الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والقصاد لاتصل إلى الباب السلطانى بالديار المصرية، إلا بعد الإجتماع بنائب السلطنة بدمشق، فاستشعر الأمير سيف الدين قبجاق السوء، وعلم أن هذه الحركة إنما هى تدبير «1» عليه، وعلى غيره من الأمراء. فأوجب ذلك توجههم إلى التتار.
ذكر مفارقة من نذكر من نواب السلطنة والأمراء الخدمة السلطانية، ولحاقهم بقازان ملك التتار
وفى هذه السنة، فى شهر ربيع الآخر، توجه الأمير سيف الدين قبجاق المنصورى، نائب السلطنة بالشام، والأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، أحد مقدمى الجيوش المنصورة المصرية، والأمير فارس البكى الساقى، نائب السلطنة بالمملكه الصفدية، والأمير سيف الدين بزلار، والأمير سيف الدين عزار [الصالحى «2» ] ، إلى بلاد التتار، والتحقوا بملكها قازان محمود.
وسبب ذلك أن الأمير سيف الدين منكوتمر، نائب السلطنة، ثقلت عليه وطأة الأمراء الأكابر. وقصد القبض عليهم أولا، وإقامة خوشداشيته ليصفو له الوقت، ويخلص له الأمر، ويتمكن السلطان بما قصده من تفويض ولاية العهد بعده له. فحسّن للسلطان القبض على من تقدم ذكرهم، فقبض عليهم. ثم شرع فى التدبير على من بالشام من الأمراء والنواب، الذين يعلم منهم الممالاة «3» والمناوأة. فجهز الأمير علاء الدين ايدغدى «4» شقير إلى حلب، كما تقدم، وأردفه بالأمير سيف الدين حمدان بن صلغاى، وعلى يده كتاب إلى نائب السلطنة
بالمملكة الحلبية، بالقبض على الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، [وعلى «1» ] الأمير فارس الدين البكى، والأمير سيف الدين طقطاى، والأمير سيف الدين بزلار، والأمير سيف الدين عزار. ومن يعذر عليه القبض عليه، يتحيّل فى سقيه.
فسقى الأمير سيف الدين طقطاى فمات بحلب، فى أول شهر ربيع الأول.
واتصل الخبر ببقية الأمراء، فاحتاطوا لأنفسهم، واحترزوا فى مأكلهم ومشربهم وملبسهم. وأعمل الأمير سيف الدين الطباخى الحيلة فى القبض عليهم، وذلك بعد خروجهم من سيس. فجهز سماطا، واحتفل به، وتحدث مع الأمراء أن يتوجهوا معه، ويحضروا السماط، فامتنعوا من ذلك، واعتذروا له، وتوجهوا إلى خيامهم.
فلم تجمع «2» هذه المكيدة. وكان السلطان قد كتب إلى الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، أن يجهز طلبه وأثقاله إلى المملكة الطرابلسية، ويكون نائبا عن السلطنة بها، وذلك بعد وفاة الأمير عز الدين أيبك الموصلى. وأن يحضر هو بنفسه إلى الأبواب السلطانية، على خيل البريد، ليوصيه السلطان مشافهة.
فأظهر البشر لذلك، وعلم أنه خديعة.
ولما كان فى مساء النهار، الذى عمل الطباخى فيه السماط، اجتمع الأمير سيف الدين الطباخى النائب بحلب، والأمير سيف الدين كجكن، والأمير علاء الدين ايدغدى شقير، وأرسلوا إلى الأمير بكتمر السلاح دار والبكى ومن معهما، يطلبونهم للحضور لمشورة. وأن سبب هذا الاجتماع، أن بطاقة وردت فى البيرة فى أواخر النهار، تتضمن أن التتار أغاروا على ما حول البيرة، فأجابوا بالأمتثال، وأنهم يحضرون إلى الخدمة فى إثره. فعاد، وركبوا فى الوقت على حميّة.
فأما بزلار فإنه ساق هو وخمسة نفر، وعبر الفرات إلى رأس العين وانتهى إلى سنجار فتوفى بها. وأما الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، والأمير فارس الذين البكى، والأمير سيف الدين عزار، فإنهم توجهوا إلى حمص، واجتمعوا بالأمير سيف الدين قبجاق، وأطلعوه على جلية الحال، وحلفوه لأنفسهم، وحلفوا له. وكتب إلى السلطان يعلمه بما وقع من الاختلاف، وبوصول الأمراء إليه، ويسأل لهم الأمان» وأن يطيب السلطان خواطرهم.
