةٌ، والله الموفِّقُ.

ثالثاً: تَوجِيهُ القِرَاءَاتِ:

وهو أحدُ الميادينِ التي وَلَجَهَا اللُّغويُّونَ لبيانِ ما في القراءاتِ واختلافِها منْ وجوهِ العربيَّةِ، وقد كانَ نصيبُ التَّوجيهِ فيما يخصُّ تَغيُّرَ المعنى في كتابِ المجازِ قليلاً قياساً على كثرتِها في غيره، ومنْ أمثلةِ ذلك:

1 -

قال أبو عبيدة (ت:210): «{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب: 33] القافُ مكسورةٌ؛ لأنها منْ: وَقَرَتْ تَقِرُ، تقديرُه: وَزَنَتْ تَزِنُ، ومعناه: من الوَقَارِ.

(1) ينظر: معاني القرآن، للفراء (2:63).

(2)

معاني القرآن، للنحاس (3:496).

(3)

ينظر: معاني القرآن، للنحاس (3:496).

ص: 345

ومَنْ فَتَحَ القافَ (1)، فإنَّ مجازَها من: قَرَّتْ تَقِرُّ، تقديره: قَرَرَتْ تَقِرُّ، فحذف الثانية فَخَفَّفها

» (2).

2 -

وقال: {فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} [يس: 55](3)، الفَكِهُ: الذي يتفكَّهُ، تقولُ العربُ للرجلِ إذ كانَ يتفكَّه بالطعام أو بالفاكهة أو بأعراضِ الناسِ: إنَّ فلاناً لفكِهٌ بأعراض (4).

قالت خنساء (5) أو عمرة بنتها (6):

فَكِهٌ عَلِى حِينِ العشَاءِ إِذا

حَضَرَ الشِّتَاءُ وَعَزَّتِ الجُزُرُ

(1) قرأ بفتح القاف أبو جعفر ونافع وعاصم، وقرأ الباقون بكسرها. ينظر: المبسوط في القراءات العشر، لابن مهران، تحقيق: سبيع حمزة (ص:358)، والإقناع في القراءات السبع، لابن الباذش، تحقيق: عبد المجيد قطامش (2:737).

(2)

مجاز القرآن (2:137).

(3)

قرأ أبو جعفر وحده بغير ألف، وقرأ الباقون بألف على وزن الفاعل. ينظر: المبسوط في القراءات العشر (ص؛371)، والنشر في القراءات العشر، لابن الجزري (2:354 - 355).

(4)

يظهر أنَّ في النَّصِّ سقطاً، ويدلُّ عليه أنَّ الطبري لما نقل عنه هذا الموضع، قال: «

فقال بعض البصريين منهم: الفَكِهُ: الذي يتفكَّهُ. وقال: تقول العرب للرجل الذي يتفكَّه بالطعام أو بالفاكهة أو بأعراض الناس: إنَّ فلاناً لَفَكِهٌ بأعراض الناس

».

تفسير الطبري، ط: الحلبي (23:19).

(5)

تُمَاضِرُ بنت عمرو، المشهورة بالخنساء، الشاعرة التي اشتهر شعرها بمراثيها في أخيها صخر، وفدت على الرسول صلى الله عليه وسلم، وأسلمت، واستشهد أولادها الأربعة في القادسية، فلم تبك عليهم كما بكت أخاها صخراً، توفيت سنة (24)، وقيل غيرها. ينظر: الشعر والشعراء (1:343 - 347)، وخزانة الأدب (1:433 - 438).

(6)

عمرة بنت مرداس بن عامر السلمي، أخت العباس بن مرداس، شاعرة جاهلية، لها مَرَاثٍ كأُمِّها الخنساء. معجم الشعراء (ص:172).

والبيت لم أجده عند غير أبي عبيدة، ولم أجده في ديوان الخنساء، شرح ثعلب، تحقيق: فايز أحمد.

