الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثالثاً شروح دواوين الشعر
تعتبرُ شروحُ دواوينِ الشِّعْرِ أحدَ المصادرِ اللُّغويَّةِ في بيانِ معاني الألفاظِ؛ لأنَّ الشَّارحَ يَعْمَدُ إلى ألفاظِ شِعْرِ الشَّاعرِ ويبين معانيها، ولو جُمِعَتْ شروحُ هذه الألفاظِ لكوَّنَتْ معجماً يُرادفُ المعاجمَ الموجودةَ (1).
وقدْ قُمْتُ بقراءةِ عِدَّةِ شروحٍ من شروحِ الأشعارِ (2)، فظهرَ لي منْ خلالِ هذا التتبُّعِ أنَّ طريقتَهم لا تخرجُ ـ في الغالب ـ عنْ طريقةِ أصحابِ المعاجمِ، كما أنَّ الألفاظَ القرآنيَّةَ المشروحةَ قليلةٌ؛ لأنها ليستِ الأصلَ في الشَّرحِ، بل تَرِدُ استطراداً عندَ ذِكْرِ لفظِ الشَّاعرِ المشروحِ، وسأذكر أمثلةً من بعضِها؛ لاتفاقِ منهجِها ـ في الغالب ـ؛ ومنْ أمثلةِ ذلكَ:
1 -
في قولِ ذي الرُّمَّةِ (ت:117)(3):
(1) ينظر مثلاً: فهرس الألفاظ المشروحة (ص:2078 - 2184) في ديوان ذي الرمة، شرح أبي نصر أحمد بن حاتم الباهلي، تحقيق: د. عبد القدوس أبو صالح، ط: دار الرسالة.
(2)
منها على سبيل المثال: ديوان العجاج، شرح الأصمعي، وشعر عروة بن الورد، شرح ابن السكيت، وديوان الحطيئة، شرح ابن السكيت، وديوان جران العَودِ، شرح السكري، وديوان الخنساء، شرح ثعلب، وديوان حاتم الطائي، شرح يحيى بن مدرك الطائي، وغيرها.
(3)
البيت في ديوان ذي الرُّمة، شرح الباهلي، تحقيق: عبد القدوس أبو صالح (ص:357).
هَلْ تَعْرِفُ الْمَنْزِلَ بِالْوَحِيدِ
…
ثَغْراً عَفَاهُ أَبِدَ الأَبِيدِ
قال شارحُ الديوانِ: أحمدُ بنُ نصرٍ الباهليُّ (ت:231)(1): «الوحيد: مكانٌ.
والأبد: الدَّهر، قال: دَهْرُ الدُّهورِ.
عَفَاهُ: دَرَسَهُ.
وعَفَا ـ في غيرِ هذا الموضعِ ـ: زَادَ، قَالَ تعالى:{حَتَّى عَفَوْا} [الأعراف: 95]؛ أي: كَثُرُوا» (2).
2 -
وقال في قولِ ذي الرُّمَّةِ (ت:117):
وَلَبَّسَ بَينَ أَقْوَامٍ، فَكُلٌ
…
أَعَدَّ لَهُ السِّفَارَةَ الْمِحَالَا
قال: «اللَّبسُ: الاختلاطُ.
والسِّفارة: الصُّلحُ بين القومِ، يقالُ: سَفَرَ يَسْفُرُ سِفَارَةً. ويروى: الشَّغَازِبَ؛ أي: الكيدَ والخصومةَ.
والمِحَالُ: الجدالُ، قالَ اللهُ:{وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} [الرعد: 13]، وأصلُهُ: المُكَاظَّةُ والأخذُ بالنَّفْسِ» (3).
