الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3 -
هارونُ بن موسى الأعورُ (ت:170 تقريباً)(1)، وكتابه: الوجوه والنَّظائر.
4 -
يحيى بنُ سلامٍ (ت:200)، وكتابه: تفسيرُ القرآن مما اشتبهت أسماؤه وتصرَّفت معانيه، وقد عَنْوَنَتْ له المحقِّقَةُ بعنوان (التَّصاريف) بناءً على ما جاء في أول ورقة من المخطوطِ.
علاقةُ الوجوهِ والنَّظائر بالتَّفسير اللُّغويِّ:
يظهر من كُتبِ هذا العلمِ أنَّ البحثَ فيه يتعلَّقُ بالنَّصِّ القرآنيِّ مباشرةً، حيثُ يستنبطُ المفسِّرُ معانيَ الوجوهِ والنَّظائرِ من الآيات مباشرةً، ويقتنصُها من السِّياقِ القرآنيِّ الذي وردت فيه اللَّفظةُ، ولذا كثُرتْ عندهم الوجوهُ في بعضِ الألفاظِ بسببِ النَّظرِ إلى الاستعمالِ السِّياقيِّ، دون الاقتصارِ على أصلِ المدلولِ اللُّغويِّ (2).
وعند بحثِ علاقةِ الوجوهِ والنَّظائرِ القرآنيَّةِ باللُّغةِ، فإنَّ الأمرَ فيه جانبانِ مرتبطانِ باللُّغةِ:
(1) هارون بن موسى، أبو عبد الله البصري، القارئ، النحوي، كان أول من سمع بالبصرة وجوه القراءات، وألَّفها، وتتبع الشاذَّ منها فبحث عن إسناده، مات قبل المائتين، وقيل سنة (170)، ينظر: غاية النهاية (2:348)، ومقدمة الدكتور حاتم الضامن لتحقيق كتاب هارون: الوجوه والنظائر.
(2)
ذكر الزَّركشيُّ في كتابه «البرهان في علوم القرآن» ميزةً في كتابِ مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهانيِّ، وهي أنه يتصيَّد المعاني من السياقِ، فيذكر قيداً زائداً على أهلِ اللغةِ، قال: «
…
ومن أحسنها كتاب المفردات للراغب، وهو يتصيدُ المعاني من السياق؛ لأنَّ مدلولات الألفاظِ خاصة». (1:291).
وقال في موطن آخر: «
…
وهذا يُعنى به الراغب كثيراً في كتابه المفردات، فيذكر قيداً زائداً على أهل اللغة في تفسير مدلول اللفظ؛ لأنه اقتنصه من السياق»، (2:172).
وهذه الميزةُ التي ذكرها للراغبِ هي عينُ ما يكتبه علماءُ الوجوه والنظائرِ فيما يبدو لي.
الأولُ: الأصلُ الجامعُ لمعنى اللَّفظِ في لغةِ العربِ، ومعرفةُ علاقةِ هذه الوجوهِ بهذا الأصلِ (1).
الثاني: أنَّ بعضَ هذه الوجوهِ تكونُ دلالاتٍ لغويَّةً مباشرةً، وقد تتعدَّدُ الوجوهِ بتعدُّد هذه الدلالاتِ، والنَّظرُ في ذلكَ يرجعُ إلى استعمالِ العربِ حسبما قرَّرهُ أهلُ اللُّغةِ.
وإذا وُجِدَ في كُتبهم شيءٌ من الوجوهِ لا يوجدُ له دلالةٌ مباشرةٌ في كتبِ أهل اللُّغةِ، فإنَّ هذا لا يعني خروجَه عن اللُّغةِ (2)، ولكنْ يُلْحَظُ أنَّهُ لا بدَّ من وجودِ ارتباطٍ بينه وبينَ أصلِ المعنى اللُّغويِّ.
