الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وتقيِيد المُنَزَّلِ بكونِه «على محمَّد صلى الله عليه وسلم» : يُخرَجُ به ما أُنزِلَ على الأنبياءِ قبله؛ كالتَّوراةِ والإنجيلِ» (1).
* وقال محمد بن صالح بن عُثَيمِين: «بيان معاني القرآن الكريم» (2).
تحليل هذه التعريفات:
1 -
يلاحظُ أنَّ بعضَ أصحاب هذه التَّعريفات نظرَ إلى جملةِ العلومِ التي تسْتَبْطِنُها كتبُ التَّفسيرِ، ولكثرتِها، فإنَّه لا يُتمكَّنُ من حصرِها وعدِّها كلِّها في التَّعريفِ، فجاءتْ في بعضِ التَّعريفات مثالاً لهذه الموضوعاتِ، وهذا ليس فيه تحديدٌ دقيقٌ لعلمِ التَّفسيرِ، ويظهرُ هذا واضحاً في تعريفِ أبي حيَّانَ الأندلسيِّ (ت:745) والزَّرْكَشِيِّ (ت:794).
2 -
ويلاحظُ أنَّ بعضَهم ذَكَرَ ما ليس من علمِ التَّفسيرِ؛ كقولِ أبي حيَّانَ الأندلسيِّ (ت:745): «وقولنا: يُبحثُ فيه عن كيفيةِ النُّطقِ بألفاظِ القرآنِ: هذا علمُ القراءاتِ» (3).
ومعلومٌ أنَّه ليس من مُهِمَّةِ المُفَسِّرِ بيانُ كيفيَّةِ النُّطقِ بألفاظِ القرآنِ، إذ هذا من مُهِمَّةِ مقرئ القرآنِ.
وإنما يتعلقُ بالتَّفسيرِ من هذا العلمِ ما كان له أثرٌ في اختلافِ المعنى؛ مثلُ الاختلافِ في قوله تعالى: {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} [التكوير: 24]، حيثُ قُرِئَ:«بِضَنِين» و «بِظَنِين» ، فمن قرأ:«بضنين» ، فمعناه: ما هو ببخيل. ومن قرأ: «بظنين» ، فمعناه: ما هو بمتَّهم (4).
(1) مذكرة علوم القرآن، كتبها لطلاب الدراسات العليا بقسم القرآن وعلومه في كلية أصول الدين، عام 1419 - 1410.
(2)
أصول في التفسير (ص:25).
(3)
البحر المحيط، لأبي حيان (1:26).
(4)
ينظر في هذه القراءاتِ ومن قرأ بها وتوجيهها: علل القراءات، للأزهري، تحقيق: نوال الحلوة (2:750 - 751).
أمَّا ما يتعلقُ بالأداءِ في القراءاتِ؛ كالإمالةِ، والتَّقليلِ، والهمزةِ، والإدغامِ، وغيرِها، فإنَّه لا أثرَ لها في التَّفسيرِ، ومن ثَمَّ، فهي ليست من علومِ التَّفسيرِ التي يحتاجها المفسِّرُ.
3 -
كما يلاحظُ أنَّ بعضَ العلومِ المذكورةِ لم يُذكَرْ لها ضابطٌ فيما يدخلُ منها وما لا يدخلُ في التَّفسيرِ.
