الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَعَنِ الثَّانِي: بِأَنَّا لَا نُسَلِمُّ انْتِفَاءَ التَّالِي أَيْضًا، إِنْ أُرِيدَ بِالْحُكْمِ بِقُبْحِ هَذِهِ الْأُمُورِ الْحُكْمُ بِتَحْرِيمِهَا بِحَسَبِ الشَّرْعِ ; لِأَنَّا نَلْتَزِمُ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ الْحُكْمُ بِقُبْحِ هَذِهِ الْأُمُورِ بِحَسْبِ الشَّرْعِ قَبْلَ ظُهُورِ الشَّرِيعَةِ.
وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْحُكْمُ بِتَحْرِيمِهِ بِحَسْبِ الْعَقْلِ فَلَا مَجَالَ لَهُ عِنْدَنَا ; إِذْ لَا نَقُولُ بِهِ.
[مَسْأَلَتَانِ عَلَى التَّنَزُّلِ]
ش - اعْلَمْ أَنَّ
وُجُوبَ شُكْرِ الْمُنْعِمِ
عَقْلًا، وَحُكْمَ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ نَوْعَانِ عَلَى ثُبُوتِ قَاعِدَةِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ، وَبُطْلَانُهَا يُوجِبُ بُطْلَانَهُمَا. إِلَّا أَنَّ الْأَصْحَابَ عَادَتُهُمْ أَنْ يُسَلِّمُوا تِلْكَ الْقَاعِدَةَ وَيُثْبِتُوا إِبْطَالَ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ إِظْهَارًا لِسُقُوطِ كَلَامِهِمْ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ. فَلِهَذَا يُقَالُ لِهَذَيْنِ الْفَرْعَيْنِ مَسْأَلَتَانِ عَلَى التَّنَزُّلِ.
وَمَعْنَى التَّنَزُّلِ هَهُنَا: الِانْتِقَالُ مِنْ [مَذْهَبِ] الْحَقِّ الَّذِي هُوَ أَعْلَى مَرْتَبَةٍ إِلَى مَذْهَبِهِمُ الْبَاطِلِ الَّذِي هُوَ فِي غَايَةِ الِانْخِفَاضِ.
[وجوب شكر المنعم]
ش - الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي أَنَّ شُكْرَ الْمُنْعِمِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَقْلًا. وَشُكْرُ الْمُنْعِمِ عِبَارَةٌ عَنِ اسْتِعْمَالِ جَمِيعِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَى الْعَبْدِ مِنَ الْقُوَى وَالْأَعْضَاءِ، ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً مُدْرَكَةً وَمُحَرَّكَةً، فِيمَا خَلَقَ اللَّهُ سبحانه وتعالى لِأَجْلِهِ، كَاسْتِعْمَالِ النَّظَرِ فِي مُشَاهَدَةِ مَصْنُوعَاتِهِ وَآثَارِ رَحْمَتِهِ لِيَسْتَدِلَّ عَلَى صَانِعِهَا.
وَتَوْجِيهُ الدَّلِيلِ أَنْ يُقَالَ: لَوْ وَجَبَ شُكْرُ الْمُنْعِمِ عَقْلًا، لَوَجَبَ لِفَائِدَةٍ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَا لِفَائِدَةٍ لَكَانَ عَبَثًا، وَهُوَ قَبِيحٌ عَقْلًا.
وَأَمَّا بَيَانُ انْتِفَاءِ التَّالِي فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِفَائِدَةٍ لَكَانَتْ تِلْكَ الْفَائِدَةُ إِمَّا لِلْمَشْكُورِ، وَهُوَ بَاطِلٌ لِتَعَالِيهِ عَنِ الْفَائِدَةِ.
أَوْ لِلْعَبْدِ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الشُّكْرَ الَّذِي هُوَ الْقِيَامُ بِاسْتِعْمَالِ جَمِيعِ مَا أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْقُوَى وَالْأَعْضَاءِ فِيمَا خَلَقَ اللَّهُ لِأَجْلِهِ، مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ، وَلَا حَظَّ لِلنَّفْسِ فِيهِ.
أَوْ فِي الْآخِرَةِ، وَهُوَ بَاطِلٌ ; إِذْ لَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِي ذَلِكَ، أَيْ لَا جَزْمَ لِلْعَقْلِ فِي حُصُولِ الْفَائِدَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ ; لِأَنَّ الْجَزْمَ بِحُصُولِ الْفَائِدَةِ
وَلَا لِلْعَبْدِ فِي الدُّنْيَا ; لِأَنَّهُ مَشَقَّةٌ، وَلَا حَظَّ لِلنَّفْسِ فِيهِ. وَلَا فِي الْآخِرَةِ ; إِذْ لَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِي ذَلِكَ.
