المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌تحرز ابن دريد في التفسير: - التفسير اللغوي للقرآن الكريم

[مساعد الطيار]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الأولالتفسير اللغوي: مكانته ونشأته

- ‌الفصل الأولالتفسير اللغوي ومكانته

- ‌المبحث الأولتعريفُ التَّفسير اللُّغويِّ

- ‌أولاً: تعريف التفسير:

- ‌التفسير لغةً:

- ‌التفسير اصطلاحاً:

- ‌تحليل هذه التعريفات:

- ‌ثانياً: تعريف اللغة:

- ‌اللغة اصطلاحاً:

- ‌مصطلحُ اللُّغةِ في كلامِ السَّلفِ:

- ‌المعاني المرادفةِ للفظِ اللُّغةِ في القرآن وكلامِ السَّلفِ:

- ‌ثالثاً: تعريف التفسير اللغوي:

- ‌المبحث الثانيمكانة التَّفسير اللُّغويِّ

- ‌الفصل الثانينشأةُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ

- ‌تمهيد

- ‌أولاً: التَّفْسِيرُ اللُّغَوِيُّ عِنْدَ السَّلفِ

- ‌طريقة السَّلفِ في التَّفسير اللُّغويِّ:

- ‌أسلوبُ الوجوه والنَّظائر

- ‌الأشباهُ والنَّظائرُ في اللُّغةِ:

- ‌الوجوهِ والنَّظائر في الاصطلاح:

- ‌بداية الكتابة في هذا العلم:

- ‌علاقةُ الوجوهِ والنَّظائر بالتَّفسير اللُّغويِّ:

- ‌كُلِّيَّات الألفاظِ القرآنيَّة:

- ‌ثانياً: التَّفسيرُ اللُّغويُّ عند اللُّغوِيين

- ‌تمهيد

- ‌أولاً: التفسيرُ اللغويُ في كتبِ الموضوعات:

- ‌ثانياً: التفسير اللغوي في معاجم الحروف:

- ‌القسمُ الثانيالمشاركة المباشرة في تفسير القرآن

- ‌طريقةُ التَّفسير اللُّغويِّ في هذه الكتبِ:

- ‌أولاً: كثرةُ مباحثِ الصَّرفِ والاشتقاقِ:

- ‌ثانياً: كثرة المباحث النحوية:

- ‌ثالثاً: كثرةُ الاستشهادِ منْ لغةِ العربِ:

- ‌رابعاً: بيانُ الأساليبِ العربيَّةِ الواردةِ في القرآنِ:

- ‌ التَّفسيرُ على المعنى

- ‌ علم الوجوه والنَّظائر عند اللُّغويِّين:

- ‌ أسلوبُ التَّفسير اللَّفظيِّ عند اللُّغويِّين:

- ‌الفصل الثالثمسائل في نشأة التفسير اللغوي

- ‌المسألة الأولىفي سَبْقِ السَّلفِ في علمِ التَّفسيرِ

- ‌المسألة الثانيةشمولُ التَّفسيرِ بين السَّلفِ واللُّغويِّين

- ‌المسألة الثالثةفي الاعتمادِ على اللُّغةِ

- ‌المسألة الرابعةفي الشَّاهِد الشِّعريّ

- ‌المسألة الخامسةفي علمِ الوجوهِ والنَّظائرِ

- ‌المسألة السادسةالتَّفسيرُ اللُّغويُّ بين البصرةِ والكوفةِ

- ‌المصدرُ الأولكتب التفسير

- ‌ وجوهِ تأويلِ القرآنِ

- ‌الأولى: الاستشهادُ بأقوالِ السَّلفِ في التَّفسير اللُّغويِّ:

- ‌الثَّانية: قَبُولُ المحتملاتِ اللُّغويةِ الواردةِ عنِ السَّلفِ:

- ‌الثالثةُ: استعمالُ اللُّغةِ في التَّرجيحِ:

- ‌ كثرةُ استخدامِه لأسلوبِ السؤالِ والجوابِ

- ‌ كثرةُ ذكرِه للفروقِ اللُّغويَّةِ بين الألفاظِ

- ‌ الشَّواهد الشِّعريَّةِ:

