المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أثر المعتقد في التفسير اللغوي عند الفراء: - التفسير اللغوي للقرآن الكريم

[مساعد الطيار]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الأولالتفسير اللغوي: مكانته ونشأته

- ‌الفصل الأولالتفسير اللغوي ومكانته

- ‌المبحث الأولتعريفُ التَّفسير اللُّغويِّ

- ‌أولاً: تعريف التفسير:

- ‌التفسير لغةً:

- ‌التفسير اصطلاحاً:

- ‌تحليل هذه التعريفات:

- ‌ثانياً: تعريف اللغة:

- ‌اللغة اصطلاحاً:

- ‌مصطلحُ اللُّغةِ في كلامِ السَّلفِ:

- ‌المعاني المرادفةِ للفظِ اللُّغةِ في القرآن وكلامِ السَّلفِ:

- ‌ثالثاً: تعريف التفسير اللغوي:

- ‌المبحث الثانيمكانة التَّفسير اللُّغويِّ

- ‌الفصل الثانينشأةُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ

- ‌تمهيد

- ‌أولاً: التَّفْسِيرُ اللُّغَوِيُّ عِنْدَ السَّلفِ

- ‌طريقة السَّلفِ في التَّفسير اللُّغويِّ:

- ‌أسلوبُ الوجوه والنَّظائر

- ‌الأشباهُ والنَّظائرُ في اللُّغةِ:

- ‌الوجوهِ والنَّظائر في الاصطلاح:

- ‌بداية الكتابة في هذا العلم:

- ‌علاقةُ الوجوهِ والنَّظائر بالتَّفسير اللُّغويِّ:

- ‌كُلِّيَّات الألفاظِ القرآنيَّة:

- ‌ثانياً: التَّفسيرُ اللُّغويُّ عند اللُّغوِيين

- ‌تمهيد

- ‌أولاً: التفسيرُ اللغويُ في كتبِ الموضوعات:

- ‌ثانياً: التفسير اللغوي في معاجم الحروف:

- ‌القسمُ الثانيالمشاركة المباشرة في تفسير القرآن

- ‌طريقةُ التَّفسير اللُّغويِّ في هذه الكتبِ:

- ‌أولاً: كثرةُ مباحثِ الصَّرفِ والاشتقاقِ:

- ‌ثانياً: كثرة المباحث النحوية:

- ‌ثالثاً: كثرةُ الاستشهادِ منْ لغةِ العربِ:

- ‌رابعاً: بيانُ الأساليبِ العربيَّةِ الواردةِ في القرآنِ:

- ‌ التَّفسيرُ على المعنى

- ‌ علم الوجوه والنَّظائر عند اللُّغويِّين:

- ‌ أسلوبُ التَّفسير اللَّفظيِّ عند اللُّغويِّين:

- ‌الفصل الثالثمسائل في نشأة التفسير اللغوي

- ‌المسألة الأولىفي سَبْقِ السَّلفِ في علمِ التَّفسيرِ

- ‌المسألة الثانيةشمولُ التَّفسيرِ بين السَّلفِ واللُّغويِّين

- ‌المسألة الثالثةفي الاعتمادِ على اللُّغةِ

- ‌المسألة الرابعةفي الشَّاهِد الشِّعريّ

- ‌المسألة الخامسةفي علمِ الوجوهِ والنَّظائرِ

- ‌المسألة السادسةالتَّفسيرُ اللُّغويُّ بين البصرةِ والكوفةِ

- ‌المصدرُ الأولكتب التفسير

- ‌ وجوهِ تأويلِ القرآنِ

- ‌الأولى: الاستشهادُ بأقوالِ السَّلفِ في التَّفسير اللُّغويِّ:

- ‌الثَّانية: قَبُولُ المحتملاتِ اللُّغويةِ الواردةِ عنِ السَّلفِ:

- ‌الثالثةُ: استعمالُ اللُّغةِ في التَّرجيحِ:

- ‌ كثرةُ استخدامِه لأسلوبِ السؤالِ والجوابِ

- ‌ كثرةُ ذكرِه للفروقِ اللُّغويَّةِ بين الألفاظِ

- ‌ الشَّواهد الشِّعريَّةِ:

- ‌ الأساليبُ العربيَّةُ:

- ‌أثر المعتقد في التَّفسير اللُّغويِّ عند الرُّمَّانيِّ:

- ‌أوَّلاً: مفردات ألفاظ القرآن:

- ‌ثالثاً: الترجيح باللغة:

- ‌المصدر الثانيكتب معاني القرآن

- ‌أوَّلاً المراد بمعاني القرآن

- ‌ثانياً لِمَاذَا كَتَبَ اللُّغَوِيُّونَ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ

- ‌أولاً معاني القرآن، للفراء

- ‌أثرُ الاهتمامِ بعلومِ العربيَّةِ في تفسيراتِه:

- ‌صُوَر التَّفْسِير اللُّغويِ في كِتابِ مَعَاني القُرْآنِ:

- ‌أثرُ المعتقدِ في التفسير اللُّغويِّ عند الفرَّاءِ:

- ‌ثانياً مَعَانِي القُرْآنِ لِلاخْفَشِ

- ‌أثرُ المعتقدِ على التَّفسير اللُّغويِّ عند الأخفشِ:

- ‌ثالثاً مَعَانِي القُرْآنِ وَإعْرَابُهُ للزَّجَّاجِ

- ‌أثر المعتقد على التفسير اللُّغوي عند الزَّجَّاج:

- ‌المصدر الثالثكتب غريب القرآن

- ‌أوَّلُ كُتُبِ غَرِيبِ القُرْآنِ:

- ‌أولاً مَجَازُ القُرْآنِ لأبِي عُبَيْدَةَ

- ‌مفهومُ المجازِ عند أبي عبيدة:

- ‌أثر المعتقد على دلالة الألفاظ عند أبي عبيدة:

- ‌ثانياً تَفْسِيرُ غَريبِ القُرآنِ، لابن قُتَيْبَةَ

- ‌ بيان الأصلِ اللغويِّ للَّفظِ:

- ‌ كثرةُ الشَّواهدِ الشِّعريَّةِ:

- ‌أثر المعتقد على التَّفسير اللُّغويِّ عند ابن قتيبة:

- ‌ اهتمامِه بالوجوه والنَّظائر

- ‌المصدرُ الرابعكتب معاجم اللغة

- ‌تَحَرُّزُ ابنِ دريدٍ في التفسير:

- ‌ كثرةُ موادِّهِ اللُّغويَّةِ

- ‌ أنَّه أوسعُ مِمَّنْ تقدمه في عَرْضِ التَّفسيرِ

- ‌المصدرُ الخامسكتب أخرى لها علاقة بالتَّفسيرِ اللُّغويِّ

- ‌أولاً كتب غريب الحديث

- ‌ثانياً كتب الاحتجاج للقراءات

- ‌ثالثاً شروح دواوين الشعر

- ‌رابعاً كُتُبُ الأدَبِ

- ‌الباب الثالثآثار التفسير اللغوي وقواعده

- ‌الفصل الأولأثرُ التَّفسيرِ اللُّغويِّ في اختلافِ المفسرينَ

- ‌أوَّلاً الاختلافُ بسببِ الاشتراكِ اللُّغويِّ في اللَّفظِ

- ‌ثانياً الاختلافُ بسببِ التَّضادِّ في دلالةِ اللَّفظِ

- ‌ثالثاً الاختلافُ بسببِ مخالفةِ المعنى الأشهر في اللَّفظ

- ‌الفصل الثانيأثر التفسير اللغوي في انحراف المفسرين

- ‌الصنف الثاني: أهل البدع:

- ‌الفصل الثالثقواعد في التفسير اللغوي

- ‌أولاً كلُّ تفسيرٍ لغويٍّ واردٍ عن السَّلفِ يُحكمُ بعربيَّته وهو مقدَّمٌ على قولِ اللُّغويين

- ‌تطبيقُ طريقةِ التَّعاملِ مع أقوالِ السَّلف التَّفسيريَّة:

- ‌ أنواع الاختلافِ

- ‌القسمُ الأول: المحتملات اللغوية الواردة عن السلف:

- ‌القسم الثاني: المحتملات اللغوية الواردة عن غير السلف:

- ‌الضابط الثالث: أن تحتمل الآية المعاني في السياق:

- ‌الضابط الرابع: أن لا يُقصَرَ معنى الآية عليها:

- ‌ثالثاً لا يصحُّ اعتمادُ اللغةِ دونَ غيرهَا من المصادرِ التفسيريَةِ

- ‌ منْ أهمِّ مصادرِ التَّفسيرِ

- ‌ مخالفة المصطلحات الشرعيَّة:

