الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واللُّغةُ: اللِّسْنُ والنُّطقُ، يقال: هذه لغتُهم التي يَلْغُونَ بها؛ أي: ينطقون (1).
ولَغْوَى الطَّيرِ: أصواتُها (2).
واختُلفَ في أصلِ اشتقاقِ المادَّةِ، فقيل:
1 -
أُخذتْ من الْمَيلِ، في قولهم: لَغَا فلانٌ عن الصَّوابِ، إذا مَالَ عنه، قال ابنُ الأعرابيِّ (ت:231): «واللُّغةُ أُخِذَتْ من هذا؛ لأنَّ هؤلاءِ تكلَّموا بكلامٍ مالُوا فيه عنْ لغةِ هؤلاءِ الآخرين» (3).
2 -
أُخِذَتْ من اللَّهْجِ بالشَّيءِ، قال ابن فارس (ت:395) (4): «
…
لَغَى بالأمرِ: إذا لَهَجَ به، ويقالُ: إنَّ اشتقاقَ اللُّغةِ منه؛ أي: يَلْهَجُ صاحبُها بها» (5).
3 -
وقيل: مصدرُها: اللَّغْوُ، وهو الطَّرْحُ، فالكلامُ لكثرةِ الحاجةِ إليه يُرْمَى به (6).
اللغة اصطلاحاً:
وردَ في تعريفِ اللغةِ اصطلاحاً عِدَّةُ تعريفاتٍ عن العلماءِ، ومن ذلك:
(1) لسان العرب، مادة (لغو).
(2)
لسان العرب، مادة (لغو).
(3)
لسان العرب، مادة (لغو). وقد نسبها إلى الأزهري في تهذيب اللغة، ولم أجدها في مظنتها.
(4)
أحمد بن فارس بن زكريا، أبو الحسين، من أكابر أئمة اللغة، له كتب بديعة، كالصاحبي في فقه اللغة، ومقاييس اللغة وغيرها، وكان من رؤساء أهل السنة المجوِّدين على مذهب المحدثين، توفي بالرَّيِّ سنة (395). ينظر: نزهة الألباء (ص:235 - 236)، وإنباه الرواة (1:127 - 130).
(5)
مقاييس اللغة (5:256).
(6)
تاج العروس، مادة (لغو).
1 -
عَرَّفها ابنُ جِنِّي (ت:392)(1) فقال: «أصواتٌ يُعبِّرُ بها كلُّ قومٍ عن أغراضِهِم» (2).
2 -
وقال ابنُ حَزْمٍ (ت:456)(3): «ألفاظٌ يُعبَّرُ بها عن المُسَمَّيَاتِ وعن المعاني المرادِ إفهامُها، ولكُلِّ أمةٍ لغتُهم» (4).
3 -
وفي تاجِ العروسِ: «هي الكلامُ المصطلحُ عليه بين كُلِّ قبيلٍ» (5).
وهذه التعريفاتُ مُتقاربةٌ في الدلالةِ على اللغةِ اصطلاحاً، وإن اختلفتْ تعبيراتُ المعبِّرين عنها.
ويُلاحظُ أنهم جعلوا اللُّغةَ الطريقَ الذي يحصلُ به التَّفاهمُ بين اثنين عن طريقِ النُّطقِ بالألفاظِ؛ أي: أنَّ عمدةَ اللُّغةِ الألفاظُ التي يتداولُها القومُ الذين اصطلحوا عليها، بحيثُ لو حُدِّثوا بغيرِها لم يحصل بينهم تفاهم.
(1) عثمان بن جني، أبو الفتح، النحوي المعتزلي، كان من حذاقِ أهلِ الأدبِ، وأعلمِهم بالنحوِ والتصريفِ، وهو من أشهرِ تلاميذِ أبي علي الفارسي، وله تآليفُ كثيرةٌ؛ كالخصائصِ، وسرِ الصناعةِ، وغيرها، توفي ببغداد سنة (392). ينظر: تاريخ العلماء النحويين من البصريين والكوفيين وغيرهم، للقاضي التنوخي (ص:24 - 25)، ونزهة الألباء في طبقات الأدباء، لابن الأنباري (ص:244 - 246).
(2)
الخصائص، لابن جني (1:34). ولم أجد من عَرَّفَ اللغة قبل ابن جني، وقد نقله عنه من جاء بعده، ينظر: مادة (لغو) في المحكم لابن سيده، ولسان العرب، والقاموس المحيط.
(3)
علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، أبو محمد، مؤرخٌ، فقيهٌ، أصوليٌ، متكلمٌ، مشاركٌ في عدة علومٍ، كان وزيراً، ثم تركها وتفرغ للعلم، وأخذ بمذهب الظاهرية، ونشره، ودافع عنه، وجلب عليه ذلك الحساد، حتى طعنوا عليه في دينه، وأُخرِجَ وطُورِدَ حتى نزل بادية «لبله» من بلاد الأندلس وبها توفي، وله من الكتب: المحلى في الفقه، والناسخ والمنسوخ، وغيرُها، وكانت وفاته سنة (456)، ينظر: بغية الملتمس (ص:403)، ومعجم المفسرين (1:351 - 352).
(4)
الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم، تحقيق: أحمد شاكر (1:52).
(5)
تاج العروس، مادة (لغو).
ويلاحظُ في هذه التعريفات أنها لم تذكر الأساليبَ التي تتميزُ بها اللُّغةُ؛ كالحذفِ والاختصارِ والكنايةِ والاستعارةِ وغيرِها من الأساليبِ العربيَّةِ التي لها أثرٌ في الفَهْمِ حَالَ التَّخاطُبِ بَين المتخاطِبينَ بها. ولغةُ العربِ من أوسعِ اللُّغاتِ في التَّفننِ بهذه الأساليبِ.
