الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإشارةِ (هذا)(1)، وحكم (بئس ونِعْمَ)(2)، وحكم (أَمْ) الاستفهاميَّة (3)، وغيرها كثيرٌ (4).
* لما كان هذا المنحى العربيُّ مؤثراً على الفرَّاءِ (ت:207) في كتابِه، فإنك تجدُه كثيراً ما يفترضُ على النَّصِّ القرآنيِّ ليبيِّن صحَّةَ هذا الأسلوبِ الذي افترضَه، وقَصْدُهُ بهذا ـ والله أعلم ـ الاستطرادَ في المباحثِ العربيَّةِ التي كانتْ نَصْبَ عينيه وهو يملي كتابَه، ومنْ ذلكَ:
1 -
قال: {وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا} [نوح: 24] يقول: هذه الأصنامُ قدْ ضَلَّ بها قومٌ كثيرٌ. ولو قيلَ: وقدْ أضلتْ كثيراً، أو: أضْلَلْنَ، كان صواباً» (5).
2 -
وقالَ: «قولُه: {اخْتَصَمُوا} [الحج: 19](6)، ولم يقلْ: اختصما؛ لأنها جَمْعَانِ ليسا برجلينِ، ولو قيل: اختصما، كان صواباً.
ومثله: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات: 9]، يذهب إلى الجمع، ولو قيل: اقتتلتا لجاز، يذهب إلى الطائفتين» (7).
أثرُ الاهتمامِ بعلومِ العربيَّةِ في تفسيراتِه:
لقد كانَ لاهتمامِ الفراءِ بالعربيَّةِ، والغفلةِ عن غيرِها من المصادرِ، أثرٌ في ذكرِ بعضِ الأوجهِ التي خُولِفَ فيها، كما كانَ له أثرٌ في عدمِ اعتمادِ قولِ المفسِّرينَ منَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ في التَّفسيرِ اللُّغويِّ.
(1) معاني القرآن (1:13).
(2)
معاني القرآن (1:56).
(3)
معاني القرآن للفراء (1:71 - 72).
(4)
للاطلاع على المباحث النحوية في كتاب الفراء، ينظر: فهارس معاني القرآن، إعداد: فايزة المؤيد (ص:211 - 257).
(5)
معاني القرآن (3:189).
(6)
يريد قوله تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} .
(7)
معاني القرآن (2:220).
ومنْ أمثلةِ ما خُولِفَ فيه:
* اعتمادُه أسلوب الحذف في قوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: 81]، قال: «وقوله: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: 81] ولمْ يقلْ: البردَ، وهي تَقِي الحَرَّ والبَرْدَ، فتركَهُ لأنَّ معناهُ معلومٌ ـ والله أعلم ـ كقولِ الشاعرِ (1):
وَمَا أَدْرِي إِذَا يَمَّمْتُ وَجْهاً
…
أُرِيدُ الخَيْرَ أَيُّهُمَا يَلِينِي
يريدُ: أيَّ الخيرِ والشرِّ يليني؛ لأنه إذا أرادَ الخيرَ فهو يتقي الشرَّ» (2).
لقدِ اعتمدَ الفراءُ (ت:207) في هذا المثالِ على قاعدةِ حَذْفِ ما هو معلومٌ للسامعِ، والأصلُ أنَّ الكلامَ يكونُ تامًّا، ولا يُدَّعى الحذفُ فيه إلَاّ إذا دَلَّ الدليلُ عليه.
وفي هذا المثال يمكنُ حملُ الكلامِ على تمامِه دونَ ادِّعاءِ الحذف، قال الإمامُ أحمدُ بنُ تيميةَ (ت:728): «وأما تمثيلهم بقوله: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: 81]؛ أي: وتقيكم البردَ، فعنه جوابان الأول: ....
والثاني: أن قوله: {تَقِيكُمُ الْحَرَّ} على بابِه، وليس في الآيةِ ذكرُ البردِ، وإنما يقول: إنَّ المعطوفَ محذوفٌ، هو الفراءُ وأمثالُه ممنْ أنكرَ عليهم الأئمةُ، حيث يفسرونَ القرآنَ بمجردِ ظنِّهم وفهمهمِ لنوعٍ منْ علمِ العربيةِ عندهم، وكثيراً لا يكونُ ما فسروهُ مطابقاً.
