الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني
أثر التفسير اللغوي في انحراف المفسرين
تمهيد في تاريخ الانحراف
لا شكَّ أنَّ الانحرافَ يرتبطُ بعضُه ببعضٍ، ولا يأتي دَفْعَةً واحدةً، وقد كانَ للانحرافِ عنِ الإسلامِ أثرٌ واضحٌ في عقائدِ المسلمينَ، وبرصدِ ظاهرةِ الانحرافِ تَجِدُ أنَّ السَّبئِيَّةَ (1) ـ التي أفرزت الرَّفْضَ (2) فيما بعدُ ـ منْ أوائلِ الانحرافاتِ التي كانتْ تَنْخُرُ في جسمِ الأمَّةِ الإسلاميَّةِ.
وكانت مزامنةً لها بدعةُ الخوارجِ (3)، ثمَّ ظَهرتْ بدعةُ القَدَرِيَّةِ (4)، وكانتْ
(1) السَّبَئيَّةُ: نسبةً إلى عبد الله بن سبأ اليهودي، وكانوا يقولون بأحقيَّة عليِّ بالخلافة، حتى وصلوا إلى القول بألوهيته، والعياذُ بالله. ينظر: المعارف، لابن قتيبة (ص:622)، ومقالات الإسلاميين (1:86)، والتنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، للملطي، تحقيق: يمان بن سعد الدين المياديني (ص:29 - 31).
(2)
جعل الملطي السبئية فرقاً، وجعلهم من الروافض، ينظر التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، للملطي (ص:29)، وينظر: الملل والنحل للشهرستاني (ص:174)، والبرهان في معرفة عقائد الأديان، للسكسكي (ص:85).
(3)
الخوارج فِرَقٌ شتَّى، ومنهم المحكمة الذين كانوا في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وسموا خوارج لخروجهم عليه، ويسمَّون الحرورية، والشراة، ومن أشهر فِرَقِهم: الأزارقة والنجدات والإباضية، ومن أشهر عقائدهم: كفرُ مرتكب الكبيرة، ينظر: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، للملطي (ص:62 - 69)، والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان (ص:17 - 31).
(4)
هم الذين ينفون القدر الإلهي السابق، ويقولون: الأمر أُنُفٌ، ويقولون بأنَّ الإنسان يخلق فعله، فلا ينسبونه إلى الله، وقد ظهرت بدعتهم في أواخر عهد الصحابة، وكان من أوائلهم معبد الجهني وغيلان الدمشقي، ثمَّ تلقَّفها المعتزلةُ من بعدهم، وصار هذا اللقب يُطلقُ عليهم. ينظر: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع (ص:176 - 187)، والبرهان في معرفة عقائد الأديان (ص:49 - 50).
هذه الانحرافاتُ في عهدِ الصَّحابةِ، ثمَّ ظهرتْ في عهدِ التَّابعينَ بدعةُ الجَهْمِيَّةِ (1)، ثمَّ المُعْتَزِلَةِ والمُرْجِئَةِ (2).
وليس المرادُ هاهنا رصدَ هذه الحركاتِ، وإنما المرادُ التَّنبيه على أن هذه الحركاتِ كانَ لها آثارٌ في تفسيرِ القرآنِ، وكانتْ قدْ بَنَتْ تفسيرَه على ما تعتقدُه، فأظهرَ ذلكَ انحرافاً في التَّفسيرِ، وكانَ من جملتِهِ التَّفسيرُ اللُّغويُّ.
ويمكنُ للدَّارسِ لهذه الحركاتِ أنْ يَلْحَظَ بعضَ الأسبابِ في ظهورِها، ومنها:
1 -
دخولُ بعضِ الكفَّارِ في الإسلامِ ظاهراً، والكيدُ له في الباطنِ؛ كعبدِ اللهِ بنِ سَبَإٍ اليهوديِّ (3)، الذي كانَ له أثرٌ واضحٌ في الأُمَّةِ، وكانَ منْ آثارِهِ التي بقيتْ: عقيدةُ الرَّفْضِ، التي صارتْ تُلقَّبُ بالشِّيعَةِ.
وقدْ سلكَ هذا السبيلَ الزَّنادقةُ (4) الذين عاشوا في ظِلِّ الإسلامِ وتظاهروا به، وكانوا فريقين:
(1) نسبة إلى الجهم بن صفوان، وقد ظهرت هذه البدعة في آخر عهد بني أمية، ولهم أقوالٌ شنيعة في المعتقد؛ كفناء الجنة والنار، وإنكار صفات اللهِ؛ كعلوه على خلقه، وغير ذلك. ينظر: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، للملطي (ص:110 - 113)، والملل والنحل، للشهرستاني (ص:86 - 88).
(2)
المرجئة: الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، وأنَّ مجرد المعرفة إيمان، ولا يمكن أن يجتمع في القلب معرفة وكفر. ينظر: التنبيه والرد، للملطي (ص:57، 155 - 164)، والملل والنحل، للشهرستاني (ص:139 - 146).
(3)
عبد الله بن سبأ، من يهود اليمن، دخل الإسلام للكيدِ لأهلِه، وقد استغلَّ قرابة علي بن أبي طالب، وأوصله إلى درجة الربوبية، فكاد عليٌّ أن يقتله، ولكنه تركه، ينظر: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع (ص:29)، وكشاف اصطلاحات الفنون، للتهانوي، تحقيق: لطفي عبد البديع (3:126).
(4)
الزنادقة هذا الاسم مما عُرِّبَ، وقد اختُلفَ في أصل وضعه ومعناه، فقيل: هم الدهرية: الذين يؤمنون بدوام الدهر وفاعليته، وقيل: هم المانوية الذين يبيحون المحارم وغيرها. =
فريقٌ غلبتْ عليه الشَّهواتُ، وإنْ لم يَخْلُ حالُهم من الشُّبَهِ، فهم يريدونَ الانفلاتَ منْ أوامرِ الدِّينِ، وعدمِ التَّقيُّدِ به، ويغلبُ على هؤلاءِ أنهم من الشُّعراءِ؛ كحَمَّاد عَجْرَدَ (161)(1)، وغيرِه ممن اتُّهِمَ منهم بالزَّنْدَقَةِ (2).