ص: 346

ومنْ قرأها: {فَاكِهُونَ} جعلَهُ: كثيرَ الفواكِه، صاحبَ فاكهةٍ، قال الحطيئة (1):

وَدَعَوتَنِي وَزعَمْتَ أَنَّـ

ـكَ لَابِنٌ بِالصَّيْفِ تَامِرُ

أي: ذا لبن وتمرٍ؛ أي: عنده لبنٌ كثيرٌ وتمرٌ كثيرٌ، وكذلك: عاسِلٌ ولاحمٌ وشاحمٌ» (2).

تعرُّض أبي عبيدة للنَّقد بسبب منهجه اللُّغويِّ:

لقد كان المنهجُ اللُّغويُّ الذي سَلَكَهُ أبو عبيدةَ (ت:210) عُرْضَةً للنَّقدِ، كما أوقعَه في شيءٍ من المخالفاتِ في التَّفسيرِ؛ لأنَّ للتَّفسيرِ مصادرَ غير اللُّغةِ يجب على المفسِّرِ الرُّجوعُ إليها، ولا يعني هذا أنَّ كتابَه يخلو من التَّأثُرِ بالمصادرِ الأخرى (3)، لكنَّ المرادَ أنَّ اعتمادَه على المنقولِ مِنَ التَّفسيرِ؛ كالسُّنَّةِ النَّبويَّةِ، وآثارِ السَّلفِ، وأسبابِ النُزُولِ، وقصصِ الآيِ = كان قليلاً جِدًّا.

ومن أمثلةِ اعتمادِهِ على السُّنَّةِ النَّبويَّةِ، في قوله تعالى:{إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78]، قال:«مجازُه: إنَّ ملائكَة اللَّيلِ تشهدُه، إذا صُلِّيَتْ الغَدَاةُ أعقبتْهَا ملائكةُ النَّهارِ» (4).

وهذا مأخوذٌ من قولِ الرَّسول صلى الله عليه وسلم، قال: «.... وتجتمعُ ملائكةُ اللَّيلِ وملائكةُ النَّهارِ في صلاةِ الصُّبحِ.

(1) البيت في ديوانه، تحقيق: نعمان محمد (ص:56).

(2)

مجاز القرآن (2:163 - 164).

(3)

ينظر في الجزء الأول تفسير الألفاظ الآتية: المنُّ والسَّلوى (ص:41)، الطُّور (ص:43). حنيفاً (ص:58)، شعائر الله (ص:62)، معدودات (ص:71)، اللَّغو (ص:73)، قال لهم الناس (ص:108)، وغيرها.

(4)

مجاز القرآن (1:388).

ص: 347

يقولُ أبو هريرةَ: اقرءوا إن شئتم: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78]» (1).

ويظهرُ في كتابِ مجازِ القرآن أنَّ أبا عبيدة (ت:210) كانَ يعتمِدُ على المخزونِ اللُّغويِّ الذي كانَ يحفظُهُ، سواءً أكانَ تفسيرَ ألفاظٍ، أم كانَ شواهدَ شعريَّةً.

ويبدو أنَّ ثقافتَهُ اللُّغويَّةَ الثَّرِيَّةَ أحدثتْ عنده اعتداداً بعلمِهِ، وجعلتْه يُقِلُّ من النَّقْلِ عن غيرِه، حتى إنَّكَ لا ترى أثراً للنَّقلِ عن المتقدِّمين من علماءِ السَّلفِ واللُّغويِّينَ: أمَّا نقله عن السَّلفِ، فقليلٌ جداً، ولا يكادُ يُذكرُ، وأمَّا اللُّغويُّونَ، فهو يُعَدُّ في الطبقةِ الثَّانيةِ من طبقاتِ القرنِ الثاني، إذ سبقَهُ طبقةُ شيوخِهِ، أمثالُ: أبي عمرو بنِ العلاءِ (ت:154)، والخَليلِ بنِ أحمدَ (ت:175)، ويونسَ النَّحويِّ (ت:182)، ونقله عنهم أكثر من نقله عن السَّلفِ، لكنه قليلٌ أيضاً.

