الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا. أَيْ رَسُولًا بَعْدَ رَسُولٍ بِفَتْرَةٍ بَيْنَهُمَا. وَفِي الِاصْطِلَاحِ: الْمُتَوَاتِرُ خَبَرُ جَمَاعَةٍ مُفِيدٌ بِنَفْسِهِ الْعِلْمَ بِصِدْقِهِ.
فَالْخَبَرُ كَالْجِنْسِ يَشْمَلُ الْمُتَوَاتِرَ وَغَيْرَهُ. وَبِإِضَافَتِهِ إِلَى الْجَمَاعَةِ، يَخْرُجُ عَنْهُ خَبَرُ الْوَاحِدِ.
وَقَوْلُهُ: مُفِيدٌ الْعِلْمَ، يُخْرِجُ خَبَرَ جَمَاعَةٍ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، بَلِ الظَّنَّ. وَإِنَّمَا قَالَ:" بِنَفْسِهِ " لِيُخْرِجَ الْخَبَرَ الَّذِي عُلِمَ صِدْقُ الْمُخْبِرِينَ فِيهِ بِسَبَبِ الْقَرَائِنِ الزَّائِدَةِ عَلَى مَا لَا يَنْفَكُّ عَنِ الْمُتَوَاتِرِ عَادَةً، وَغَيْرَهَا.
وَمَا لَا يَنْفَكُّ عَنِ الْمُتَوَاتِرِ، الشَّرَائِطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْمُتَوَاتِرِ، كَمَا سَيُذْكَرُ.
وَالْقَرَائِنُ الزَّائِدَةُ الْمُفِيدَةُ لِلْعَلَمِ قَدْ تَكُونُ عَادِيَّةً، كَالْقَرَائِنِ الَّتِي تَكُونُ عَلَى مَنْ يُخْبِرُ عَنْ مَوْتِ وَالِدِهِ، مِنْ شَقِّ الْجُيُوبِ وَالتَّفَجُّعِ. وَقَدْ تَكُونُ عَقْلِيَّةً، كَخَبَرِ جَمَاعَةٍ تَقْتَضِي الْبَدِيهَةُ أَوِ الِاسْتِدْلَالُ صِدْقَهُ. وَقَدْ تَكُونُ حِسِّيَّةً، كَالْقَرَائِنِ الَّتِي تَكُونُ عَلَى مَنْ يُخْبِرُ عَنْ عَطَشِهِ.
[إفادة المتواتر العلم]
ش - أَكْثَرُ الْعُقَلَاءِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُتَوَاتِرَ يُفِيدُ الْعِلْمَ. وَخَالَفَتِ السَّمْنِيَّةُ - وَهُمْ قَوْمٌ مِنَ الْهِنْدِ - فِي إِفَادَةِ الْمُتَوَاتِرِ الْعِلْمَ.
وَهُوَ بُهْتٌ، أَيْ بَاطِلٌ. فَإِنَّ الْمُتَوَاتِرَ يُفِيدُ الْعِلْمَ، سَوَاءٌ كَانَ إِخْبَارًا عَنْ أُمُورٍ مَوْجُودَةٍ فِي زَمَانِنَا، أَوْ أُمُورٍ مَاضِيَةٍ ; لِأَنَّا نَجِدُ بِالضَّرُورَةِ الْعِلْمَ بِالْبِلَادِ النَّائِيَةِ، كَمَكَّةَ وَبَغْدَادَ وَمِصْرَ، وَالْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْخُلَفَاءِ. وَمَا ذَلِكَ الْعِلْمُ إِلَّا مِنَ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ.
وَيُؤَدِّي إِلَى تَنَاقُضِ الْمَعْلُومِينَ، وَتَصْدِيقِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي " لَا نَبِيَّ بَعْدِي "، وَبِأَنَّا نُفَرِّقُ بَيْنَ الضَّرُورِيِّ وَبَيْنَهُ ضَرُورَةً، وَبِأَنَّ الضَّرُورِيَّ يَسْتَلْزِمُ الْوِفَاقَ، مَرْدُودٌ.