وفريقٌ أصحابُ شبهاتٍ ومناقشاتٍ وجدلٍ وإن كانَ لا يَخْلُو منْ شَهْوَةٍ في زَنْدَقَتِهِ، لكنْ غلبَ عليه جانبُ الجدلِ والمناظرةِ، وكانَ هذا الفريقُ أكثرَ أثراً من فريقِ الشَّهَوَاتِ.
وممن ذُكِر له مناظراتٌ من الفريقِ الأوَّلِ: الشاعرُ صالحُ بنُ عبدِ القدوسِ (ت:167)(3)، الذي قتله الخليفةُ العبَّاسيُّ المهديُّ (ت:169) (4) بتهمة الزَّندقة، وقد
=
وقد صار هذا المصطلحُ يُطلقُ على المتحللين من الشرعِ الذين يدَّعونَ بقاءهم عليه، وهم يبطنون الكفر، وقيل غير ذلك. ينظر: رسالة في تحقيق تعريب الكلمة الأعجمية، لابن كمال باشا (ص:68 - 75).
وهذا المصطلحُ من المصطلحات التي تحتاج إلى دراسةٍ وتحريرٍ، إذ فيه غموضٌ في أصله، وعلى من يُطلقُ، وإذا كان بمعنى النفاقِ، فلمَ لا يُقالُ بدلاً عنه المصطلحَ الشرعيَّ؛ أي: المنافق.
(1)
حماد بن عمر بن يونس، مولى بني سَوءة بن عامر بن صعصعة المشهور بحماد عجرد، شاعر مخضرم، قيل: كان بالكوفة ثلاثة نفر يقال لهم الحمادون: حماد عجرد وحماد الرواية وحماد بن الزبرقان، يتنادمون، ويتعاشرون معاشرةٍ جميلة، ويتناشدون الأشعار، وكانوا كأنهم نفسٌ واحدة، وكانوا يرمون بالزندقة جميعاً، توفي بالبصرة سنة (161).
ينظر: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (8:296)، ومعجم الأدباء (10:249 - 254).
(2)
المنتظم (8:297).
(3)
صالح بن عبد القدوس، أبو الفضل البصري، كان حكيم الشعراء، زنديقاً متكلماً، يقدمه أصحابه في الجدال عن مذاهبهم، توفي سنة (167). ينظر: تاريخ بغداد (9:303 - 305)، ولسان الميزان (3:173)، وقد ذُكِرَ له مناظرات مع أبي الهذيل العلاّف، ينظر: المنتظم (8:287).
(4)
المهدي، أبو عبد الله محمد بن المنصور كان جواداً، مُمَدَّحاً، وَصُولاً لأقاربه، حسن الأخلاق، قصَّاباً في الزنادقة، باحثاً عنهم، توفي سنة (169). ينظر: سير أعلام النبلاء (7:401)، وشذرات الذهب (1:266 - 269).
نُسِبَ له كتابُ الشُّكُوك (1).
وكانَ منَ الزَّنادقةِ الملحدينَ أصحابِ الشَّبَهِ الذينَ فَشَا أمرُهُم وكتبوا الكتبَ في النَّقْضِ على الإسلامِ والمرسلينَ أبو الحسين أحمد بن يحيى، المعروف بابنِ الرَّاونْدِيِّ (ت:298) (2)، وقد حفظتْ بعضُ الكتبِ شيئاً من زندقتِه وضلالته (3)، ككتابِ (الانتصار والرَّدِّ على ابن الرَّاوَنْدي الملحدِ) (4) لشيخِ المعتزلةِ البغداديين عبدِ الرَّحيمِ بنِ محمدٍ الخيَّاطِ (ت:300) (5).
وهذا الرجلُ وإنْ كانَ متأخراً إلَاّ أنه يُوَضِّحُ صورةً منْ صُوَرِ ما كانَ
(1) وَرَدَ ذلك عن النَّظَّام (ت:231)، قال: «مات لصالح بن عبد القدوس ابنٌ، فمضى إليه أبو الهذيل
…
فرآه حزيناً، فقال: لا أعرف لجزعك وجهاً، إلَاّ إذا كان الإنسان عندك كالزرع، فقال: إنما أجزع لأنه لم يقرأ كتاب «الشُّكُوك» .
قال: وما كتاب «الشُّكُوك» ؟
قال: كتاب وضعته، من قرأ فيه شكَّ فيما كان، حتى يتوهم أنه لم يكن، وفيما لم يكن، حتى يظنُّ أنه قد كان.
قال أبو الهذيل: فشكَّ أنت في موت ابنك، واعمل على أنه لم يمت، وإن كان قد مات، فشُكَّ أنه قد قرأ لك الكتاب، وإن كان لم يقرأه». المنية والأمل (ص:46).
(2)
أحمد بن يحيى، أبو الحسين البغدادي، المعروف بابن الراوندي، كان من المعتزلة، ثمَّ فارقهم، وكان يلزم الرَّافضة، وصار ملحداً، وقد ألَّف كتباً في الحطِّ من شأن الإسلام والقرآن، وردَّ عليه بعض المعتزلة، كالجبائيين، والخياط، وغيرهم. توفي سنة (298) وقيل غيرها. المنتظم (13:108 - 117)، ووفيات الأعيان (1:94 - 95).
(3)
مما حُفظَ من كلامه ما جاء في كتاب المنتظم لابن الجوزي (13:110 - 117)، وكتاب (المجالس المؤيدية)، للمؤيد في الدين هبة الله بن أبي عمران الإسماعيلي الفاطمي، وهو ردٌّ على ابن الراوندي، وهو موجود في كتاب من تاريخ الإلحاد، لعبد الرحمن بدوي.