ومما يدلُّ على هذا ما وردَ عن تلميذِه أبي عمر الجَرْمِيِّ (ت:225)(2)، قال: «أتيتُ أبا عبيدةَ بشيءٍ منه [يعني: مجاز القرآن]، فقلت له: عمَّنْ أخذتَ هذا يا أبا عبيدة؟ فإنَّ هذا خلاف تفسيرِ الفقهاءِ (3).

فقال لي: هذا تفسيرُ الأعرابِ البوَّالينَ على أعقابهم، فإنْ شِئتَ فخذْهُ، وإنْ شئتَ فَذَرْهُ» (4).

(1) رواه البخاري، ينظر: فتح الباري، ط: الريان (8:215).

(2)

صالح بن إسحاق البجلي، أبو عمر الجرمي، أخذ عن الأخفش وأبي عبيدة والأصمعي وطبقتهم، كان ذا دين وورع، وله كتبٌ في النحو ككتاب الأبنية، توفي سنة (225).

ينظر: طبقات النحويين واللغويين (ص:74 - 75)، وإنباه الرواة (2:80 - 83).

(3)

يقصد بهذا المصطلح المفسرين، وسيأتي هذا المصطلحُ لاحقاً في كلام أبي عبيد القاسم بن سلام.

(4)

طبقات النحويين واللغويين (ص:167).

ص: 348

فالجرميُّ (ت:225) ينتقدُ أبا عبيدة (ت:210) بأنَّه قد خالفَ المفسِّرينَ في كتابِه هذا، ويردُّ عليه بهذا الرَّدِّ الذي يدلُّ على الاعتدادِ بالنَّفسِ، وكأنَّه لا يَعني له هذا الانتقادُ شيئاً.

وهذا المنهجُ اللُّغويُّ الذي سلكَه أبو عبيدة (ت:210)، أوقعَهُ في بعضِ التَّفسيراتِ التي لا تَصِحُّ، كما أوقعه في ردِّ بعضِ الواردِ عن السَّلفِ، وكأنه لا يحتجُّ بتفسيرِهم في نقلِ اللُّغةِ (1)، ولقد كانَ بسببِ هذه التَّفسيراتِ عُرْضةً للنَّقدِ.

* ومنَ الأمثلةِ التي انتُقِدَت عليه من جهةِ اللُّغةِ:

1 -

قوله: {وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: 50] بعض يكونُ شيئاً منَ الشيء، ويكونُ كلَّ الشيءِ، قالَ لبيدُ بن ربيعة (2):

تَرَّاكُ أَمْكِنَةٍ إَذَا لَمْ أَرْضَهَا

أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا

فلا يكونُ الحِمامُ ينْزلُ ببعضِ النفوسِ، فيُذهِبُ البعضَ، ولكنه يأتي على الجميعِ» (3).

وهذا الذي قاله في معنى «بعض» قد انتُقِد عليه (4)، قال أبو جعفر النحاس (ت:338): «وهذا القولُ غلطٌ عند أهل النَّظرِ منْ أهلِ اللُّغةِ؛ لأنَّ

(1) وازن هذا بما قد سبقَ نقله عنه، قال: «

فلم يحتجِ السلفُ ولا الذين أدركوا وحيَه إلى النَّبيِّ أن يسألوا عن معانيه؛ لأنهم كانوا عربَ الألسنِ، فاستغنوا بعلمهم به عن المسألة عن معانيه، وعما في كلام العرب مثله من الوجوه والتلخيص». مجاز القرآن (1:8)، فمن كان هذا حالهم، لِمَ يعترض على بيانهم اللُّغويِّ للقرآنِ؟!

(2)

البيت في ديوانه، شرح الطوسي، تحقيق: حنا نصر (ص:227). وفيه: يرتبط، بدلَ يعتلق. ومعنى الحُمَام: الموت.

