المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌الباب الأولالتفسير اللغوي: مكانته ونشأته

- ‌الفصل الأولالتفسير اللغوي ومكانته

- ‌المبحث الأولتعريفُ التَّفسير اللُّغويِّ

- ‌أولاً: تعريف التفسير:

- ‌التفسير لغةً:

- ‌التفسير اصطلاحاً:

- ‌تحليل هذه التعريفات:

- ‌ثانياً: تعريف اللغة:

- ‌اللغة اصطلاحاً:

- ‌مصطلحُ اللُّغةِ في كلامِ السَّلفِ:

- ‌المعاني المرادفةِ للفظِ اللُّغةِ في القرآن وكلامِ السَّلفِ:

- ‌ثالثاً: تعريف التفسير اللغوي:

- ‌المبحث الثانيمكانة التَّفسير اللُّغويِّ

- ‌الفصل الثانينشأةُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ

- ‌تمهيد

- ‌أولاً: التَّفْسِيرُ اللُّغَوِيُّ عِنْدَ السَّلفِ

- ‌طريقة السَّلفِ في التَّفسير اللُّغويِّ:

- ‌أسلوبُ الوجوه والنَّظائر

- ‌الأشباهُ والنَّظائرُ في اللُّغةِ:

- ‌الوجوهِ والنَّظائر في الاصطلاح:

- ‌بداية الكتابة في هذا العلم:

- ‌علاقةُ الوجوهِ والنَّظائر بالتَّفسير اللُّغويِّ:

- ‌كُلِّيَّات الألفاظِ القرآنيَّة:

- ‌ثانياً: التَّفسيرُ اللُّغويُّ عند اللُّغوِيين

- ‌تمهيد

- ‌أولاً: التفسيرُ اللغويُ في كتبِ الموضوعات:

- ‌ثانياً: التفسير اللغوي في معاجم الحروف:

- ‌القسمُ الثانيالمشاركة المباشرة في تفسير القرآن

- ‌طريقةُ التَّفسير اللُّغويِّ في هذه الكتبِ:

- ‌أولاً: كثرةُ مباحثِ الصَّرفِ والاشتقاقِ:

- ‌ثانياً: كثرة المباحث النحوية:

- ‌ثالثاً: كثرةُ الاستشهادِ منْ لغةِ العربِ:

- ‌رابعاً: بيانُ الأساليبِ العربيَّةِ الواردةِ في القرآنِ:

- ‌ التَّفسيرُ على المعنى

- ‌ علم الوجوه والنَّظائر عند اللُّغويِّين:

- ‌ أسلوبُ التَّفسير اللَّفظيِّ عند اللُّغويِّين:

- ‌الفصل الثالثمسائل في نشأة التفسير اللغوي

- ‌المسألة الأولىفي سَبْقِ السَّلفِ في علمِ التَّفسيرِ

- ‌المسألة الثانيةشمولُ التَّفسيرِ بين السَّلفِ واللُّغويِّين

- ‌المسألة الثالثةفي الاعتمادِ على اللُّغةِ

- ‌المسألة الرابعةفي الشَّاهِد الشِّعريّ

- ‌المسألة الخامسةفي علمِ الوجوهِ والنَّظائرِ

- ‌المسألة السادسةالتَّفسيرُ اللُّغويُّ بين البصرةِ والكوفةِ

- ‌المصدرُ الأولكتب التفسير

- ‌ وجوهِ تأويلِ القرآنِ

- ‌الأولى: الاستشهادُ بأقوالِ السَّلفِ في التَّفسير اللُّغويِّ:

- ‌الثَّانية: قَبُولُ المحتملاتِ اللُّغويةِ الواردةِ عنِ السَّلفِ:

- ‌الثالثةُ: استعمالُ اللُّغةِ في التَّرجيحِ:

- ‌ كثرةُ استخدامِه لأسلوبِ السؤالِ والجوابِ

- ‌ كثرةُ ذكرِه للفروقِ اللُّغويَّةِ بين الألفاظِ

- ‌ الشَّواهد الشِّعريَّةِ:

- ‌ الأساليبُ العربيَّةُ:

- ‌أثر المعتقد في التَّفسير اللُّغويِّ عند الرُّمَّانيِّ:

- ‌أوَّلاً: مفردات ألفاظ القرآن:

- ‌ثالثاً: الترجيح باللغة:

- ‌المصدر الثانيكتب معاني القرآن

- ‌أوَّلاً المراد بمعاني القرآن

- ‌ثانياً لِمَاذَا كَتَبَ اللُّغَوِيُّونَ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ

- ‌أولاً معاني القرآن، للفراء

- ‌أثرُ الاهتمامِ بعلومِ العربيَّةِ في تفسيراتِه:

