الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال، وحضر إلى السلطان، وهو بظاهر طرابلس ولد سيركى صاحب جبيل «1» ، وكان صاحب طرابلس قتل أباه فى سنة إحدى وثمانين وستمائة. فخلع السلطان عليه، وأقر جبيل عليه، على سبيل الإقطاع، وأخذ منه معظم أموالها.
وتسلم السلطان البترون «2» ، وجميع ما بتلك الخط من الحصون والمعاقل. ثم عاد السلطان بعد النصر إلى دمشق، وكان من خبره ما نذكره، إن شاء الله تعالى فى حوادث السنين.
ذكر أخبار طرابلس الشام، منذ فتحها المسلمون فى خلاقة عثمان إلى وقتنا هذا
وإنما ذكرناه فى هذا الموضع ملخصا مختصرا، لتكون أخبارها مجتمعة «3» ، فنقول وبالله التوفيق:
كان ابتداء فتح طرابلس، أنه لما استخلف عثمان بن عفان
رضى الله عنه، وأقر معاوية بن أبى سفيان على الشام، وجه معاوية إلى طرابلس سفيان بن نجيب «1» الأزدى، وكانت إذ ذاك ثلاث «2» مدن مجتمعة، فبنى فى مرج على أميال منها حصنا، سمى بحصن سفيان. وقطع الميرة عن أهل طرابلس، وحاصرها. فلما اشتد الحصار على أهلها، اجتمعوا فى أحد الحصون الثلاثة، وكتبوا إلى ملك الروم، يسألونه أن يمدهم، أو يبعث إليهم بمراكب ينهزمون فيها. فسير إليهم مراكب كثيرة، فركبوها ليلا وهربوا. فلما أصبح سفيان، وتقدم لقتالهم على عادته، وجد الحصن خاليا، فملكه، وكتب إلى معاوية بالفتح. فأسكنه معاوية جماعة كثيرة من اليهود، وهو الحصن الذى فيه المينا ثم بناه عبد الملك بن مروان وحصنه.
وكان معاوية يوجه فى كل سنة جماعة من الجند، يشحنها بهم، ويوليها نائبا. فإذا غلق «3» البحر، عاد الجند وبقى النائب فى جماعة يسيرة. فما برح أمرها كذلك، حتى ولى عبد الملك بن مروان. فقدم بطريق فى بطارقة الروم، ومعه خلق كثير. فسأل أن يعطى الأمان، على أن يقيم بها، ويؤدى الخراج، فأجيب إلى ذلك. فلم يلبث غير سنتين أو أكثر بأشهر، عند عود الجند منها، حتى أغلق بابها، وأسر من بقى بها من الجند، وعدة من اليهود، وتوجه هو وأصحابه إلى بلاد الروم. فقدر الله، عز وجل
أن ظفر به المسلمون بعد ذلك، فى البحر وهو متوجه فى مراكب كثيرة، فأسر وأحضر إلى عبد الملك، فقتله وصلبه. وقد قيل إنه إنما كان تغلبه عليها، وقتل من بها، بعد وفاة عبد الملك. ثم فتحها الوليد بن عبد الملك.
ولم يزل فى طرابلس نواب الخلفاء، مدة أيام بنى أمية، وأيام بنى العباس، إلى أن استولى العبيديون ملوك مصر على دمشق، على ما قدمنا ذكر ذلك فى أخبارهم «1» . فأفردوا طرابلس عن دمشق، وكانت قبل ذلك مضافة إليها.