ص - وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ ضَرُورِيٌّ. وَالْكَعْبِيُّ وَالْبَصْرِيُّ: نَظَرِيٌّ. وَقِيلَ بِالْوَقْفِ.
لَنَا: لَوْ كَانَ نَظَرِيًّا - لَافْتَقَرَ إِلَى تَوَسُّطِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ، وَلَسَاغَ الْخِلَافُ فِيهِ عَقْلًا.
ص - أَبُو الْحُسَيْنِ: لَوْ كَانَ ضَرُورِيًّا لَمَا افْتَقَرَ. وَلَا يَحْصُلُ إِلَّا بَعْدَ عِلْمِ أَنَّهُ مِنَ الْمَحْسُوسَاتِ. وَأَنَّهُمْ عَدَدٌ لَا حَامِلَ لَهُمْ.
وَأَنَّ مَا كَانَ كَذَلِكَ لَيْسَ بِكَذِبٍ، فَيَلْزَمُ النَّقِيضُ. وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ. بَلْ إِذَا حَصَلَ، عُلِمَ أَنَّهُمْ لَا حَامِلَ لَهُمْ، لَا أَنَّهُ مُفْتَقِرٌ إِلَى سَبْقِ عِلْمِ ذَلِكَ. فَالْعِلْمُ بِالصِّدْقِ ضَرُورِيٌّ وَصُورَةُ التَّرْتِيبِ مُمْكِنَةٌ فِي كُلِّ ضَرُورِيٍّ.
ص - قَالُوا: لَوْ كَانَ ضَرُورِيًّا - لَعُلِمَ أَنَّهُ ضَرُورِيٌّ ضَرُورَةً. قُلْنَا: مُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ. وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الشُّعُورِ بِالْعِلْمِ ضَرُورَةُ الشُّعُورِ بِصِفَتِهِ.
ص - وَشَرْطُ الْمُتَوَاتِرِ تَعَدُّدُ الْمُخْبِرِينَ تَعَدُّدًا يَمْنَعُ الِاتِّفَاقَ وَالتَّوَاطُؤَ، مُسْتَنِدِينَ إِلَى الْحِسِّ، مُسْتَوِينَ فِي الطَّرَفَيْنِ وَالْوَسَطِ. وَعَالِمِينَ، غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ الْجَمِيعُ فَبَاطِلٌ، وَإِنْ أُرِيدَ الْبَعْضُ فَلَازِمٌ مِمَّا قِيلَ.
وَضَابِطُ الْعِلْمِ بِحُصُولِهَا، حُصُولُ الْعِلْمِ، لَا أَنَّ ضَابِطَ حُصُولِ الْعِلْمِ سَبَقَ الْعِلْمُ بِهَا.
ص - وَقَطَعَ الْقَاضِي بِنَقْصِ الْأَرْبَعَةِ، وَتَرَدَّدَ فِي الْخَمْسَةِ. وَقِيلَ: اثْنَا عَشَرَ، وَقِيلَ: عِشْرُونَ، وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ، وَقِيلَ: سَبْعُونَ. وَالصَّحِيحُ: يَخْتَلِفُ.
ــ
[الشرح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَالسَّمْنِيَّةُ أَوْرَدُوا وُجُوهًا فِي بَيَانِ الْمُتَوَاتِرِ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ. مِنْهَا: أَنَّ إِفَادَةَ الْخَبَرِ الْعِلْمَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى اتِّفَاقِ جَمْعٍ عَظِيمٍ عَلَى الْإِخْبَارِ بِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ، كَاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَكْلِ طَعَامٍ وَاحِدٍ.