- ‌صُوَر التَّفْسِير اللُّغويِ في كِتابِ مَعَاني القُرْآنِ:

- ‌أثرُ المعتقدِ في التفسير اللُّغويِّ عند الفرَّاءِ:

- ‌ثانياً مَعَانِي القُرْآنِ لِلاخْفَشِ

- ‌أثرُ المعتقدِ على التَّفسير اللُّغويِّ عند الأخفشِ:

- ‌ثالثاً مَعَانِي القُرْآنِ وَإعْرَابُهُ للزَّجَّاجِ

- ‌أثر المعتقد على التفسير اللُّغوي عند الزَّجَّاج:

- ‌المصدر الثالثكتب غريب القرآن

- ‌أوَّلُ كُتُبِ غَرِيبِ القُرْآنِ:

- ‌أولاً مَجَازُ القُرْآنِ لأبِي عُبَيْدَةَ

- ‌مفهومُ المجازِ عند أبي عبيدة:

- ‌أثر المعتقد على دلالة الألفاظ عند أبي عبيدة:

- ‌ثانياً تَفْسِيرُ غَريبِ القُرآنِ، لابن قُتَيْبَةَ

- ‌ بيان الأصلِ اللغويِّ للَّفظِ:

- ‌ كثرةُ الشَّواهدِ الشِّعريَّةِ:

- ‌أثر المعتقد على التَّفسير اللُّغويِّ عند ابن قتيبة:

- ‌ اهتمامِه بالوجوه والنَّظائر

- ‌المصدرُ الرابعكتب معاجم اللغة

- ‌تَحَرُّزُ ابنِ دريدٍ في التفسير:

- ‌ كثرةُ موادِّهِ اللُّغويَّةِ

- ‌ أنَّه أوسعُ مِمَّنْ تقدمه في عَرْضِ التَّفسيرِ

- ‌المصدرُ الخامسكتب أخرى لها علاقة بالتَّفسيرِ اللُّغويِّ

- ‌أولاً كتب غريب الحديث

- ‌ثانياً كتب الاحتجاج للقراءات

- ‌ثالثاً شروح دواوين الشعر

- ‌رابعاً كُتُبُ الأدَبِ

- ‌الباب الثالثآثار التفسير اللغوي وقواعده

- ‌الفصل الأولأثرُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في اختلافِ المفسرينَ

- ‌أوَّلاً الاختلافُ بسببِ الاشتراكِ اللُّغويِّ في اللَّفظِ

- ‌ثانياً الاختلافُ بسببِ التَّضادِّ في دلالةِ اللَّفظِ

- ‌ثالثاً الاختلافُ بسببِ مخالفةِ المعنى الأشهر في اللَّفظ

- ‌الفصل الثانيأثر التفسير اللغوي في انحراف المفسرين

- ‌الصنف الثاني: أهل البدع:

- ‌الفصل الثالثقواعد في التفسير اللغوي

- ‌أولاً كلُّ تفسيرٍ لغويٍّ واردٍ عن السَّلفِ يُحكمُ بعربيَّته وهو مقدَّمٌ على قولِ اللُّغويين

- ‌تطبيقُ طريقةِ التَّعاملِ مع أقوالِ السَّلف التَّفسيريَّة:

- ‌ أنواع الاختلافِ

- ‌القسمُ الأول: المحتملات اللغوية الواردة عن السلف:

- ‌القسم الثاني: المحتملات اللغوية الواردة عن غير السلف:

- ‌الضابط الثالث: أن تحتمل الآية المعاني في السياق:

- ‌الضابط الرابع: أن لا يُقصَرَ معنى الآية عليها:

- ‌ثالثاً لا يصحُّ اعتمادُ اللغةِ دونَ غيرهَا من المصادرِ التفسيريَةِ

- ‌ منْ أهمِّ مصادرِ التَّفسيرِ

- ‌ مخالفة المصطلحات الشرعيَّة:

- ‌ مخالفة أسباب النُّزول:

- ‌ مخالفة تفسير السَّلف:

- ‌رابعاً لا تعارض بين التفسير اللَّفظي والتفسير على المعنى

- ‌ التفسيرُ على القياسِ والإشَارةِ:

- ‌ التَّفسيرُ على اللَّفظِ:

- ‌ التَّفسيرُ على المعنى:

- ‌ هل يمكنُ معرفةُ التفسيرِ اللَّفظيِّ بواسطةِ التَّفسيرِ على المعنى

- ‌ كيف نُفرِّقُ بين التَّفسيرِ على اللَّفظِ والتَّفسيرِ على المعنى

- ‌ لا بدَّ من وجودِ ارتباط بين التَّفسيرِ على المعنى والتَّفسيرِ اللَّفظي

- ‌أمثلةُ التَّفسير على المعنى:

- ‌الأول: التفسيرُ باللاّزمِ:

- ‌الثاني: التفسيرُ بالمثالِ:

- ‌الثالث: ذكر النُّزول:

- ‌خاتمة البحث

- ‌فهرس القواعد العلمية

- ‌فهرس مسائل الكتاب العلمية

- ‌المراجع والمصادر

الفصل: ‌ وجوه تأويل القرآن

أولاً جَامِعُ البَيَانِ عَن تَأوِيلِ آيِ القُرآنِ

أملى الإمامُ أبو جعفرٍ محمدُ بنُ يزيدٍ الطبري (ت:310) على تلاميذِه كتابَ التفسيرِ من سنةِ ثلاثٍ وثمانينَ ومائتينِ إلى سنةِ تسعينَ ومائتينِ (1)، ثمَّ قُرِئَ عليه في سنةِ ستٍّ وثلاثِمائةٍ، كما جاءَ ذلكَ في أوَّلِ التفسيرِ:«قُرِئ على أبي جعفرَ في سنةِ ستٍ وثلاثِمائةٍ» (2).

وقدْ نَصَّ رحمه الله في مقدمتِه على‌

‌ وجوهِ تأويلِ القرآنِ

، وهي:

ما لا سبيلَ للوصولِ إليه، وهو الذي استأثرَ اللهُ بعلمِهِ

ما خَصَّ اللهُ بعلمِ تأويلِه نبيَهُ صلى الله عليه وسلم دونَ سائرِ أمتِهِ

ما كانَ علمُهُ عندَ أهلِ اللسانِ الذي نزلَ به القرآنُ، وذلك علمُ تأويلِ عربيتِهِ وإعرابِهِ، لا يُوصَلُ إلى علمِ ذلكَ إلَاّ مِنْ قِبَلِهِم (3).

ثمَّ قالَ: «فإذا كانَ ذلكَ كذلكَ، فَأَحَقُّ المفسرينَ بإصابةِ الحقِّ ـ في تأويلِ القرآنِ الذي إلى عِلْمِ تأويلِه للعبادِ السبيلُ ـ أوضحُهم حُجَّةً فيما تأوَّلَ

(1) قال أبو بكر بن بالويه: «قال لي أبو بكر محمد بن إسحاق ـ يعني: ابن خزيمة ـ: بلغني أنك كتبت التفسير عن محمد بن جرير. قلت: بلى، كتبت التفسير عنه إملاءً.

قال: كله. قلت: نعم.

قال: في أي سنة؟ قلت: من سنة ثلاث وثمانين إلى سنة تسعين

» ينظر: تاريخ بغداد (2:164).

(2)

ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (1:3)، وتحقيق: شاكر (1:3).

(3)

ينظر: تفسير الطبري، تحقيق شاكر (1:92 - 93).

ص: 185

وفسَّرَ، ممَّا كانَ تأويلُه إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم دونَ سائرِ أمَّتِه من أخبارِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الثابتَةِ عنه: إمَّا منْ جهةِ النقلِ المستفيضِ، فيما وُجِدَ فيه من ذلك عنه النقلُ المستفيضُ، وإمَّا منْ جهةِ نقلِ العدولِ الأثباتِ، فيما لم يكن فيه عنه النقلُ المستفيضُ، أو منْ جهةِ الدلالةِ المنصوبةِ على صحتِهِ؛ وأصَحُّهُم برهاناً ـ فيما ترجمَ وبيَّنَ من ذلك ـ مِمَّا كان مُدرَكاً عِلْمُهُ من جهةِ اللسانِ: إمَّا بالشواهدِ منْ أشعارِهِم السائرةِ، وإمَّا منْ منطقِهم ولغاتِهم المستفيضةِ المعروفةِ، كائناً منْ كانَ ذلكَ المتأوِّلُ والمفسِّرُ، بعدَ أنْ لا يكونَ خارجاً تأويلُه وتفسيرُه ما تأوَّلَ وفَسَّرَ منْ ذلك، عنْ أقوالِ السلفِ من الصحابةِ والأئمةِ، والخلفِ من التابعينَ وعلماءِ الأمةِ» (1).

في هذا النَّصِّ ذَكَرَ ابنُ جريرٍ (ت:310) ضابطَ التَّفسيرِ اللُّغويِّ عندَهُ، وهو عدمُ خروجِ المفسِّرِ باللُّغةِ عنْ أقوالِ السَّلفِ من الصَّحابةِ والأئمَّةِ، والخلفِ من التَّابعينَ وعلماءِ الأمَّةِ، ويظهرُ من استقراءِ كتابِهِ أنَّ هؤلاءِ الذينَ ذكرَهم بِهذا الوصفِ هم: الصَّحابةُ والتَّابعونَ وأتباعُهم.