وولوا عليها من جهتهم ويان «2» الخادم، ثم سند الدولة ثم أبا السعادة، ثم على بن عبد الرحمن بن حيدرة، ثم نزال «3» ، ثم مختر الدولة بن نزال «4» . [ثم تغلّب عليها قاضيها أمين الدولة أبو طالب الحسن بن عمار «5» ] . ولم يزل بها إلى أن توفى، فى سنة أربع وستين وأربعمائة. وكان ابن عمار هذا، رجلا عافلا، سديد الرأى. وكان شيعيا، من فقهائهم. وكانت له دار علم بطرابلس، فيها ما يزيد على مائة ألف كتاب وقفا. وهو الذى صنّف كتاب «ترويح الأرواح ومصباح السرور والأفراح» ، المنعوت بجراب الدولة «6» . ولما مات [أمين الدولة «7» ] ، كان بطرابلس، سديد الملك بن منقذ، هرب من محمود بن صالح. فساعد جلال الملك أبا الحسن على بن محمد بن عمار وعضده بمماليكه، وبمن كان معه من
أصحابه. فأخرجوا أخا أمين الدولة من طرابلس، وولى جلال الملك. فلم يزل متوليا عليها، حتى مات فى سلخ شعبان، سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وملكها بعده أخوه فخر الملك عمار بن محمد [بن عمار «1» ] ، واستقر بها، إلى أن نازلها صنجيل، واسمه ميمنت «2» وهو ميمون. وصنجيل «3» اسم مدينة نسب إليها. فنزل صنجيل بجموعه على طرابلس، فى شهر رجب سنة خمس وتسعين وأربعمائة، وحاصرها وضايقها، وابتنى عليها حصنا، يقاتل أهلها منه، ويعرف به إلى وقتنا هذا.
فبعث فخر الملك الهدايا والتحف إلى الملوك واستنجدهم واستنصرهم، فلم ينجده أحد منهم. فلما أيس منهم، بذل لصنجيل فى رحيله عنه أموالا، وبعث إليه ميرة، فلم يجبه إلى ذلك. فلما ضاق ذرعا بالحصار، وعجز عن دفعه، خرج من طرابلس، بعد أن استناب بها ابن عمه، أبا المناقب، ورتب معه سعد الدولة فتيان ابن الأغر. وانفق «4» فى العسكر ستة شهور. وسار يقصد السلطان محمود بن ملكشاه السلجوقى. فجلس أبو المناقب فى بعض الأيام، وعنده وجوه طرابلس وأكابرها، فخلط فى كلامه. فنهاه سعد الدولة بلطف فجرد سيفه، وضرب سعد الدولة فقتله. وانهزم من كان فى المجلس. وقام أبو المناقب، وصعد على السور، وصفق بإبطيه، فأمسكه أهل البلد وحبسوه، ونادوا
بشعار الأفضل أمير الجيوش، [شريك الخليفة الفاطمى صاحب مصر «1» ] ، وذلك فى شهر رمضان سنة خمسمائة.
ثم مات صنجيل فى ثامن وعشرين رمضان، وتولى مكانه مقدم اسمه السردانى «2» . ولما نادى أهل طرابلس بشعار الأفضل، [وبلغه ذلك «3» ] حضر إليهم جيشا فى البحر، وقدم عليهم تاج العجم. فلما وصل إلى طرابلس، أخذ جميع الأموال، وما يحفظ به البلد. وبلغ الأفضل أنه يقصد العصيان بطرابلس. فقبض على ما كان حصّله، وولّى بدر الدولة ابن أبى الطيب الدمشقى. فوصل إلى طرابلس، وكان أهلها قد ضاقت صدورهم، من طول الحصار. ثم رأوا من خلفه «4» ، ما رغبهم عنه، ونفرهم منه، فعزموا على طرده.
ثم رأوا إبقاءه، لأنهم لا ملجأ لهم إلا من جهة المصريين.
ثم وصلت مراكب من مصر بالغلات والرجال، فقرر المذكور مع مقدم «5» الأسطول، القبض على أعيان البلد، وأصحاب فخر الملك بن عمار وحريمه.
فأخذهم وسيّرهم فى البحر إلى مصر. وبعث معهم ما كان فى طرابلس من السلاح والذخائر، ما لم يكن عند أحد من الملوك مثله. وبعث مائة ألف دينار عينا. فلما وصلوا إلى مصر، اعتقل [الأفضل «6» ] أهل بنى عمار.
وأما فخر الملك بن عمار، فإنه وصل إلى بغداد، واجتمع بالسلطان محمود.
وأقام ببغداد، فما تهيأ له منه ما طلبه، وبلغه رجوع أمر طرابلس إلى المصريين، وأن حريمه وأمواله وذخائره وسلاحه نقل إلى مصر. فرجع إلى دمشق، فدخلها فى نصف المحرم، سنة اثنتين وخمسمائة، فاكرمه أتابك طغتكين «1» صاحب دمشق. فسأله أن يعينه على الدخول إلى جبله، فسير معه عسكرا فدخلها.