(3)

مجاز القرآن (1:94).

(4)

ينظر في نقده: معاني القرآن وإعرابه، للزجاج (1:415)، مفردات ألفاظ القرآن، للراغب (ص:134)، غرائب التفسير، للكرماني (1:257)، المحرر الوجيز، لابن عطية (3/ 134).

ص: 349

البعضَ والجزءَ لا يكونانِ بمعنى الكُلِّ (1).

قال أبو العباس (2): معنى «أو يرتبط بعضَ النفوسِ» : أو يرتبطْ نفسي، كما يقولُ: بعضُنا يعرفه؛ أي: أنا أعرفُهُ، ومعنى الآيةِ على البعضِ؛ لأنَّ عيسى صلى الله عليه وسلم إنما أحلَّ لهم أشياء مما حرَّمها عليهم موسى: من أكل الشحومِ وغيرها، ولم يُحِلَّ لهم القتلَ، ولا السَّرقةَ، ولا الفاحشةَ» (3).

وهذا المذهبُ قد حُكِيَ عن غيرِه، وقد أُنْكِرَ أيضاً، كما قال الأزهريُّ (ت:370): «وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: أجمع أهلُ النَّحوِ على أنَّ البعضَ شيءٌ من أشياءَ، أو شيءٌ من شيءٍ إلَاّ هشاماً (4)، فإنه زعمَ أنَّ قول لبيد:

........

أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا

فادَّعى وأخطأ: أنَّ البعضَ هاهنا جمعٌ (5). ولمْ يكنْ هذا منْ عمله، وإنما أراد لبيد ببعض النفوس: نفسه» (6).

(1) ينظر المذاهب في جواز دخول «أل» على «بعض» و «كل» : لسان العرب، مادة (بعض).

(2)

هو المبرد، ولم أجد هذا القول في الكامل في الأدب.

(3)

معاني القرآن (1:403 - 404).

(4)

يحتمل أن يكون هشام بن معاوية الضرير، النحوي، الكوفي، صاحب الكسائي، توفي سنة (209). ويدلُّ عليه أنه نحوي لا لغوي، كما في ترجمته، ولذا قال:«ولم يكن هذا من عمله» .

(5)

قد حُكيَ هذا المذهب عن أبي الهيثم أيضاً، ينظر: تاج العروس، مادة (نظر).

(6)

تهذيب اللغة (1:490). ومن العجيب أنَّ الذي ورد عنه في كتاب مجالس ثعلب، تحقيق: عبد السلام هارون (1:50) يخالف ما نُقِلَ عنه في تهذيب اللُّغةِ، قال: «{وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي} [الزخرف: 63]، قال: تكونُ بمعنى كل، وبمعنى بعض، وأنشد للبيد:

تَرَّاكُ أَمْكِنَةٍ إِذَا لَمْ أَرْضَهَا

أَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا

مجالس ثعلب، تحقيق: عبد السلام هارون (1:50).

ص: 350

2 -

وقال: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا} [البقرة: 34]، معناه: وقلنا للملائكةِ، و «إذ» منْ حروفِ الزوائدِ (1)، وقال الأسودُ بن يَعْفُر (2):

فَإذَا وَذَلِكَ لا مَهَاهَ لِذِكْرِهِ

وَالدَّهْرُ يُعْقِبُ صَالِحاً بِفَسَادِ

ومعناه: وذلك لا مَهَاهَ لذكرِهِ، ولا طَعْمَ ولا فَضْلَ، وقال عبد مناف بن رِبع الهذلي (3)، وهو آخرُ قصيدة (4):

حَتَّى إذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدَةٍ

شَلًّا كَمَا تَطْرُدُ الجَمَّالةُ الشُّرُدَا

معناه: حتى أسلكوهم» (5).