- ‌ الأساليبُ العربيَّةُ:

- ‌أثر المعتقد في التَّفسير اللُّغويِّ عند الرُّمَّانيِّ:

- ‌أوَّلاً: مفردات ألفاظ القرآن:

- ‌ثالثاً: الترجيح باللغة:

- ‌المصدر الثانيكتب معاني القرآن

- ‌أوَّلاً المراد بمعاني القرآن

- ‌ثانياً لِمَاذَا كَتَبَ اللُّغَوِيُّونَ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ

- ‌أولاً معاني القرآن، للفراء

- ‌أثرُ الاهتمامِ بعلومِ العربيَّةِ في تفسيراتِه:

- ‌صُوَر التَّفْسِير اللُّغويِ في كِتابِ مَعَاني القُرْآنِ:

- ‌أثرُ المعتقدِ في التفسير اللُّغويِّ عند الفرَّاءِ:

- ‌ثانياً مَعَانِي القُرْآنِ لِلاخْفَشِ

- ‌أثرُ المعتقدِ على التَّفسير اللُّغويِّ عند الأخفشِ:

- ‌ثالثاً مَعَانِي القُرْآنِ وَإعْرَابُهُ للزَّجَّاجِ

- ‌أثر المعتقد على التفسير اللُّغوي عند الزَّجَّاج:

- ‌المصدر الثالثكتب غريب القرآن

- ‌أوَّلُ كُتُبِ غَرِيبِ القُرْآنِ:

- ‌أولاً مَجَازُ القُرْآنِ لأبِي عُبَيْدَةَ

- ‌مفهومُ المجازِ عند أبي عبيدة:

- ‌أثر المعتقد على دلالة الألفاظ عند أبي عبيدة:

- ‌ثانياً تَفْسِيرُ غَريبِ القُرآنِ، لابن قُتَيْبَةَ

- ‌ بيان الأصلِ اللغويِّ للَّفظِ:

- ‌ كثرةُ الشَّواهدِ الشِّعريَّةِ:

- ‌أثر المعتقد على التَّفسير اللُّغويِّ عند ابن قتيبة:

- ‌ اهتمامِه بالوجوه والنَّظائر

- ‌المصدرُ الرابعكتب معاجم اللغة

- ‌تَحَرُّزُ ابنِ دريدٍ في التفسير:

- ‌ كثرةُ موادِّهِ اللُّغويَّةِ

- ‌ أنَّه أوسعُ مِمَّنْ تقدمه في عَرْضِ التَّفسيرِ

- ‌المصدرُ الخامسكتب أخرى لها علاقة بالتَّفسيرِ اللُّغويِّ

- ‌أولاً كتب غريب الحديث

- ‌ثانياً كتب الاحتجاج للقراءات

- ‌ثالثاً شروح دواوين الشعر

- ‌رابعاً كُتُبُ الأدَبِ

- ‌الباب الثالثآثار التفسير اللغوي وقواعده

- ‌الفصل الأولأثرُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في اختلافِ المفسرينَ

- ‌أوَّلاً الاختلافُ بسببِ الاشتراكِ اللُّغويِّ في اللَّفظِ

- ‌ثانياً الاختلافُ بسببِ التَّضادِّ في دلالةِ اللَّفظِ

- ‌ثالثاً الاختلافُ بسببِ مخالفةِ المعنى الأشهر في اللَّفظ

- ‌الفصل الثانيأثر التفسير اللغوي في انحراف المفسرين

- ‌الصنف الثاني: أهل البدع:

- ‌الفصل الثالثقواعد في التفسير اللغوي

- ‌أولاً كلُّ تفسيرٍ لغويٍّ واردٍ عن السَّلفِ يُحكمُ بعربيَّته وهو مقدَّمٌ على قولِ اللُّغويين

- ‌تطبيقُ طريقةِ التَّعاملِ مع أقوالِ السَّلف التَّفسيريَّة:

- ‌ أنواع الاختلافِ

- ‌القسمُ الأول: المحتملات اللغوية الواردة عن السلف:

- ‌القسم الثاني: المحتملات اللغوية الواردة عن غير السلف:

- ‌الضابط الثالث: أن تحتمل الآية المعاني في السياق:

- ‌الضابط الرابع: أن لا يُقصَرَ معنى الآية عليها:

- ‌ثالثاً لا يصحُّ اعتمادُ اللغةِ دونَ غيرهَا من المصادرِ التفسيريَةِ

- ‌ منْ أهمِّ مصادرِ التَّفسيرِ

- ‌ مخالفة المصطلحات الشرعيَّة:

- ‌ مخالفة أسباب النُّزول:

- ‌ مخالفة تفسير السَّلف:

- ‌رابعاً لا تعارض بين التفسير اللَّفظي والتفسير على المعنى

- ‌ التفسيرُ على القياسِ والإشَارةِ:

- ‌ التَّفسيرُ على اللَّفظِ:

- ‌ التَّفسيرُ على المعنى:

- ‌ هل يمكنُ معرفةُ التفسيرِ اللَّفظيِّ بواسطةِ التَّفسيرِ على المعنى

- ‌ كيف نُفرِّقُ بين التَّفسيرِ على اللَّفظِ والتَّفسيرِ على المعنى

- ‌ لا بدَّ من وجودِ ارتباط بين التَّفسيرِ على المعنى والتَّفسيرِ اللَّفظي

- ‌أمثلةُ التَّفسير على المعنى:

- ‌الأول: التفسيرُ باللاّزمِ:

- ‌الثاني: التفسيرُ بالمثالِ:

- ‌الثالث: ذكر النُّزول:

- ‌خاتمة البحث

- ‌فهرس القواعد العلمية

- ‌فهرس مسائل الكتاب العلمية

- ‌المراجع والمصادر

الفصل: ‌تحرز ابن دريد في التفسير:

أثرَ له في المعنى واختلافِه. ومنْ أمثلةِ القراءاتِ التي وجهَها ما يأتي:

1 -

قالَ: «ونَخِرَ العَظْمُ يَنْخَرُ نَخْراً: بَلِيَ، وهو عَظْمٌ نَاخِرٌ ونَخِرٌ، وقد قُرِئَ: {عِظَامًا نَخِرَةً} [النازعات: 11]، و «نَاخِرَةً» (1)، فمن قرأ:{نَخِرَةً} أراد: باليةً، والله أعلم. ومن قرأ:«نَاخِرَةً» أرادَ: أنَّ الريحَ تَنْخِرُ فيها، فيما يقال، لأنه قد بقيَ منها بقيةٌ» (2).

2 -

وقال: «والنَّزِيفُ: السكرانُ أيضاً، وهو المُنْزَفُ، وفِي التنزيلِ: {لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ} [الواقعة: 19]؛ أي: لا يسكَرُونَ، هكذا يقولُ أبو عبيدةَ (3). وقد قُرِئَ: «يُنْزِفُونَ» (4)؛ أي: يُنفِدُونَها والله أعلم

» (5).

‌تَحَرُّزُ ابنِ دريدٍ في التفسير:

لقدْ برزتْ لي أثناءَ قراءةِ كتابِ (جمهرةِ اللغةِ) ظاهرةُ تَحَرُّزِ ابنِ دريدٍ (ت:321) في التَّفسيرِ، بل في نقلِ اللُّغةِ كذلك، ومما يُثبِتُ تَحَرُّزَه ما يأتي:

الأول: أنه قَلَّ أنْ يوردَ تفسيراً مقروناً بآيةٍ دونَ أنْ يَذكرَ عبارةَ: «واللهُ أعلمُ» (6)، أو ما شابهها؛ كقوله:«والله أعلم بكتابه» (7).

(1) قرأ عاصم من رواية أبي بكر، وحمزة، ويعقوب: ناخرة، الباقون: نخرة، ينظر: القراءات وعلل النحويين فيها (2:745).

(2)

جمهرة اللغة (1:593).

(3)

مجاز القرآن (2:249).