- ‌ مخالفة أسباب النُّزول:

- ‌ مخالفة تفسير السَّلف:

- ‌رابعاً لا تعارض بين التفسير اللَّفظي والتفسير على المعنى

- ‌ التفسيرُ على القياسِ والإشَارةِ:

- ‌ التَّفسيرُ على اللَّفظِ:

- ‌ التَّفسيرُ على المعنى:

- ‌ هل يمكنُ معرفةُ التفسيرِ اللَّفظيِّ بواسطةِ التَّفسيرِ على المعنى

- ‌ كيف نُفرِّقُ بين التَّفسيرِ على اللَّفظِ والتَّفسيرِ على المعنى

- ‌ لا بدَّ من وجودِ ارتباط بين التَّفسيرِ على المعنى والتَّفسيرِ اللَّفظي

- ‌أمثلةُ التَّفسير على المعنى:

- ‌الأول: التفسيرُ باللاّزمِ:

- ‌الثاني: التفسيرُ بالمثالِ:

- ‌الثالث: ذكر النُّزول:

- ‌خاتمة البحث

- ‌فهرس القواعد العلمية

- ‌فهرس مسائل الكتاب العلمية

- ‌المراجع والمصادر

الفصل: ‌أثر المعتقد في التفسير اللغوي عند الفراء:

فَبَصْرَةُ الأزْدِ مِنَّا، والعِرَاقُ لَنَا

وَالمَوْصِلَانِ وَمِنَّا مِصْرُ وَالْحَرَمُ

يريدُ: الجزيرةَ، والموصل» (1).

وفي هذا المثال صوَّب الفراءُ (ت:207) أنَّ المشرقينِ: المشرقُ والمغربُ، وغلَّبَ اسمَ المشرقِ عليها كما هو سبيلُ العربِ في تغليبِ الشيئينِ المتصاحبينِ.

وهناك أساليبُ أخرى تعرَّضَ لها الفرَّاءُ (ت:207) غيرَ هذه؛ كالحذفِ (2)، والإضمارِ (3)، والتَّكنيةِ عن الشَّيءِ الذي عُرف اسمه وإن لم يَجُرِ له ذِكْرٌ (4)، والتَّقديمِ والتَّأخيرِ (5)، وغيْرِها، والمقصودُ هنا التَّمثيلُ لبعضِ هذه الأساليبِ، وقدْ يَمُرُّ غيرُها في ثنايا البحثِ، واللهُ الموفِّقُ.

‌أثرُ المعتقدِ في التفسير اللُّغويِّ عند الفرَّاءِ:

إنَّ كتبَ التراجمِ قدْ تذكرُ بعض التُّهَمِ التي يُرمَى بها عالمٌ دون التَّثَبُّتِ من تلك الروايةِ؛ لأنَّ الغالب على التصنيفِ في هذه التراجمِ جمعُ ما وردَ من أخبارِ العالِم، دونَ التَّحقُّقِ من صحَّتِهِ، وإنْ كانَ لا يخلو فيها النقدُ، وهو قليلٌ، لكنَّه ليسَ الأصلَ.

وقد يرد في ما رُوِيَ عن العالِمِ المتَّهمِ ما يردُّ هذا الزعمَ؛ كالتُّهمة التي

(1) معاني القرآن (3:33). وينظر: تفسير الطبري، ط: الحلبي (25:74). وقد نقل قوله ولم يشر إليه. ثم ينظر: الغريب المصنف، لأبي عبيد القاسم (3:674 - 677). والصاحبي في فقه اللغة (ص:120 - 121)، والمخصص، لابن سيده، ط: دار الفكر، (13:227). ثم ينظر أمثلة أخرى عند الفراء في معانيه (1:14، 19، 61، 119، 181، 204، 230)، (2:72 - 73، 417)، (3:48، 49، 78، 114، 130، 234).

(2)

ينظر: على سبيل المثال (1:207)، (2:204).

(3)

ينظر: على سبيل المثال (1:13، 230).

(4)

ينظر: على سبيل المثال (3:285).

(5)

ينظر: على سبيل المثال (3:214).

ص: 298

نُسِبت إلى عكرمة (ت:105)، حتى شنأهُ بها الناس، فلم يشهد جنازته كبير أحدٍ (1)، فقد قيل إنه يرى رأيَ الخوارج (2).

