الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كالمبهماتِ من الأعلامِ في الآي، وأسبابِ النُّزولِ، وغيرِها؛ ومن ذلكَ ما وردَ في تفسيرِ قولِه تعالى:{أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} [النور: 26]، قال ابن قتيبة (ت:276): «يعني: عائشة» (1).
مسألة: ما العلاقةُ بينَ كتبِ غريبِ القرآنِ وكتبِ معاني القرآنِ؟
يظهرُ مما سبقَ في عرضِ مصطلحِ (معاني القرآنِ) وكتبِه أن (غريبَ القرآنِ) جُزْءٌ من عِلْمِ (معاني القرآنِ) لا ينفكُّ عنه؛ لأنه لا يمكنُ بيانُ المعنى دونَ معرفةِ مدلولِ الألفاظِ، وبهذا تكونُ كتبُ (غريب القرآنِ) ـ وإن استقلَّتْ بالتأليفِ ـ جزءاً من علمِ (معاني القرآنِ) وهي تُعنَى بمدلولِ الألفاظِ خاصةً.
وكتب (غريب القرآن) قدْ تجرَّدتْ لتفسيرِ الألفاظِ القرآنيَّةِ تفسيراً لغوياً، إلَاّ قليلاً منها قد تبين بعضَ ما يتعلقُ بالآيةِ من المعاني.
أوَّلُ كُتُبِ غَرِيبِ القُرْآنِ:
لَمْ يَظهرْ كتابٌ مجردٌ لـ (غريبِ القرآنِ) في عهدِ الصَّحابِة والتَّابعينَ، وإنما ظهرَ في عهدِ أتباعِ التَّابعينَ. وقدْ نَسَبَ بعضُ الباحثينَ الذين ذكروا كتبَ (غريب القرآن) كتابةً في غريبِ القرآنِ لابنِ عباسٍ (ت:68) (2)، وهذه الكتاباتُ ليستْ من صُنْعِهِ، بلْ هي من صُنْعِ من جاءَ بعدَه، وهذه الكتاباتُ كما يأتي:
1 -
غريبُ القرآنِ، لابنِ عباسٍ (ت:68) بتنقيحِ عطاءِ بنِ أبي رباحٍ (ت:114)(3)، وهو عِدَّةُ ورقاتٍ (من 102أـ 108) من مجموع برقم (2815/ 8) بمكتبةِ عاطفْ أَفَنْدِي بتركيا، وقد كُتِبَتْ في القرنِ الثَّامنِ (4).
(1) غريب القرآن، لابن قتيبة (ص:302).
(2)
ينظر مثلاً: معجم المعاجم، للشرقاوي أحمد إقبال (ص:7)، ومقدمة السيد الدغيم لكتاب عمدة الحفاظ، للحلبي (ص:21 - 22).
(3)
عطاء بن أبي رباح، أبو محمد المكي، فقيه الحرمِ، المفسر، توفي سنة (114)، وقيل: غيرها، ينظر: تهذيب الكمال (5: 166 - 170).
(4)
الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط/ علوم القرآن/ مخطوطات التفسير وعلومه (1:14).
2 -
مسائلُ نافعِ بنِ الأزرقِ (1)، وقدْ جاوزتْ هذه المسائلُ المائتين وخمسين مسألةً (2)، وقدْ وردتْ منْ طرقٍ غيرِ مَرْضِيَّةٍ (3)، فضلاً عما يدورُ حولَ كثرتِها من الشَّكِّ.
(1) نافع بن الأزرق الحَرُورِيُّ، كان من رؤوس الخوارج، وإليه تُنسَب طائفة الأزارقة من الخوارج، خرج في أواخر عهد يزيد بن معاوية، وكان ينتجع إلى ابن عباس فيسأله في القرآن وغيره. ينظر: الكامل للمبرد (3:1102، 1144، 1203، 1205)، ولسان الميزان، لابن حجر (6:144 - 145).
(2)
مسائل نافع بن الأزرق، تحقيق: محمد أحمد الدالي (ص:9).
(3)
وقفت على أسانيد رواية مسائل نافع، وهي كالآتي:
* مخطوط في الظاهرية: وفيه: أبو طاهر محمد بن علي العلاف، أخبرنا أبو بكر أحمد بن سلم قراءة عليه، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن عبيد الله بن محمد بن عمار الثقفي، قال: حدثني أبو الحسن علي بن مسلم: مؤدب أبي العباس الكيِّس بن المتوكل، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن بن المفضل الحراني، قال: حدثني عثمان بن عبد الرحمن الحراني، قال: حدثني عبيد الله بن العباس، عن جويبر، عن الضحاك بن مزاحم الهلالي. ينظر: مسائل نافع بن الأزرق، تحقيق: محمد الدالي (ص:33).