أمَّا اللُّغويُّونَ الذين عاصروا أتباعَ التَّابعينَ فإنه كانَ يَرُدُّ أقوالَهم، وإن كانتْ تحتملُها الآية، ويُعَلِّلُ ذلك بخروجها عنْ أقوالِ أهلِ التَّأويلِ، ويعني بهم هؤلاءِ الطَّبقاتِ الثلاث منْ علماءِ الأمَّةِ (2)، ومثالُ ذلكَ ما أوردَهُ في تفسيرِ قولِه تعالى:{وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ} [ن: 25]، فقد ذكرَ أقوالَ السلفِ، وهي:

الأول: على قدرةٍ في أنفسِهِم وجِدٍّ، وبه قال ابنُ عباسٍ (ت:68)، ومجاهدٌ بن جبرٍ (ت:104)، والحسنُ البصريُّ (ت:110)، وقتادةُ (ت:117)، وابن زيدٍ (ت:182).

(1) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (1:93).

(2)

ينظر أمثلةً لذلك في تفسير الطبري، ط: الحلبي (16:150 - 153)، (30:163).

ص: 186

الثاني: وغدوا على أمرِهِم قدْ أجمعوا عليه بينَهم، واسْتَسَرُّوه، وأَسَرُّوه في أنفسِهم، وهو قول مجاهد (ت:104)، وعكرمة (ت:105).

الثالث: وغدوا على فاقةٍ وحاجةٍ، وهو قولُ الحسنِ (ت:110).

الرابع: على حَنَقٍ، وهو قولُ سفيانَ الثوريِ (ت:161) (1).

ثمَّ قالَ بعدَ هذهِ الأقوالِ: «وكانَ بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ من البصرةِ يتأوَّلُ ذلك: وغدوا على منعٍ (2). ويوجِّهه إلى أنه من قولهم: حَارَدَت السَّنَةُ: إذا لم يكنْ فيها مطرٌ، وحَارَدَت الناقةُ: إذا لم يكنْ فيها لَبَنٌ، كما قالَ الشَّاعرُ (3):

فإذا ما حَارَدَتْ أو بَكَأَتْ،

فُتَّ عن حَاجِبِ أخرى طِينُهَا

وهذا قولٌ لا نعلمُ له قائلاً من متقدمي العلمِ قالَه، وإنْ كانَ لهُ وجهٌ، فإذا كانَ ذلكَ كذلكَ، وكانَ غيرُ جائزٍ عندنا أنْ يُتَعَدَّى ما أجمعتْ عليه الحُجَّةُ، فما صَحَّ منْ الأقوالِ في ذلك إلا أحدُ الأقوالِ التي ذكرنَاها عنْ أهلِ العلمِ.

وإذا كانَ ذلكَ كذلكَ، وكانَ المعروفُ منْ معنى الحرْدِ في كلامِ العربِ: القصدُ، من قولِهم: قدْ حَرَدَ فلانٌ حرْدَ فلانٍ: إذا قَصَدَ قصْدَه، ومنه قول الشاعر (4):

(1) ينظر أقوالهم في تفسير الطبري، ط: الحلبي (29:31 - 32).

(2)

ذكر هذا القول: أبو عبيدة في مجاز القرآن (2:265 - 266). كما ذكره ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن (ص:479 - 480)، والمبرد في الكامل في الأدبِ، تحقيق: محمد الدالي (1:74 - 75). وهؤلاء البصريون لم يذكروا البيت الذي استشهد به لمعنى المنع، وذكروا البيتين الآخرين اللذين ذكرهما، والله أعلم، هل هذا من صنيع الإمام، أم أنَّ المستشهَدَ بكلامه بصري آخر؟.

(3)

البيت في ذيل ديوان عدي بن زيد العبادي، ينظر: جمهرة اللغة (1:501).

(4)

البيت فيه إشكال في النسبة: قال أبو حاتم: «هذا البيت مصنوع، صنعه من لا أحسن الله ذِكْرَه» ؛ يعني: قُطْرُباً، كما في سمط اللآلي، للبكري، تحقيق: عبد العزيز =

ص: 187

وَجَاءَ سَيلٌ كانْ منْ أَمْرِ اللهْ

يَحْرُدُ حَرْدَ الجنَّةِ المُغِلَّهْ

يعني: يقصدُ قصدَها = صحَّ (1) أنَّ الذي هو أولى بتأويلِ الآيةِ قولُ من قالَ: معنى قوله: {وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ} [ن: 25] وغدوا على أمرٍ قد قصدوه واعتمدوه واستَسَرُّوهُ بينهم، قادرين عليه في أنفسهم» (2).