(4)
كتب الجاحظ كتاب (فضيلة المعتزلة)، فردَّ عليه ابن الراوندي بكتاب (فضيحة المعتزلة)، ثمَّ ردَّ ابن الخياط على ابن الراوندي بهذا الكتاب.
(5)
عبد الرحيم بن محمد بن عثمان، أبو الحسين الخياط، أحد متكلمي المعتزلة البغداديين، كان كثير الردِّ على ابن الراوندي، المنية والأمل (ص:72 - 74)، ومقدمة كتاب الانتصار لمحمد حجازي (ص:26 - 28).
الملاحدةُ عليه في تلكَ الأزمانِ، وما كانتْ مناقشاتُهم تدورُ في فَلَكِهِ.
2 -
ترجمةُ آثارِ الأممِ السابقةِ: منَ الفُرْسِ، والْهِنْدِ، واليُونَانِ، وغيرهم، وقدْ كانتْ بداياتُ ترجمتِها في عهد بني أُمَيَّةَ (1)؛ أيْ: في القرنِ الأوَّلِ منَ الهجرةِ النَّبَوِيَّةِ.
وقدْ أفرزَ هذانِ السَّببانِ نَتَاجاً عقلياً ظهرَ في آثارِ الجَهْمِيَّةِ والمعتزلةِ ومنْ جاءَ بعدهم من أهل البدعِ الذين نهلوا من علومِ الأوائِل (2)، وناقشوا الزَّنادِقَةَ الذينَ انتحلوا الإسلامَ، والملاحدةَ ممن لم يدخلْ في الإسلامِ (3).
(1) يقول المسعودي: «
…
على عهده [أي: هشام بن عبد الملك (ت:125)] ظهرت الفِرَقُ في الإسلام، وانتشرت بعد ترجمة تصانيف ماني وبردستان التي نقلها من الفهلوية أو الفارسية عبد الله بن المقفع وغيره، وفي ذلك الوقت ظهرت كتب ابن الأرجح وحماد عجرد ويحيى بن زياد ومطيع بن إياس، وظهرت الزندقة وراجت رواجاً كثيراً». نقلاً عن كتاب: الزندقة والزنادقة، لعاطف شكري أبو عوض، نشر دار الفكر (ص:118).
وقد كان خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان (ت:90) عالماً بالطبِّ والكيمياء، أخذ ذلك عن مريانيس الراهب الرومي، وهو من أوائل من أخذ هذه العلوم، غير أنه لم يتلبس بعلم الفلسفة والمنطق، بل كان تابعياً فاضلاً، وقيل عنه: قد عَلِمَ عِلْمَ العرب والعجم. ينظر: معجم الأدباء (11:35 - 36).
(2)
ينظر مثلاً في المنية والأمل: عن أبي الهذيل (ص:44)، وعن النظام (ص:48). فقد ورد أنهم أخذوا من علم الفلسفة.
(3)
مما ذُكِر من كتب المعتزلة التي ردُّوا بها على هؤلاء، ومناظراتهم:
* واصل بن عطاء الغزال، له كتاب الألف مسألة في الرد على المانوية، ينظر: المنية والأمل (ص:37).
* أبو الهذيل العلاف، له مناظرات مع المجوس، ينظر: المنية والأمل (ص:44)، وناظر صالح بن عبد القدوس لما قال في العالم أنه من أصلين: النور والظلمة، ينظر: المنية والأمل (ص:45) وأمالي الشريف المرتضى (1:144). وناظر أبو الهذيل زاذان بخث الثنوي، بحضرة المأمون، ينظر: المنية والأمل (ص:63).
* أبو القاسم عبد الله بن أحمد البلخي، له مناظرة مع السوفسطائية، ينظر: المنية والأمل (ص:75). =
اعتماد العقلِ المجرَّدِ في التَّصدِّي للزَّندقةِ:
من الملاحظِ من خلالِ تراجمِ الكتبِ أو المؤلفاتِ أنَّ بعض المعتزلةِ قد تصدّوا لهذا الانحرافِ المتزندقِ، لكنَّهم ناقشوه بعقلٍ مجردٍ غير معتمد على الشَّرعِ، أو بعقلٍ متأثرٍ بآراءٍ فلسفيَّةٍ، فأوقعَهم ذلك في مخالفاتٍ نَتَجَ عنها اعتقاداتٌ باطلةُ، وقد كان ذلك بسببِ بعضِ الإلزاماتِ التي كانتْ نتيجةً لهذه المناقشاتِ التي لا يوجد فيها مرجعٌ يُحتَكم إليه في النِّزاعِ سوى العقلِ المُجَرَّدِ (1).
والعقلُ يختلفُ باختلافِ الثقافاتِ التي كوَّنته، لذا، فليسَ من الغريب أنْ تنشأ انحرافاتٌ عندَ المعتزلةِ بسبب الإلزاماتِ التي كانتْ تصدرُ عن النِّقاشاتِ الجدليَّةِ بين المتزندقةِ والمعتزلةِ، أو بين معتزليٍّ ومعتزليٍّ آخر، فتنشأُ لهم بسببِ تلكَ الإلزاماتِ عقيدةٌ يعتقدونَها ويدافعونَ عنها.
والمعتزلةُ من أوَّلِ الفرقِ التي أعطتِ العقلَ المجرَّدَ حريَّةَ التَّسلُّطِ على النُّصوصِ، فلم يجعلوها من الثَّوابتِ التي يقيسونَ عليها.
لذا لا تجدُ لهم اتفاقاً في المسائلِ، وإن زعموا الاتفاقَ على الأصول الخمسةِ، إذ هم في فروعها ومباحثها فرقٌ شتَّى. وهم وإن كان بينهم ثباتٌ
= * أبو بكر محمد بن إبراهيم الزبيري، ردَّ على ابن الراوندي، ينظر: المنية والأمل (ص:76).