(4)

قرأ حمزة والكسائي وعاصم: «يُنْزِفون» ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر وابن عامر:«يُنْزَفون» . السبعة (ص:547).

(5)

جمهرة اللغة (2:821).

(6)

ينظر في الجزء الأول الألفاظ الآتية: أبد (ص:55)، يؤفكون (ص:57)، أحببت (ص:64)، وخطبة (ص:291)، خبالاً (ص:293)، لبداً (ص:301)، الذنوب (ص:306)، خطف (ص:609)، الخمط (ص:610)، وغيرها.

(7)

ينظر الألفاظ الآتية، في الجزء الأول: الإدُّ (ص:55)، سبح (ص:277)، خشب (ص:290)، العوج (ص:486)، وحي (ص:576)، وغيرها.

ص: 404

ومن أمثلة ذلك:

* قال: «وقوله عز وجل: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} [يوسف: 20]؛ أي: ناقصٍ، واللهُ أعلمُ» (1).

* وقال: «الدَّرْكُ: المنْزلةُ، وكذا جاءَ في التَّنْزيلِ: {فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء: 145]، فالنَّارُ دَرَكَاتٌ، والجنةُ درجاتٌ، واللهُ أعلمُ بكتابِه» (2).

الثاني: كثرةُ نَسْبِهِ التَّفسيرَ لغيرِه:

لقدْ كانَ ابنُ دريدٍ (ت:321) ـ على سَعَةِ اطِّلاعِهِ على معاني الألفاظِ في لغةِ العربِ ـ مُكثراً في نسبِ التَّفسيرِ لغيره على سبيل الإبهامِ في المفسِّرِ، مما يُشعِرُ بتهيُّبه من التَّفسيرِ، ولذا يوردُ مثلَ عبارةِ:«وكذا فُسِّرَ في التَّنْزيلِ» (1) وما شابهها، ولا ينسبُ التَّفسيرَ إلى نفسِه.

ومن أمثلةِ ذلكَ:

* قال: «والصُّدْفَانِ: جانبا الشِّعْبِ من الجَبَلِ، وكذا فُسِّرَ في التَّنْزيلِ» (2).

* وقال: «والفرشُ من الإبلِ: صغارُها التي لا يُحْمَلُ عليها، والواحدُ والجمعُ فيه سواءٌ، وكذا فُسِّرَ في التَّنْزيلِ في قوله جلَّ وعزَّ: {حَمُولَةً وَفَرْشًا} [الأنعام: 142]، والله أعلم» (3).

كما تجده ينسبُ إلى أبي عبيدة (ت:210) كثيراً من تفسيرِ ألفاظِ القرآنِ، إلَاّ أنه يُشعرُك في بعض ما ينقله عنه عدم الرضا بتفسيرِه، ويصرحُ لك حيناً بعدم قبوله، ومن ذلك:

(1) جمهرة اللغة (1:289).

(2)

جمهرة اللغة (2:637).

(3)

ينظر: (1:79، 81، 84)، (2:628، 654، 655، 782، 784).

(4)

جمهرة اللغة (2:655).

(5)

جمهرة اللغة (2:729).

ص: 405

قالَ: «وفي التَّنْزيلِ {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا} [النازعات: 1]، ولا أُقْدِمُ على تفسيرِه، إلا أنَّ أبا عبيدةَ ذكرَ أنَّها النجومُ تنْزِعُ؛ أي: تطلعُ (1)، والله أعلم» (2).

في هذا المثالِ تراه قد توقَّفَ في معنى «النازعات» ، مع أنه ذكرَ تفسيرَ أبي عبيدةَ (ت:210)، وكأنَّ ذلك ـ والله أعلم ـ يَنِمُّ عنْ عدمِ رضاهُ بهذا التفسيرِ.

وله مما يدلُّ على عدمِ تقليدِه أبا عبيدةَ (ت:210) في كُلِّ أقواله، قولُه: «

ويقال: العَنَتُ، أيضاً، من الإثمِ، عَنِتَ يَعْنَتُ عَنَتاً: إذا اكتسب مَأثماً.