وليسَ في الكلامِ ما يدلُّ على ذِكْرِ البرد، ولكنَّ الله ذكرَ في هذه السورةِ إنعامَه على عبادِه، وتُسمَّى سورةُ النِّعَمِ، فذكرَ في أولِها أصولَ النِّعَمِ التي لا بدَّ منها ولا تقومُ الحياةُ إلا بها، وذكرَ في أثنائِها تمامَ النِّعَمِ.
(1) البيت للمثقب العبدي، وهو في ديوانه، تحقيق: حسن كامل الصيرفي (ص:212).
(2)
معاني القرآن (2:112).
وكانَ ما يَقِي البردَ منْ أصولِ النِّعَمِ ذُكِرَ في أوَّلِ السُّورةِ في قوله: {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ} [النحل: 5]، فالدفءُ ما يُدْفِئُ ويدفعُ البردَ
…
» (1).
والمقصود: أنه مع كونِ أسلوبِ الحذفِ أسلوباً عربيًّا شائع الاستعمالِ عندهم، إلا أنَّه لا يلزمُ أنْ يكونَ مراداً هنا، ما دامَ الكلامُ مفهوماً بدونِ ادِّعاء الحذف وتقديرِه.
ثُمَّ إنَّ في تقديرِ المحذوفِ تَقَوُّلاً على اللهِ في أنَّه مرادٌ للهِ في خطابِه، والكَفُّ عن القولِ به أسلمُ، لأنه وقوفٌ عند الظاهرِ منْ كلامِ اللهِ سبحانه وتعالى.
* وقال في تثنيةِ «جنَّتان» من قوله: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن؛ 46]: وقولُه {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46] ذَكَرَ المفسِّرونَ أنَّهما بستانانِ منْ بساتينِ الجنَّةِ (2).
وقدْ يكونُ في العربيَّةِ: جنَّة، تُثَنِّيها العربُ في أشعارِها، أنشدني بعضُهم (3):
(1) دقائق التفسير (5:78). وقال في موطن آخر (3:327 - 328): «ولم يذكرها هنا ما يقي من البرد؛ لأنه قد ذكره في أول السورة، وذلك في أصول النعم
…
ولا حذف في اللفظ، ولا قصور في المعنى كما يظنُّه من لم يحسن فهم القرآن، بل لفظه أتَمُّ لفظ، ومعناه أكمل المعاني
…
».
وقد ذكر الطبري (14:156 - 157) قول الفراء، ثم رجَّحَ عليه قول عطاء الخرساني، وهو: «إنما نزل القرآن على قدر معرفتهم
…
ألا ترى قوله: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: 81]، وما تقي من البرد أكثر وأعظم، ولكنهم كانوا أصحاب حرٍّ». وعلى قول عطاء لا يكون في الآية حذف.
ثم ينظر ردَّ الطبري، ط: الحلبي (4:51 - 52) في ادعاء الفراء الحذف في قوله تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَةٌ قَائِمَةٌ} [آل عمران: 113].
(2)
هذا الذي نسبه إلى المفسرين هو ظاهر نصِّ القرآن، ولم يرد عن السلف خلافٌ لهذا الظاهر، فهو كالإجماع منهم على أنَّ هذا الظاهر هو المراد، ينظر في تفسيراتهم: تفسير الطبري، ط: الحلبي: (27:145 - 147).
(3)
قال البغدادي: «والصحيح أنَّ هذين البيتين من رجزٍ لِخِطام المُجاشعيِّ، وهو شاعر =
وَمَهْمَهَيْنِ قَذَفَيْنِ مَرْتَيْنِ
…
قَطَّعْتُهُ بَالأَمِّ (1) لَا بِالسَّمْتَيْنِ
يريد: مهمهاً وسمتاً واحداً، وأنشدني آخر (2):
يَسْعَى بِكَيْدَاءَ وَلَهْذَمَيْنِ
…
قَدْ جَعَلَ الأَرْطَاةَ جَنَّتَيْنِ
وذلكَ أنَّ الشِّعرَ قوافٍ يقيمها الزِّيادةُ والنُّقصانُ، فيحتملُ مالا يحتمِلُه الكلامُ.
قال الفرَّاء: الكَيْدَاءُ (3): القوس، ويقال: لَهْذِمْ ولَهْذَم» (4).