ومن العلومِ ـ مثلاً ـ علمُ الأحكامِ (أي: علم الفقه)، وليس كلُّ ما ذُكِرَ منه في كتبِ التَّفسيرِ داخلاً في مصطلحِ التَّفسيرِ؛ لأنَّ بعضَ المفسِّرينَ يتوسَّعونَ في ذكرِ المسائلِ المتعلِّقةِ بموضوعِ الحكمِ الشَّرعيِّ الذي نَصَّتْ عليه الآيةُ، وهذا التَّوسُّعُ محلُّه كتبُ الفقهِ، وليسَ كتبَ التَّفسيرِ، وقد أشارَ إلى ذلك بعضُ المفسِّرينَ، منهم:
* الطبريُّ (ت:310)، قال في تفسير قوله تعالى:{وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95]: «والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إنَّ اللهَ تعالى ذكرُه حرَّمَ قتلَ صيدِ البرِّ على كلِّ مُحْرِمٍ في حالِ إحرامِه ما دام مُحرِماً بقولِه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ} [المائدة: 95]، ثمَّ بيَّنَ حكمَ من قتلَ ما قتلَ من ذلكَ في حالِ إحرامِه مُتعمِّداً لقتلِه، ولم يُخصِّص به المتعمِّدَ قتلَه في حالِ نسيانِه لإحرَامه، ولا المخطئَ في قتلِه في حالِ ذكرِه إحرامَه، بل عمَّ في التَّنْزيلِ ـ بإيجابِ الجزاءِ ـ كلَّ قاتلِ صيدٍ في حالِ إحرامِه متعمِّداً
…
وأمَّا ما يلزمُ بالخطأ قاتلَه، فقد بيَّنَّا القول فيه في كتابنا:(كتابِ لطيفِ القولِ في أحكامِ الشَّرائعِ) بما أغنى عن ذكرِه في هذا الموضعِ.
وليسَ هذا الموضِعُ موضعَ ذكرِه؛ لأنَّ قصدنا في هذا الكتاب؛ الإبانةُ عن تأويلِ التَّنْزيلِ، وليسَ في التَّنْزيلِ للخطَأ ذِكْرٌ، فنذْكُر أحْكامَه» (1).
(1) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (11:12).
* وأبو حيَّان (ت:745)، قال: «وقد تَعَرَّضَ المفسِّرون في كتبِهم لحكمِ التَّسميةِ في الصَّلاةِ، وذكروا اختلافَ العلماءِ في ذلك، وأطالوا التَّفاريعَ في ذلك، وكذلك فَعَلُوا في غيرِ ما آيةٍ، وموضوعُ هذا كتبُ الفقهِ.
وكذلك تكلَّمَ بعضُهم على التَّعَوُّذِ، وعلى حكمِه، وليس من القرآنِ بإجماعٍ.
ونحنُ في كتابِنا هذا لا نتعرَّضُ لحكمٍ شرعيٍّ إ لَاّ إذا كان لفظُ القرآنِ يدلُّ على ذلك الحكمِ، أو يمكنُ استنباطُه منه بوجهٍ من وجوهِ الاستنباطاتِ» (1).
لقد ذكر الطَّبريُّ (ت:310) وأبو حيان (ت:745) هاهنا الضابطَ الذي يُعتمدُ عليه في ذكرِ مثلِ هذه الأحكام، وهو أن يكونَ القرآنُ نصَّ على الحكمِ الفقهيِّ، فإنَّهم يبيِّنونَ هذا الحكمَ ولا يتوسَّعونَ في بيانِ ما يتعلَّقُ به من الأحكامِ التي لم يردِ النَّصُّ عليها في القرآنِ، ومنْ ثَمَّ، فبيانُ الحكمِ الذي نصَّ عليه القرآنُ من التَّفسيرِ، وما يُذكرُ من المسائلِ الفقهيَّةِ المتعلِّقةِ بهذا الحكمِ، ولم ينصَّ عليها القرآنُ فهي ليستْ من التَّفسيرِ، ومحلُّها كتبُ الفقهِ، واللهُ أعلمُ.
والملاحظُ أنَّ أبا حيَّانَ (ت:745) لم يلتزم هذا الضَّابطَ الذي ذكره في إيرادِه للأحكامِ عندَ تعرُّضِه للمسائلِ اللُّغويَّةِ والصَّرفيَّةِ والنَّحويَّةِ، بل توسَّع فيها، حتى خرجَ بها عن حدِّ التَّفسيرِ.
وأخيراً، إذا أمعنتَ النَّظرَ في هذه التَّعريفات فإنك ستجدُ بعضَها قد انطلقَ من المعنى اللُّغويِّ للتَّفسيرِ، وهذا هو الصوابُ، وقد استُعملتْ في هذه التَّعريفات عباراتُ: بيانٍ، وشرحٍ، وكشفٍ؛ للتَّعبير عن معنى «التَّفسير» .
ويمكنُ من هذا المنطلقِ القولُ بأنَّ عمليةَ التَّفسيرِ إنَّما هي بيانُ وشرحُ
(1) البحر المحيط، لأبي حيان (1:32).