ولستُ أذكرُ قولَ أبي عبيدةَ في تفسيرِه في التَّنْزيلِ (3) فأُقَلِّدُهُ إياه» (4).

وقالَ: «والرَّحْقُ: أصلُ بناءِ الرَّحيقِ، قالوا: وهو الصَّافي، والله أعلم. وفي التَّنْزيلِ:{مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ} [المطففين: 25].

وخلَّطَ فيه أبو عبيدةَ، فلا أحبُّ أن أتكلمَ فيه» (5).

وقدْ يكونُ سببُ ذلكَ التَّتَبُّعِ تأثُّرَه بشيخِهِ أبي حاتمٍ (ت:255) الذي كانَ ينتقدُ أبا عبيدةَ (ت:210) ويُشَنِّعُ عليه من أجلِ كتابِهِ مجازِ القرآنِ.

ومنْ أمثلةِ ما نقده شيخُه أبو حاتم السجستاني (ت:255) على مجازِ القرآنِ ما يأتي:

(1) مجاز القرآن (2:284).

(2)

جمهرة اللغة (2:818).

(3)

فسر أبو عبيدة في مجاز القرآن: أعنتكم: أهلككم (1:73)، وفسر العنت بأنه كل ضرر (1:123).

(4)

جمهرة اللغة (1:403).

(5)

جمهرة اللغة (1:519). وفي مجاز القرآن (2:289): «الرحيق: الذي ليس فيه غش. رحيق معرق من مسك أو خمر» . ولم يتبين لي وجه التخليط الذي ذكره ابن دريد، والله أعلم.

ص: 406

1 -

قال أبو حاتم (ت:255): «وقالَ أبو عبيدةَ: أسْرَرْتُ الشَّيءَ: أخْفَيتُهُ وأظْهَرْتُهُ أيضاً. وكانَ يقولُ في هذه الآيةِ: {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ} [يونس: 10]: أظهروها (1). ولا أثقُ بقولِه في هذا، والله أعلم» (2).

2 -

وقال أبو حاتم (ت:255): «وكانَ أبو عبيدةَ يقولُ: خافَ: منَ الخوفِ ومنَ اليقينِ. وكانَ يقولُ في قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ تَعْدِلُوا} [النساء: 3]؛ يريد: أيقنتم (3). ولا عِلْمَ لي بهذا؛ لأنَّه قرآنٌ، فإنما تحكيه عنْ ربِّ العالمينَ، ولا تدري لعله ليس كما يظُنُّ» (4).

الثالث: توقُّفُه في بعض التَّفسيرِ:

تجدُ في منهجِ ابن دريدٍ (ت:321) أنه يتوقَّفُ في المعنى المرادِ ببعضِ الألفاظِ في الآياتِ (5)، ولا يُقْدِمُ على تفسيرِها تورُّعاً منه في ذلك، ومنَ الأمثلةِ الواردةِ في ذلك ما يأتي:

* قوله: «وأما قوله: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} [التكوير: 6] أي: خَلَتْ من الماء، وزعموا أنه من الأضدادِ، ولا أحبُّ أن أتكلم فيه» (6).

* وقال: «والحين: حقبة من الدَّهر، وقد جاء في التَّنْزيل، واختلف فيه المفسِّرون، ولا أحب أن أتكلم فيه» (7).

سلسلة التَّورُّع في التَّفسير من ابن دريد إلى الأصمعيِّ:

ولا يخفى على منْ يقرأُ كتبَ ابنِ دريدٍ (ت:321) ما كانَ لأبي حاتمٍ

(1) مجاز القرآن (2:34).

(2)

الأضداد، لأبي حاتم، تحقيق: محمد عودة (ص:130).

(3)

مجاز القرآن (1:116).

(4)

الأضداد، لأبي حاتم، تحقيق محمد عودة (ص:101).

(5)

ينظر في هذا: الجزء الأول: حسبان (ص:277)، الرحيق (ص:519)، والجزء الثاني: الأعراف (ص:766)، الأثام (ص:1036).

(6)

جمهرة اللغة (1:457).

(7)

جمهرة اللغة (1:575).