لمَّا ذكرَ الفرَّاءُ (ت:207) في هذا المثالِ قولَ المفسِّرينَ أتبعَه بما يجوزُ
= إسلامي، لا لهميان بن قحافة، كما تقدَّم نقلُ أبيات كثيرة من هذا الرجز في الشاهد الخامس والثلاثين بعد المائة [2:313 - 314]، والرواية الصحيحة كذا:
وَمَهْمَهَيْنِ قَذَفَيْنِ مَرْتَيْنِ
…
ظَهْرُهُمَا مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَينِ
جُبْتُهُمَا بِالنَّعْتِ لا بِالنَّعْتَيْنِ
…
عَلى مُطَارِ القَلْبِ سَامِي العَيْنَيْنِ
والواو في مهمهين: واو رُبَّ، والمهمهُ: القفر المخوف. والقَذَف، بفتح القاف والذال المعجمة بعدها فاء: البعيد من الأرض .. والمَرْت، بفتح الميم وسكون الراء المهملة بعدها مثناة فوقية: الأرض لا ماء فيها ولا نبات
…
وأما رواية «قطعته بالسمة لا بالسمتين» فهو من رجز لشاعر آخر، أنشده الفارسي في تذكرته، وذكر قبله:
وَمَهْمَهٍ أَعْوَرِ إحدَى الْعَيْنَيْنِ
…
بَصِيرِ الأُخْرَى وَأَصَمِّ الأُذْنَيْنِ
قَطَّعْتُهُ بِالسَّمْتِ لا بِالسَّمْتَيْنِ
والسَّمتُ: السَّيرُ بالحدس
…
» اهـ بتصرُّفٍ، عن خزانة الأدب، تحقيق: عبد السلام هارون (7:548 - 550).
(1)
الأَمُّ: القَصْدُ.
(2)
لم أجده عن غير الفراء، وقد نقله عنه ابن قتيبة في غريب القرآن (ص:440).
(3)
قال عبد السلام هارون في تعليقه على خزانة الأدب (7:548، حاشية:2): «في معاني الفراء (3:118): «الكيداء» ، وكذا في الرجز «بكيداء» ، وما هاهنا صوابه. وفي اللسان:«وقوس كبداء: غليظة الكبد شديدتها، وقيل: قوس كبداء: إذا ملأ مقبضها الكف» . وكَبِدُ القوس: فُويق مقبضِها حيث يقعُ السَّهم».
(4)
معاني الفراء (3:118).
في العربيَّةِ، وفي هذا تركٌ للظَّاهِرِ من تثنيةِ الجنَّتينِ دونَ دليلٍ يَدُلُّ عليه سوى جوازِ العربيَّةِ في هذا المثالِ، وقدِ اعترضَ عليه ابنُ قتيبةَ (ت:276) وشَنَّعَ، فقال: «وهذا منْ أعجبِ ما حُمِلَ عليه كتابُ اللهِ، ونحنُ نعوذُ باللهِ منْ أنْ نتعسَّفَ هذا التَّعسُّفَ، ونجيزَ على اللهِ ـ جلَّ ثناؤه ـ الزِّيادةَ والنَّقصَ في الكلامِ لرأسِ آيةٍ.
وإنَّما يجوزُ في رؤوسِ الآي أنْ يَزِيدَ هاءً للسَّكتِ؛ كقوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَه} [القارعة: 10]، وألِفاً؛ كقولِه:{وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} [الأحزاب: 10]، أو يحذفَ همزةً منَ الحرفِ؛ كقوله:{أَثَاثًا وَرِئْيًا} [مريم: 74]، أو ياءً؛ كقولِه:{وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} [الفجر: 5] لتستويَ رؤوسُ الآيِ، على مذاهبِ العربِ في الكلامِ إذا تَمَّ فآذَنَتْ بانقطاعِه وابتداءِ غيرِه؛ لأنَّ هذا لا يُزِيلَ معنىً عن جهتِهِ، ولا يزيدُ ولا ينقصُ.
فأمَّا أنْ يكونَ اللهُ عز وجل وَعَدَ جنَّتينِ، فيجعلُهما جنَّةً واحدةً من أجلِ رؤوسِ الآيِ، فمعاذَ الله!
وكيفَ يكونُ هذا؟! وهو ـ تباركَ اسمُهُ ـ يَصِفُها بصفاتِ الاثنينِ، فقال:{ذَوَاتَا أَفْنَانٍ} [الرحمن: 48]، ثم قال:{فِيهِمَا} [الرحمن: 50]، {فِيهِمَا} [الرحمن: 52].
