الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وُجُوبِ الشَّرْطِ يُنَافِيهِ، فَيَكُونُ خِلَافَ الظَّاهِرِ ; لِأَنَّ خِلَافَ الظَّاهِرِ إِثْبَاتُ مَا يَنْفِيهِ اللَّفْظُ، أَوْ رَفْعُ مَا أَثْبَتَهُ اللَّفْظُ. وَمَا لَا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ، لَا يَكُونُ إِثْبَاتُهُ وَنَفْيُهُ مُخَالَفَةً لِلظَّاهِرِ.
[تحريم وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَحْكَامِ الْوَاجِبِ شَرَعَ فِي أَحْكَامِ الْحَرَامِ، وَذَكَرَهَا فِي مَسْأَلَتَيْنِ. الْأُولَى أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُحَرَّمَ وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ مِنْ أَشْيَاءَ مُتَعَدِّدَةٍ أَمْ لَا.
فَقَالَ الْأَصْحَابُ: نَعَمْ، وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: لَا.
لَنَا أَنَّهُ لَا مَانِعَ عَقْلًا ; إِذْ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ السَّيِّدُ لِغُلَامِهِ: لَا تُكَلِّمْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا، فَقَدْ حَرَّمْتُ عَلَيْكَ كَلَامَ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ، وَلَمْ أُحَرِّمْ عَلَيْكَ كَلَامَهُمَا جَمِيعًا، وَلَا كَلَامَ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ. فَلَيْسَ الْمُحَرَّمُ مَجْمُوعَ كَلَامِهِمَا، وَلَا كَلَامَ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ ; لِتَصْرِيحِهِ بِنَقِيضِهِ. فَلَمْ يَبْقَ الْمُحَرَّمُ إِلَّا كَلَامَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا بِعَيْنِهِ. وَطَرِيقُ الْخَصْمِ فِي الِاعْتِرَاضِ وَطَرِيقُنَا فِي الْجَوَابِ كَالْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ.
[استحالة كَوْنُ الشَّيْءِ وَاجِبًا حَرَامًا]
ش - الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي أَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا حَرَامًا أَمْ لَا. الْوَاحِدُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا بِالنَّوْعِ أَوْ بِالشَّخْصِ. وَالْأَوَّلُ كَالسُّجُودِ مَثَلًا، فَإِنَّهُ نَوْعٌ وَاحِدٌ مِنَ الْأَفْعَالِ، ذُو أَشْخَاصٍ كَثِيرَةٍ، يَجُوزُ أَنْ يَنْقَسِمَ إِلَى الْوَاجِبِ وَالْحَرَامِ، فَيَكُونُ بَعْضُ أَفْرَادِهِ وَاجِبًا، كَالسُّجُودِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَبَعْضُهَا حَرَامًا، كَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ. وَلَا امْتِنَاعَ فِي ذَلِكَ.
وَالثَّانِي وَهُوَ الْوَاحِدُ بِالشَّخْصِ. فَإِنْ كَانَ ذَا جِهَةٍ وَاحِدَةٍ يَسْتَحِيلُ كَوْنُهُ وَاجِبًا حَرَامًا لِتَنَافِيهَا، إِلَّا عِنْدَ بَعْضِ مَنْ يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ الْمُحَالِ، وَهُمُ الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ تَكْلِيفِ الْمُحَالِ عَقْلًا وَشَرْعًا.
وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِامْتِنَاعِهِ شَرْعًا لَا عَقْلًا فَلَا يُجَوِّزُونَهُ، تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] .
وَأَمَّا الشَّيْءُ الْوَاحِدُ لَهُ جِهَتَانِ، كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ - فَالْجُمْهُورُ:[تَصِحُّ] .
وَالْقَاضِي: [لَا تَصِحُّ] وَيَسْقُطُ الطَّلَبُ عِنْدَهَا.
وَأَحْمَدُ وَأَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ: [لَا تَصِحُّ،] وَلَا يَسْقُطُ.