3 -
وفي بيت الحُطَيئَةِ:
أَبْلِغْ سَرَاةَ بَنِي سَعْدٍ مُغَلْغَلَةً
…
جَهْدَ الرِّسَالَةِ لَا أَلْتاً وَلَا كَذِباً
(1) أحمد بن حاتم الباهلي، أبو نصر، اللغوي، كان ثقةً مأموناً، أخذ عن أبي عبيدة والأصمعي، حتى كان يقال له: صاحب الأصمعي، له تآليف، منها: اشتقاق الأسماء، وما تلحن فيه العامة. ينظر: مراتب النحويين (ص:133 - 143)، ومعجم الأدباء (2:283 - 285).
(2)
ديوان ذي الرمة، شرح أبي نصر الباهلي، تحقيق: د. عبد القدوس أبو صالح: (ص:357).
(3)
ديوان ذي الرمة، شرح أبي نصر الباهلي (ص:1544). وينظر: (ص:32، 1047، 1120، 1546، 1733).
قال ابنُ السِّكِّيتِ (ت:246): «مُغَلْغَلَةً: رسالةً تَتَغَلْغَلُ إليهم حتى تَصِلَ؛ أي: تَخَلَّلُ.
والأَلْتُ: النُّقصانُ، يقالُ: أَلَتَهُ يَالِتُهُ أَلْتاً، وَلَاتَهُ لَيتاً، وأَلاتَهُ، يُلِيتُهُ إِلَاتَةً. قال الله تعالى:{لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ} [الحجرات: 14]؛ أي: يَنْقُصُكُم، وقال في موضع آخر:{وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ} [الطور: 21]» (1).
4 -
وقالَ عندَ قولِ الحُطَيئَةِ:
لهم سُورَةٌ في المجدِ لَوْ تُرْتَدَى بها
…
بَرَاطِيلُ جَوَّابٍ، نَبَتْ، ومَنَاقِرُه
قال: «وقوله: لو يُرتدَى بها براطيلُ؛ أرادَ: لو يُرتدَى ببراطيل جوَّابٍ نَبَتْ البراطيلُ والمناقرُ.
والبراطيلُ: جمع بِرْطِيل، وهو المِعْولُ، والبِرْطِيلُ أيضاً: حَجَرٌ طويلٌ قَدْرَ الذِّراع.
والمنقار: الذي يُنْقَرُ به الحجرُ.
والجوَّاب: الذي يجوبُ الرَّكَايَا؛ أي: يحفرُها ويخرقُها، قالَ اللهُ تعالَى:{جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ} [الفجر: 9]؛ أي: خَرَقُوا» (2).
5 -
قالت الخنساءُ:
إنَّ أخِي لَيسَ بِتَرْعِيَّةٍ
…
نِكْسٍ هَوَاءِ القَلْبِ ذِي مَاشِيهْ
قال ثعلب (ت:291) في شرحه: «وقوله (3): هواء القلب؛ أي لا فؤادَ
(1) ديوان الحطيئة برواية وشرح ابن السكيت، تحقيق: د. نعمان محمد أمين طه (ص:16).
(2)
ديوان الحطيئة برواية وشرح ابن السكيت، تحقيق: د. نعمان محمد أمين طه (ص:30).
وينظر: (ص:22، 32، 42، 71، 178، 196، 216، 237، 245).
(3)
كذا وردت في النسخة، والأولى: قولها؛ لأنه يشرح ديوان امرأةٍ، واللهُ أعلمُ.
له، قلبُه خالٍ، قال اللهُ عز وجل:{وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} [إبراهيم: 43]؛ أي: خاليةٌ، لا تعي شيئاً» (1).
وعلى هذا الأسلوبِ سارتْ أكثرُ الأمثلةِ التي أوردَها شُرَّاحُ الدواوينِ الشعريَّةِ، وهي أقربُ إلى أسلوب كتبِ معاجمِ اللُّغةِ وكتبِ غريبِ القرآنِ.
(1) شرح ديوان الخنساء، لثعلب، تحقيق: فايز محمد (ص:241). وقال ثعلب في شرح ألفاظ البيت: الترعية: الذي يلزم رِعيةَ الإبل، ويُحسن القيام بها، والنَّكْسُ: الضعيف.