وسأذكر من الأمثلةِ ما يوضِّحُ ذلكَ:
* قال مقاتل (ت:150): «تفسيرُ اللَّبسِ على أربعةِ وجوهٍ:
فوجهٌ منها: يلبسونَ؛ يعني: يخلِطونَ، فذلكَ قوله في البقرةِ:{وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 42]؛ يعني: لا تخلِطوا. ونظيرها في آل عمرانَ: {لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} [آل عمران: 71]؛ يعني: لمَ تخلِطونَ، كقوله في الأنعامِ:{الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82]؛ يعني: لم يخلِطوا الإيمانَ بالشِّرك.
والوجه الثاني: اللِّباسُ؛ يعني: سَكَنٌ (3)، فذلك قوله في البقرة:{هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ} [البقرة: 187]، يقول: نساؤكم سكنٌ لكم. {وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} ؛ يعني: سكنٌ لهنَّ؛ كقولِه في الفرقانِ: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا} [الفرقان: 47]؛ يعني: سكناً، نظيرُها في عمَّ يتساءلونَ:{وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا} [النبأ: 10]؛ يعني: سكناً.
(1) سيأتي الحديث عن وجودِ هذه الفكرةِ عند ابن قتيبةَ.
(2)
سيأتي تحرير هذا المعنى في قاعدة: لا تعارض بين التفسير اللُّغوي والتفسير على المعنى.
(3)
في الوجوه والنظائر، لهارون الأعور (ص:43): «السكن» ، وكذا هي في التصاريف، ليحيى بن سلام (ص:119).
والوجهُ الثالثُ: اللِّباسُ؛ يعني: الثِّياب الَّتي تُلبَسُ، فذلك قوله في الأعراف:{قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا} [الأعراف: 26]؛ يعني: الثياب.
وقال في حم الدُّخان: {يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ} [الدخان: 53]؛ يعني: الثياب.
والوجهُ الرابعُ: يعني العملَ الصالحَ، كذلك (1) قوله في الأعرافِ:{وَلِبَاسُ التَّقْوَى} [الأعراف: 26]؛ يعني: العمل الصالح» (2).
تحليلُ هذه الوجوه:
1 -
أصلُ مادةِ «لبس» يدلُّ على مخالطةٍ ومداخلةٍ، كما قاله ابن فارسٍ (ت:395) (3)، والوجه الأولُ من الوجوه التي ذكرها مقاتلٌ (ت:150) جاءَ على أصلِ مادَّةِ اللَّفظِ.
2 -
غلبَ إطلاقُ لفظِ اللِّباسِ على الثِّيابِ الملبوسةِ، فصارَ شيوع هذا المعنى أشبهَ بأن يكونَ أصلَ المادَّةِ (4)، وإن كانَ في حقيقتِه يعودُ إلى معنى المخالطةِ والمداخلةِ، وعلى هذا المعنى المشهورِ جاء تفسيرُ الوجه الثالثِ من الوجوه التي ذكرها مقاتلٌ (ت:150).
3 -
أمَّا الوجه الثَّاني والرَّابع، فإنه نحى به إلى التَّفسيرِ على المعنى، ولم يبيِّنْ مدلولَ اللَّفظِ المباشرِ، وإن كانَ يعودُ إلى أصلِ المادَّةِ الدَّالِّ على الاختلاطِ، وهو ألصقُ بالمدلولِ المشهور في المادَّةِ، وهو اللِّباسُ.
(1) في الوجوه والنظائر لهارون الأعور (ص:43): «فذلك» ، وهي أقربُ للصوابِ.
(2)
الأشباه والنظائر (ص:105). ويلاحظُ أنَّ هارونَ لم يزدْ على ما ذكرهُ مقاتلٌ، أمَّا يحيى بن سلام، فزادَ وجهينِ، وله زيادةٌ في تفسير بعضِ ألفاظِ الآياتِ التي وردت في الوجوهِ.
(3)
ينظر: مقاييس اللُّغة (5:230).
(4)
ينظر: مقاييس اللغة (5:230).