وفي هذه الرواية: عبيد الله بن العباس، وهو مجهول، وجويبر ضعيف جداً، والضحاك لم يَحْكِ عمن روى هذه المسائل فهي منقطعة.
* رواية الطبراني، عن أبي خليفة الفضل بن الحباب الجمحي، عن إبراهيم بن بشار الرمادي، عن أبي عبد الرحمن عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي الحراني، عن عبيد الله بن عباس وموسى بن يزيد الحرانيين، عن جويبر، عن الضحاك. معجم الطبراني الكبير (10:248).
وهذه الرواية فيها العلل السابقة، يزيد فيها كذلك جهالة موسى بن يزيد الحراني.
* رواية الطستي، عن أبي سهل السري بن سهل الجنديسابوري، عن يحيى بن أبي عبيدة بحر بن فروخ المكي، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عيسى بن دأب، عن حميد الأعرج وعبد الله بن أبي بكر بن محمد، عن أبيه أبي بكر بن محمد. الإتقان (2:55 - 56).
في هذه الرواية عيسى بن دأب، كان يضع الأخبار، وقد سبقت ترجمته.
* رواية ابن الأنباري، قال: حدثنا بشر بن أنس، قال: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: حدثنا أبو صالح هديَّة بن مجاهد، قال: أخبرنا محمد بن شجاع، قال: أخبرنا محمد بن زياد اليشكري، عن ميمون بن مهران، إيضاح الوقف والابتداء (1:76). =
ولذا فإنَّ هذه المسائلَ، وإنْ استُفِيدَ منها في التَّفسيرِ اللُّغويِّ، لا يَصِحُّ نسبتُها إلى ابنِ عباسٍ (ت:68)، وفي الصَّحيحِ الواردِ عنه غُنْيَةٌ عنْ هذه الأسئلةِ.
والعجيبُ أنَّ هذه الرِّوايةَ قد احتضنتها بعضُ كتبِ الأدبِ والحديثِ، ولم يكنْ لها ذِكرٌ في كتبِ التَّفسيرِ المتقدِّمَةِ ولا في كتبِ اللُّغةِ، مع أنها ألصقُ بهذين العِلْمَينِ منْ غيرِهما.
ولا يبعدُ أنْ يكونَ لهذه الأسئلةِ أصلٌ، إلَاّ أنها لم تكن بهذه الكثرةِ التي أوردَها الرُّواةُ، وهذه المسائلُ تحتاجُ إلى نقدِ المتونِ بعد نقدِ الأسانيدِ، للنَّظرِ في هذِ الأشعارِ التي زُعِمَ أنَّ حبرَ الأمةِ قد استشهدَ بها، ولا يبعدُ أنْ يكونَ منها ما هو من شعراء كانوا بعده، أو ما هو مختلفٌ في نسبتِه.
3 -
رواية عليِّ بن أبي طلحةَ (ت:143)، وقد عَنْوَنَ لها محمودُ السَّيدُ الدُّغَيم بـ (غريب القرآن)، ولم أرَ منْ سمَّى هذه الروايةَ بهذا الاسمِ قبلَهُ، ويظهرُ أنَّ هذا منْ تَصَرُّفِهِ، اعتماداً على ما أوردَهُ عن السيوطي (ت:911) (1) في حديثِهِ عن علم (غريبِ القرآنِ)، حيثُ قال: «أَوْلَى ما يُرجَعُ إليه في ذلك ما ثَبَتَ عن ابنِ عباسٍ وأصحابِه الآخذينَ عنه
…
وها أنا أسوقُ ما ورد في ذلكَ عن ابنِ عباسٍ من طريقِ ابنِ أبي طلحةَ خاصةً
…
» (2).
=
وفي هذه الرواية محمد بن زياد اليشكري، كان يضع الحديث، قال ابن حجر:«كذَّبوه» تقريب التهذيب (ص:845).
* رواية المبرد، قال: حدَّث أبو عبيدة معمر بن المثنى التميمي النَّسَّابةُ، عن أسامة بن زيد عن عكرمة. الكامل (3:1144 - 1145).
وهذه الرواية فيها انقطاع بين المبرد وأبي عبيدة، وأسامة بن زيد قد يكون العدوي، وهو ضعيف، وقد يكون الليثي، وهو صدوق يَهِمُ، وهما مدنيان في طبقة واحدة، ينظر: تقريب التهذيب (ص:123، 124).