* وممن نقض على ابن الراوندي بعض كتبه: أبو علي الجبائي، وأبو الحسين الخياط، وأبو هاشم الجبائي، وأبو بكر الزبيري، ينظر: المنية والأمل (ص:78).
(1)
من أمثلة هذه المجادلات التي أفرزت معتقدات باطلة، مجادلة الجهم بن صفوان للسُّمَّنيَّةِ الذين لا يؤمنون إلَاّ بالمحسوسِ، قال أبو قدامة السرخسي:«سمعت خلف بن سليمان البلخي يقول: كان جهم من أهل الكوفة، وكان فصيحاً، لم يكن عنده علم، فلقيه ناس من السُّمَّنِيَّةِ فكلَّموه، فقالوا: صف لنا من تعبد. قال: فأجِّلوني، فأجَّلوه. فخرج إليهم، قال: هو هذا الهواء مع كلِّ شيءٍ، وفي كلِّ شيءٍ» . ينظر: أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، للالكائي (3:380).
في أصولهم الخمسةِ، إلَاّ أنَّه ثباتٌ مستندٌ إلى العقلِ المجرَّدِ أوَّلاً، ثمَّ هم يردُّونَ كلَّ ما خالفَ ما أصَّلوه، ولو كانَ ظاهرَ الكتابِ أو السنَّةِ، أو إجماعَ الصحابةِ.
ومنْ نظرَ في مناقشاتِ المعتزلةِ فيما بينهم، ظهرَ له بُعْدُهُمْ عن الكتابِ والسُّنَّةِ وأقوالِ السَّلفِ الصالِحِ، كما يظهرُ له اعتدادُهم بالعقلِ، وأنَّ هَمَّ الواحدِ منهم أنْ يظفرَ بالمناقشةِ، وأن تكونَ له الصَّولَةُ، ولهم في ذلك عجائبُ (1).
لذا تجد أنه يتردَّدُ عندَهم قولُهم: «فإن قلتَ، قلتُ» ، وليس تحت هذه المناقشاتِ طائلٌ ولا نائلٌ، بل إنهم يتجادلون لأجل الجدل، لا للوصول إلى الحقِّ (2).
(1) منها: أنَّ النَّظَّام (ت:231) ناظر أبا الهذيل (ت:235) في «الجزء» فألزمه أبو الهذيل مسألة «الذَّرَّة والنعل» ، وهو أول من استنبطه، فتحيَّر النَّظَّامُ، فلما جنَّ عليه الليل، نظر إليه أبو الهذيل، وإذا النَّظَّامَ قائمٌ، ورجله في الماء يتفكر، فقال: يا إبراهيم، هكذا حال من ناطح الكباش، فقال: يا أبا الهذيل، جئتك بالقاطع: أنه يظفر بعضاً يقطع بعضاً. فقال أبو الهذيل: ما يُقطع، كيف يَقطع؟. ينظر: المنية والأمل (ص:48).
(2)
ومن ذلك ما ذكره ابن قتيبة (ت:276) من مناقشة دارت بين معتزليين في العلم الإلهي، قال: «وسأل آخرٌ آخرَ عن العلم، فقال: أتقول: إنَّ سميعاً في معنى عليم؟ قال: نعم. قال: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ} [آل عمران: 181]، هل سمعهم حين قالوه؟. قال: نعم.
قال: هل سمعهم قبل أن يقولوا؟. قال: لا.
قال: فهل علمه قبل أن يقولوه؟. قال: نعم.
قال له: فأرى في سميع معنًى غير معنى عليم. فلم يُجِب.
قال أبو محمد: قلت له وللأول [هو رجل معتزلي آخر حكى مناظرته قبل هذه]: قد لزمتكما الحجة، فلم لا تنتقلان عما تعتقدان إلى ما ألزمتكما الحجة؟
فقال أحدهما: لو فعلنا ذلك لانتقلنا في كلِّ يومٍ مرات.
وكفى بذلك حيرة!
قلت: فإذا كان الحق إنما يعرف بالقياس والحجة، وكنت لا تنقاد لها بالاتباع كما تنقاد بالانقطاع، فما تصنع بهما؟ =
وربما أُلزِم المناظِر منهم بأشياء باطلة في ذاتها، جرَّه إليها هذا الجدل العقيم، فالتزمها، وصارت له عقيدة يدافع عنها (1).
ومن الإلزامات الباطلة في هذه المناظرات، ما حُكِيَ عن أبي الهذيل العلاف (ت:235) (2) في انقطاعِ حركةِ أهلِ الجنَّةِ وأهلِ النَّارِ، وأنهم يصيرونَ إلى سكونٍ دائمٍ، قال الشَّهْرَسْتَاني (ت:548) (3): «قوله: إنَّ حركاتِ أهلِ الخُلدَينِ تنقطعُ، وأنَّهم يصيرونَ إلى سكونٍ دائمٍ خموداً، وتجتمعُ اللَّذاتُ في ذلك السُّكونِ لأهلِ الجنَّةِ، وتجتمعُ الآلامُ في ذلك السُّكونِ لأهلِ النَّارِ.
وهذا قريبٌ منْ مذهبِ جَهْمٍ (4)، إذ حكمَ بفناءِ الجنَّةِ والنَّارِ. وإنما التزم بذلك المذهبِ لأنَّه لما أُلْزِمَ في مسألةِ حدوثِ العَالَمِ: أنَّ الحوادثَ التي لا أوَّلَ لها كالحوادثِ التي لا آخرَ لها، إذْ كُلُّ واحدةٍ لا تتناهى.
=
التقليد أربح لك، والمقام على أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بك». تأويل مختلف الحديث (ص:79).