وإذا عرضت هذه التُّهمةَ على ما رواه البخاري (ت:256) عن محمد بن عبد الرحمن الأسدي (3)، قال:«قُطعَ على أهلِ المدينة بعثٌ، فاكْتُتِبَتُ فيه، فلقيتُ عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ، فأخبرتُهُ، فنهاني عن ذلك أشدَّ النهي، ثمَّ قال: أخبرني ابنُ عباسٍ أنَّ ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يُكثِرون سوادَ المشركينَ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، يأتي السَّهمُ فيُرمَى به، فيصيبُ أحدهم، فيقتله، أو يُضرَبَ فيُقتَل، فأنزل الله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} [النساء: 97]» (4).

قال ابن حجر (ت:852): «وفي هذه القصَّةِ دلالةٌ على براءةِ عكرمةَ مما نُسِبَ إليه من رأي الخوارجِ؛ لأنه بالغَ في النَّهي عن قتالِ المسلمينَ، وتكثيرِ سوادِ من يقاتلُهم. وغرضُ عكرمةَ: أنَّ الله ذمَّ من كثَّرَ سوادَ المشركين مع أنهم كانوا لا يريدونَ بقلوبِهم موافقَتَهم، قال: فكذلك أنت لا تكثرْ سوادَ هذا الجيشِ، وإن كنت لا تريد موافقتَهم؛ لأنهم لا يقاتلونَ في سبيلِ الله» (5).

والفرَّاءُ (ت:207) قد نُسِبَ إلى الاعتزالِ (6)، فذكرَه المَرْزُبَانيُّ المعتزليُّ

(1) تهذيب الكمال (5:216).

(2)

ينظر مثلاً: تهذيب الكمال (5:213).

(3)

محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، أبو الأسود القرشي الأسدي، كان يقال له: يتيم عروة بن الزبير؛ لأنَّ أباه أوصى به إليه، روى عن: عروة وسالم بن عبد الله وغيرهما، وعنه: شعبة بن الحجاج والزهري وغيرهما، ثقة، توفي سنة مائة وبضع وثلاثين. ينظر: تهذيب الكمال (6:408)، وتقريب التهذيب (ص:871).

(4)

أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: إنَّ الذين توفاهم الملائكة

، ينظر: فتح الباري (8:111).

(5)

فتح الباري (8:122 - 113).

(6)

إنباه الرواة (4:13).

ص: 299

(ت:384)(1) في كتابِه، وقال:«كان يميلُ إلى الاعتزالِ» (2).

وقال ياقوتُ الحمويُّ (ت:626)(3): «وكان الفرَّاءُ فقيهاً، عالماً بالخلافِ وبأيامِ العربِ وأخبارِها وأشعارِها، عارفاً بالطِّبِّ والنجومِ، متكلِّماً يميل إلى الاعتزالِ» (4).

ويظهرُ أنَّ هذه التُّهمةَ لم تنشأ من فراغٍ؛ لأنَّه جالسَ الخليفةَ العبَّاسيَّ المأمونَ (ت:218) وألَّفَ له (5)، وكان المعتزلةُ ندماءَ الخليفةِ، وكانتْ صوْلتُهم وقوَّةُ شوكتِهم في عصرِه، فهل تأثَّرَ بهم؟

قال الجاحظ (ت:255)(6): «دخلت بغداد حين قَدِمَها المأمونُ سنة أربعٍ ومائتين، وكان بها الفرَّاء، فاشتهى أن يتعلم الكلام، ولم يكن له طبع فيه» (7).

(1) محمد بن عمران بن موسى المرزباني، صاحب التصانيف، له في أخبار النحاة واللغويين والنسابين كتاباً في عشرين مجلدة، وكان معتزليًّا، وصنف كتاباً في أخبارهم، توفي سنة (384)، ينظر: تاريخ بغداد (3: 135 - 136)، وإنباه الرواة (3: 180 - 184).

(2)

ينظر: إنباه الرواة (4: 13).

(3)

ياقوت الحموي، أبو عبد الله الرومي، كان من سبي الروم، فاشتراه تاجر يقال له: عسكر، وأدخله الكتَّاب ليتعلَّم القراءةَ والكتابةَ ليعينه في تجارته، وترقى في التعلُّم حتى ألف الكتب، واستفاد في ذلك من أسفاره، توفي بحلب سنة (626). ينظر: إنباه الرواة (4: 80 - 98)، وشذرات الذهب (5: 121 - 122).