(1)
عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي، توفي سنة (911)، ينظر: البدر الطالع (1:328 - 335)، والضوء اللامع (4:65 - 70).
(2)
ينظر الإتقان، للسيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم (2:5)، ثم ينظر: مقدمة عمدة الحفاظ، تحقيق: محمد السيد الدغيم (ص:21 - 22).
وروايةُ عليِّ بنِ أبي طلحةَ (ت:143) ليستْ خاصَّةً بتفسيرِ الغريبِ، بل هي في التَّفسيرِ عموماً.
كما نقل محمودُ السيِّد الدغيم عن فؤاد سزكين ما قاله في هذه الرِّواية، قال: «والمؤكَّد أنَّ التفسيرَ الذي رواهُ عليُّ بنُ أبي طلحةَ الهاشميُّ (ت:120هـ/737م)(1) منسوباً إلى ابن عباسٍ، هو من تأليفِ ابن عباسٍ نفسِه، وذلك لأنَّ عليَّ بنَ أبي طلحةَ قد جُرِحَ لروايتِه هذا التَّفسيرَ دونَ أنْ يكونَ أخذَهُ سماعاً عن ابن عباس (2)
…
» (3).
وهذا الاستدلالُ من فؤاد سزكين غريبٌ جداً، ولا يَعْتَمِدُ على حُجَّة تُسلَّمُ له.
وقد كان ابتداءُ التَّأليفِ في علمِ غريبِ القرآنِ في النِّصفِ الثَّاني من القرن الثَّاني؛ أي: في عهدِ أتباعِ التَّابعينَ.
وممن ذُكِرَ له تدوينٌ فيه: زيد بن علي (ت:120)(4)، وأبان بن تغلب (ت:141)، وفي النَّفسِ شيءٌ من هذين الكتابين (5).
(1) الصواب أنَّ وفاته سنة (143)، كما في تقريب التهذيب (ص:698).
(2)
هذه الروايةُ من الطرقِ المشهورةِ عن ابنِ عباسٍ، وقد قَبِلَها علماءُ؛ كالبخاري والطبري والنحاس وغيرهم، ينظر مثلاً: كلامَ الدكتور سليمان اللاحم في تحقيقه للناسخ والمنسوخ، للنحاس (1:412 - 413).
(3)
تاريخ التراث العربي، لفؤاد سزكين، نقله إلى العربية الدكتور محمود فهمي حجازي (1:66)، وينظر مقدمة عمدة الحفاظ، تحقيق: محمد السيد الدغيم (ص:22)، فقد نقل هذا الكلام عن فؤاد سزكين.
(4)
زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، المصلوب، روى عن أبيه زين العابدين وأخيه جعفر، وعنه: عبد الرحمن بن أبي الزناد والزهري وغيرهما، خرج على هشام بن عبد الملك في الكوفة، فقتل زيد ثم صلب، وكان ذلك سنة (120) وقيل:(122)، وإليه تُنْسَبُ فرقة الزيدية. ينظر: طبقات ابن سعد (5:325 - 326)، تهذيب الكمال (3:83 - 84).
(5)
أمَّا كتاب زيد، فيرويه عنه أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي، قال عنه الإمام أحمد: =
وقد حرصت على تتبُّعِ أقوالِهما في كتب التَّفسيرِ، فظفرتُ بنقلٍ قليلٍ عنهما، وما وجدته منقولاً عن زيد بن عليٍّ (ت:120) يخالفُ ما وردَ في غريب القرآن المطبوعِ المنسوبِ إليه (1).
= «متروك الحديث، ليس يسوى شيئاً» ، وقال يحيى بن معين:«كذاب، غير ثقة، ولا مأمون» ، وكذا قال غير واحدٍ. ينظر: الجرح والتعديل (6:230).
وأمَّا كتاب أبان، فلم يُنْقَلْ إلَاّ عن مؤرخ الشيعة الطوسي، وقد سبق ذكر ذلك، والشيعة يتكثَّرون بذكر علمائهم ومؤلفاتهم، حتى إنهم ينسبون بعض علماء السنة إليهم.
(1)
وجدت في القرطبيُّ تفسيراتٍ لأبان بن تغلب، ولم ينصَّ فيه على أنه نقل من كتابه غريب القرآن، وهذه التفسيرات في الأجزاء:(1:411)، (7:397)، (8:88)، (10:337)، (13:65).