ولوْ أنَّ قائلاً قالَ في خزنةِ النَّارِ: إنهم عشرونَ، وإنما جعلهمْ تسعةَ عشرَ لرأسِ الآيةِ ـ كما قال الشاعرُ (1):
نَحْنُ بَنُو أُمِّ البَنِينُ الأَرْبَعَه
…
.......
وإنما همْ خمسةٌ، فجعلهم للقافية أربعةً (2) ـ ما كان في هذا القول إلا
(1) البيت للبيد، في ديوانه بشرح الطوسي، تحقيق: حنَّا نصر الحِتِّي (ص:109).
(2)
قال أبو عبيد البكري في سمط اللآلي (1:190 - 191): «
…
أمُّ البنين بنت عمرو بن عامر فارس الضحياء واسمها الحيا، وهي التي يضرب بها المثل فيقال: =
كالفراء» (1).
ومن أمثلةِ ما كان له أثرٌ في عدمِ اعتمادِ قولِ السَّلفِ:
* وقال: «وقولُه: {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} [البقرة: 260] ضمَّ الصَّادَ العامَّةُ. وكان أصحابُ عبدِ اللهِ يكسرونَ الصَّاد (2). وهما لغتانِ، فأمَّا الضَّمُّ فكثيرٌ، وأمَّا
«أنجِب من أمِّ البنين» . ولدت لمالك بن جعفر: عامراً ملاعب الأسنَّة أبا البراء، وطفيلَ الخيل فارس قُرزُل والد عامر بن الطُّفيل، وربيعَ المُقتِرين: ربيعة والد لبيد، ونزَّال المضيق سُلَمى، ومعوِّدَ الحكماءِ معاوية.
وقيل: بل التي ولدتهم بنت رباح بن خالد الجرمي. قال لبيد يفخر بها:
نَحْنُ بَنُو أُمِّ الْبَنِينَ الأرْبَعَه
…
........
وإنما قال أربعة، وهم خمسة؛ لأنَّ وزن الشعر لم يطَّرد له إلَاّ بالأربعة».
(1)
تفسير غريب القرآن، لابن قتيبة (ص:440 - 441). وقد تابع النحاسُ ابنَ قتيبة في هذا، فقال:«وهذا القول من أعظم الغلط على كتاب الله عز وجل، يقول الله عز وجل: {جَنَّتَانِ} ويصفها بقوله: {فِيهِمَا} فَيَدَعُ الظاهرَ ويقول: يجوز أن تكون جنة، ويحتج بالشعر» . تفسير القرطبي (17:117).
(2)
وقال ابن مجاهد: «واختلفوا في ضَمِّ الصَّاد وكسرها من قوله: {فَصُرْهُنَّ}، فقرأ حمزة وحده: «فَصِرْهُنَّ» بكسر الصَّادِ، وقرأ الباقون:«فَصُرْهُنَّ» بالضَّمِّ». كتاب السبعة، تحقيق: شوقي ضيف (ص:189 - 190).
الكسرُ ففي هُذَيلٍ وسُلَيمٍ (1). وأنشدني الكسائيُ عنْ بعضِ بني سليم (2):
وَفَرْعٍ يَصِيرُ الجِيدَ وَحْفٍ كَأَنَّهُ
…
على اللِّيتِ قِنْوانُ الكُرُومِ الدَّوَالِحِ
ويفسَّر معناه: قطِّعهن (3)، ويقالُ: وجِّهْهُنَّ.
ولم نجدْ قطِّعهنَّ معروفةً من هذينِ الوجهينِ، ولكني أرى ـ والله أعلم ـ أنها إنْ كانتْ منْ ذلكَ أنها من صَريْتَ تَصْرِي، قُدِّمت ياؤها، كما قالوا: عِثْتُ وَعَثَيْتُ، وقال الشاعر (4):
(1) هذيل: قبيلة تنسب إلى هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، ومنهم عبد الله بن مسعود صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، واشتقاق هُذيلٍ من الهذل وهو الاضطراب، ينظر: المعارف (ص:64 - 65)، والاشتقاق (ص:176).
وسُلَيم: قبيلة تُنسبُ إلى سُلَيم بن منصور بن عكرمة، ومن قبائلها: بنو حرام ورَعل وذكوان وغيرها. المعارف (ص:85).