(4)

معجم الأدباء (20: 11).

(5)

هذا معروفٌ في ترجمةِ الفراءِ، وينظر مثالاً لذلك: معجم الأدباء (20:11 - 12).

(6)

عمرو بن بحر، أبو عثمان، المعروف بالجاحظ، البصري المعتزلي، صاحب التصانيف الرائقة، كان ماجناً قليل الدين، وكان ذا علمٍ كثيرٍ، من أشهر كتبه: البيان والتبيين، والحيوان، توفي سنة (255). ينظر: تاريخ بغداد (12: 212 - 220)، وسير أعلام النبلاء (11: 526 - 530).

(7)

إنباه الرواة (4: 14)، وهذا الخبرُ يعني أن الفراء كان كبير السنِّ؛ لأنه توفي سنة (207).

ص: 300

وعندَ تمحيصِ هذا الاتهامِ، تجدُ أنه قال عن نفسِه:«كنت أنا وبشرٌ المريسيُّ (1) في بيت واحدٍ عشرين سنةً، ما تعلَّمَ مني شيئاً، ولا تعلَّمتُ منه شيئاً» (2).

وهذا يعني أنَّه لم يستفِدْ منه في علمِ الكلامِ، ولكنَّ مخالطَةَ القومِ قد يكونُ لها أثرٌ من حيثُ لا يشعرُ المرءُ، فقدْ يقعُ في كلامِه من آرائهِم ما لم يحتسب له، ولا أدركَهُ، ويفسِّرُ هذا ما أوردَه الشَّريفُ المرتضى المعتزليُّ (ت:436) (3)، وهو يوجِّه قولَ اللهِ تعالى:{وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف: 23، 24] على ما يوافقُ مذهبَ المعتزلةِ، قال: «

أن نجعلَ حرفَ الشرطِ الذي هو «إن» متعلقاً بما يليه، وبما هو متعلقٌ به في الظاهرِ، من غيرِ تقديرِ محذوفٍ، ويكون التقديرُ: ولا تقولن إنكَ تفعلُ إلَاّ ما يريد اللهُ.

وهذا الجواب ذكره الفرَّاء (4)، وما رأيته إلَاّ له، ومن العجبِ تغلغُلُهُ إلى

(1) بشر بن غياث بن أبي كريمة، أبو عبد الرحمن المَرِيسي، المتكلم المعتزلي، كان من كبار الفقهاء، ثم نظر في الكلام، فغلب عليه، وانسلخ من الورع والتقوى، وجرَّد القول بخلق القرآن، ودعا إليه، حتى كان عين الجهمية في عصره، فمقته أهل العلم، وكفَّره بعض العلماء، وله تصانيف، منها: المعرفة، والرد على الرافضة، ينظر: تاريخ بغداد (7: 56 - 67)، وسير أعلام النبلاء (10: 199 - 202).

(2)

إنباه الرواة (4: 14).

(3)

علي بن حسين، أبو طالب الحسيني الموسوي، المعروف بالشريف المرتضَى، كان صاحب فنون، وكان رافضيًّا، معتزليًّا، شاعراً، وكانت له نقابة الطالبيين، وقد نُسب إليه وضع كتاب «نهج البلاغة» ، المنسوب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، توفي سنة (436). ينظر: تاريخ بغداد (11: 402 - 403)، وسير أعلام النبلاء (17: 588 - 590).

(4)

قال الفراء في معانيه (2: 138): «وقوله: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}: إلَاّ أن تقول: إن شاءَ اللهُ، ويكون مع القولِ: ولا تقولنَّه إلَاّ أن يشاءَ اللهُ؛ أي: ما يريدُ اللهُ» .

ص: 301

مثلِ هذا، مع أنه لم يكنْ متظاهراً بالقولِ بالعدلِ

» (1).

وهذا الكلامُ من الفرَّاءِ (ت:207)، لو حُمِلَ على ما قاله الشَّريفُ المرتضى (ت:436)، لما كانَ دليلاً على اعتزالِه، وإنما فيه دليلٌ على تأثُّرِه بالاعتزالِ، وممَّا يمكنُ أن يُستدلَّ به من كتابه (معاني القرآن) على براءتِه من الاعتزالِ ما يأتي:

1 -

أنَّه قدْ نصَّ في كتابِه على الردِّ على أهلِ القَدَرِ، فقال: «وقوله تبارك وتعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]: إلَاّ ليوحدوني، وهذه خاصة، يقول: وما خلقت أهل السعادة من الفريقين إلَاّ ليوحدوني.