وَمِنْهَا: أَنَّ خَبَرَ كُلِّ وَاحِدٍ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، فَخَبَرُ الْجُمْلَةِ أَيْضًا لَا يُفِيدُ ; لِأَنَّ الْجُمْلَةَ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْوَاحِدِ، وَحُكْمُ الْجُمْلَةِ، حُكْمُ كُلِّ وَاحِدٍ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُتَوَاتِرُ يُفِيدُ الْعِلْمَ، لَأَدَّى إِلَى تَنَاقُضِ الْمَعْلُومِينَ لِأَنَّهُ إِذَا تَوَاتَرَ خَبَرٌ عَلَى وُجُودِ شَيْءٍ فِي وَقْتٍ، وَتَوَاتَرَ خَبَرٌ آخَرُ عَلَى عَدَمِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، يَلْزَمُ الْعِلْمُ بِوُجُودِهِ وَعَدَمِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَوْ أَفَادَ الْمُتَوَاتِرُ الْعِلْمَ، لَزِمَ صِدْقُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي أَخْبَارِهِمْ عَنْ نَبِيِّهِمْ بِأَنَّهُ قَالَ:" لَا نَبِيَّ بَعْدِي ". وَالتَّالِي بَاطِلٌ لِلدَّلِيلِ الْقَاطِعِ عَلَى كَذِبِ هَذَا الْخَبَرِ.
وَمِنْهَا: أَنَّا نُفَرِّقُ بِالضَّرُورَةِ بَيْنَ الضَّرُورِيِّ وَبَيْنَ الْمُتَوَاتِرِ ; لِأَنَّا إِذَا عَرَضْنَا عَلَى عُقُولِنَا أَنَّ الْوَاحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ، وَعَرَضْنَا عَلَى عُقُولِنَا وُجُودَ جَالِينُوسَ وَجَدْنَا الْجَزْمَ بِالْأَوَّلِ أَقْوَى وَأَكْمَلَ مِنَ الْجَزْمِ بِالثَّانِي. فَلَوْ كَانَ الْمُتَوَاتِرُ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ لَمْ يُوجَدِ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْجَزْمَيْنِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ ضَرُورِيًّا، لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ ; لِأَنَّ الضَّرُورِيَّ يَسْتَلْزِمُ الْوِفَاقَ. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ مَرْدُودَةٌ.
فَقَوْلُهُ: " وَمَا يُورِدُونَهُ " مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ " مَرْدُودٌ " خَبَرُهُ. أَمَّا رَدُّهُ مِنْ حَيْثُ الْإِجْمَالُ فَإِنَّهَا تَشْكِيكٌ فِي الضَّرُورِيَّاتِ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْجَوَابَ.
وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ التَّفْصِيلُ فَلِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ فِي الْأَوَّلِ امْتِنَاعَ اجْتِمَاعِ جَمْعٍ عَظِيمٍ عَلَى الْأَخْبَارِ.
وَلَا نُسَلِّمُ فِي الثَّانِي أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ، لَمْ يَكُنِ الْمَجْمُوعُ مُفِيدًا لَهُ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ حُكْمَ الْجُمْلَةِ حُكْمُ كُلِّ وَاحِدٍ ; فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الْعَشَرَةِ أَنَّهُ جُزْءُ الْعَشْرَةِ، وَلَا يَصْدُقُ عَلَى الْعَشْرَةِ أَنَّهُ جُزْءُ الْعَشْرَةِ.
وَلَا نُسَلِّمُ فِي الثَّالِثِ تَنَاقُضَ الْمَعْلُومَيْنِ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِتَقْدِيرِ تَوَاتُرِ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ يَمْتَنِعُ تَوَاتُرُ نَقِيضِهِ.
وَلَا نُسَلِّمُ فِي الرَّابِعِ لُزُومَ صِدْقِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ تَوَاتَرَ خَبَرُهُمْ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ ; لِأَنَّ الْقَاطِعَ دَلَّ عَلَى كَذِبِ خَبَرِهِمْ. وَخَبَرُ الْجَمْعِ الْعَظِيمِ إِنَّمَا يَكُونُ مُتَوَاتِرًا إِذَا لَمْ يُكَذِّبْهُ قَاطِعٌ.