(2)
لم أجده عند غير الفراء، وقد نقله عنه الطبري في تفسيره، تحقيق: شاكر (5:497)، والأزهري في تهذيب اللغة (12:227)، وقال الأستاذ المحقق محمود شاكر في تعليقه على تفسير الطبري:«لم أعرف قائله» ، وقال:«الفرع: الشعر التام الجثل. وحفٍ: أسود حسن كثير غزير. الليت: صفحت العنق، وهما الليتان. قنوان: جمع قنو (بكسر فسكون): وهو عذق النخل، واستعاره هنا لعناقيد العنب. والدوالح جمع دالح: وهو المثقل بالحمل هنا، وأصله فيما يمشي، يقال: بعير دالح: إذا مشى بحمله الثقيل مشياً غير منبسط، وكذا السحاب دالح؛ أي: مثقل بطيء المَرِّ، وهو استعارة جيدة محكمة» .
تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (5:497، حاشية 1، 2).
(3)
فسر السلف (صرهن) على الوجهين في القراءة بأنه قطِّعهن، ومنهم: ابن عباس، وأبو مالك، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، والسدي، والربيع بن أنس، وابن إسحاق. ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (5:502 - 504).
أما قوله: «وجههن» فلم أجد من قال به، إلا إن كان أراد معنى: ضمهنَّ.
(4)
البيت بلا نسبة في ديوان الأدب، للفارابي (2:204)، ولسان العرب وتاج العروس، مادة (نعر، عصا). وقال محمود شاكر في شرح البيت: «جوز كلِّ شيء: وسطه، والدارع: لابس الدرع. والعواصي: جمع عاص، ويقال: عرق عاصٍ، وهو الذي لا يرقأ ولا ينقطع بالدم، إذا فار فوراناً لا يرقأ؛ كأنَّ له صوتاً من شدة خروج الدم منه، فهو نعار ونعور» تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (5:498، حاشية: 5).
صَرَتْ نَظْرَةً، لَوْ صَادَفَتْ جَوْزَ دَارِعٍ
…
غَدَا وَالْعوَاصِي مِنْ دَمِ الْجَوْفِ تَنْعَرُ
والعربُ تقولُ: باتَ يَصْرِي في حوضِه، إذا استقى ثمَّ قَطَعَ واستقى، فلعلَّه من ذلك ..» (1).
في هذا المثالِ يرى الفراءُ (ت:207) أنَّ معنى «صرْهُنَّ» (بالضَّمِّ أو الكسر) ليسَ القطعَ إلا على القلبِ.
والأصلُ بقاءُ اللَّفظِ على ترتيبِ حروفِه وعدمُ ادعاءِ القلبِ فيه، إلا إذا لم يُفْهَمْ إلا على وجهِ القلبِ، وقدْ فَسَّرَ السَّلفُ هذا اللَّفظ بوجهيه المقروءينِ على أنه بمعنى التَّقطيعَ، دونَ أن يَدَّعُوا فيه قَلْباً، وهذا يدلُّ على صحتِه في اللُّغةِ، وعلى أنَّ ما لم يعرفه الفراءُ (ت:207) قدْ عرفَهُ غيرُه، وبهذا جاء تفسيرُ اللُّغويِّين البصريِّين (2) كما ذكر عنهم ذلك الطَّبريُّ (ت:310) ذلك، حيث قال: «وهذا القولُ الذي ذكرناه عن البصريين (3) ـ منْ أنَّ معنى الضَّمِّ في الصَّادِ من قولِه: {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} والكسرَ سواءٌ بمعنى واحدٍ، وأنهما لغتان معناهما في هذا الموضع: فقطِّعْهُنَّ، وأنَّ معنى إليك: تقديمُها قبلَ فصُرْهُنَّ منْ أجلِ أنها صلةُ قولِه: {فَخُذْ} ـ أولى بالصَّوابِ منْ قولِ الذين حكينا قولَهم منْ نحويِّي الكوفةِ (4) الذين أنكروا أن يكونَ للتَّقطيعِ في ذلكَ وجهٌ مفهومٌ إلا على معنى
(1) معاني القرآن، للفراء (1:174).
(2)
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى البصري: «فمن جعل من صُرْتَ تَصُورُ، ضمَّ، قال:{فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} : ضُمَّهُنَّ إليك، ثُمَّ اقطعهن، ثم اجعلْ على كلِّ جبلٍ منهنَّ جزءاً.