والمقصودُ: أنَّ كلامَ المخاطِبِ قد لا يكفي في فهمِه معرفةُ الألفاظِ وتراكيبِ الجملة، بلْ يُحْتَاجُ إلى معرفةِ الأسلوبِ الذي استعملَه المتكلمُ، ففي قوله تعالى:{قَالُوا ياشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَامُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود: 87] تجدُ أنَّ قولَهُم: {إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} ظاهرُه المدحُ؛ لأنَّ هذه الألفاظَ ألفاظُ مدحٍ، ولكن السياق يدلُّ على أنَّ هذا الأسلوبَ أسلوبُ تَهَكُّمٍ وسخريةِ، قال الطبري (ت:310): «وأمَّا قولُهم لشعيبٍ: {إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ}، فإنهم ـ أعداءُ اللهِ ـ قالوا ذلك له استهزاءً به، وإنما سَفَّهُوه وجَهَّلُوه بهذا الكلامِ، وبما قلنا من ذلك قالَ أهل التَّأويلِ» (1). ثمَّ ذكرَ الروايةَ في ذلك عن ابنِ جريجٍ (ت:150)(2)، وابن زيدٍ (ت:182) (3).
وقد أوردَ العلماءُ في بعضِ الأساليبِ قواعدَ تَدُلُّ على أثرِ هذه
(1) تفسير الطبري، ط: الحلبي (12:103). وينظر: تأويل مشكل القرآن (ص:185)، والصاحبي في فقه اللغة (ص:429 - 430).
(2)
عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أبو الوليد، فقيه الحرم المكي، أول مكي صنف كتب الحديث، وألف في التفسير ثلاثة أجزاء كبار، أدرك صغار الصحابة ولم يحفظ عنهم، وحدث عن عطاء بن أبي رباح كثيراً، وعن مجاهد، وغيرهما، ولد سنة نيف وسبعين، وتوفي سنة (150). ينظر: طبقات المفسرين، للداودي (1:358 - 359)، ومعجم المفسرين (1:333).
(3)
عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، المدني، المفسر، روى تفسيره ابن وهب كما في سند روايته عند الطبري في تفسيره، وأصبغ كما في سند روايته في تفسير ابن أبي حاتم، وله كتابٌ في الناسخ والمنسوخ، توفي سنة (182). ينظر: طبقات المفسرين، للداودي (1:271)، ومعجم المفسرين (1:265).
الأساليبِ في فَهْمِ اللُّغةِ؛ كقولِهم: «العربُ إنَّما تحذفُ من الكلامِ ما دَلَّ عليه ما ظهرَ» (1).
وقولِهم: «العربُ تختصرُ الكلامَ ليخفِّفُوه؛ لِعِلْمِ السامعِ بتمامِه» (2)
وقولِهم: «إنما يحسنُ الإضمارُ في الكلامِ الذي يجتمعُ، ويدلُّ أولُه على آخرِه» (3).
ولبيانِ أثرِ الأسلوبِ في فَهْمِ الكلامِ، انظرْ تفسير قولِه تعالى:{وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [الأعلى: 3]، قال الفراء (ت:207) (4): «ويقالُ: قَدَّرَ فهدى وأضَلَّ، فاكتفى من ذِكْرِ الضَّلالِ بذِكْرِ الهدى، لكثرةِ ما يكونُ معه» (5)، حيثُ جعلَ هذا القائلُ الآيةَ على أسلوبِ الحذفِ اختصاراً، وجعلَ لفظَ هدى دلالةً على اللَّفظِ المحذوفِ، وبهذا تصيرُ دلالةُ الآيةِ محصورةً على الهدى والضَّلالِ الشَّرعيِّ، والصوابُ أنَّ الآيةَ أعمُّ من ذلك، قال الطَّبريُّ (ت:310): «والصَّوابُ من القولِ في ذلك عندنا أن الله عمَّ بقوله: {فَهَدَى} الخبر عن هدايته خلقَه ولم يخصص من ذلك معنى دون معنى، وقد هداهم لسبيلِ الخيرِ والشَّرِ، وهدى الذكورَ لمَاتَى الإناثِ، فالخبر على عمومِه حتى يأتيَ خبرٌ تقومُ به الحجةُ دالٌّ على خصوصِه» (6).
(1) تأويل مشكل القرآن (ص:219).
(2)
مجاز القرآن (1:111)، وينظر: معاني القرآن، للفراء (1:2).
(3)
معاني القرآن، للفراء (1:13).
(4)
يحيى بن زياد الفراء، أبو زكريا، الكوفي النحوي، تتلمذ على الكسائي، وكان من أبرع الكوفيين في علم النحو، حتى قال عنه ثعلب: «لولا الفراء ما كانت عربية
…
» أملى كتابه في معاني القرآن، ورواه عنه محمد بن الجهم السمري، وسلمة بن عاصم، وعنه نقل الأزهري في تهذيبه كتاب الفراء، وتوفي الفراء سنة (207). ينظر: مراتب النحويين (139 - 141)، وطبقات النحويين واللغويين (131 - 133)، وتهذيب اللغة (1:18).
(5)
معاني القرآن، للفراء (3:256).
(6)
تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:152)، وينظر: تفسير ابن عطية، ط: قطر (15:204)، ودقائق التفسير، لابن تيمية (5:67 - 71)، والتسهيل لعلوم التنْزيل لابن جزي (4:93).