وأما الفرنج، فإنهم لازموا الحصار، وضايقوا البلد حتى ملكوه، وقتلوا وأسروا ونهبوا وسبوا، وذلك فى يوم الثلاثاء ثالث ذى الحجة سنة اثنتين وخمسمائة.
وقد تقدم أن أخذها كان فى يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذى الحجة سنة ثلاث وخمسمائة، والله أعلم.
وحكى»
أن السبب فى أخذ طرابلس، أنه لما ضايقها الفرنج، كتب من بها إلى الديار المصرية، يستنجدون الخليفة، ويسألونه الميرة. وأقاموا ينتظرون ورود الجواب بالمدد والميرة. فبينما هم فى ذلك، إذا بمركب قد أقبل، فما شكوا أن فيه تجدة. فطلع منه رسول، وقال قد بلغ الخليفة، أن بطرابلس جارية حسنة الصورة، وأنها تصلح للخدمة. وقد أمرنا بإرسالها إليه، وأرسلوا إليه من حطب المشمش ما يصنع منع عبدان الملاهى. فعند ذلك آيسوا من نصره، وضعفت قواهم، وخارت نفوسهم وذلوا، وملكها الفرنج [فى التاريخ المذكور «3» ] . وكانت مدة الحصار سبع سنين وأربعة أشهر.
ولما ملكها السردانى، تحكم «1» فيها واستقل بملكها. فبينما هو كذلك، وإذا بمركب «2» قد وصل إليها، وفيه صبى ادّعى أنه ولد الملك صنجيل، واسمه تبران «3» ، ومعه مشايخ من أصحاب والده، يخدمونه ويدبرون أمره. فطلعوا إلى السردانى، وقالوا له هذا ولد صنجيل، وهو يريد تسليم «4» مدينة والده التى فتحها عسكره، فأنكر السردانى ذلك، وقام ورفس الصبى وأخرجه. فأخذه أصحابه، وجعلوا يطوفون به على الفرسان. فرحموه، وتذكروا أيمانهم لأبيه، وقالوا:
إذا كان نهار الغد، ونحن عنده، فاحضروا وتحدثوا معه، ففعلوا. وتحدث الصبى ابن صنجيل، فصاح به السردانى، فقام الفرسان كلهم على السردانى، وأخرجوه من المملكة، وسلموها إلى الصبى [ابن صنجيل «5» ] . فأقام ملكا حتى قتله بزواج «6» ، وذلك فى يوم الأحد، لأربع خلون من شهر رجب، سنة إحدى
وثلاثين وخمسمائة. وقتل أكثر أصحابه، وأسر بطرس الأعور، واستخلف فى طرابلس ولد القومص بدران «1» ، فأسره أتابك زنكى، [لما كان فى صحبة متملك القدس فلك «2» بن فلك، وذلك بالقرب من قلعة بعرين، فطلع الملك وجماعة معه إلى قلعة بعرين، فحاصرهم زنكى «3» ] وضايقهم، فصالحه الملك على تسليم حصن بعرين، واستخلص القومص صاحب طرابلس وجميع الأسرى. وعاد القومص إلى طرابلس، وأقام حتى وثب عليه الإسماعيلية، فقتلوه. فتولى بعده ريمند «4» ، وهو صبى، وحضر الحرب مع الفرنج على حارم. فكسرهم الملك العادل نور الدين [محمود «5» ] الشهيد [ين زنكى] ، وقتل منهم «6» مقتلة عظيمة وأسر.
وكان من أسر، القومص ريمند، وذلك فى سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وبقى فى اعتقاله إلى أن ملك الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب. فأعتقه فى
تاسع عشرى «1» شهر ربيع الأول سنة سبعين وخمسمائة «2» . وبقى الملك بيده، ويد أولاده من بعده، إلى أن فتحت هذا الفتح المبارك [سنة ثمان وثمانين وستمائة «3» ] فى الأيام المنصورية وهدمت المدينة «4» .