وهذا المذهبُ الذي ذهبَ إليه في الزِّيادةِ في هذا الموضعِ وغيرِه، قد انتقده عليه بعضُ العلماءِ، وخطَّؤه بهذا، ومِمَّن ردَّ عليه هذا الموضعَ الطبريُّ (ت:310)، قال: «زعمَ بعض المنسوبين إلى العلمِ بلغاتِ العربِ منْ أهلِ

(1) ذكر أبو عبيدة في الأساليب التي صدَّر بها كتابه أنَّ الزيادة من مجازات العرب في كلامها، فقال:«ومن مجاز ما يزاد في الكلام من حروف الزوائد، قال الله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26]، وقال: {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 47]، وقال: {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ} [المؤمنون: 20]، وقال: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ} [البقرة: 30]، وقال: {مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ} [الأعراف: 17]، مجاز هذا أجمع: إلقاؤهنَّ» . مجاز القرآن (1:11). وقد تبعه ابن قتيبة في القول بالزيادة، ينظر مثلاً: تأويل مشكل القرآن (ص:243 - 255)، وينظر: تفسير غريب القرآن (ص:45، 103).

(2)

الأسود بن يعفر بن عبد الأسود، أبو الجراح، أعشى بني نهشل، شاعر جاهلي، نادم النعمان بن المنذر، وكان ممن يهجو قومه. ينظر: خزانة الأدب (1:405 - 406)، ومعجم الشعراء (ص:18).

والبيت في ديوانه (ص:31)، ينظر المعجم المفصل (2:331).

(3)

عبد مناف بن رِبع، شاعر جاهلي من شعراء هذيل، ليس له أخبار تُذكر. ينظر: خزانة الأدب (7:49)، ومعجم الشعراء (ص:154).

(4)

ديوان الهذليين (2:42).

(5)

مجاز القرآن (1:37).

ص: 351

البصرةِ أنَّ تأويل قولِه: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ} : وقال ربُّكَ، وأنَّ «إذ» من أحرفِ الزَّوائدِ، وأنَّ معناها الحذفُ.

واعتلَّ لقولِه الذي وصفنا عنه في ذلك ببيت الأسود بن يَعْفُرَ:

فَإِذَا وَذَلِكَ لا مَهَاهَ لِذِكْرِهِ

وَالدَّهْرُ يُعْقِبُ صَالِحاً بِفَسَادِ

ثُمَّ قال: ومعناها: وذلك لا مهاه لذكره، وبيت عبد مناف بن رِبْع الهذلي:

حَتَّى إذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدَةٍ

شَلًّا كَمَا تَطْرُدُ الجَمَّالَةُ الشُّرُدا

وقال: معناه: حتى أسلكوهم.

قال أبو جعفر: والأمر في ذلك بخلاف ما قال: وذلك أنَّ «إذ» حرفٌ يأتي بمعنى الجزاءِ، ويدلُّ على مجهولٍ من الوقتِ. وغير جائز إبطالُ حرفٍ كانَ دليلاً على معنى في الكلامِ. إذْ سواءٌ قِيلُ قائلٍ: هو بمعنى التَّطَوُّلِ، وهو في الكلام دليلٌ على معنىً مفهوم، وقِيلُ آخرُ، في جميعِ الكلامِ الذي نطقَ به دليلاً على ما أريدَ به: هو بمعنى التَّطَوُّلِ

» (1).

* ومما ردَّه من قول السَّلف، تفسير قوله تعالى:{وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً} [يوسف: 31]، قال: «أفْعَلَتْ من العتادِ، ومعناه: أعدَّتْ له [كذا] متكأً؛ أي: نُمْرُقاً تَتَّكِئُ عليه.

وزعم قومٌ أنه الأُتْرُجُّ، وهذا من أبطلِ باطلٍ في الأرضِ، ولكنْ عسى أنْ يكونَ مع المتكَإِ أُتْرُجٌ يأكلونه» (2).