فمنْ جعلَ منْ صِرْتَ: قطَّعت وفرَّقت، قال: خذ أربعةً من الطير إليك، فصرهُنَّ إليك؛ أي: قطِّعهن، ثم ضع على كل جبلٍ منهن جزءاً
…
». مجاز القرآن (1:80)، وقال الأخفش:{فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} أي قطعهنَّ، وتقولُ منها: صَارَ يَصُورُ، وقال بعضهم:«فصِرهنَّ» فجعلها من صَارَ يَصِيرُ، وقال:{إِلَيْكَ} ؛ لأنه يريد: خُذْ أَربعةً إليك فصرهن». معاني القرآن للأخفش (1:199).
(3)
بموازنة ما نقله يظهر أنه قول أبي عبيدة والأخفش البصريان.
(4)
يعني: الفراء؛ لأنه نقل قوله من كتابه معاني القرآن.
القلبِ الذي ذكرتُ، لإجماعِ أهلِ التَّأويلِ على أنَّ معنى قولِه:{فَصُرْهُنَّ} غير خارجٍ منْ أحدِ معنيين: إمَّا قطعهنَّ، وإمَّا ضمهنَّ إليك، بالكسرِ قُرِئَ ذلك أو بالضَّمِّ.
ففي إجماعِ جميعِهِم على ذلك ـ على غيرِ مراعاةٍ منهم كَسْرَ الصَّادِ وضمَّهَا ـ أوضحُ الدليلِ على صِحَّةِ قولِ القائلينَ منْ نحويِّي البصرةِ في ذلكَ ما حكينا عنهم من القولِ، وخطإِ قولِ نحويي الكوفيين، لأنهم لو كانوا إنما تأولوا قولَه:{فَصُرْهُنَّ} بمعنى: فقطِّعهن، على أنَّ أصلَ الكلامِ فأصرهن، ثم قُلِبَتْ، فقيل: فصِرهن بكسرِ الصَّادِ، لتحوَّلَ ياءُ فاصِرهن مكانَ رائِه، وانتقالُ رائِه مكان يائِه، لكانَ لا شكَّ ـ مع معرفتهم بلغتهم، وعلمهم بمنطقهم ـ وقدْ فصلوا بينَ معنى ذلك إذا قُرِئَ بكسرِ صادِهِ، وبيْنَهُ إذا قُرئَ بضَمِّها، إذ كانَ غيرُ جائزٍ لمنْ قَلَبَ فأصرهنَّ إلى فصرهنَّ أنْ يقرأهُ:(فصُرهن) فضم الصادِ، وهم ـ معَ اختلافِ قراءتهم ذلك ـ قدْ تأولوه تأوُّلاً واحداً على أحدِ الوجهين اللَّذَيْنِ ذكرنا، ففي ذلك أوضحُ الدَّليلِ على خطَأ قولِ منْ قالَ: إنَّ ذلكَ إذا قُرئَ بكسرِ الصادِ بتأويلِ التَّقْطِيعِ مقلوبٌ منْ صَرَى يَصْرِي إلى صَارَ يَصِيرُ، وجهلِ منْ زعمَ أنَّ قولَ القائلِ: صَارَ يَصُور، وصَارَ يَصِيرُ غيرُ معروفٍ في كلامِ العربِ بمعنى: قَطَعَ» (1).
ثُمَّ ذكرَ أقوالَ السلفِ، ثُمَّ قالَ:«ففيما ذكرْنَا مِنْ أقوالِ مَنْ روينا قولَه في تأويلِ قولِه: {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} أنه بمعنى: فقطعهن إليك، دلالةٌ واضحةٌ على صحةِ ما قلنا في ذلكَ، وفسادِ قولِ مَنْ خَالَفَنَا فيه» (2).
والمقصودُ أنَّ اعتمادَ الفراءِ (ت:207) على العربيَّةِ وتقديمِها ـ أحياناً ـ على ما جاءَ في التَّفسيرِ أوقَعه في هذه الأخطاءِ التي احتسبَها عليه العلماءُ الذين جاؤوا بعدَه، وسأذكر ثَمَّتَ صوراً منَ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في كتابِه (معاني القرآن).
(1) تفسير الطبري، ط: الحلبي (3:54 - 55).
(2)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (3:56).