فقوله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة: 187] فيه تشبيهٌ للزوجينِ باللِّباسِ، لشدَّةِ مخالطتهما فيما بينهما، كما قال الشاعر (1):
إذا ما الضَّجِيعُ ثَنَى جيدَهَا
…
تَدَاعَتْ، فَكَانَتْ عَلَيْهِ لِبَاساً
وتفسيرُه اللِّباسَ في هذه الآية بأنه السَّكنُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من الزوجينِ يسكنُ إلى صاحبِه؛ كما يدلُّ عليه قوله تعالى: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189]، وقوله:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} [الروم: 21]، فكأنَّه نظرَ إلى هذه الآيةِ ففسَّرَ اللِّباسَ بالسكنِ، وهو تفسيرٌ لا يَخْرُجُ عن معنى المُخالطةِ، لأنَّ الساكنَ مخالطٌ لمسكنِه.
وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا} [الفرقان: 47] ونظيره من سورة النَّبأ، هو من بابِ تشبيهِ الليلِ باللِّباسِ الذي يستُرُ الإنسانَ؛ أي أنَّ اللِّباسَ كما يسترُ جسمَ الإِنسانِ، فكذلك اللَّيل يسترُ الإنسانَ.
وتفسيرُه اللِّباسَ في هاتينِ الآيتينِ بأنه «السكنُ» ، كأنَّ فيه إشارةً إلى تفسيرِها بما وردَ في قوله تعالى: و {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} [يونس: 67]، وقوله تعالى:{أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} [النمل: 86]، وغيرها من الآياتِ الدَّالَّةِ على هذا المعنى الذي لا يَخْرُجُ ـ أيضاً ـ عن معنى المخالطةِ، لأنَّ اللَّيلَ يختلطُ بالإنسانِ ويغطِّيه، فيكون له كاللِّباسِ الذي يلبسُه.
وأما تفسيرُه قولَه تعالى: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى} [الأعراف: 26] بأنه العملُ الصالحُ، فهو تفسيرٌ على المعنى؛ لأنَّ المرادَ بلباسِ التقوى استشعارُ النَّفسِ تقوى الله، في الانتهاء عمَّا نهى الله عنه، وإتيان ما أمر الله به، وذلكَ يجمعُ الإيمانَ والعملَ الصالحَ (2)، فتلبُّسُه بهذا يدلُّ على المخالطةِ منه لهذه الأمورِ،
(1) البيت للنابغة الجعدي، وهو في ديوانه (ص:81).
(2)
ينظر تفسير الطبري، تحقيق شاكر (12:371).
حتى كأنها عليهِ كاللِّباسِ الذي يلبسُه، فكما يظهر أثرُ لباسهِ عليه، يظهرُ عليه أثرُ التقوى بعمل الطَّاعات واجتنابِ المنهيَّاتِ، وما يلحقُ ذلكَ من حُسنِ السَّمتِ والحياءِ وغيرِها من أخلاقِ الإيمانِ.
* وقال مقاتلٌ (ت:150): «تفسيرُ الحِسَّ على أربعةِ أوجهٍ:
فوجهٌ منها: أَحَسَّ؛ يعني: رَأَى، فذلك قولُه في آل عمرانَ:{فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ} [آل عمران: 52]، كقولِه في الأنبياء:{فَلَمَّا أَحَسُّوا بَاسَنَا} [الأنبياء: 12] يقولُ: فلمَّا رَأَوا عذابَنا، وكقولِه في مريم:{هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ} [مريم: 98]، يقول: هلْ تَرَى مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ؟
والوجه الثَّاني: الْحَسُّ؛ يعني: القَتْلَ، فذلك قولُه في آلِ عمرانَ:{وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} [آل عمران: 152]؛ يعني: إذ تقتلونهم.
والوجه الثَّالث: الحس؛ يعني: البَحْثَ، فذلك قولُه في يوسفَ:{يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ} [يوسف: 87].
والوجه الرابع: الحسُّ؛ يعني: الصَّوتَ، فذلك قولُه في الأنبياء:{لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} ؛ يعني: صوتَها، {وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ} [الأنبياء: 102]» (1).