ص - قَوْلُهُمْ: الْفَائِدَةُ: الْأَمْنُ مِنِ احْتِمَالِ الْعِقَابِ فِي التَّرْكِ [وَذَلِكَ] لَازِمُ الْخُطُورِ، مَرْدُودٌ بِمَنْعِ الْخُطُورِ فِي الْأَكْثَرِ.
وَلَوْ سُلِّمَ - فَمُعَارَضٌ بِاحْتِمَالِ الْعِقَابِ عَلَى الشُّكْرِ ; لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ.
أَوْ لِأَنَّهُ كَالِاسْتِهْزَاءِ. كَمَنْ شَكَرَ مَلِكًا عَلَى لُقْمَةٍ، بَلِ اللُّقْمَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَلِكِ أَكْثَرُ.
ص - الثَّانِيَةُ: لَا حُكْمَ فِيمَا لَا يَقْضِي الْعَقْلُ فِيهِ بِحُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الْأُخْرَوِيَّةِ لِلْعَقْلِ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا جَزَمَ الْعَقْلُ لِحُصُولِ الثَّوَابِ أَوْ دَفْعِ الْعِقَابِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِالشُّكْرِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ ; لِاحْتِمَالِ الْعِقَابِ عَلَى الشُّكْرِ.
ش - هَذَا جَوَابُ إِيرَادِ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ الثَّانِيَةِ بِأَنَّ الشُّكْرَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِفَائِدَةٍ لِلْعَبْدِ فِي الدُّنْيَا.
وَتَوْجِيهُ الْإِيرَادِ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشُّكْرُ لِفَائِدَةِ الْعَبْدِ فِي الدُّنْيَا.
قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا حَظَّ لِلنَّفْسِ فِي الشُّكْرِ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنْ لَا حَظَّ لِلنَّفْسِ فِي الشُّكْرِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ فَائِدَةَ الشُّكْرِ الْأَمْنُ مِنِ احْتِمَالِ الْعِقَابِ فِي تَرْكِ الشُّكْرِ الْمُوجِبِ لِخَوْفِ النَّفْسِ ; إِذْ هَذَا الِاحْتِمَالُ لَازِمٌ أَنْ يَخْطُرَ عَلَى قَلْبِ الْعَاقِلِ. وَالْأَمْنُ مِنَ الِاحْتِمَالِ الَّذِي هُوَ مُوجِبٌ لِلْخَوْفِ مِنْ أَعْظَمِ الْفَوَائِدِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنَّ قَوْلَهُمْ مَرْدُودٌ; لِأَنَّا نَمْنَعُ أَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ لَازِمُ الْخُطُورِ بِالْبَالِ حَتَّى يَكُونَ الْأَمْنُ مِنْهُ فَائِدَةً.
فَقَوْلُهُ: " قَوْلُهُمْ " مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ:" مَرْدُودٌ " خَبَرُهُ. وَلَئِنْ سُلِّمَ أَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ لَازِمُ الْخُطُورِ بِالْبَالِ فَمُعَارَضٌ بِاحْتِمَالِ الْعِقَابِ عَلَى الشُّكْرِ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ إِقْدَامَهُ عَلَى الشُّكْرِ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ; لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى الشُّكْرِ إِنَّمَا هُوَ بِاسْتِعْمَالِ الْأَعْضَاءِ وَالْقُوَى الَّتِي هِيَ كُلُّهَا مِلْكُ الْحَقِّ تبارك وتعالى، وَالتَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، يَحْتَمِلُ الْعِقَابَ عَلَيْهِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْقِيَامَ بِالشُّكْرِ عَلَى نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى كَالِاسْتِهْزَاءِ بِالْمُنْعِمِ. كَمَنْ شَكَرَ مَلِكًا عَلَى لُقْمَةٍ أَنْعَمَ الْمَلِكُ عَلَيْهِ فِي الْمَحَافِلِ الْعَظِيمَةِ. بَلِ اللُّقْمَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى خِزَانَةِ الْمَلِكِ أَكْثَرُ مِنْ [نِعَمِ] اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعَبْدِ بِالْقِيَاسِ إِلَى خَزَائِنِهِ تَعَالَى. فَلَعَلَّ الشَّاكِرَ يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ بِسَبَبِ شُكْرِهِ.
ش - الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي حُكْمِ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ الشَّرْعِ. مَذْهَبُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ رحمه الله وَأَتْبَاعِهِ أَنَّ أَفْعَالَ الْعُقَلَاءِ قَبْلَ الشَّرْعِ لَا حُكْمَ لَهَا ; ضَرُورَةَ بُطْلَانِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ وَعَدَمِ الشَّرْعِ.
وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ، فَقَالُوا: الْأَفْعَالُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ اضْطِرَارِيَّةً، كَالنَّفْسِ فِي الْهَوَاءِ وَنَحْوِهِ، أَوْ لَا. وَالْأُولَى: لَا بُدَّ مِنَ الْقَطْعِ بِكَوْنِهَا مُبَاحَةً.
وَالثَّانِيَةُ: إِمَّا أَنْ لَا يَقْضِيَ الْعَقْلُ فِيهَا بِحُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ، أَيْ لَا يَهْتَدِي الْعَقْلُ إِلَى حُسْنِهَا أَوْ قُبْحِهَا، أَوْ يَقْضِي فِيهَا بِحُسْنٍ أَوْ قُبْحٍ.
وَالْأُولَى: اخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: الْأَوَّلُ: الْحَظْرُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَغْدَادِيَّةِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ. وَالثَّانِي: الْإِبَاحَةُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مُعْتَزِلَةِ الْبَصْرَةِ.
وَثَالِثُهَا: لَهُمُ الْوَقْفُ عَنِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ. وَأَمَّا غَيْرُهَا - فَانْقَسَمَ عِنْدَهُمْ إِلَى الْخَمْسَةِ.
ص - لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَحْظُورَةً وَفَرَضْنَا ضِدَّيْنِ - لَكُلِّفَ بِالْمُحَالِ.
ص - الْأُسْتَاذُ إِذَا مَلَكَ جَوَادٌ بَحْرًا لَا يَنْزِفُ، وَأَحَبَّ مَمْلُوكُهُ قَطْرَةً - فَكَيْفَ يُدْرَكُ تَحْرِيمُهَا عَقْلًا؟
ص - قَالُوا: تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ. قُلْنَا: يُبْتَنَى عَلَى السَّمْعِ.
وَلَوْ سُلِّمَ فَفِيمَنْ يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ مَا. وَلَوْ سُلِّمَ - فَمُعَارَضٌ بِالضَّرَرِ النَّاجِزِ.
ص - وَإِنْ أَرَادَ الْمُبِيحُ أَنْ لَا حَرَجَ - فَمُسَلَّمٌ. وَإِنْ أَرَادَ خِطَابَ الشَّارِعِ - فَلَا شَرْعَ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَ " ثَالِثُهَا " أَيْ ثَالِثُ الْمَذَاهِبِ " لَهُمْ " أَيْ لِلْمُعْتَزِلَةِ: التَّوَقُّفُ عَنِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ.
وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ: " لَهُمْ ": أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ فِيمَا بَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِوُجُودِ الْحُكْمِ. لَا فِيمَا بَيْنَ الْأَشَاعِرَةِ ; لِأَنَّ مَذْهَبَهُمْ، أَنْ لَا حُكْمَ لِلْأَفْعَالِ قِبَلَ الشَّرْعِ مُطْلَقًا.
وَلَمَّا نَبَّهَ " بِالثَّالِثِ " عَلَى مَذْهَبِ التَّوَقُّفِ عَنِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ، عُلِمَ أَنَّ أَحَدَ الْأَوَّلَيْنِ: الْحَظْرُ، وَالْآخَرَ: الْإِبَاحَةُ.
وَالثَّانِيَةُ: وَهِيَ الَّتِي يَقْضِي الْعَقْلُ فِيهَا بِحُسْنٍ أَوْ قُبْحٍ فَعِنْدَهُمْ يَنْقَسِمُ إِلَى الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ. لِأَنَّ قَضَاءَ الْعَقْلِ فِيهَا إِمَّا بِالْحُسْنِ أَوْ بِالْقُبْحِ. وَالْأَوَّلُ: إِمَّا أَنْ لَا يَتَرَجَّحَ وُجُودُهُ عَلَى تَرْكِهِ، وَهُوَ الْمُبَاحُ.
أَوْ يَتَرَجَّحَ وُجُودُهُ عَلَى تَرْكِهِ، وَحِينَئِذٍ إِمَّا أَنْ يَلْحَقَ تَارِكَهُ الذَّمُّ، وَهُوَ الْوَاجِبُ أَوْ لَا، وَهُوَ الْمَنْدُوبُ.
وَالثَّانِي، وَهُوَ الَّذِي قَضَاءُ الْعَقْلِ فِيهِ بِالْقُبْحِ: إِمَّا أَنْ يَلْحَقَ فَاعِلَهُ ذَمٌّ، وَهُوَ الْحَرَامُ، أَوْ لَا، وَهُوَ الْمَكْرُوهُ.
وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ: " عِنْدَهُمْ " أَنَّ تَحَقُّقَ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ قِبَلَ الشَّرْعِ عَلَى رَأْيِ الْمُعْتَزِلَةِ. وَأَمَّا عَلَى رَأْيِ الْأَشَاعِرَةِ فَلَا. فَعُلِمَ مِنْ سِيَاقِ كَلَامِهِ أَنَّ مَذْهَبَ الْأَشَاعِرَةِ أَنْ لَا حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ لِلْأَفْعَالِ مُطْلَقًا، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
ش - اعْلَمْ أَنَّ غَرَضَ الْأَصْحَابِ عَنِ التَّنَزُّلِ إِبْطَالُ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ فِي الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الَّتِي لَا يَقْضِي الْعَقْلُ فِيهَا بِحُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ، عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ قَاعِدَةِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ، لَا إِبْطَالَ قَوْلِهِمْ فِي الْأَفْعَالِ الِاضْطِرَارِيَّةِ، وَالْأَفْعَالُ الَّتِي يَقْضِي الْعَقْلُ فِيهَا بِحُسْنٍ وَقُبْحٍ ; فَإِنَّهُمُ اكْتَفَوْا فِي إِبْطَالِ قَوْلِهِمْ فِي هَذَيْنِ الْمَقَامَيْنِ عَلَى مَا قِيلَ فِي إِبْطَالِ قَاعِدَةِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ. فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُصَنِّفُ إِلَّا لِإِبْطَالِ الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ فِي الْأَفْعَالِ الَّتِي لَمْ يَقْضِ الْعَقْلُ فِيهَا بِحُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ. فَبَدَأَ بِإِبْطَالِ مَذْهَبِ الْقَائِلِينَ بِالْحَظْرِ.
وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْأَفْعَالَ الَّتِي لَمْ يَقْضِ الْعَقْلُ فِيهَا بِحُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ، لَوْ كَانَتْ مَحْظُورَةً، أَيْ مُحَرَّمَةً قَبْلَ الشَّرْعِ، وَفَرَضْنَا ضِدَّيْنِ، لَزِمَ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ لَوْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً، لَوَجَبَ تَرْكُ جَمِيعِهَا. فَلَوْ فُرِضَ فِي تِلْكَ الْأَفْعَالِ ضِدَّانِ بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ تَرْكُ كُلٍّ مِنْهُمَا كَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ تَرْكُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لَزِمَ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ.
ش - اعْلَمْ أَنَّ الْأُسْتَاذَ أَبَا إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَائِينِيُّ قَنَعَ فِي رَدِّ هَذِهِ الطَّائِفَةِ أَعْنِي الْقَائِلِينَ بِالْحُرْمَةِ، بِمِثَالٍ فِي الشَّاهِدِ، وَهُوَ لَا يُفِيدُ إِلَّا مُجَرَّدَ الِاسْتِبْعَادِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَتَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ أَنَّ الْجَوَادَ إِذَا مَلَكَ بَحْرًا لَا يَنْزِفُ، أَيْ لَا يَذْهَبُ مَاؤُهُ، وَأَحَبَّ مَمْلُوكُهُ قَطْرَةً مِنْهُ فَكَيْفَ يُدْرَكُ تَحْرِيمُهُ عَقْلًا؟ أَيْ لَا يُتَصَوَّرُ مَنْعُ الْجَوَادِ الْمَمْلُوكَ عَنْ تِلْكَ الْقَطْرَةِ. فَكَذَلِكَ الْجَوَادُ الْمُطْلَقُ جَلَّ شَأْنُهُ الْمَالِكُ لِجَمِيعِ النِّعَمِ، إِذَا أَحَبَّ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِهِ الِاسْتِلْذَاذَ بِنِعْمَةٍ مِنْ نِعَمِهِ الَّتِي هِيَ أَقَلُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى نِعَمِهِ مِنْ تِلْكَ الْقَطْرَةِ إِلَى بَحْرِ الْجَوَادِ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ تَحْرِيمُهَا.
ش - الْقَائِلُونَ بِالْحَظْرِ قَالُوا: إِنْ مُبَاشَرَةَ الْأَفْعَالِ الْمَذْكُورَةِ، تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَيَكُونُ حَرَامًا، كَمَا فِي الشَّاهِدِ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ كَوْنَ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ حَرَامًا يُبْتَنَى عَلَى السَّمْعِ وَلَا سَمْعَ قَبْلَ الشَّرْعِ، فَلَا يُحْكَمُ بِكَوْنِهِ حَرَامًا.
وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ عُلِمَ بِالْعَقْلِ لَا بِالسَّمْعِ أَنَّ التَّصَرُّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ حَرَامٌ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّصَرُّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ مُطْلَقًا حَرَامٌ عَقْلًا، بَلِ