وسيّر بذلك الأمير سيف الدين بلغاق «1» ابن الأمير سيف الدين كونجك الخوارزمى على خيل البريد. فوصل إلى دمشق، فى يوم السبت خامس شهر ربيع الآخر، وتوجه منها إلى باب السلطان.
وكتب الأمير سيف الدين قبجاق إلى الأمير سيف الدين جاغان، وهو بدمشق، يطلب منه أن يرسل إليه مالا وخلعا من الخزانة، لينفق المال على الأمراء، ويخلع عليهم، ويطيب خواطرهم. فلم يجب إلى ذلك. وكتب إليه يلومه على إغفاله أمر الأمراء، الذين وصلوا إليه، وهم طلبة السلطان، وكونه تمكن من القبض عليهم، ولم يفعل. وكتب إليه الأميران سيف الدين كجكن، وعلاء الدين ايدغدى شقير، وهما يلومانه وينكران عليه كونه أقر هؤلاء الأمراء عنده، مع تمكنه من القبض عليهم، وقد علم خروجهم على الطاعة وأغلظا له فى القول، وتواعداه، أنه متى لم يقبض عليهم، حضروا إليه، وقبضوا عليه وعليهم، وكاشفاه فى القول مكشفة ظاهرة. فتسلّل «2» عن الأمير
سيف الدين قبجاق من معه من العسكر الشامى: وعادوا إلى دمشق، أولا فأولا. فكتب إلى جاغان فى ذلك، وأن يردّهم إليه، فلم يفعل. وشكر [جاغان «1» ] من حضر.
فرأى الأمير سيف الدين قبجاق أن أمره قد انتقص، وبلغه أن العسكر المجرد بحلب قد توجه نحوه. فركب فى ليلة الثلاثاء، ثامن شهر ربيع الآخر من حمص، هو والأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، والأمير فارس الدين البكى، والأمير سيف الدين عزار، وقبضوا على الأمير علاء الدين أقطوان النائب بحمص، واستصحبوه معهم إلى القريتين، ثم أخذوا فرسه وأطلقوه.
وتوجهوا فى جماعة، يقال إن عدة من صحبهم من ألزامهم ومماليكهم خمسمائة فارس. وتوجهوا لا يلوون على شىء، وتعقبهم الأمير سيف الدين كجكن والأمير علاء الدين ايدغدى شقير، فى طائفة من العسكر إلى الفرات، فما أدركوهم، ووجدوا بعض أثقالهم فأخذوها «2» .
ثم ورد عليهم الخبر بقتل السلطان، فانحلت عزائمهم، وتفلّلت أراؤهم. وساق سيف الدين بلبان القصاص البريدى إلى رأس عين، ولحق الأمير سيف الدين قبجاق بها. وأعلمه بمقتل السلطان، وسأله الرجوع بمن معه. وحلف له على صحة ما أخبره به، فظن أن ذلك مكيدة. ثم تحقق الحال بعد ذلك وقد تورط، وصار فى بلاد العدو، فلم يمكنه الرجوع.
ولما وصل الأمراء إلى رأس عين، بلغ مقدم التتار بتلك الجهة خبر وصولهم، فخافهم. ثم تحقق أنهم حضروا إلى خدمة الملك قازان، فحضر إليهم وأكرمهم،
وخدمهم صاحب ماردين، وقدّم لهم أشياء كثيرة. وقصد بولاى مقدم التتار، بتلك الناحية، أن الأمراء يتوجهون «1» إلى جهة فازان على خيل البريد. ويتأخر من معهم من أتباعهم وألزامهم عن الوصول إلى البلاد، حتى يرد المرسوم.
فامتنع قبجاق من ذلك، وأبى إلا الدخول بالطّلب «2» والجماعة الذين معه، فامتنع التتار عليه. فيقال إنه أخرج إليهم كتاب الملك قازان إليه، وهو فى بالشت «3» ذهب. فعند ذلك خضعوا له، ومكّنوه مما أراد، من الدخول بالطّلب.
وتوجهوا كذلك، ودخلوا إلى الموصل بطلبين «4» ، والتقاهم أهل البلد. وتوجهوا من الموصل، وانتهوا إلى بغداد. فخرج إليهم عسكر المغل والخواتين والتقوهم.
ثم توجهوا إلى قازان، وهو يومئذ بأرض السيب «5» من أعمال واسط. فأكرمهم وأحسن إليهم، وأوجب ذلك وصول قازان بجيوشه إلى الشام على ما نذكره إن شاء الله تعالى.