الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثانية
شمولُ التَّفسيرِ بين السَّلفِ واللُّغويِّين
لقد كان تفسيرُ السَّلفِ شاملاً للقرآنِ (1)، كما أنَّه يشملُ كلَّ ما يتعلَّقُ ببيانِ القرآنِ من تفسيرِ القرآن بقرآنٍ، أو بسُنَّةٍ، أو بلغةٍ، أو بسببِ نزولٍ، أو ببيانِ حُكْمٍ، أو غيرِها من أنواعِ البيانِ التي تدخلُ في مصطلحِ التَّفسيرِ. والمقصودُ أنَّ السَّلفَ لم يقتصروا فيه على نوعٍ واحدٍ من البيانِ، بل اشتملَ بيانُهم للقرآنِ على جملةِ مصادرِ التَّفسيرِ.
أمَّا اللُّغويُّونَ، فغلبَ التَّفسيرُ اللُّغَوِيُّ (2) على مشاركتِهم في التَّفسيرِ، ولعلَّ سببَ ذلك أنَّ أصلَ بحثِ اللُّغويِّين كانَ في اللُّغةِ؛ لذا كان النَّظرُ اللُّغويُّ أسبقَ إلى ذهنِ اللُّغويِّين عند تفسيرِهم القرآنَ، أمَّا السَّلفُ، فكانَ أصل بحثِهم بيان القرآنِ؛ لذا كانَ يكثرُ في تفسيرِهم بيانُ المعنى المرادِ، وكان التَّفسيرُ على المعنى سِمَةً بارزةً في تفسيرِ السلف.
ولقد أوقع سبقُ النَّظرِ اللُّغويِّ بعضَ اللُّغويِّيَن في ذِكْرِ أقوالٍ تعتمدُ على معنى قليلٍ أو شاذٍّ أو مشكوكٍ في صِحَّته. ومن أمثلة ذلك:
1 -
قال قطربُ: (ت:206) ـ في تفسير قوله تعالى: {وَاهْجُرُوهُنَّ فِي
(1) إنَّ أثر ابن أبي مُليكة في سؤال مجاهد لابن عباس وكتابته لهذه الأسئلة ما يدل على أنه كتب تفسيراً شاملاً للقرآن، كما ورد في الجرح والتعديل (3: 319): «حم بن نوح البلخي روى عن أبي معاذ خالد بن سليمان الحراني عن أبي مصلح عن الضحاك تفسير القرآن سورةً سورةً» .
كما كتبه كاملاً؛ مقاتل بن سليمان (150)، ويحيى بن سلام (200)، وغيرهم.
(2)
لا يخفى أيضاً غلبةُ المباحث العربية الأخرى، من نحو وصرف وغيرها.
إنَّ هذا المعنى الذي حَمَلَ قطرب (ت:206) معنى الآيةِ عليه معنىً غيرُ مُسْتَعْمَلٍ في النَّاسِ ولا مشهور في اللُّغةِ؛ لأنه إنما يُطلقُ على النُّوقِ، أمَّا إطلاقُه على النِّساءِ في مثلِ هذه الحالِ فلم يردْ عنِ العربِ.
وقد اعترضَ على هذا الاحتمال التفسيريِّ أبو بكر محمد بن القاسم بنُ الأنباريِّ (ت:328)(5)، فقال: «وهذا القولُ عندي بعيدٌ؛ لأنَّ المعنى الثاني لم يُستعملْ في النَّاسِ.
(1) لم يتبين لي من هو أبو محمد، وقد استظهرت أنَّ ما بين الشرطتين من كلامه تعقيباً منه على قول قطرب في الهجار، وذلك أني لم أجد هذا النصَّ عند ابن الأنباري في كتابه الأضداد، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم (ص:323) لما نقل كلام قطرب، وينظر قول محقق كتاب قطرب عن أبي محمد المذكور (ص:61 - 62).
(2)
يعني: الهجر الذي بمعنى: الترك والابتعاد.