وهذا القولُ الذي انتقدَه، إنما انتقدَه ورَدَّهُ لعدمِ وُرُودِهِ عن السَّلفِ، وجعلَ ما حكاهُ عنهم ـ مع اختلافهم ـ إجماعاً، وبنى عليه أنَّ ما لم يقولوه فإنَّه خارج عن الإجماع ولا يُعْتَدُّ به. هذا مع أنه قال عن القول الذي اعترض عليه:«وإن كان له وجهٌ» ، ويظهر أنه يقصد بالوجه: الشاهد الشعري، وصحَّة المعنى في الآية إذا ما حُمِلَتْ عليه، واللهُ أعلمُ.

هذا، وقدْ أخذَ التَّفسيرُ اللُّغويُّ في تفسيرِ الطَّبريِّ (ت:310) مساحةً واسعةً، حتى إنه لا يكادُ أنْ يَمُرَّ به لفظٌ قرآنيٌّ دونَ أن يتعرَّضَ لبيانِه اللغويِّ، ويمكنُ بذلكَ أنْ يُخْرَجَ منْ تفسيرِه كتابٌ في تفسيرِ ألفاظِ القرآنِ، وهو ما يسمى بعلمِ «غريبِ القرآنِ» (3).

ومنْ صورِ التَّفسيرِ اللُّغويِّ التي كانَ ابنُ جريرٍ الطَّبريُّ (ت:310) يستخدمُهَا في تفسيرِهِ ما يأتي:

= الميمني (1:31)، وذكر في الحاشية أنَّ البيت نُسِبَ لحسان بن ثابت، ولحنظلة بن مُصَبِّح، وينظر ما ذكره الدكتور منير بعلبكي في تحقيقه للجمهرة (1:160).

والجنة المغلة: ذات الرَّيع والخِصْب.

(1)

هذا جوابُ قولِه: «وإذا كان ذلك» ، وطول الفصلِ بين المترابطاتِ إعراباً كثيرٌ في كلامِ الطَّبريِّ.

(2)

تفسير الطبري، ط: الحلبي (29:33 - 34).

(3)

قام الدكتور عبد الرحمن عميرة بإخراجِ كتابٍ بعنوانِ «دقائق لغة القرآن في تفسير ابن جرير الطبري» ، ولكنه غير شاملٍ لمفرداتِ ألفاظِ القرآنِ التي تناولها الطبري بالشرح والبيانِ، والله الموفق.

ص: 188

أولاً: تفسيرُ الألفاظِ دونَ ذكر الشاهدِ:

كانَ ذلكَ يجيءُ ـ في الغالبِ ـ في تفسيرِه الجمليِ الذي يوردُهُ بعدَ الآيةِ مباشرةً، أو قد يوردُهُ في ترجيحاتِهِ بعد ذِكْرِ أقوالِ المفسرينَ، ومنْ أمثلةِ ذلكَ:

1 -

قال: «وقوله: {ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق: 19] يقولُ: هذهِ السكرةُ التي جاءتكَ ـ أيها الإنسانُ ـ بالحقِّ، هو الشيءُ الذي كنتَ تهربُ منهُ، وعنهُ تَرُوغُ» (1).

والحَيدُ: المَيلُ والعدولُ، يقال: حادَ عن الشَّيء يحيدُ حَيدَةً وحُيوداً (2). وهو معنى الروغانِ الذي فَسَّرَ به، إذ الروغانُ: مَيلٌ، يقال: رَاغَ الرجلُ والثعلبُ رَوغاً ورَوَغَاناً: مالَ وحادَ عن الشَّيءِ (3).

2 -

وفي قولِه تعالى: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى} [القيامة: 37] قالَ: «يقول تعالى ذكره: أَلَمْ يَكُ هذا المنكرُ قدرةَ اللهِ على إحيائِه من بعدِ مماتِه، وإيجادِه من بعدِ فنائِه (نُطْفَةً) يعني: ماءً قليلاً في صلبِ الرجلِ (مِنْ مَنِيٍّ)؟» (4).

والنُّطْفَةُ: الماءُ القليلُ، قالَ الأزهريُ (ت:370): «والعربُ تقولُ للمُوَيهَةِ القليلةِ: نُطْفَةٌ، وللماءِ الكثيرِ نُطْفَةٌ» (5).

وقال رضيُّ الدِّينِ الصَّغَانِيُّ (ت:650): «النُّطْفَةُ: الماءُ الصافي، قليلاً كانَ

(1) تفسير الطبري، ط: الحلبي (26:161).

(2)

ينظر: مقاييس اللغة (2:123).

(3)

ينظر: القاموس المحيط، مادة (روغ).

(4)

تفسير الطبري، ط: الحلبي (29:201).

(5)

تهذيب اللغة (3:366). وقد نقله الزبيدي في تاج العروس في مادة (نطف)، وزاد بعد ذلك:«وهو بالقليل أخصُّ» وليس هذا في التهذيب المطبوع، فيحتمل أنه من كلام الزبيدي، أو أنه في النسخة التي اعتمدها من التهذيب، والله أعلم.