القرآنِ، فما كان خارجَ نطاقِ البيانِ فإنَّه غيرُ داخلٍ في مصطلحِ التَّفسيرِ (1)، ومن ذلك ـ على سبيل المثال ـ ما يرجعُ إلى المُحَسِّنَاتِ اللَّفظيَّةِ من علمِ البديعِ؛ كالطِّباقِ (2) المذكورِ في قوله تعالى:{وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} [النجم: 43](3) فإنه لا أثرَ له في بيانِ الآيةِ؛ أي أنَّه يمكنك أن تفهم معنى الآية، وإنْ لم تعرفْ هذا الطِّباقَ المذكورَ.
(1) لقد قمتُ بتأمُّلِ المعلوماتِ الموجودةِ في كتبِ التَّفسيرِ، واجتهدتُ في تقسيمِها، لاستجلاء ما له علاقةٌ بعمليةِ شرحِ القرآنِ، فظهرَ لي بعد سبرِها سبراً سريعاً ما يأتي:
* تفسيرُ القرآن، أي: بيانُه بياناً مباشراً.
* معلوماتٌ تفيدُ في تقوية بيان المعنى ووضوحه، ولذا، فهي أقربُ إلى علمِ التَّفسيرِ من غيرها، والفرق بينها وبين سابِقها؛ أنَّ المعنى يكونُ قد اتَّضحَ وبانَ، وهذه المعلوماتُ تزيدُه وضوحاً وتقوِّيه، بحيثُ لو جهلها المفسِّرُ، فإنَّها لا تُؤثِّرُ على فَهمِ المعنى المرادِ.
* استنباطاتٌ عامَّةٌ، في الآدابِ، والفقه، وغيرِها، والمرادُ هنا ما كانَ وراءَ الأحكامِ الصريحةِ في الآيةِ؛ لأنَّه إذا كانَ مما تدلُّ عليه الآيةُ صراحةً، فهو من التَّفسيرِ.
* فوائدُ ولطائفُ ومُلَحٌ تفسيريَّة.
* معلوماتٌ علميَّةٌ تتعلَّقُ بعلومِ القرآنِ، ولا أثرَ لها في التَّفسيرِ؛ كالكلامِ على عدد آي السورةِ.
* معلوماتٌ علميَّةٌ عامَّةٌ من شتَّى المعارفِ الإسلاميَّةِ وغيرِها، والغالبُ عليهَا أنَّه لا صلةَ لها بعلمِ التفسيرِ، وإنما يكونُ المفسِّرُ ممن برزَ في علمٍ من هذه العلومِ، فيحشو تفسيرَه به، فالفقيهُ يوردُ مسائل علمِ الفقهِ، والنَّحويُّ يوردُ مسائلَ علمِ النَّحوِ، والمتكلِّمُ يوردُ مسائلَ علم الكلامِ، وهكذا غيرها من فروعِ العلومِ، خصوصاً العلوم الإسلاميَّة.
ويدخلُ في هذا القسمِ كثيرٌ من التفاسيرِ التي اعتمدت مناهجَ مخالفةً؛ كالتَّفاسيرِ الصُّوفيَّةِ، والباطنيَّةِ، والفلسفيَّةِ، وغيرِها.
ولولا خشية الإطالة، لوضَّحتُ هذه التقسيماتِ بالأمثلةِ، ولعلَّها لا تخفى على متخصِّصٍ ولا مطلِّع عليها في علم التَّفسيرِ، وأرجو أن يُيسِّرَ اللهُ لي كتابةَ هذا الموضوعِ كتابةً مستقلَّةً.
(2)
الطباق: الجمع بين الشيء وضده، أو مقابلِه، كالأرض والسماء، والموت والحياة، وغيرها. ينظر: معجم المصطلحات البلاغية وتطورها، للدكتور أحمد مطلوب (3:66)، والكليات، للكفوي (ص:277).
(3)
ينظر: التحرير والتنوير (27:143).
وغايةُ هذا البيانِ فهمُ كلام الله، فما خرجَ عن حَدِّ فَهْمِ كلامِه سبحانَهُ فإنه زائدٌ عن معنى البيانِ؛ لأنَّ الغايةَ من التَّفسيرِ معرفةُ المعنى الذي أراده الله من كلامِهِ، فما تَحْصُلُ به المعرفةُ فإنه بيانٌ وتفسيرٌ، وما عدا ذلك، فإنه توسُّعٌ حاصلٌ بعدَ هذا الفَهمِ والبيانِ.