(3)
هذا التفسير المنسوب لابن عباس يدلُّ على أنَّ {وَاهْجُرُوهُنَّ} من الهُجر ـ بالضَّمِّ ـ وهو القبيح من الكلام، ولم أجد من نصَّ على هذا التفسير بعينه عن ابن عباس.
والوارد عنه في معنى هذه اللفظة: يهجرها بلسانه، ويغلظ لها بالقول، وفي سنده ضعف؛ لإبهام في أحد رجال السند، وحيث ورد فيه:«سفيان، عن رجل» ، فالرجل الذي يروي عنه سفيان مجهول.
ولابن عباس في معنى اللفظ قول آخر، قال:«يعِظُها، فإن هي قَبِلَتْ، وإلَاّ هَجَرَها في المضجعِ، ولا يُكلِّمُها، من غيرِ أن يذرَ نكاحَها، وذلك عليها شديدٌ» . ينظر: تفسير الطبري، تحقيق شاكر (8:303 - 305).
(4)
الأضداد لقطرب، تحقيق: د. حنَّا حداد (ص:141)، ووازنه بما عند ابن الأنباري في كتابه: الأضداد (ص:323).
(5)
محمد بن القاسم بن بشار، المعروف بأبي بكر بن الأنباري، اللغوي، النحوي، =
والمفسرونَ يقولونَ: هِجْرَانُهُنَّ: تركُ مضاجعتهنَّ» (1).
ولا يُتركُ المعنى المشهورُ والمتبادرُ للَّفظةِ إلى معنىً غامضٍ غريبٍ إلَاّ بدليلٍ يدلُّ عليه، ولا يوجدُ هاهنا إلَاّ الاحتمالُ واستعمالُ اللُّغةِ، وليس ذلك كافياً في تركِ المشهورِ، إذ لو أُورِدتْ على الآيةِ كلَّ المحتملاتِ لاتَّسَعَ التَّفسير، ودخلَه كثيرٌ منَ الأقوالِ المرذولةِ.
2 -
وقالَ الأزهريُّ (ت:370): «
…
عنِ ابنِ الأعرابيِّ في قوله: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} [المدثر: 8] قالَ: النَّاقُورُ: القَلْبُ» (2).
وهذا التَّفسيرُ الذي قاله ابنُ الأعرابيِّ (ت:231) غريبٌ جداً، ولم أجدْ منْ قالَ به غيرَه، والواردُ عن السَّلفِ أنَّ النَّاقورَ: البُوقُ الذي يَنْفُخُ فيه إسرافيلُ عليه السلام (3).
3 -
فسَّرَ بعضُ اللُّغويِّين (4) لفظَ «عجل» في قوله تعالى: {خُلِقَ الإِنْسَانُ
=
= الأديب، الكوفي، كان صدوقاً فاضلاً، أخذ عن أبيه وثعلب وغيرهما، وعنه أبي علي القالي وغيره، ذُكِر أنه كان يحفظ ثلاثمائة ألف بيت من شواهد القرآن، وله من الكتب: إيضاحُ الوقفِ والابتداءِ، وهو مطبوع، وكتابٌ في مشكلِ القرآنِ، وغيرُها، توفي سنة (328). ينظر: تاريخ بغداد (3:181 - 186)، وإنباه الرواة (3:201 - 208).
(1)
الأضداد، لابن الأنباري (ص:323).
(2)
تهذيب اللغة، للأزهري (9:97)، وقد حكاه ابن كامل كما عند الماوردي في تفسيره، تحقيق: السيد عبد المقصود (6:138)، وجعله الكرماني من الغريب، ينظر: غرائب التفسير، تحقيق: شمران العجلي (2:1272).
(3)
ينظر أقوال السلف في تفسير الطبري، ط: الحلبي (29:151 - 152)، والدر المنثور، ط: دار الفكر (8:327 - 328).
(4)
نُسِبَ هذا القول إلى ابن الأعرابي في [تهذيب اللغة 1:369، والتكملة والذيل والصلة، للصاغاني، مادة: عجل، تاج العروس، مادة: عجل]، وأبي عبيدة في [تفسير القرطبي 11:289].