ص: 189

أو كثيراً، فمن القليلِ: نطفةُ الإنسانِ» (1).

والأمثلة من هذا النوع كثيرة جداً يصعبُ حصرُها. ومن الملاحظ أنَّ الطبريَ (ت:310) يَعْمَدُ إلى تحليلِ الألفاظِ تحليلاً معجمياً، وذلك بتوجيه الكلمةِ إلى أصلِها، أو مفارقتِها عن شبيهِها، أو غير ذلك من الأساليبِ التي اتخذها أصحابُ معاجمِ اللغةِ في بيانِ دلالةِ الألفاظِ العربيةِ، ومنْ ذلكَ:

1 -

قال في تفسيرِ المقاليد من قوله تعالى: {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [الزمر: 63]: «يقولُ تعالى ذِكْرُهُ: له مفاتيحُ خزائنِ السَّماواتِ والأرضِ، يفتحُ منها على من يشاءُ، ويمسكُها عمَّنْ أحبَّ منْ خلقِهِ. واحدها: مِقْلِيدٌ، وأمَّا الإقْلِيدُ: فواحدُ الأقالِيدِ» (2).

2 -

وقالَ: «وقولُه: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} [النجم: 2]، يقول تعالى ذِكرُه: ما حادَ صاحبُكُم أيها الناسُ عن الحقِّ ولا زالَ عنه، ولكنه على استقامةٍ وسدادٍ.

ويعني بقوله: {وَمَا غَوَى} : وما صارَ غَوِيّاً، ولكنه رشيدٌ سديدٌ، يقال: غَوَى يَغْوَى: من الغَيِّ، وهو غاوٍ. وغَوِيَ يَغْوَى من اللَّبن: إذا بَشِمَ» (3).

3 -

وقال في قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَانِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36]: «يقول تعالى ذِكره: ومن يعرض عن ذكر الله فلم يخفْ سطوته، ولم يخش عقابه، {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36] يقول: نجعلُ لهُ شيطاناً يُغْوِيهِ فهو له قرينٌ، يقول: فهو للشيطانِ قرينٌ؛ أي: يصيرُ كذلكِ.

وأصلُ العَشْوِ: النَّظَرُ بغيرِ ثَبْتٍ لِعِلَّةٍ في العينِ، يقالُ منه: عَشَا فلانٌ

(1) العباب الزاخر، حرف الفاء (ص:601).

(2)

تفسير الطبري، ط: الحلبي (24:23).

(3)

تفسير الطبري، ط: الحلبي (27:41).

ص: 190

يَعْشُو عَشْوَا وَعُشُوًّا: إذا ضَعُفَ بصرُهُ وأظلمتْ عينُه كأنَّ عليهِ غشاوةً؛ كما قالَ الشاعرُ (1):

مَتَى تَاتِهِ تَعْشُو إلى ضَوءِ نَارِهِ

تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وَنَاراً تَأَجَّجَا

يعني: متى تفتقرْ فتأتِهِ يُعِنْكَ.

وأمَّا إذا ذهب البصر ولم يُبصرْ، فإنَّه يقال فيه: عَشِيَ فلانٌ يَعْشَى عَشىً منقوصٌ، ومنه قول الأعشى (2):

رَأَتْ رَجُلاً غَائِبَ الوافِدَينِ

مُخْتَلِفَ الخَلْقِ أعْشى ضَرِيراً

يقال منه: رجلٌ أعشى وامرأة عشواء.

وإنما معنى الكلام: ومن لا ينظر في حجج الله بالإعراض منه عنه، إلَاّ نظراً ضعيفاً، كنظر من قد عَشِيَ بصرُه، نقيض له شيطاناً» (3).

وهذا النَّمط في كتابه كثيرٌ، وهو يُعَدُّ بهذا النَّمطِ الَّذي سلكه في التَّفسيرِ اللُّغويِّ من أصحاب المعاجم الذين دَوَّنوا ألفاظَ اللُّغةِ؛ كعَصْرِيِّه ابن دريد

(1) ورد البيت منسوباً للحطيئة في الكتاب، لسيبويه (1:445)، وغريب القرآن، لابن قتيبة (ص:398)، وهو في ديوانه (ص:81) كالآتي:

مَتَى تَاتِه تَعْشُوا إِلى ضَوءِ نَارِه

تَجِدْ خَيرَ نَارٍ، عِنْدَهَا خَيرُ مُوقِدِ

وعجز البيت الذي ذكره الطبري منسوب إلى عبيد الله بن الحُرِّ، والبيت بتمامه في الكتاب، لسيبويه (1:446):

مَتَى تَاتِنَا، تُلْمِمْ بِنَا فِي دِيارِنَا،

تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً، ونَاراً تَأجَّجا

ويظهر أنَّ الطبري ركَّبه من هذين البيتين، أو تكون روايته التي بلغته هكذا، والله أعلم.