(1)
ومن ذلك ما حكاه ابن قتيبة (ت:276) عن أبي الهذيل (ت:235)، قال:«وحكيَ من خطئه في الاستطاعة أنه كان يقول: إن الفاعل في وقت فعله غير مستطيع لفعل آخر. وذلك أنهم ألزموه الاستطاعة مع الفعل بالإجماع، فقالوا: قد أجمع الناس على أن كل فاعل مستطيع في حال فعله، فالاستطاعة مع الفعل ثابت، واختلفوا في أنها قبله، فنحن على ما أجمعوا عليه، وعلى من ادَّعى أنها قبل الفعل الدليل. فلجأ إلى هذا القول» . تأويل مختلف الحديث (ص:65).
(2)
محمد بن الهذيل بن عبيد البصري، أبو الهذيل العلاف، شيخ الكلام، ورأس المعتزلة، صاحب التصانيف، كان ذا ذكاء بارع، وكان كثير المناظرةِ، مات سنة (235)، وقيل غيرها. ينظر: تاريخ بغداد (3:366 - 367)، سير أعلام النبلاء (11:173).
(3)
محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني، أبو الفتح، شيخ أهل الكلام والحكمة، متهم في عقيدته، وقد صنَّف في العلوم، ومن تصانيفه: نهاية الإقدام في علم الكلام، والملل والنحل، توفي سنة (548)، ينظر: التحبير في المعجم الكبير، لأبي سعد السمعاني (2:160 - 162)، وسير أعلام النبلاء (20:286 - 288).
(4)
جهم بن صفوان، أبو محرز السمرقندي، الضالُّ المبتدعُ، رأس الجهميَّةِ، قُتِلَ سنة (128)، ينظر: الملل والنحل، للشهرستاني (ص:86)، ولسان الميزان (2:142).
قال: إنِّي لا أقولُ بحركاتٍ لا تتناهى آخِراً، كما لا أقولُ بحركاتٍ لا تتناهى أوَّلاً، بلْ يصيرونَ إلى سكونٍ دائمٍ.
وكأنه ظنَّ أنَّ ما لَزِمَهُ في الحركةِ لا يلزمُه في السُّكونِ» (1).
وقد خالف بقوله هذا ظاهر قوله تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} [الرعد: 35]، وقد كفَّره بعضُ المعتزلةِ بسببِ هذا القولِ وغيره، وكانَ بعضُهم يؤاخذُه بهذا القولِ خاصَّةً، ففي طبقاتِ المعتزلةِ ما نصُّه: «كانَ في قلوبِ معتزلةِ بغدادَ مَوجِدَةٌ عليه [يعني: أبا الهذيل] في قولِه بالحركات، فساءهم عضمداً (2).
فقالَ: كيفَ أقولُ ذلكَ واللهُ يقولُ: {أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} ؟.
وقال أبو علي (3): إنما كانَ ذهبَ في ذلكَ إلى أنَّ الحركاتِ لا تنقطعُ، ثمَّ تابَ منْ ذلكَ» (4).
ومن كانت هذه طريقته في الجدل، فأحرى أن لا يناقش الملحدة المتزندقة؛ لأنه قد ينخذل أمامهم، فيلتزم بشيء من باطلهم، فيكون له عقيدة يعتقدها ويدافع عنها، والعياذ بالله.
فانظرْ، كيفَ جَرَّتْ هذه المناقشاتُ العقيمةُ إلى مثلِ هذه الأقوالِ الكُفريةِ التي تخالفُ نصوصَ الكتابِ والسُّنَّةِ؟!
وقدِ استمرَّ هذا النِّقاشُ العقيمُ بينَ المعتزلةِ وغيرها من الفرق التي اعتمدتِ العقلَ المجرَّدَ في النِّقاشِ؛ كالأشعريةِ التي كانتْ من أكبرِ الفِرَقِ
(1) الملل والنحل، تحقيق عبد العزيز محمد الوكيل، ط: دار الفكر (ص:52).
(2)
لعلها: فسأله بعضهم.
(3)
هو الجبائي.
(4)
طبقات المعتزلة، للقاضي عبد الجبار (ص:260)، ضمن كتاب: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة.
الإسلاميَّةِ مجادلةً معَ المعتزلةِ، حتى يكادُ يُخَيَّلُ للقارئ في هذه المناقشاتِ أنَّه لا يوجدُ في الفِرَقَ الإسلاميَّةِ إلَاّ هاتانِ الفِرْقَتَانِ.
وليسَ المرادُ هاهنا الحديثُ عن الفِرَقِ، وإنما ذِكْرُ بعضِ أمثلةٍ لِمَا وَقَعَ منها بسببِ البُعْدِ عن القرآنِ والسنَّةِ وآثارِ السَّلفِ الصَّالحِ، والاتجاهِ إلى العَقْلِ وجعْلِهِ الحُجَّة في الحكمِ على المسائلِ العقديَّةِ والنُّصوصِ الشَّرعيَّةِ.
وبتتبع بعض أسماء المنحرفين (1) يتبين أنَّ الانحرافَ بدأ قديماً، ثمَّ إنَّه نَمَا شيئاً فشيئاً حتى تكوَّنَتْ منه فِرَقٌ وعقائدٌ.
وقدْ كانَ لنُشُوءِ الفِرَقِ في الإسلامِ أثرٌ كبيرٌ في هذا الانحرافِ، وكانَ اتِّسَاعُ اللُّغةِ أحدَ مُعْتَمدَاتِهم في إثباتِ بعضِ بِدَعِهِمْ في بعضِ الأحيانِ. وقدْ ظَهَرَ لي منْ تَتَبُّعِ هذه الانحرافاتِ أنَّ سببَها ـ في الغالب ـ الاعتمادُ على العقلِ؛ أي أنَّ المفسِّرَ يعتقدُ رأياً بمحضِ عقلِهِ ثُمَّ يتأوَّلُ كلامَ اللهِ عليه، مستعيناً على هذا باتِّسَاعِ اللُّغةِ.