وزعم القرطبي أنه قول أكثر أهل المعاني، وهذا غير صحيح؛ لأنه لم يُرْوَ إلَاّ عن أبي عبيدة وابن الأعرابي، والوارد عن أبي عبيدة في مجاز القرآن (2:39) لا يتفق =
مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء: 37]، فقال: من عجل: من طينٍ، وأنشدَ:
والنَّبْعُ في الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ مَنْبَتُهُ
…
وَالنَّخْلُ يَنْبُتُ بَينَ المَاءِ وَالعَجَلِ (1)
وقدِ اعترضَ بعضُ العلماءِ على حملِ الآيةِ على هذا المعنى (2).
وهذا المعنى ليس في اللُّغةِ دلالةٌ عليه سوى هذا البيتِ الذي حكمَ عليه بعضُ العلماء، فقال فيه:«ولا يبعدُ عنِ الصُّنْعِ» (3).
= مع ما نسبه إليه القرطبي، حيث قال: «مجازه مجاز: خلق العجل من الإنسان، وهو العجلة، والعرب تفعل هذا إذا كان الشيء من سبب الشيء بَدَءُوا بالسبب
…
».
وقد أُنشِد هذا البيت المستشهد به عن أبي عبيدة: [غرائب التفسير، للكرماني 1:739، مجمع البيان، للطبرسي 17:27] دون ذكر التفسير الذي نسبه إليه القرطبي.
كما نُسب هذا القول لابن عباس في كتاب: غريب القرآن، لليزيدي (ص:119)، ولم ينسبه أحد غير هذا الكتاب لابن عباس، وهي نسبة غير موثوقة؛ لانفرادِه بالرواية عنه بلا سندٍ إلى ابن عباسٍ. والله أعلم.
(1)
ينظر تهذيب اللغة، للأزهري (1:369).
(2)
ينظر قول ابن جني في: لسان العرب، وتاج العروس، مادة (عجل)، وينظر: المحتسب لابن جني (2:46)، والمفردات، للراغب (ص:548)، والمحرر الوجيز، لابن عطية، ط: قطر (10:151)، والتسهيل لعلوم التنْزيل، لابن جزي (3:26)، وتفسير أبي السعود (6:67)، والتحرير والتنوير، للطاهر بن عاشور (17:68). هذا، وقد تتابع كثير من المفسرين على ذكره بصيغة التمريض:«قيل» ، أو «وقال بعضهم» .
(3)
قاله السمين الحلبي في عمدة الحفاظ، تحقيق: محمد السيد الدغيم (ص:343)، وينظر قول ابن دريد في تاج العروس، مادة (عجل، ولم أجد هذا القول في جمهرة اللغة)، وقول الزمخشري في الكشاف (2:573).
وقد نُسِبَ إنشاد هذا البيت إلى أبي عبيدة، ينظر: تفسير أبي حيان (7:431)، وتاج العروس، مادة (عجل)، كما نُسِبَ إلى ابن الأعرابي، ينظر: وضح البرهان، لبيان الحق النيسابوري (2:40)، وتاج العروس، مادة (عجل).
هذا، وقد حكى بعض أهل اللغة هذا المعنى لغةً، كالصاحب بن عباد في المحيط =
ومن أجلِ هذا فإنَّ حملَ الآيةِ عليه ـ مع افتراضِ صِحَّةِ هذا الإطلاقِ في اللغةِ ـ فيه تركٌ للمشهورِ من معنى اللَّفظِ إلى معنى قليلٍ، ولا يصِحُّ أنْ يُترَكَ المعنى المشهورُ لأجلِ معنى قليلٍ في اللَّفظِ. واللهُ أعلمُ.
= في اللغة (1:256)، والأزهري في تهذيب اللغة حكاه عن ابن الأعرابي (1:369)، ونقله الصاغاني في التكملة، مادة (عجل). وابن جني كما ذكره صاحب اللسان وتاج العروس في مادة (عجل).
وقد حُكِيَ تفسيراً في كتاب العين (1:228).