(1) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (1:439 - 440) وفي بقية كلامه ردٌّ مفصَّلٌ لما فهمه أبو عبيدة من معنى إذا في الأبيات. وقد ردَّ عليه في هذا الموضع: الزجاج في معاني القرآن وإعرابه (1:108)، وينظر: الاقتضاب في شرح أدب الكتاب، لابن السيِّد البطليوسي، تحقيق: مصطفى السقا وحامد عبد العزيز (3:274 - 275)، وخزانة الأدب (7:40 - 42).

(2)

مجاز القرآن (1:308 - 309).

ص: 352

وقد ورد تفسير المتكَإِ بالأُتْرُجِّ عن ابن عباس (ت:68) من طريق مجاهد (ت:104)(1) وعطية العوفيِّ (ت:111)(2)، وعن الضَّحَّاك (ت:105) من طريق أبي روق (3)، وعن سلمة بن تمام (4).

وفسَّره بعضُ السَّلفِ بأعمَّ من الأُتْرُجِّ، فقالوا: طعاماً، ورد ذلك عن ابن عبَّاس (ت:68)، وسعيد بن جبير (ت:94)، ومجاهد (ت:104)، وعكرمة (ت:105)، والحسن البصريِّ (ت:110)، وعطية العوفي (ت:111)، وقتادة (ت:117)، وابن إسحاق (ت:150) (5)، وابن زيد (ت:182) (6).

وفسَّره آخرونَ، فقالوا: كلُّ شيءٍ يُقْطَعُ بالسِّكينِ، ورد ذلك عن الضَّحَّاك (ت:105) (7)، وعكرمة (ت:105) (8).

وورد عن مجاهدٍ (ت:104) ما يفيد أنَّ سببَ الاختلاف في التَّفسيرِ

(1) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (16:71)، وتفسير ابن أبي حاتم (7:2132).

(2)

تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (16:73).

(3)

عطية بن الحارث، أبو روق الهمذاني، الكوفي، روى عن إبراهيم التيمي وأنس بن مالك، وغيرهما، وعنه: إبراهيم بن الزبرقان، وبشر بن خالد وغيرهما، صدوق.

ينظر: تهذيب الكمال (5:183)، وتقريب التهذيب (ص:680).

وروايته في تفسير ابن أبي حاتم (7:2133).

(4)

سلمة بن تمام، أبو عبد الله الشَّقَرِي، الكوفي، روى عن إبراهيم النخعي وإسماعيل بن رجاء، وعنه: إسماعيل بن عُليَّة وجرير بن حازم، صدوقٌ، ينظر: تهذيب الكمال (3:244)، وتقريب التهذيب (ص:399)، وروايته في تفسير ابن أبي حاتم (7:2133).

(5)

محمد بن إسحاق بن يسار المطَّلبي، المدني، صاحب السيرة، توفي سنة (150)، وقيل غيرها. ينظر: طبقات ابن سعد (7:321 - 322)، والقسم المتمم للطبقات (ص:400 - 402)، وتهذيب الكمال (6:221 - 227).

(6)

ينظر أقوالهم في تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (16:72 - 74)، وتفسير ابن أبي حاتم (7:2133).

(7)

تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (16:74)، وتفسير ابن أبي حاتم (7:2133).

(8)

تفسير ابن أبي حاتم (7:2133).

ص: 353

اختلافُ القراءةِ وتوجيهها في اللُّغةِ، فقال:«من قرأ: {مُتَّكَأً}، فهو الطعام. ومن قرأها: «مُتْكاً» ، فخفَّفها (1)، فهو الأتْرُجُّ» (2).

وعلى هذا يمكنُ حملُ تفسيرِ منْ فسَّرَ المُتَّكأَ بالأترجِّ أنه أرادَ تفسيرَ هذه القراءةِ، ومن فسَّرَهُ بالطعامِ، أرادَ القراءةَ المتواترةَ.

ويكون في القراءةِ المتواترةِ وجهانِ من التَّفسيرِ:

الأول: أنَّ المُتَّكَأَ: ما يُتَّكَأُ عليه من الوسائدِ وغيرها. وهذا هو القول الذي نصرَه أبو عبيدة (ت:210)، والطبريُ (ت:310) (3)، وهو قول أهل اللغة (4).