ينظر: قول محقق تفسير الطبري، ط: الحلبي (25:72)، وينظر في البيتين ونسبهما: خزانة الأدب، للبغدادي تحقيق عبد السلام هارون (9: 90)

(2)

البيت في ديوان الأعشى، تحقيق حنَّا نصر (ص:161)، وقال المحقق في معنى «غائب الوافدين»: فاقد بصر العينين.

(3)

تفسير الطبري، ط: الحلبي (25:72 - 73).

ص: 191

(ت:321) الذي ألَّف كتاب «جمهرة اللغة» ، أو من جاء بعده كالأزهري (ت:370) الذي ألَّف كتاب «تهذيب اللغة» .

غير أنَّك لا تجد لهذا العَلَمِ الجَهْبَذِ أثراً في نقلِ اللُّغةِ عندَ أصحابِ المعاجمِ ممنْ جاءَ بعدَهُ (1)، مع أنَّ كتابَه مليءٌ بالتَّحقيقاتِ اللُّغويةِ وببيانِ المفرداتِ وذكر شواهدها من لغة العرب.

ومما يدلُّ على تقدُّمه في علمِ لغةِ العربِ أنَّه لما دخلَ مصرَ طُلِبَ منه أنْ يُمْلِيَ شعرَ الطِّرِمَّاحِ (2)، فأملاهُ حفظاً، وشرحَ غريبَه (3)، ولا يقومُ بمثلِ هذا إلَاّ من تمكَّنَ في لغةِ العربِ.

ثانياً: تفسير الألفاظ مع ذكر الشاهد:

تكثرُ الشَّواهدُ الشِّعريةُ في تفسيرِ الطَّبريِّ (ت:310)، وهو كغيرِه من المفسِّرينَ الذين يتعرَّضونَ لمسائلِ النَّحْوِ، حيثُ يكثرُ عندَه الشَّاهدُ النَّحْوِيُّ، ولا يخلو كتابُه منْ ذِكْرِ شواهدِ اللُّغةِ، غيرَ أنَّ الأوَّلَ أكثرُ. ومن الشَّواهد اللُّغويَّة التي ذكرها ما يأتي:

(1) بحثت في كتاب لسان العربِ عنه، لأظفر بنقلٍ عنه في اللغة، فلم أجد إلَاّ موضعاً واحداً في مادة (جزى)، قال ابن منظورٍ:«وفسَّر أبو جعفر بن جرير الطبري قوله تعالى: {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا}، فقال: معناه: لا تُغني» ، ثمَّ وقفتُ على القرص المضغوط من إنتاج مركز التراث لأبحاث الحاسب الآلي (مكتبة المعاجم والغريب والمصطلحات)، فبحثت في كتاب لسان العرب في موارد اللفظ (ابن جرير = الطبري)، فلم أظفر باسمه في أي موضعٍ، ولا بالموضعِ الذي وجدته، ثمَّ كشفتُ في القرص عن هذه المادة (جزى)، فلم أجدهم نقلوها، وهذا مما يُضعِفُ عملهم، وهو ما يتسمون به في إخراج كتب التراثِ، والله المستعان.

(2)

الطِّرِمَّاح هو الحكم بن حكيم، ولقبه أشهر من اسمه، وهو من طيء، شاعر إسلامي، كان خطيباً خارجياً، مات في الكوفة، سنة (112) أو قريباً منها. ينظر: مقدمة محقق شعر الطِّرِمَّاح: عِزَّة حسن (ص:5 - 24)، ومعجم الشعراء (ص:135).

(3)

ينظر: معجم الأدباء (18:53).

ص: 192

1 -

قالَ في قولِه تعالى: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} [سبأ: 2]: «يقولُ تعالى ذِكرُه: يعلمُ ما يدخلُ في الأرضِ وما يغيبُ فيها من شيءٍ، منْ قولهم: وَلَجْتُ في كذا: إذا دخلتُ فيه، كما قال الشاعر (1):

رَأَيْتُ القَوَافِي يَتَّلِجْنَ مَوَالِجاً

تَضَايَقُ عَنْهَا أَنْ تَوَلَّجَهَا الإبَرْ

يعني بقوله: «يَتَّلِجْنَ مَوَالِجاً» : يدخلن مداخل» (2).