وإذا تأمَّلتَ كثيراً من النِّكاتِ البلاغيَّةِ، والمُلَحِ التَّفسيريَّةِ، واللَّطائفِ اللُّغويَّةِ، وجدتَها تدخلُ في ما وراءَ البيانِ والفهمِ، فهي ليست من صُلْبِ التَّفسيرِ؛ لأن البيانَ لا يتوقفُ عليها، أمَّا إذا توقَّفَ البيانُ عليها فهي من التَّفسيرِ.
وإذا كان ذلك هو المنطلق في تعريفِ التَّفسيرِ، فإنَّ البيانَ قد يتحقَّقُ بمعرفةِ اللَّفظةِ الغريبةِ في الآيةِ، أو بمعرفةِ قصتِها وسببِ نزولِها، أو بمعرفةِ مكانِ نزولِها وفيمن نزلتْ، أو بمعرفةِ ما فيها من النَّسخِ بمصطلحِه العامِّ؛ كبيانِ مجملٍ، وتخصيصِ عامٍ، وتَقْيِيدِ مطلقٍ، ورفعِ حكمٍ شرعيٍّ، وغيرِها مما يعتريه إزالةٌ ورفعٌ.
والمقصودُ: أنَّ ما يقعُ به بيانٌ عن معنى الآيةِ، فإنه تفسيرٌ للقرآنِ، ودونك هذه الأمثلةُ، إذ بالمثالِ يتبيَّنُ المقالُ.
1 -
في قولِه تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ} [التوبة: 38].
إن أوَّلَ ما تحتاجُ إليه لِمعرفةِ تفسيرِ الآيةِ، معرفةُ لفظِ «النَّسِيء» في اللُّغةِ. فإذا عرفتَ أنَّ النَّسِيءَ: التأخيرُ، صارَ معنى الآيةِ: إنما التَّأخيرُ زيادةٌ في الكفرِ.
ولكن أيُّ تأخيرٍ هو المرادُ، وهذا يعني أنَّه لم يتمَّ البيانُ بمعرفةِ المدلولِ اللُّغويِّ وحدَه، لاحتياجِك إلى تحديدِ النَّسِيءِ المرادِ في الآيةِ، فإذا تَكَشَّفتْ لك قصةُ الآيةِ بما رُوي عن حبرِ الأمَّةِ ابن عباسٍ (ت:68): أنَّ جُنَادَةَ بنَ عوفٍ بنَ أميةَ الكناني كان يوافي الموسمَ كلَّ عامٍ ـ وكانَ يُكْنَى أبا
ثُمَامَةَ ـ فينادي: أَلَا إنَّ أبا ثُمَامَةَ لا يُحَابُ (1) ولا يُعابُ، أَلَا وإنَّ صفرَ العَامِ الأوَّلِ العَامَ حلالٌ. فَيُحِلُّهُ الناسُ، فيحرِّمُ صفرَ عاماً، ويحرِّم المحرَّمَ عاماً، فذلك قوله:{إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} إلى قوله: {الْكَافِرِينَ} [التوبة: 37](2) = تَبَيَّنَ لك المعنى المرادُ بالآيةِ، وهو أنَّ تأخيرَ الأشهرِ الحُرُمِ وإيقاعَها في أشهرِ الحِلِّ زيادةٌ في الكفرِ إلى كفرِهم، فَصِرْتَ في هذه الآية محتاجاً إلى معرفة معاني المفردات وقصةِ الآيةِ، والله أعلم.
2 -
في قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى *وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 14، 15]، قيلَ: المرادُ: زكاةُ الفِطرِ وصلاةُ العِيدِ.
وقيلَ: تَطَهَّرَ مِن الشِّركِ بالإيمانِ باللهِ، وصلَّى الصَّلواتِ الخمسَ. وهو قولُ ابنِ عباسٍ (ت:68).