ص - لَنَا: الْقَطْعُ بِطَاعَةِ الْعَبْدِ وَعِصْيَانِهِ بِأَمْرِهِ بِالْخِيَاطَةِ وَنَهْيِهِ عَنْ مَكَانٍ مَخْصُوصٍ لِلْجِهَتَيْنِ.
وَأَيْضًا: لَوْ لَمْ تَصِحَّ - لَكَانَ لِاتِّحَادِ الْمُتَعَلِّقِينَ ; إِذْ لَا مَانِعَ سِوَاهُ اتِّفَاقًا، وَلَا اتِّحَادَ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ لِلصَّلَاةِ وَالنَّهْيَ لِلْغَصْبِ.
وَاخْتِيَارُ الْمُكَلَّفِ [جَمْعَهُمَا] لَا يُخْرِجُهُمَا عَنْ حَقِيقَتِهِمَا.
ص - وَاسْتَدَلَّ: لَوْ لَمْ تَصِحَّ - لَمَا ثَبَتَ صَلَاةٌ مَكْرُوهَةٌ، وَلَا صِيَامٌ مَكْرُوهٌ ; لِتَضَادِّ الْأَحْكَامِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إِنِ اتَّحَدَ الْكَوْنُ مُنِعَ، وَإِلَّا لَمْ يُفِدْ ; لِرُجُوعِ النَّهْيِ إِلَى وَصْفٍ مُنْفَكٍّ.
ص - وَاسْتَدَلَّ: لَوْ لَمْ تَصِحَّ - لَمَا سَقَطَ التَّكْلِيفُ.
قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ سَقَطَ بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّهُمْ [لَمْ يَأْمُرُوهُمْ] بِقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَأَمَّا الشَّيْءُ الْوَاحِدُ الَّذِي لَهُ جِهَتَانِ، كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ. فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ ذَاتُ جِهَتَيْنِ: أَحَدُهُمَا: كَوْنُهَا صَلَاةً، وَالثَّانِيَةُ كَوْنُهَا غَصْبًا. وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْجِهَتَيْنِ مَعْقُولَةٌ بِدُونِ الْأُخْرَى. فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا وَاجِبًا مِنْ جِهَتَيْنِ، وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ إِذَا أَتَى بِهَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ. وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ.
وَذَهَبَ الْقَاضِي إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا وَاجِبًا مِنْ جِهَتَيْنِ، وَلَا تَصِحُّ إِذَا أَتَى بِهَا، وَيَسْقُطُ الطَّلَبُ عَنِ الْمُكَلَّفِ عِنْدَ الصَّلَاةِ لَا بِهَا.
وَذَهَبَ أَحْمَدُ وَأَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا وَاجِبًا مِنْ جِهَتَيْنِ، وَلَا تَصِحُّ إِذَا أَتَى بِهَا، وَلَا يَسْقُطْ عَنْهُ الطَّلَبُ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
ش - لَمَّا فَرَغَ عَنْ تَقْرِيرِ الْأَقْوَالِ، شَرَعَ فِي إِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى مُدَّعَاهُ، وَبَيَّنَهُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْقَطْعُ بِجَوَازِ ذَلِكَ عَقْلًا. كَمَا إِذَا قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: خِطْ هَذَا الثَّوْبَ وَلَا تَدْخُلْ هَذِهِ الدَّارَ. فَإِنَّهُ إِذَا خَاطَ الثَّوْبَ فِي الدَّارِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، نَقْطَعُ بِطَاعَتِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ خَاطَ، وَبِمَعْصِيَتِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ خَاطَ فِي الدَّارِ. فَيَكُونُ فِعْلُ الْخِيَاطَةِ مَأْمُورًا بِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ مِنْ جِهَتَيْنِ.
فَكَذَلِكَ يَجُوزُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ ; فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَأْمُورٌ بِهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ صَلَاةٌ، مَنْهِيٌّ عَنْهَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ.
الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَصِحَّ كَوْنُ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ مَأْمُورًا بِهَا مَنْهِيًّا عَنْهَا، كَانَ عَدَمُ الصِّحَّةِ لِاتِّحَادِ مُتَعَلِّقِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ; إِذْ لَا مَانِعَ سِوَاهُ بِالْإِجْمَاعِ.