أما زيد بن علي فوجدت له:
1 -
تفسير قوله تعالى: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى} [الأعراف: 26]، فقد ورد عنه في تفسيرها اختلافٌ، فعند ابن أبي حاتم (5:1458): «الإسلام» ، وعند البغوي (2:155): «الآلات التي يتقى بها في الحرب؛ كالدرع والمغفر والساعد والساقين» ، وكذا هو عند القرطبي (7:185). وعند ابن كثير (3:401): «الإيمان» ، وفي تفسير غريب القرآن المطبوع (ص:139): «الحياء» .
2 -
في تفسيرِ قوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً} [التوبة: 41]، ورد عند القرطبي (8:150): «مشاغيل وغير مشاغيل» ، وفي تفسير غريب القرآن (ص:151): «فالخفيف: الشَّابُّ، والثِّقال: الشيوخ» .
3 -
وفي تفسير المرض، قال:«المرض مرضان: فمرض زنا، ومرض نفاق» . الدر المنثور (6:599)، وليس في تفسير آية الأحزاب في المطبوع من تفسير غريب القرآن تفسير لهذا (ص:255).
4 -
وفي تفسير قوله تعالى: {وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} [فاطر: 37]، عند القرطبي (14:353)، عن زيد بن علي قال:«الرسول» . وفي تفسير غريب القرآن: «معناه: الشَّيب» .
5 -
وفي تفسيره لاسم الله المؤمن، قال:«إنما سمَّى نفسه مؤمناً؛ لأنه آمنهم من العذاب» . الدر المنثور (8:123)، ولم يرد تفسيره في سورة الحشر من كتاب تفسير غريب القرآن (ص:329).
واعلم أنَّ أغلب ما يُنقلُ عن زيد بن علي القراءةُ، وهي محكيَّةٌ في كتب التفسيرِ كثيراً.
هذا، ويُعَدُّ كتابُ (مجازِ القرآنِ) لأبي عبيدةَ معمرِ بنِ المثنَّى البصريِّ (ت:210) أوَّلَ كتابٍ مطبوعٍ من كتبِ غريبِ القرآنِ؛ بلْ لا يبعدُ أنْ يكونَ أوَّلَ كتابٍ للُّغويِّين يتعلَّقُ بتفسيرِ القرآنِ، نظراً للحملةِ الاستنكاريَّةِ التي قامتْ عليه، مما يدل على أنه بِدْعٌ في التأليفِ في هذا المجال (1). واللهُ أعلمُ.
وسأبسطُ القولَ في ثلاثةٍ من كتبِ غريبِ القرآنِ، وهي مجاز القرآن، لأبي عبيدة (ت:210)، وغريب القرآن، لابن قتيبة (ت:276)، وغريب القرآن، لابن عُزَيزٍ السِّجستانيِّ.
(1) ممن ذُكِر له نقد من معاصريه: أبو عمر الجرمي (ت:225)، قال: «أتيت أبا عبيدة بشيء منه [يعني: مجاز القرآن]، فقلت له: عمَّن أخذت هذا يا أبا عبيدة، فإنَّ هذا خلافُ تفسير الفقهاء.
فقال لي: هذا تفسير الأعراب البوَّالين على أعقابهم، فإن شئت فخذه، وإن شئت فذره». طبقات النحويين واللغويين (ص:176)، وينظر فيه نقد أبي حاتم السجستاني له (ص:176)، وانظر: الأضداد لأبي حاتم، تحقيق: محمد عودة (ص:101، 130)، وقد نقده الفراء كما في نزهة الألباء في طبقات الأدباء (ص:87)، كما نقده الأصمعي والطبري، وغيرهم مما قد يطول ذكره.
هذا، وقد أفاد منه جمعٌ من العلماء، وينظر مثلاً لمن نقل عنه أو اعترض عليه:
* البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، ينظر: فتح الباري (8:69، 364، 423).
* وابن قتيبة في غريب القرآن (ص:110، 150، 236، 350).
* وأبو إسحاق الحربي في غريب الحديث (1:72، 88، 96، 189).
* والطبري في تفسيرِه، تحقيق شاكر (1:119، 132، 274)، وطبعة: الحلبي (22:65، 67، 128، 151).
* وابن دريد في جمهرة اللغة (1:58، 170، 209، 299، 306، 604).
* وابن عُزَيز في غريب القرآن (ص:186، 187، 201، 229، 341، 363)، وغيرهم كثير.
ومجاز القرآن من أكبرِ الكتب المعتمدة في غريب القرآن، والتي لها أثر ظاهر على المفسرين.