وقال بعضهم: خلقهم ليفعلوا، ففعل بعضهم وترك بعضٌ.

وليسَ فيه لأهلِ القَدَرِ حجةٌ» (2).

أي: وليس في القولِ الثاني حجةٌ لأهلِ القدرِ، لأنَّه قال: ففعل بعضهم وترك بعضٌ، فنسب الفعل إليهم.

2 -

ومن ذلك تفسيرِه لقوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26]، فقد ذكرَ فيها أثراً عن أبي بكر الصِّديق، أنّ الزيادةَ: النَّظرُ إلى وجه الرَّبِّ تبارك وتعالى (3). ولم يعترضْ عليه، والمعتزلةُ ينكرونَ الرُّؤيةَ، ولا يحتجُّونَ بمثلِ هذه الآثارِ.

3 -

وفي قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ} [هود: 20]، قال: «

(1) أمالي الشريف المرتضى (2:120).

(2)

معاني القرآن، للفراء (3:89).

(3)

ينظر: معاني القرآن (1:461). وقد ذكر قولاً آخر، فقال:«ويقال: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى}؛ يريد: حسنةً مثلَ حسناتهم، {وَزِيَادَةٌ}: زيادة التضعيف؛ كقوله: {فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}» . وهذا القول مرويٌّ عن ابن عباس وعلقمة بن قيس وقتادة، ينظر: تفسير الطبري، تحقيق شاكر (15:70).

ص: 302

ويقال: ما كانوا يستطيعونَ السَّمعَ وما كانوا يبصرون؛ أي: أضلَّهم اللهُ عن ذلكَ في اللَّوحِ المحفوظِ» (1).

وقد حكى نسبةَ الإضلالِ إلى اللهِ سبحانَهُ، والمعتزلةُ يخالفونَ في ذلكَ، ولو كان الفرَّاءُ (ت:207) منهم لما ذكرَ هذا القولَ، أو لَرَدَّ عليه، ويشبهُ هذا ما وردَ عنه في:

* قوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27]، قال:«وقوله: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}، يقال: بلا إله إلَاّ الله، فهذه في الدنيا، وإذا سئلَ عنها في القبرِ بعدَ موته، قالها إذا كان من أهل السعادةِ، وإذا كانَ من أهل الشَّقاوةِ لم يقلْها، فذلك قوله عز وجل: {وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ} عنها؛ أي: عن قولِ لا إله إلا الله، {وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ}؛ أي: لا تُنكرُ له قدرةٌ، ولا يُسألُ عمَّا يفعلُ» (2).

* وقوله تعالى: {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} [الحج: 18]، قال:«يقولُ: ومن يُشْقِهِ اللهُ فما له من مُسْعِدٍ» (3).

4 -

وفي قوله تعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ} [الدخان: 29]، ذكرَ أثرينِ في تفسيرِها (4)، أحدهما عن ابن عباس (ت:68)، والآخر عن سعيد بن جبير (94)، وهذان الأثران يدلَاّن على وقوعِ البكاءِ حقيقةً (5)، وأهلُ الاعتزال لا يقولون بهذا القولِ، بل يحملُون مثلَ هذه الآيةِ على المجازِ (6).

وهذه النُّصوصُ وغيرها تدلُّ على أنَّ الفراءَ (ت:210) لم يكنْ معتزليَّاً، وإن كانَ وقع منه شيءٌ، فبسببِ قُربِه منهم، ومخالطته لهم، والله أعلمُ.

(1) معاني القرآن (2:8).

(2)

معاني القرآن (2:8).

(3)

معاني القرآن (2:219).

(4)

معاني القرآنِ (3:41). والأثرانِ عن ابن عباسٍ من طريق الكلبي، وعن سعيد بن جبير.

(5)

ومثلها ما ذكره في تفسير قوله تعالى: {سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} ، قال:«هو كتغيُّظِ الآدميِّ إذا غضبَ، فغلى صدرُه، وظهرَ كلامُه» . معاني القرآنِ (2:263).

(6)

سيأتي ذكرُ قولِ المعتزلةِ في هذه الآياتِ وغيرها في فصل (الانحراف اللغوي).

ص: 303