واستقر العسكر على عادته بحصن الأكراد والنائب عن السلطنة الأمير سيف الدين بلبان الطباخى المنصورى، وكان اليزك «5» ينزل إلى طرابلس، من حصن الأكراد. ثم عمرّ المسلمون مدينة مجاورة للنهر. واختلفوا «6» بها، وعمروا فيها حمامات وقياسر ومساجد ومدارس للعلم. وأجريت المياه فى دورها بقساطل «7» وعمرت دار السلطنة، ينزلها نائب السلطنة بالمملكة، وهى عالية مشرفة على المدينة.
واستمر الأمير سيف الدين الطباخى فى النيابة، إلى أن نقل إلى حلب، فى الدولة الأشرفية، فى سنة إحدى وتسعين وستمائة. وولّاها [السلطان «8» ] الأمير سيف الدين طغريل الإيغانى، فأقام أياما، واستعفى فاعفاه السلطان الملك الأشرف. ورتب فى النيابة، الأمير عز الدين أيبك الخزندار المنصورى، فبقى فى النيابة إلى الأيام العادلية الزينية كتبغا المنصورى، فعزله عنها فى سنة أربع وتسعين وستمائة. ودفن بتربته التى أنشأها، وهى بجوار حمامه بطرابلس
وفوّضت النيابة بها بعده إلى الأمير سيف الدين كرت الحاجب، فلم تطل أيامه إلى أن كان من دخول التتار البلاد، ما نذكره إن شاء الله تعالى، فى أخبار الدولة الناصرية، فشهد الوقعة وعدم، وربما استشهد رحمه الله تعالى.
ثم فوضت النيابة بعد خروج التتار من الشام، إلى الأمير سيف الدين قطلبك المنصورى، فتوجه إليها، وأقام بها، إلى سنة سبعمائة. واستعفى من النيابة فأعفى، واستقر فى جملة الأمراء بدمشق.
وفوضت نيابة السلطنة إلى الأمير سيف الدين استدمر كرجى المنصورى، فاستمر بها إلى سنة تسع وسبعمائة «1» . وعمرّ بها حماما عظيما، أجمع التجار ومن يجوب البلاد، أنه ما عمرّ مثله فى بلد من البلدان، وعمّر قيسارية وطاحونا. وأنشأ مماليكه بها مساكن حسنة البناء، تجرى إليها المياه بالقنوات، وتجرى فى طباقها، وعمرّ أيضا بعض القلعة، وأقام أبراجا، وهذه القلعة مجاورة لدار السلطنة بطرابلس. وتمكنّ استدمر تمكنّا كثيرا، وتامّر عدّه من مماليكه، ثم نقل إلى حماه.
وفوض السلطان الملك الناصر نيابة المملكة الطرابلسية وما معها إلى الأمير سيف الدين الحاج بهادر الحاجب، كان المعروف بالحلبى فاقام بها إلى أن توفى فى ثامن عشر شهر ربيع الأول سنة عشر وسبعمائة. وفوضت النيابة بها إلى الأمير جمال الدين أقش الأقرم، فأقام بها إلى مستهل المحرم سنة ثنتى عشرة وسبعمائة وفارقها، وتوجه إلى بلاد التتار، على ما نذكر ذلك، إن شاء الله تعالى فى أخبار الدولة الناصرية.
وفوّضت النيابة بعده إلى الأمير سيف الدين كستاى الناصرى، فأقام بها، إلى أن توفى فى شهر رجب سنة ست عشرة وسبعمائة. وفوضت النيابة بعده إلى الأمير شهاب الدين قرطاى الصالحى، وهو النائب بها الآن، إلى حين وضعنا «1» لهذا الجزء، وذلك فى سلح شهر رجب، سنة خمس وعشرين وسبعمائة.
وسنذكر إن شاء الله تعالى، أخبار هؤلاء النواب فى موضعها من هذا الكتاب على ما سنقف عليه. وإنما أوردناها فى هذا الموضع، لتكون اخبار طرابلس سيافة، وإن كانت على سبيل الإجمال والاختصار. ولنرجع إلى سياقة أخبار الدولة المنصورية.