وَالتَّالِي بَاطِلٌ; إِذْ لَا اتِّحَادَ بَيْنَ مُتَعَلِّقِيهِمَا ; لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ الْأَمْرِ هُوَ الصَّلَاةُ، وَمُتَعَلِّقَ النَّهْيِ كَوْنُهَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ. وَأَحَدُهُمَا غَيْرُ الْآخَرِ. وَاخْتِيَارُ الْمُكَلَّفِ الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَبَيْنَ كَوْنِهَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ لَا يُخْرِجُهُمَا عَنْ حَقِيقَتِهِمَا، حَتَّى يَتَّحِدَّ الْجِهَتَانِ.
وَقَدْ قِيلَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الصَّلَاةَ مَأْمُورٌ بِهَا، فَإِنَّهُ بَعْدَ الْجَمْعِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ كَوْنِهَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، صَارَتْ هَيْئَةُ الصَّلَاةِ مَنْهِيًّا عَنْهَا، وَلَا يُمْكِنُ حُصُولُهَا بِدُونِهَا، فَتَكُونُ الصَّلَاةُ مَنْهِيًّا عَنْهَا، فَلَمْ يَأْتِ بِالْمَأْمُورِ بِهَا.
وَأَيْضًا: الْخِيَاطَةُ، إِنْ أُمِرَ بِهَا كَيْفَ كَانَتْ فَلَا يَكُونُ شَغْلُ الْحَيِّزِ مَمْنُوعًا عَنْهُ، فَلَا يَكُونُ نَظِيرًا لِمُتَنَازَعٍ فِيهِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَإِنْ أُمِرَ بِهَا فِي الْجُمْلَةِ وَمُنِعَ الْعَبْدُ عَنْ شُغْلِ الْمَكَانِ الْمَخْصُوصِ وَاشْتَغَلَ بِالْخِيَاطَةِ فِيهَا فَهَذِهِ الْخِيَاطَةُ مَمْنُوعٌ عَنْهَا، وَلَكِنْ يُعَدُّ الْعَبْدُ مُمْتَثِلًا; لِأَنَّهَا فِعْلٌ حَقِيقِيٌّ لَا يَبْطُلُ بِالْمَنْعِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ.
وَعَلَى الثَّانِي أَنَّ لِلْمَانِعِ أَنْ يَقُولَ: لَا كَلَامَ فِي التَّغَايُرِ، بَلِ الْكَلَامُ فِي أَنَّ الْجَمْعَ أَوْجَبَ لِلصَّلَاةِ هَيْئَةً مَنْهِيًّا عَنْهَا مَنَعَتْ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ مَأْمُورًا بِهَا. وَمَا ذَكَرْتَ لَا يَدْفَعُهُ.
وَقِيلَ عَلَى الثَّانِي أَيْضًا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ أَحَدُ أَجْزَائِهَا: الْكَوْنُ الَّذِي هُوَ الْحَرَكَةُ وَالسُّكُونُ. وَهَذَا الْكَوْنُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ كَوْنٌ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَإِذَا كَانَ الْجُزْءُ مَنْهِيًّا عَنْهُ، يَكُونُ الْكُلُّ مَنْهِيًّا عَنْهُ بِالضَّرُورَةِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ لَيْسَتْ مَأْمُورًا بِهَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا صَلَاةٌ مُقَيَّدَةٌ بِكَوْنِهَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ بَلْ مِنْ حَيْثُ هِيَ صَلَاةٌ مُطْلَقًا. وَالْهَيْئَةُ الْحَاصِلَةُ لَهَا بَعْدَ الْجَمْعِ وَإِنْ كَانَتْ مَنْهِيًّا عَنْهَا، لَا يَكُونُ نَهْيُهَا مُوجِبًا لِنَهْيِ الصَّلَاةِ الْمُطْلَقَةِ ; ضَرُورَةَ كَوْنِهَا غَيْرَ لَازِمَةٍ [لَهَا] ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ الْمُطْلَقَةَ قَدْ تَتَحَقَّقُ بِدُونِ تِلْكَ الْهَيْئَةِ. وَإِذَا كَانَتِ الصَّلَاةُ الْمُطْلَقَةُ غَيْرَ مَنْهِيٍّ، وَقَدْ أَتَى بِهَا ; لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِالصَّلَاةِ الْمُقَيَّدَةِ، وَالْمُقَيُّدُ يَسْتَلْزِمُ الْمُطْلَقَ، فَيَكُونُ قَدْ أَتَى بِالْمَأْمُورِ بِهَا.
وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ السَّيِّدَ إِذَا أَمَرَ الْعَبْدَ بِالْخِيَاطَةِ فِي الْجُمْلَةِ وَنَهَاهُ عَنْ شَغْلِهِ الْمَكَانَ الْمَخْصُوصَ وَقَالَ: إِنِ ارْتَكَبْتَ النَّهْيَ ضَرَبْتُكَ، وَإِنِ امْتَثَلْتَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الْأَمْرَ أَعْتَقْتُكَ، فَخَاطَ الثَّوْبَ فِي الدَّارِ، فَيَحْسُنُ مِنَ السَّيِّدِ أَنْ يَضْرِبَهُ وَيُعْتِقَهُ، وَيَقُولُ: أَطَاعَ بِالْخِيَاطَةِ وَعَصَى بِدُخُولِ الدَّارِ. فَالْخِيَاطَةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ خِيَاطَةٌ غَيْرُ مَمْنُوعٍ عَنْهَا قَطْعًا.
وَأَمَّا الْفَرْقُ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَعِدُ الْعَبْدَ مُمْتَثِلًا لِأَنَّهَا فِعْلٌ حَقِيقِيٌّ لَا يَبْطُلُ بِالْمَنْعِ مِنْهَا، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، فَضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الْمَنْعَ لَيْسَ عَنِ الصَّلَاةِ، حَتَّى يَلْزَمَ أَنْ لَا يُعَدَّ مُمْتَثِلًا، بَلِ الْمَنْعُ عَنْ كَوْنِهَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ.
وَوُرُودُ الْمَنْعِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِعَدَمِ وُقُوعِ الْفِعْلِ عَلَى وَجْهِ الِامْتِثَالِ أَوْ لَا يَكُونُ مُوجِبًا. وَأَيًّا مَا كَانَ، لَا فَرْقَ بَيْنَ خِيَاطَةِ الْعَبْدِ وَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ فِي كَوْنِهِمَا وَاقِعِينَ عَلَى وَجْهِ الِامْتِثَالِ أَوْ غَيْرَ وَاقِعَيْنِ. وَبِمَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا يُعْرَفُ جَوَابُ مَا قِيلَ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي.
ش - هَذَا اسْتِدْلَالٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ. تَقْرِيرُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، لَمَا ثَبَتَ صَلَاةٌ مَكْرُوهَةٌ وَلَا صِيَامٌ مَكْرُوهٌ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَالتَّالِي بَاطِلٌ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْأَمْكِنَةِ الَّتِي نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى كَرَاهَتِهَا فِيهَا، كَمَعَاطِنِ الْإِبِلِ وَالْأَوْدِيَةِ وَالْحَمَّامِ، صَلَاةٌ مَكْرُوهَةٌ.
وَكَذَا الصَّوْمُ فِي يَوْمِ الشَّكِّ صَوْمٌ مَكْرُوهٌ، فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّهُ لَوِ اسْتَحَالَ اجْتِمَاعُ التَّحْرِيمِ وَالْوُجُوبِ، لَاسْتَحَالَ اجْتِمَاعُ الْوُجُوبِ وَالْكَرَاهَةِ ; لِأَنَّهُ كَمَا يَكُونُ التَّحْرِيمُ ضِدًّا لِلْوُجُوبِ، تَكُونُ الْكَرَاهَةُ أَيْضًا ضِدًّا لَهُ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ الْكَوْنَ، أَيِ الْجِهَةَ الَّتِي تَعَلَّقَ بِهَا الْوُجُوبُ، وَالْكَرَاهَةُ إِنِ اتَّحَدَ، مَنَعَ انْتِفَاءَ التَّالِي ; لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ ثُبُوتَ صَلَاةٍ مَكْرُوهَةٍ تَكُونُ جِهَةُ وُجُوبِهَا وَكَرَاهَتِهَا مُتَّحِدَةً، وَلَا ثُبُوتَ صَوْمٍ كَذَلِكَ.