الثاني: أنَّ المُتَّكَأَ: الطعام، وهو قول جمهور السَّلف.

والقول الثاني محكيٌ في اللُّغةِ، قال ابن قتيبة (ت:276): «{وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً} [يوسف: 31]؛ أي) طعاماً، يقال: اتَّكَانَا عندَ فلانٍ؛ أي: طَعِمْنَا.

وقال جميل (5):

فَظَلِلْنَا بِنِعْمَةٍ وَاتَّكَانَا

وَشَرِبْنَا الحَلَالَ مِنْ قِلَلِهْ

(1) قال ابن جني: «وقرأ: {مُتْكاً} ساكنة التاء غير مهموزة ابن عباس وابن عمر والجحدري وقتادة والضحاك والكلبي وأبان بن تغلب، ورويت عن الأعمش» . المحتسب (1:339)، وزاد ابن عطية مجاهداً، المحرر الوجيز، ط: قطر (7:492).

(2)

تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (16:72، 73)، وتفسير ابن أبي حاتم (7:2133).

(3)

تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (16:69، 70، 71).

(4)

ينظر: معاني القرآن، للنحاس (3:421)، ومادة (وكى، ومتك) في لسان العرب وتاج العروس.

(5)

جميل بن عبد الله القضاعي، المعروف بجميل بثينة، نُسِبَ إليها لحبِّه لها، وكثرةِ شعرِه فيها، وتوفي بمصر في ولاية عبد العزيز بن مروان سنة (82)، ينظر: معجم الشعراء المخضرمين والأمويين (ص:85)، ومعجم الشعراء (ص:57).

والبيت في ديوانه، تحقيق: إميل يعقوب (ص:189)، والقلل: جمع قُلَّةٍ، وهي إناء للعرب كالجَرَّةِ، وقيل غير ذلك. ينظر: لسان العرب، مادة (قلل).

ص: 354

والأصل: أنَّ من دَعَوْتَهُ لِيَطْعَمَ، أَعْدَدْتَ له التكأة للمُقَامِ والطُّمأنينة، فيسمَّى الطعامُ متكأً على الاستعارةِ» (1).

وبهذا يَبِينُ تقصيرُ أبي عبيدةَ (ت:210) وتسرُّعه في ردِّ هذا المعنى، وقد أنكر عليه ذلك أبو عبيد القاسم بن سلام (ت:224)، فيما حكاه عنه الطبري (ت:310)، قال:«وحكى أبو عبيد القاسم بن سلام قول أبي عبيدة، ثمَّ قال: والفقهاء أعلم بالتَّأويلِ منه. ثمَّ قال: ولعله بعضُ ما ذهبَ من كلامِ العربِ، فإنَّ الكسائيَّ كان يقولُ: قد ذهبَ من كلامِ العربِ شيءٌ كثيرٌ انقرضَ أهلُهُ» (2).

وقد ذكرَ جمعٌ من أهلِ اللُّغةِ أنَّ لفظَ المُتْكِ يعني الأتْرُجَّ، كما ذكرَ بعضُ اللُّغوييِّنَ القراءةَ الشَّاذَّةَ «مُتْكاً» في البيانِ عن ورودِ هذا المعنى في لغةِ العربِ.

قال الزَّبيديُّ (ت:1205): «(و) المُتْكُ بالضَّمِّ

(الأُتْرُجُّ)، حكاه الأخفشُ (3)، ونقله الجوهريُّ (4)، وقال الفرَّاء (5): الواحدة مُتْكَةٌ مثل: بُسْر

(1) تأويل مشكل القرآن (ص:180 - 181)، وينظر له كتاب الأشربة، تحقيق: ممدوح حسن محمد (ص:79)، وتفسير غريب القرآن (ص:216).