ومنْ نتائجِ ذلك أنَّك لا ترى عندَهم حكايةَ أقوالِ علماءِ التَّفْسِيرِ من السَّلَفِ، بلْ أعرضَ عنها جمهورُ المبتدعةِ، وعارضُوها في بعضِ الأحيانِ، واعتمدوا النَّقلَ عن أكابرِهِم، والاعتدادَ برأيهم دونَ غيرِهم.
وليس هذا محلاً لطرحِ هذه المسائلِ، وإنما جرَّ إليها التَّقْدُمَةُ للانحرافِ الكائنِ في التَّفسيرِ اللُّغويِّ، فاستطردتُ بما أراه ممهِّداً لموضوعي (2).
(1) كعبد اللهِ بن سبأ اليهودي (ت: بعد40)، وسنسويه النصراني القدري، ومعبد الجهني القدري (ت:80)، وغيلان الدمشقي القدري (ت: بعد105)، والجعد بن درهم (ت:124)، والجهم بن صفوان (ت:128)، وواصل بن عطاء المعتزلي (ت:131)، وعمرو بن عبيد المعتزلي (ت:144)، وبشر بن غيَّاث المريسي المعتزلي (ت:219)، والنظَّام (ت:231)، وأبي الهذيل العلاف (ت:235)، وغيرهم.
(2)
قرأت كثيراً لكتابةِ هذا التمهيدِ، وتكوَّن لديَّ مبحثٌ كبيرٌ فاختصرته، واقتصرتُ على ما كتبته آنفاً، والموضوعُ يحتاج إلى بسطٍ أوسع، لأهميَّته، مع ملاحظتِه شُحَّ =
قد اجتهدتُ في تتبُّعِ بعضِ التَّفاسيرِ المنحرفةِ التي كانت في القرونِ الأولى، فظهرَ لي بعضُ الأمثلةِ التي سأعرضُ لها في هذا البحثِ.
وقد كادت تخلو تفاسير السَّلفِ من الأخطاءِ التي وُجِدت عند من بعدَهم (1)، إلَاّ أنَّ هناك نزرٌ يسيرٌ منها عند إمامِ التَّابعينَ مجاهدُ (ت:104) لا يمكنُ لباحثٍ في مثلِ هذا الموضوعِ أنْ يغفلَ عن ذكرِها (2).
وهذه الأخطاءُ التي سجَّلَها العلماءُ عليه ليستْ كثيرةً بحيثُ يتكوَّنُ منها منهجٌ يُحسبُ على مجاهدٍ (ت:104). وهي أخطاء فردية، لم تُذكرْ إلَاّ عنه، ولذا لا يمكنُ عَدُّهَا منْ منهجِ السَّلفِ رضي الله عنهم، لأنَّه خالفَ فيها أشياخَه وأقرانَه.
والمسألةُ التي كانتْ تُلِحُّ عليَّ في بحثِ هذه الملاحظاتِ في تفسيراتِ مجاهدٍ (ت:104) هي: هلْ كانتْ هذهِ الأخطاءُ من اجتهادِهِ المباشِرِ، أو أنَّه تأثَّرَ بغيرِه؟. وإنْ كانَ تأثَّرَ بغيرِه، فمنْ يكونُ؟.
= المعلومات عن أوائلِ الأفكارِ المنحرفةِ، إذ لا تجدُ في غالب التَّراجمِ إلَاّ وصفاً للمترجَمِ له بسوءِ المعتَقدِ.
(1)
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأما النوع الثاني من سَبَبَي الاختلاف، وهو ما يُعلم بالاستدلال لا بالنقلِ، فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتينِ حدثتا بعد تفسيرِ الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، فإن التفاسير التي يُذكَرُ فيها كلام هؤلاء صِرْفاً لا يكادُ يوجدُ فيها شيءٌ من هاتين الجهتين
…
». مقدمة في أصول التفسير (ص:79).
(2)
من هذه التفاسير:
1 -
في قوله تعالى: {قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65]، قال:«لم يُمسخوا، إنما هو مثلٌ ضربه الله لهم، مثلُ ما ضربَ مثل الحمار يحمل أسفاراً» . تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (2:172، 173).
2 -
في قوله تعالى: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 23]، قال:«تنتظر الثواب من ربها، لا يراه من خلقه شيء» ، تفسير الطبري، ط: الحلبي (29:192)، وفيه روايات أخرى بمعناها عنه وعن أبي صالح.
3 -
وقال في قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} [القارعة: 6]، قال:«ليس ميزان، إنما هو مثلٌ ضُرِبَ» . تفسير الطبري، ط: الحلبي (30:282).
ذلك ما لم أجدْ له جواباً حتى الآن!
هذا، وقدْ تبينَ لي بعدَ جمعِ مادَّةِ هذا الموضوعِ: أنَّ الانحرافَ في التَّفسيرِ كانَ له أسبابٌ؛ منها:
1 -
اعتمادُ العقلِ في الاعتقادِ والاستدلالِ (1).
2 -
اعتمادُ اللُّغةِ مجرَّدَةً عن غيرِها منَ المصادرِ.
3 -
البعدُ عنْ تفسيرِ السَّلفِ، وعدمُ الأخذِ به.
وقدْ ساعدَ على هذا اتِّساعُ لغةِ العربِ، ولا خلافَ في أنَّ تفسيرَ القرآنِ بلغةِ العربِ أصلٌ أصيلٌ في التَّفسيرِ، غيرَ أنَّ المرادَ هنا أنْ يكونَ تفسيرُه بمجرَّدِ ما يحتمله اللفظُ المجرَّدُ عن سائرِ ما يبين معناه، منْ نَظَرٍ إلى: المتكلِّمِ به، والمنَزَّلِ عليه، والمخاطَبِ به، وسياقِ الكلام (2).