وَإِلَّا، أَيْ وَإِنْ يَتَّحِدِ الْكَوْنُ، أَيِ الْجِهَةُ الْمَذْكُورَةُ، لَمْ يُفِدِ الدَّلِيلُ ; لِأَنَّ النَّهْيَ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْرُوهَةِ حِينَئِذٍ رَاجِعٌ إِلَى وَصْفِ جَائِزِ الِانْفِكَاكِ عَنِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ التَّعَرُّضُ لِنِفَارِ الْإِبِلِ فِي أَعْطَانِهَا، وَلِحَظْرِ السَّيْلِ فِي بَطْنِ الْوَادِي، وَلِخَوْفِ الرَّشَاشِ فِي الْحَمَّامِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَالْأَمْرُ رَاجِعٌ إِلَى الصَّلَاةِ مُطْلَقًا، فَيَجُوزُ تَعَلُّقُ الْوُجُوبِ وَالْكَرَاهَةِ بِهَاتَيْنِ الْجِهَتَيْنِ الْمُتَغَايِرَتَيْنِ. بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ فَإِنَّ الْجِهَةَ الَّتِي تَعَلَّقَ النَّهْيُ بِهَا - وَهِيَ كَوْنُهَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ - لَا تَنْفَكُّ عَنِ الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ ثُبُوتِ اجْتِمَاعِ الْكَرَاهَةِ وَالْوُجُوبِ ثُبُوتُ اجْتِمَاعِ الْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ.
قِيلَ: إِنَّ جِهَةَ الْوُجُوبِ فِي الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، هِيَ الصَّلَاةُ الْمُطْلَقَةُ، وَكَوْنُهَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُنْفَكَّةٍ عَنِ الصَّلَاةِ الْمُشَخَّصَةِ لَكِنْ جَائِزَةُ الِانْفِكَاكِ عَنِ الصَّلَاةِ الْمُطْلَقَةِ. وَحِينَئِذٍ لَا فَرْقَ بَيْنَ جَوَازِ اجْتِمَاعِ الْوُجُوبِ وَالْكَرَاهَةِ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْرُوهَةِ وَبَيْنَ جَوَازِ اجْتِمَاعِ الْحُرْمَةِ وَالْوُجُوبِ فِي الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْوَصْفَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْرُوهَةِ، وَصْفٌ مُنْفَكٌّ عَنِ الصَّلَاةِ الْمُشَخِّصَةِ، بِخِلَافِ الْوَصْفِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُنْفَكٍّ عَنِ الصَّلَاةِ الْمُشَخِّصَةِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْفَرْقَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ غَيْرُ مُفِيدٍ ; لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ الْوُجُوبِ فِي الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ هُوَ الصَّلَاةُ الْمُطْلَقَةُ، لَا الْمُشَخِّصَةُ.
ش - هَذَا اسْتِدْلَالٌ آخَرُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ. وَتَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: لَوْ لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، لَمَا سَقَطَ التَّكْلِيفُ بِهَا عَنِ الْمُكَلَّفِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الصَّلَاةَ إِذَا لَمْ تَكُنْ صَحِيحَةً لَمْ يُمْكِنِ الْإِتْيَانُ بِهَا، [إِتْيَانًا بِالْمَأْمُورِ بِهِ،] وَالتَّكْلِيفُ كَيْفَ يَسْقُطُ بِعَدَمِ إِتْيَانِ الْمَأْمُورِ بِهِ.
وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي فَلِمَا قَالَ الْقَاضِي مِنْ أَنَّهُ قَدْ سَقَطَ التَّكْلِيفُ بِالْإِجْمَاعِ وَالدَّلِيلُ عَلَى تَحَقُّقِ الْإِجْمَاعِ أَنَّ السَّلَفَ لَمْ يَأْمُرُوهُمْ بِقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ الْمَأْتِيِّ بِهَا فِي الْأَرَاضِي الْمَغْصُوبَةِ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِمَنْعِ الْإِجْمَاعِ ; فَإِنَّ أَحْمَدَ قَدْ خَالَفَ الْفُقَهَاءَ فِي سُقُوطِ التَّكْلِيفِ بِالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَهُوَ أَقْعَدُ بِمَعْرِفَةِ الْإِجْمَاعِ مِنْ غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ قَدْ بَالَغَ فِي تَفْتِيشِ النَّقْلِيَّاتِ، وَمَعَ مُخَالَفَتِهِ كَيْفَ يَصِحُّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ.
ش - قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَالْمُتَكَلِّمُونَ: لَوْ صَحَّتِ الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ لَاتَّحَدَ الْمُتَعَلِّقَانِ، أَيْ مُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ، وَإِلَّا يَلْزَمُ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ، فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
بَيَانُ الْمُلَازِمَةِ أَنَّ الْكَوْنَ الْمَخْصُوصَ الَّذِي هُوَ الصَّلَاةُ هُوَ بِعَيْنِهِ الْكَوْنُ الَّذِي هُوَ الْغَصْبُ. وَالْكَوْنُ الَّذِي هُوَ الْغَصْبُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِالِاتِّفَاقِ. فَلَوْ كَانَتِ الصَّلَاةُ صَحِيحَةً لَكَانَتْ مَأْمُورًا بِهَا ; لِأَنَّ الصِّحَّةَ هِيَ: مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الْكَوْنُ مَأْمُورًا بِهِ، فَيَكُونُ مُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيُ وَاحِدًا.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ بِأَنْ قَالَ: لَا نُسَلِّمُ لَوْ صَحَّتْ لَاتَّحَدَ الْمُتَعَلِّقَانِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَوْنَ الْمَخْصُوصَ لَهُ جِهَتَانِ: إِحْدَاهُمَا جِهَةُ الصَّلَاةِ، وَالْأُخْرَى جِهَةُ الْغَصْبِ. وَلَا شَكَّ فِي تَغَايُرِ الْجِهَتَيْنِ وَجَوَازِ انْفِكَاكِ إِحْدَاهُمَا عَنِ الْآخَرِ، فَبِاعْتِبَارِ الْجِهَةِ الْأُولَى مُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ، وَبِاعْتِبَارِ الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ مُتَعَلِّقُ النَّهْيِ.
قِيلَ: لِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ: إِنَّ الصَّلَاةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ صَلَاةٌ لَمْ تَنْفَكَّ فِيَ الْخَارِجِ عَنِ الْجِهَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، وَمَلْزُومُ الْمَنْهِيِّ مَنْهِيٌّ. فَهَذِهِ الصَّلَاةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ صَلَاةٌ مَنْهِيَّةٌ، فَلَا تَكُونُ صَحِيحَةً.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الصَّلَاةَ لَمْ تَنْفَكَّ فِي الْخَارِجِ عَنْ
وَرُدَّ بِمَنْعِ الْإِجْمَاعِ مَعَ مُخَالَفَةِ أَحْمَدَ وَهُوَ أَقْعَدُ بِمَعْرِفَةِ الْإِجْمَاعِ.
ص - قَالَ الْقَاضِي وَالْمُتَكَلِّمُونَ: لَوْ صَحَّتْ - لَاتَّحَدَ الْمُتَعَلِّقَانِ ; لِأَنَّ الْكَوْنَ وَاحِدٌ، [وَهُوَ غَصْبٌ] .
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَأُجِيبَ بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ بِمَا سَبَقَ.