(2)

تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (16:71). وقد علَّق الطبريُ على قوله منتصراً لما ذهب إليه أبو عبيدة من المعنى، فقال:«والقول في أنَّ الفقهاءَ أعلمُ بالتأويلِ من أبي عبيدةَ، كما قال أبو عبيدٍ لا شكَّ فيه، غير أنَّ أبا عبيدةَ لم يُبْعِد من الصواب في هذا القولِ، بل القول كما قال: من أنَّ من قال للمتكأ: هو الأترجُّ، إنما بيَّنَ المُعدَّ في المجلسِ الذي فيه المتكأ، والذي من أجله أعطين السكاكين؛ لأنَّ السكاكينَ معلومٌ أنها لا تُعدُّ للمتكأ إلَاّ لتخريقه، ولم يُعْطَينَ السكاكين لذلك» . تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (16:71).

وهذا غريبٌ على منهجِ الطبري الذي كان يعتمدُ ما وردَ عن السلفِ، ويعارضُ ما وردَ عن اللغويين إن عارضه، وقد سبق بيان هذا المنهج عند الحديث عن تفسيره.

(3)

لم أجده في موضعه من معانيه (1:397).

(4)

ينظر قوله في الصحاح، مادة (متك).

والجوهري: إسماعيل بن حماد الجوهري، من أعاجيب الدنيا، إمام في اللغة، له كتاب الصحاح في اللغة، توفي سنة (398). ينظر: معجم الأدباء (6:151 - 165)، وإنباه الرواة (1:229 - 233).

(5)

لم أجده في معاني القرآن (2:42)

ص: 355

وبُسْرَة (ويُكسر) قال الشاعر (1):

نَشْرَبُ الإثْمَ بِالكُؤوسِ جِهَاراً

وَنَرَى المُتْكَ بَيْننا مُسْتَعَاراً

وقيل: سُمِّيَتْ الأترجَّةُ مُتْكَةً؛ لأنها تُقْطَعُ.

(و) قال الجوهريُّ (2): قال الفرَّاء (3): حدَّثني شيخٌ من ثقات أهل البصرةِ أنه (الزُّمَاوَرْدُ)(4).

وبكلٍّ منهما فُسِّرَ قوله تعالى: {وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً} [يوسف: 31] بضمِّ فسكونٍ، وهي قراءةُ ابنِ عباسٍ ـ رضي الله تعالى عنهما ـ وابنِ جبيرٍ، ومجاهدٍ، وابنِ يعمرَ (5)، والجحدريِّ (6)، والكلبيِّ (7)، ونصرِ بنِ عاصمٍ، كذا في العباب.

وفي كتابِ الشَّواذِّ لابن جني (8): هي قراءةُ ابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ، والجحدريِّ، وقتادةَ، والضَّحَّاكِ، والكلبيِّ، وأبانِ بنِ تغلبَ، ورُويتْ عن الأعمش (9).

(1) ينظر: تهذيب اللغة (15:161)، وقد فسَّر المتك بالأترج، ولسان العرب، مادة (أثم).

(2)

ينظر: الصحاح، مادة (متك).

(3)

هو في معاني القرآن (2:42).

(4)

قال في القاموس المحيط، مادة (ورد):«الزُّمَاوَرْد: طعامٌ من البيض واللحمِ، والعامة يقولون: بَزْمَاوَرْدٌ» .

(5)

هو يحيى بن يعمر، وقد سبقت ترجمته.

(6)

هو عاصم الجحدري، وقد سبقت ترجمته.

(7)

هو محمد بن السائب، وقد سبقت ترجمته.

(8)

هو كتاب المحتسب.

(9)

سليمان بن مهرانٍ، أبو محمد، الأسدي، الكوفي، ثقةٌ حافظٌ، عارفٌ بالقراءةِ، أخذها عن النخعي وزِرِّ بن حبيش وغيرهما، توفي سنة (148). ينظر: تقريب التهذيب (ص:414)، وغاية النهاية (1:315 - 316).

ص: 356