تحليل هذه الوجوه:
مادةُ «حَسَّ» ترجعُ إلى أصلينِ لُغويَّين، كما قاله ابن فارسٍ (ت:395):
(1) الأشباه والنظائر، لمقاتل (ص:188 - 189). وينظر: الوجوه والنظائر، لهارون الأعور (ص:122). ثمَّ ينظر أمثلة أخرى للوجوه، مثل: كلمة (سواء) في الأشباه والنظائر، لمقاتل (ص:99)، والوجوه والنظائر، لهارون (ص:36)، والتصاريف، لابن سلام:(ص:111). وكلمة (السعي) في الأشباه والنظائر، لمقاتل (ص:123)، والوجوه والنظائر، لهارون (106)، والتصاريف، ليحيى بن سلام (ص:309).
«الأولُ: غلبةُ الشيء بقتلٍ أو غيرِه. والثاني: حكايةُ صوتٍ، عند توجُّعٍ وشبهِه» (1).
وإذا تأمَّلتَ هذه الوجوهَ المفسَّرةَ وجدتَها ترجعُ إلى هذين الأصلين، كما تجدُها ـ مع هذا التَّفسيرِ السِّياقي ـ مدلولاتٍ لغويةً لهذا اللَّفظِ، وبهذه المعاني الأربعةُ فَسَّرَ اللُّغويون هذه الآيات. فقد جاء في تهذيب اللغة: «قال ابن المظفر (2): الحَسُّ: القتلُ الذريعُ (3)، وفي القرآن:{إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} [آل عمران: 152]، أي: تقتلونهم قتلاً شديداً كثيراً
…
وقال أبو إسحاق [يعني: الزَّجَّاج] في قوله تعالى: {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} [آل عمران: 152] معناه: تستأصلونهم قتلاً، يقالُ: حَسَّهم القائد، يَحُسُّهم: إذا قتلهم (4).
وقال الفراءُ: الحَسُّ: القتلُ والإفناءُ هاهنا (5)
…
وقال الفراءُ في قولِه جلَّ وعزَّ: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ} [آل عمران: 25]، وفي قولِه:{هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ} [مريم: 98]، معناه: فلمَّا وَجَدَ عيسى. قال: والإحساسُ: الوجودُ، تقولُ في الكلامِ: هَلْ أَحْسَسْتَ منهم مِنْ أَحَدٍ (6)؟.
قال الزجَّاج (7): معنى أحسَّ: عَلِمَ وَوَجَدَ في اللغةِ. قال: ويقال: هل
(1) مقاييس اللغةِ (2:9).
(2)
الليث بن المظفر بن نصر بن سيار الخراساني، اللغوي، صاحب الخليل بن أحمد، أملى عليه ـ فيما قيل ـ كتاب العين، وقد تصدى له جماعة من اللغويين، وزعموا أنه من وضعه، والله أعلم، وكان الليث رجلاً صالحاً. ينظر: إنباه الرواة (3:42)، ومعجم الأدباء (17:43 - 52).
(3)
ينظر كتاب العين (3:15).
(4)
ينظر: معاني القرآن وإعرابه، لأبي إسحاق الزجاج (1:478).
(5)
ينظر: معاني القرآن، للفراء (1:214).
(6)
ينظر: معاني القرآن، للفراء (1:216).
(7)
إبراهيم بن السَّري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج، النحوي، اللغوي، البصري، كان =
أَحْسَسْتَ صاحبك؟ أي: هلْ رأيتَهُ؟ (1)
…
وقوله عز وجل: {لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} [الأنبياء: 102]؛ أي: لا يسمعون حِسَّهَا وحركةَ تَلَهُّبِها. والحَسِيسُ والحِسُّ: الحركةُ، وقولُه:{هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ} [مريم: 98]، معناه: هلْ تبصر؟ هل ترى؟
…
قال الليث [يعني: ابن المظفر] في قوله: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ} [آل عمران: 52]؛ أي: رأى (2)» (3).