ص - قَالُوا: لَوْ صَحَّتِ يَصِحُّ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ بِالْجِهَتَيْنِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ صَوْمَ يَوْمِ النَّحْرِ غَيْرُ مُنْفَكٍّ عَنِ الصَّوْمِ بِوَجْهٍ فَلَا يَتَحَقَّقُ جِهَتَانِ. أَوْ بِأَنَّ نَهْيَ التَّحْرِيمِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ تَعَدُّدٌ إِلَّا بِدَلِيلٍ خَاصٍّ فِيهِ.
ص - وَأَمَّا مَنْ تَوَسَّطَ أَرْضًا مَغْصُوبَةً - فَحَظُّ الْأُصُولِيِّ فِيهِ بَيَانُ اسْتِحَالَةِ تَعَلُّقِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مَعًا بِالْخُرُوجِ، وَخَطَأِ أَبِي هَاشِمٍ.
وَإِذَا تَعَيَّنَ الْخُرُوجُ لِلْأَمْرِ - قُطِعَ بِنَفْيِ الْمَعْصِيَةِ بِهِ بِشَرْطِهِ. وَقَوْلُ الْإِمَامِ بِاسْتِصْحَابِ حُكْمِ الْمَعْصِيَةِ مَعَ الْخُرُوجِ، وَلَا نَهْيَ بَعِيدٌ. وَلَا جِهَتَيْنِ لِتَعَذُّرِ الِامْتِثَالِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ) : الْمَنْدُوبُ مَأْمُورٌ بِهِ. خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ وَالرَّازِيِّ.
لَنَا أَنَّهُ طَاعَةٌ. وَأَنَّهُمْ قَسَّمُوا الْأَمْرَ إِلَى إِيجَابٍ وَنَدْبٍ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الْجِهَةِ الْمَنْهِيَّةِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجِهَةَ الْمَنْهِيَّةَ كَوْنُ الْفِعْلِ غَصْبًا، وَالصَّلَاةُ تَجُوزُ [انْفِكَاكُهَا] عَنْ كَوْنِ الْفِعْلِ غَصْبًا.
ش - قَالَ الْقَاضِي وَالْمُتَكَلِّمُونَ: لَوْ صَحَّتِ الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ بِاعْتِبَارِ جِهَتَيْنِ يَصِحُّ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ عِلَّةَ صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ تَعَدُّدُ الْجِهَةِ، وَتَعَدُّدُ الْجِهَةِ مُتَحَقِّقٌ فِي صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ، فَيَلْزَمُ صِحَّةُ الصَّوْمِ، وَإِلَّا لَزِمَ تَخَلُّفُ الْمَعْلُومِ عَنِ الْعِلَّةِ، وَهُوَ مُحَالٌ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْجِهَتَيْنِ فِي صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ إِحْدَاهُمَا الصَّوْمُ، وَالْأُخْرَى صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ، وَصَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ غَيْرُ مُنْفَكٍّ عَنِ الصَّوْمِ ; لِأَنَّهُ خَاصٌّ، وَالْخَاصُّ لَا يَنْفَكُّ عَنِ الْعَامِّ، فَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ جِهَتَانِ يَجُوزُ انْفِكَاكُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنِ الْأُخْرَى، فَيَمْتَنِعُ تَعَلُّقُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِهِ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَالنَّهْيَ يَجُوزُ تَعَلُّقُهُمَا بِشَيْءٍ ذِي جِهَتَيْنِ، إِذَا جَازَ انْفِكَاكُ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ. وَالْجِهَتَانِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ جَازَ انْفِكَاكُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنِ الْأُخْرَى ; لِأَنَّ الْجِهَةَ الْمُتَعَلِّقَةَ لِلْأَمْرِ هِيَ الصَّلَاةُ، وَالْجِهَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ لِلنَّهْيِ كَوْنُ الْفِعْلِ غَصْبًا. وَيُمْكِنُ أَنْ تَتَحَقَّقَ الصَّلَاةُ بِدُونِ كَوْنِهَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَكَذَا كَوْنُ الْفِعْلِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ يَجُوزُ انْفِكَاكُهُ عَنِ الصَّلَاةِ. فَيَجُوزُ تَعَلُّقُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ.