والسَّالكُ لهذا السَّبيلِ صنفانِ:
الأوَّلُ: بعضُ أهلِ اللُّغةِ الذينَ يفسِّرونَ القرآنَ بحسبِ ما بلغَهم منْ لغةِ العربِ.
الثاني: أهلُ البِدَعِ الذين يريدونَ إثباتَ بِدَعِهم باعتمادِهم على مجازِ اللُّغةِ وسَعَتِها.
(1) يدخل في هذا كلُّ من جعلَ له أصلاً يقيسُ الكتاب والسنة عليه، فما وافق أصله قَبِلَهُ، وما خالفَ أصله لم يقبلْه؛ كمن يجعلُ الذَّوقَ أصلاً، أو يجعلُ أقوال شيخه ومعلمه أصلاً، وهكذا.
ويُشبه هذا بعضُ التفسيراتِ المعتمدة على اللغةِ، حيثُ تُجعلُ اللغةُ التي جمعها اللغويون أصلاً يحكمون به على ما ورد من تفسيرات السلفِ اللغوية، فإن لم يجدوه في كتب اللغة ردُّوه، وهذا غير صحيح، إذ قد تكون لغة لم تبلغ اللغويين، وليس كل العلم يحاطُ به حتى يجوز النفيُ.
(2)
ينظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (15:94)، ومقدمة في أصول التفسير (ص:81).
وسأذكر أمثلةً لما وردَ عند هذين الصِّنفينِ مما فيه مخالفةٌ لتفسير السَّلفِ، واللهُ الموفقُ.
الصِّنفُ الأوَّلُ: اللُّغويُّونَ:
لقد دخلَ بسببِ بعضِ هؤلاءِ اللُّغويينِ نوعانِ منَ الأقوالِ في التفسير:
الأولُ: أقوالٌ فيها خلافٌ لأقوالِ السَّلفِ، وهي أقوالٌ فيها نظرٌ (1)، لا يمكن قبولُها معه.
الثاني: أقوالٌ فيها شذوذٌ في التَّفسيرِ.
وسبب ذلكَ اعتمادُ مجرَّد اللُّغة دونَ غيرها من المصادرِ؛ أي أنَّ هذه الاختياراتِ ليس لها عِمَادٌ سوى أنها حُكِيت على أنها من لغةِ العربِ.
وشأنُ هذه الأقوالِ أنها أقوالٌ مردودةٌ، وإنْ لم يُبْنَ على اختياراتِهم لها قولٌ باطلٌ في المعتقدِ؛ لأنَّه لا يلزمُ من كونِها صحيحةً في اللُّغةِ أن تكونَ صحيحةً في التَّفسيرِ.
ومنْ تلكَ الأقوالِ التَّفسيريَّةِ:
1 -
ما حكاه الأزهريُّ (ت:370) عنْ شَمِرِ بنِ حَمْدُويَه (ت:255)(2) أنه قال: «ورُوِيَ لنا عنِ ابنِ المُظَفَّرِ (3) ـ ولم أسمعْهُ لغيرِهِ ـ ذَكَرَ أنَّه يقال: أدركَ الشيءُ: إذا فَنِيَ (4).
(1) ذكرتُ هذا القيدَ لأنه سيأتي بيان ضابطِ قبولِ المحتملات اللغوية الواردة عن غيرِ السلفِ.
(2)
شَمِرُ بنُ حَمدويه، أبو عمرو الهرويُّ اللُّغويُّ، لقيَ ابن الأعرابي وغيره، وروى الدواوين، كتب في اللغة كتابه الجيم، وهو كتاب أودعه فوائد جمة، ولكنه ضاع ولم يبق منه إلَاّ اليسير، توفي سنة (255). ينظر: تهذيب اللغة (1:12)، إنباه الرواة (2:77 - 78).
(3)
هو الليث.
(4)
في كتاب العين (5:328): «الإدراكُ فناءُ الشي، أدركَ هذا الشيءُ: فَنِيَ» .
وإن صحَّ، فهو في التَّأويل (1): فَنِيَ عِلمُهم في معرفةِ الآخرةِ» (2).
وليس لشَمِرٍ (ت:255) في صحةِ هذا التَّأويلِ سوى حكايةِ هذا المعنى في اللُّغةِ، وهذا غير كافٍ في إثباته، إذ لا يلزم من صحةِ المعنى لغةً صِحَّتُه في التَّفسير.
2 -
وما فسَّرَ به أبو عبيدةَ (ت:210) قولَ الله تعالى: {ثُمَّ يَاتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يُعْصِرُونَ} [يوسف: 49]، قال: «أيْ: به ينجونَ، وهو من العَصَرِ، وهي العُصْرَةُ أيضاً، وهي المنجاةُ، قال (3):
........
…
ولقد كان عُصْرَةَ المنجودِ
أي: المقهورُ والمغلوبُ» (4).
وتفسير السَّلف على خلافه، فقد فسَّروه على معنى العَصْرِ؛ أي: عصر العنب وغيره، ورد ذلك عن ابن عباس (ت:68)، ومجاهد (ت:104)، والضَّحَّاك (ت:105)، وقتادة (ت:117)، والسُّدِّيِّ (ت:128) (5).
وقولُ السَّلفِ أقربُ إلى سياقِ القصةِ؛ لأن العَصْرَ كانَ منْ شأنهم؛ لذا كانتْ رؤيا السَّاقي أنه يعصرُ خمراً، ثمَّ إنَّ في قوله تعالى:{فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ} إشارةً إلى هذا المعنى الذي ذكرَه أبو عبيدةَ (ت:210)، ومن ثَمَّ، يكون تفسيره من باب تأكيد المعنى، وقولُ السَّلفِ فيه تأسيسُ معنى آخرَ، وإذا دارَ الكلامُ
(1) يريد تفسير قوله تعالى: {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ} [النمل: 66]، وهي في قراءة ابن كثير وأبي عمرو:«أَدْرَكَ» . ينظر: إعراب القراءات السبع (2:161).