قال ابن الجَوْزِيِّ (ت:597)(3): «والقَولُ قولُ ابنِ عباسٍ في الآيتينِ، فإنَّ هذه السُّورةَ مكيَّةٌ بلا خلافٍ، ولم يكنْ بمكةَ زكاةٌ ولا عِيدٌ» (4).
لعلَّكَ تلاحظُ في هذا المثالِ أثرَ معرفةِ المكيِّ والمدنيِّ في فَهمِ الآيةِ، فلأنَّ السُّورةُ مكيَّةٌ، لا يمكنُ القولُ بأنَّها نزلتْ بشأنِ زكاةِ الفطرِ وصلاةِ العيدِ المفروضتين في المدينةِ، وأنَّ المرادَ بها هذا دونَ غيرِه، وإن كانتا تدخلانِ في معنى الآيةِ بالنَّظرِ إلى تعميمِ اللَّفظِ.
(1) يُحاب: يُؤَثَّم.
(2)
تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (14:245).
(3)
عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي، أبو الفرج، مؤرخ، محدث، مفسر، واعظ، فقيه، حنبلي، بغدادي المنشأ والوفاة، له في كل علم مشاركة، بلغت مصنفاته الثلاث مائة، منها:«زاد المسير في علم التفسير» ، و «الناسخ والمنسوخ» ، و «نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر» ، وغيرها، توفي سنة (597). ينظر: معجم المفسرين (1:268 - 269)، مؤلفات ابن الجوزي، لعبد الحميد العلوجي (ص:11 - 12).
(4)
زاد المسير، لابن الجوزي، ط: دار الفكر (8:230).
3 -
في قوله تعالى: {وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ} [الشورى: 5]، إذا أخذتَ بالعمومِ في قولِه:{لِمَنْ فِي الأَرْضِ} جعلتَ الاستغفارَ حاصلاً للمؤمنين والكافرين. وبه قال بعضهم، وجعلَ استغفارَ الملائكةِ للكافرِ بمعنى طلبِ الهدايةِ له.
وقالَ آخرونَ: إنه عَامٌّ مخصوصٌ، وإنَّ المرادَ بمن في الأرضِ: المؤمنون. ويدلُّ على ذلك قوله تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر: 7](1).
ومن هذين القولين يَتحصَّلُ أنَّ مَنْ جَعَلَ الآيةَ عامَّةً أو خاصَّةً، فقد وقعَ منهم بيانٌ له أثرٌ في فَهْمِ معنى الآيةِ، وإنْ اختلفتْ أقوالُهم في تفسيرها.
ومن ثَمَّ، فإنَّ أيَّ معلومةٍ لها أثرٌ في فهْمِ المعنى أو تَغيُّرِهِ، فإنها تفسيرٌ، أمَّا ما كانتْ معرفتُه غيرَ مُؤَثِّرَةٍ في معنى الآيةِ، فإنه خارجٌ عن معنى التَّفسيرِ، وهو من باب التَّوَسُّعِ في هذا العلمِ. والله أعلم.
وسأضربُ مثلاً يُبَيِّنُ أنَّ بعضَ المعلوماتِ الموجودة في التَّفسيرِ لا أثرَ لها في بيانِ الآيةِ، وهي خارجةٌ عن حدِّه، وزائدةٌ عليه، ومن ذلك ما وردَ في تفسيرِ قوله تعالى:{وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 35]، حيثُ اختلفَ المفسِّرونَ في تعيين الشَّجرةِ التي نُهِيَ آدمُ وزوجُه عن الأكلِ منها، فقيل: هي السُّنبلةُ، وقيلَ: الكَرْمَةُ، وقيلَ: التِّينةُ (2).
والجهلُ بنوعِ الشَّجرةِ التي نُهِيَ عنها آدمُ وزوجُه، لا يؤثِّرُ في فهمِ المعنى، قال الطبري (ت:310): «فالصوابُ في ذلك أن يقالَ: إنَّ اللهَ جلَّ
(1) ينظر: تفسير عبد الرزاق، تحقيق: قلعجي (2:155)، وتفسير الطبري، ط: الحلبي (25:8)، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه، لمكي، تحقيق: أحمد فرحات (ص:399)، تفسير ابن عطية، ط: قطر (13:142).
(2)
ينظر في أقوال السلفِ: تفسير الطبري، تحقيق شاكر (1:516 - 520).