بِخِلَافِ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ، لِمَا بَيَّنَّا مِنَ الْفَرْقِ.
الثَّانِي: أَنَّ [نَهْيَ] صَوْمِ النَّحْرِ نَهْيَ التَّحْرِيمِ، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ نَهْيَ التَّحْرِيمِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ تَعَدُّدُ الْجِهَتَيْنِ، إِلَّا بِدَلِيلٍ خَاصٍّ فِيهِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: لَا يُعْتَبَرُ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ نَهْيَ التَّحْرِيمَ تَعَدُّدُ الْجِهَتَيْنِ ; لِأَنَّ نَهْيَ التَّحْرِيمِ يَقْتَضِي الِانْتِهَاءَ عَنِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَاعْتِبَارُ تَعَدُّدِ الْجِهَتَيْنِ يَقْتَضِي جَوَازَ الْإِتْيَانِ بِهِ، وَهُمَا مُتَنَافِيَانِ.
فَإِذًا لَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ الْجِهَتَيْنِ فِي نَهْيِ التَّحْرِيمِ إِلَّا بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ. وَلَمَّا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ اعْتِبَارِ جِهَةِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَقِمِ الصَّلَاةَ، وَدَلَّ الدَّلِيلُ أَيْضًا عَلَى اعْتِبَارِ جِهَةِ الْغَصْبِ، وَهُوَ قَوْلُهُ عليه السلام:" مَنْ غَصَبَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ طَوَّقَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
اعْتُبِرَ تَعَدُّدُ الْجِهَتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ.
وَأَيْضًا: الْإِجْمَاعُ عَلَى سُقُوطِ قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ الْمَأْتِيِّ بِهَا فِي الْأَمَاكِنِ الْمَغْصُوبَةِ، دَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَمْنَعَ الْإِجْمَاعَ.
وَقِيلَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: إِنَّ النَّهْيَ عَنِ الْغَصْبِ بَعْدَ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ يُوجِبُ النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ الَّتِي أَوْقَعَتْ فِيهَا.
وَعَلَى الثَّانِي إِنَّ الدَّلِيلَ كَمَا دَلَّ عَلَى تَعَدُّدِ الْجِهَةِ فِي الصَّلَاةِ فَقَدْ دَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ تَعَدُّدِ الْجِهَتَيْنِ فِي صَوْمِ النَّحْرِ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ دَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ جِهَةِ وُجُوبِ الصَّوْمِ. وَنَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ صَوْمِ يَوْمَيِ الْعِيدِ، دَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ خُصُوصِيَّةِ يَوْمِ الْعِيدِ ; فَإِنَّ الصَّوْمَ مِنْ حَيْثُ هُوَ صَوْمٌ لَا مَفْسَدَةَ فِيهِ.
وَقِيلَ عَلَى الْأَوَّلِ أَيْضًا: إِنَّ لِصَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ جِهَتَيْنِ، كَمَا لِلصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ: إِحْدَاهُمَا: الصَّوْمُ، وَالْأُخْرَى: إِيقَاعُهُ فِي ذَلِكَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الْيَوْمِ. فَالصَّوْمُ مَأْمُورٌ بِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَمَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَحِينَئِذٍ لَوْ صَحَّتِ الصَّلَاةُ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، لَصَحَّ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْغَصْبِ بَعْدَ الْجَمْعِ يُوجِبُ النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَجُزِ انْفِكَاكُ الْغَصْبِ، الَّذِي تَعَلَّقَ النَّهْيُ بِهِ، عَنِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ.
وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ النَّهْيَ فِي صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ إِنَّمَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِنَفْسِ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَلَمْ يُتَصَوَّرِ [انْفِكَاكُ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ عَنْ صَوْمٍ] . بِخِلَافِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ ; فَإِنَّهُ إِنَّمَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالْغَصْبِ فَالْغَصْبُ يَجُوزُ انْفِكَاكُهُ عَنِ الصَّلَاةِ.