ص: 407

السِّجستاني (ت:255) من منزلةٍ وأثرٍ عليه، وقد كانَ مكثراً من النقلِ عنه، والاعتمادِ عليه (1)، وجائزٌ أنْ يكونَ تأثَّرَ به في هذا التَّورُّعِ في التَّفسيرِ، والله أعلم، حيث ورد عنه مثل هذا، ومن ذلك:

* قال أبو حاتم (ت:255): «قال: أبو عبيدةَ (2): {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} [التكوير: 17]: أقبلَ، ويقالُ: أدبرَ» . ثُمَّ ذكرَ شواهدَ أبي عبيدةَ (ت:210) على ذلك، ثمَّ قالَ: «قدْ تقلَّدَ أبو عبيدةَ أمراً عظيماً، ولا أظنُّ هاهنا معنىً أكثرَ من الاسودادِ.

عَسْعَسَ: أظلمَ واسوَّدَ في جميعِ ما ذكرَ، وكلُّ شيءٍ من هذا البابِ في القرآن يُتَّقَى، وما لم يكنْ في القرآنِ، فهو أيسرُ خطباً» (3).

* وقال أبو حاتم (ت:255): «وقالوا: المسجورُ: المملوءُ

وقالَ بعضهم: المسجورُ: الفارغُ. بَلَغَني ذاك، ولا أدري ما الصَّوابُ، ولا أقولُ في قولِه تعالى:{وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} [الطور: 6] شيئاً، ولا أقولُ في قوله تعالى:{وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} [التكوير: 6]؛ لأنه قرآن، فأنا أتقيه» (4).

هذا، ولا يبعدُ أنْ يكونَ أبو حاتم (ت:255) ـ كذلك ـ متأثراً في هذا بمذهبِ شيخِهِ الأصمعيِّ (ت:215) الذي اشتهرَ عنه أنه كان يَتَّقِي تفسيرَ القرآنِ، ولا يُفَسِّرُ لفظةً واردةً في القرآنِ (5). والله أعلم.

(1) ورد ذكر أبي حاتم في كتاب جمهرة اللغة في أكثرَ من ثلاثين ومائتي موضع.

(2)

ينظر قول أبي عبيدة في مجاز القرآن (2:287)، وفي الأضداد مخالفة مع زيادة لما في نص المجاز في الأشعار المستدل بها.

(3)

الأضداد، لأبي حاتم، تحقيق: محمد عودة (ص:113 - 114).

(4)

الأضداد، لأبي حاتم، تحقيق: محمد عودة (ص:144 - 145). وقد سبق قول ابن دريد في آية التكوير، فوازنهما.

(5)

ينظر في تورع الأصمعي عن التفسير: الكامل، للمبرد، تحقيق الدالي (2:928)، (4:1435)، وثلاث رسائل في إعجاز القرآن (ص:31)، وتهذيب اللغة (1:14)، ونزهة الألباء (ص:99). ثم ينظر أمثلة لما لم يفسره الأصمعي في جمهرة اللغة =

ص: 408

والمقصودُ أنَّ هذا المذهبَ في التَّورعِ في النَّقلِ والتَّفسيرِ مما يُحسبُ لابن دريدٍ (ت:321)، والله أعلم.

= (1:231، 292، 475)، (2:694، 760، 868، 929، 956، 1206)، (3:1259، 1261، 1273، 1264، 1287).

وقد ورد عنه تفسير بعض الألفاظ القرآنيَّة، وهذا مما يدل على صعوبةِ التَّحرُّزِ التَّام، ومن هذه الألفاظِ التي فسَّرها:

1 -

شرحه لديوان العجاج، تحقيق عزة حسن، (ص:66، 70، 140، 262).

2 -

في تهذيب اللغة (8:210: البغاء، 347: القضب)، (9:326: القنو)، (10:122: الكنود، 219: الرَّكوبة، 608: الأرض الجرز).

3 -

في حاشية مجاز القرآن (2:197: نجس).

4 -

في غريب ابن عزيز السجستاني (ص:348: ويل).

5 -

في إعجاز القرآن للباقلاني (ص:80: وثيابك فطهر).

ص: 409