* وقال مقاتلٌ (ت:150): «تفسيرُ الطَّاغوتِ على ثلاثةِ وجوهٍ:
فوجهٌ منها: الطَّاغوتُ: يعني به الشيطان، فذلك قوله في البقرةِ:{فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ} [البقرة: 256]، نظيرُها في النساءِ، حيثُ يقولُ:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} [النساء: 76]؛ يعني: في طاعةِ الشَّيطانِ، ونظيرُها أيضاً في المائدةِ، حيثُ يقولُ:{وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} [المائدة: 60]؛ يعني: الشيطان.
والوجه الثاني: الطَّاغوتُ؛ يعني: الأوثانَ التي تُعبدُ من دون الله، فذلك قولُه في النَّحلِ:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]؛ يعني: اجتنبوا عبادة الأوثانِ، ونظيرُها في الزُّمرِ، حيثُ يقولُ:{وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا} [الزمر: 17]؛ يعني: الَّذينَ اجتنبوا عبادة الأوثانِ، وأنابوا إلى ربِّهم.
والوجه الثالثُ: الطَّاغوتُ؛ يعني: كعبَ بنَ الأشرفِ اليهوديَّ، فذلك
= حسن الاعتقاد، وكان آخر ما سُمع له وهو يُحتضر أن يحشره الله مع أحمد بن حنبل، له كتاب معاني القرآن وإعرابه، توفي سنة (311). ينظر: تاريخ بغداد (6:89 - 95)، وإنباه الرواة (1:194 - 201).
(1)
ينظر: معاني القرآن وإعرابه، للزجاج (1:416)، وينظر (1:478).
(2)
ينظر: كتاب العين (3:15).
(3)
تهذيب اللغة (3:405 - 408). بتصرف.
قوله في البقرة: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ} [البقرة: 257]؛ يعني: كعب، {يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النَّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} .
نظيرُها في النساء، حيثُ يقولُ:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} [النساء: 51]؛ يعني: اليهود، {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ}؛ يعني: كعبَ بن الأشرفِ» (1).
تحليل هذه الوجوه:
إذا نظرتَ إلى هذه التفسيراتِ التي ذكرها لِلَفْظِ الطَّاغوتِ، وجدتها تفاسيرَ على المعنى، نظرَ فيها إلى سياقاتِ الآي ففسَّر بها، ولم يُعرِّجْ على أصلِ اللَّفظِ ومعناه في اللُّغةِ.
والطَّاغوتُ مأخوذٌ من مادَّةِ «طغى» ، وهذه المادَّةُ لها أصلٌ واحدٌ، وهو مجاوزةُ الحَدِّ (2)، فكلُّ شيءٍ تجاوز به المرءُ الحدَّ، فقد طغى به، قال الرَّاغبُ الأصفهانيُّ (ت: بعد 400): «الطَّاغوتُ: عبارةٌ عن كلِّ متعدٍّ، وكلِّ معبودٍ من دونِ اللهِ» (3).
وإذا تأمَّلتَ هذه الوجوه الثلاثَةَ التي ذكرَها مقاتلٌ (ت:150)، وجدتها ترجِعُ إلى هذا المعنى الذي ذكره الراغبُ (ت: بعد 400)، والله أعلم.
وهذه الأمثلةُ وغيرُها تُبَيِّنُ أنَّ كتبَ الوجوهِ والنَّظائرِ تَنُصُّ على المعنى اللُّغويِّ إذا كانَ مراداً في الآيةِ، كما تُكثِرُ من ذِكْرِ المعنى الاستعمالي [أي: المناسب للسياق]، ولا يكونُ فيه ـ في الغالبِ ـ خروجٌ عن المعنى اللُّغوي، كما ظهرَ في التَّمثيلِ السَّابقِ، والله أعلم.
(1) الأشباه والنظائر (ص:115 - 116)، وهو بنصِّه في الوجوه والنظائر، لهارون الأعور (ص:96)، والتصاريف، ليحيى (ص:207).
(2)
ينظر: مقاييس اللغةِ (3:412).
(3)
مفردات ألفاظ القرآن (ص:520).