(2)
تهذيب اللغة (10:114).
(3)
البيت لأبي زبيد الطائي، في ديوانه (ص:594)، ضمن كتاب: شعراء إسلاميون، وهو في قصيدة له يرثي فيها اللجلاج ابن أخته، وصدر البيت:
صادياً يُستغاث غير مغيثٍ
…
......
(4)
مجاز القرآن (1:313 - 314).
(5)
ينظر أقوالهم في تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (16:129 - 130).
بين التأسيسِ والتأكيدِ، فالتأسيسُ أولى من التأكيدِ، وهو مقدَّمٌ عليه، والله أعلمُ.
قال الطبريُّ (ت:310): «وكانَ بعضُ منْ لا علمَ له بأقوالِ السَّلفِ منْ أهلِ التَّأويلِ، مِمن يُفسِّرُ القرآنَ برأيه على مذهبِ كلامِ العربِ، يُوَجِّهُ معنى قولِه:{وَفِيهِ يُعْصِرُونَ} إلى: وفيه ينجونَ منَ الجَدْبِ والقَحْطِ بالغَيْثِ، ويزعمُ أنَّه منَ العَصَرِ والعُصْرَةِ التي بمعنى المنجاةِ
…
وذلكَ تأويلٌ يكفي منَ الشَّهادةِ على خطئه، خلافُهُ قولَ أهلِ العلمِ منَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ» (1).
3 -
وفي قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} [البقرة: 57]، السَّلْوَى: طير، بإجماعٍ منْ مفسِّري السَّلفِ (2).
وقال مُؤَرِّجٌ السَّدُوسِيُّ (ت:195)، أحدُ علماءِ اللُّغةِ: أنه العسلُ، واستدلَّ له بقول الهذلي:
وَقَاسَمَهَا باللهِ جَهْداً لأنْتُمُ
…
أَلَذُّ مِنَ السَّلْوَى إذَا مَا نَشُورُهَا
وذكر أنه كذلك بلغة كنانة، وسُمِّيَ العسل به؛ لأنه يُسْلَى به (3).
وكَوْنُ السَّلوى في لغةِ العربِ: العسلَ، لا يلزمُ منه صِحَّةُ حملِه على معنى السَّلوى في الآيةِ؛ لذا قالَ ابنُ الأعرابيِّ (ت:231): «والسَّلوى: طائرٌ، وهو في غيرِ القرآنِ: العسلُ» (4). وهذا هو الحقُّ، والله أعلم.
(1) تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (16:131 - 132).
(2)
ينظر: المحرر الوجيز (1:305)، وقد أورد الطبريُّ الرواية عن السلف، ولم يذكر عنهم غير هذا المعنى، وإنما اختلفوا في التعبير عن وصف هذا الطيرِ، والله أعلم. ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (2:96 - 97).
(3)
ذكره الثعلبي في تفسيره عند هذه الآية عن مؤرِّج، ينظر: الكشف والبيان، للثعلبي، مخطوط المكتبة المحمودية في المدينة النبوية (1 لوحة: 69 ب)، وهذا النقل عن كتاب مؤرِّج السدوسي «غريب القرآن» ، وهو أحد مصادر الثعلبي، وقد نصَّ عليه في مقدمة تفسيره: الكشف والبيان، كما سبق، وقد نقله القرطبي في تفسيره (1:407).
(4)
تهذيب اللغة (13:68).
4 -
وفسَّرَ أبو عبيدةَ (ت:210) قولَ اللهِ تعالى: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} [البقرة: 189]، فقال:«أي اطلبوا البِرَّ منْ أهلِه ووجهِه، ولا تطلبوه عندَ الجهلةِ المشركينَ» (1).
وفسَّرَه بعضهم على «أنَّ البيوتَ كنايةٌ عنِ النِّسَاءِ، ويكونُ المعنى: وأتوا النِّسَاءَ منْ حيثُ أمرَكم اللهُ، والعربُ تُسَمِّي المرأةَ بيتاً، قالَ الشاعرُ (2):
مَا لِي إذَا أنْزِعُهَا صَأيتُ
…
أكِبَرٌ غَيَّرَنِي أمْ بَيتُ
أراد بالبيتِ المرأةَ» (3).
وهذانِ التفسيرانِ لا يحملانِ لفظَ البيوتِ على الحقيقةِ، بل يجعلانه من اتساعِ العربية في المجازِ والكنايةِ، وهذا مخالفٌ لما وردَ عن السَّلفِ من حملهم البيوت على الحقيقة اعتماداً على سببِ نزول الآيةِ (4).
وكلا هذينِ القولينِ يَظْهَرُ منهما عدمُ العملِ بسببِ النزولِ الواردِ في الآيةِ الذي يدلُّ على أنَّ المرادَ بالبيوتِ البيوتُ المسكونةُ، ولو لم يكنِ السَّبَبُ وارداً لاحتملَ ما قالوا، وإنما ذهبوا إلى ذلكَ التَّفسيرِ لعدمِ العملِ بما وردَ من التَّفسيرِ عنِ السَّلفِ الذي يجعلُ اللَّفظَ على حقيقتِهِ.
(1) مجاز القرآن (1:68).
(2)
الرجز بلا نسبة في عِدَّة مراجع: جمهرة اللغة (241، 257)، وديوان الأدب، للفارابي (3:298)، وغيرها. وهو يصف دلواً إذا نزعها صأى؛ أي: سمع لنفسه صوتاً.
(3)
أمالي الشريف المرتضى (1:378) وهو يُكثر من المحتملات الضعيفة، لغوية أو غيرها.
(4)
ورد للآية أكثر من سبب، والجمهور على أنه بسبب اعتقاد المشركين في الإحرام، أي أن المحرم لا يدخل بيته من الباب، بل يفتح له باباً من ظهره ويدخل منه، ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (3:555 - 560).