2 -

وقال: «وقوله: {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونَ} [الذاريات: 59]، يقول تعالى ذِكرُه: فإنَّ للذينَ أشركُوا باللهِ منْ قريشٍ وغيرِهم ذَنُوباً، وهي الدَّلْوُ العظيمةُ، وهو السَّجْلُ أيضاً، إذا مُلئت أو قاربتْ الملء، وإنما يريدُ بالذَّنوبِ في هذا الموضعِ: الحَظَّ والنَّصيبَ، ومنه قول عَلْقَمَةَ بنِ عَبْدَةَ (3):

وَفِي كُلِّ قَومٍ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ،

فَحُقَّ لِشَأسٍ مِنْ نَدَاكَ ذَنُوبُ

أي: نصيب، وأصله ما ذكرتُ، ومنه قول الراجز (4):

لَنَا ذَنُوبٌ وَلَكُمْ ذَنُوبُ

فَإنْ أَبَيتُمْ فَلَنَا القَلِيبُ

(1) البيت لطرفة بن العبد في ديوانه، تحقيق: رحاب عكاوي (ص:159).

(2)

تفسير الطبري، ط: الحلبي (22:59).

(3)

علقمة بن عَبْدَة التميمي، المعروف بـ «علقمة الفحل» ، شاعر جاهلي، اتصل بالغساسنة، توفي في نحو 20 سنة قبل الهجرة، وقيل غيرها. ينظر: مقدمة ديوانه، للدكتور: حنا نصر (ص:7 - 14)، ومعجم الشعراء (ص:169).

والبيت في ديوانه بشرح الأعلم الشَّنْتمري، تحقيق: حنَّا نصر (ص:31). ومعنى: خبطت بنعمة: أنعمت وتفضَّلت، وشأس: أخو علقمة، وكان قد أسِر، وهذا البيت في قصيدة يمدح فيها الحارث الغساني، ويطلب منه فكَّ أسرِ أخيه شأس.

(4)

الرجز غير منسوب في كتاب العين (8:190)، ومعاني الفراء (3:90) وينظر: المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية (9:106).

ص: 193

ومعنى الكلامِ: فإنَّ للذينَ ظلموا منْ عذابِ اللهِ نصيباً وحظاً نازلاً بهم، مثلَ نصيبِ أصحابِهم الذين مضوا من قبلِهم من الأممِ على منهاجِهم، من العذابِ، فلا يستعجلون» (1).

ويظهرُ عنده الجانبُ اللغويُ في تفسيرِ الألفاظِ في توجيهِ القراءاتِ، وهو في هذا التوجيهِ يُفسرُ اللفظَ ويذكرُ شواهدَه ليرجِّحَ القراءةَ التي يختارُها، إن اختارَ، أو ليبينَ صحةَ القراءتينِ معتمداً على الشواهدِ اللغويةِ، والأمثلة في هذا كثيرة في تفسيره، ومنَ الأمثلةِ التي تتعلق بتوجيه المعنى مع الاختلاف في القراءة ما يأتي:

في قوله تعالى: {لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا} [الحجر: 15] ذكر القراءتين في لفظ «سُكِّرَتْ» (2)، ثُمَّ ذكرَ أقوالَ السَّلفِ في تفسيرِ هذا اللَّفظِ، ثمَّ عقَّبَ بقوله: «وأولى هذه الأقوالِ بالصَّوابِ عندي، قولُ من قالَ: معنى ذلك: أُخِذَت أبصارنا وسُحِرَت، فلا تُبْصِرُ الشَّيءَ على ما هو به، وذهب حَدُّ إبصارها، وانطفأ نورُه، كما يقالُ للشَّيءِ الحَارِّ إذا ذهبتْ فورتُهُ وسكنَ حَدُّ حرِّه: قد سَكَرَ يَسْكُرُ. قال المثنى بن جندل الطُّهَوِي (3):

جَاء الشِّتَاءُ وَاجْثَألَّ القُبَّرُ

وَاسْتَخْفَتِ الأفْعَى وَكَانَتْ تَظْهَرُ

(1) تفسير الطبري، ط: الحلبي (27:13 - 14).

(2)

قرأها جمهور القُرَّاء بالتشديد، إلا ابن كثير، فإنه قرأها بالتخفيف. ينظر: السبعة، لابن مجاهد، تحقيق: د. شوقي ضيف (ص:366)، وقد أسند الطبري إلى مجاهد قراءة التخفيف، ينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (14:11 - 12)، وهذا يدلُّ على أنَّ الرواية بالتخفيف معروفة عن قراء مكة.

(3)

كذا ورد اسمه عند الطبري، وقد ورد عند غيره «جندل بن المثنى». ينظر: مجاز القرآن (2:203)، وخزانة الأدب، للبغدادي (7:406، 530).

وينظر هذا الرجز في: مجاز القرآن، لأبي عبيدة (2:203)، وجمهرة اللغة (2:1088)، وتهذيب اللغة (10:56)، وينظر: المعجم المفصل (10:130).

ص: 194