الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
[حصول الْحَدُّ بِالْبُرْهَانِ]
ش - أَيْ لَا يُمْكِنُ إِقَامَةُ الْبُرْهَانِ عَلَى ثُبُوتِ الْحَدِّ لِلْمَحْدُودِ ; لِأَنَّ الْبُرْهَانَ وَسَطٌ يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الْمَحْكُومِ بِهِ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ. فَلَوْ قُدِّرَ الْبُرْهَانُ فِي الْحَدِّ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَلْزِمًا لِثُبُوتِ عَيْنِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ، أَيْ مُسْتَلْزِمًا لِثُبُوتِ عَيْنِ الْمَحْدُودِ لِنَفْسِهِ ; لِأَنَّ الْبُرْهَانَ إِذَا كَانَ مُسْتَلْزِمًا لِثُبُوتِ الْحَدِّ الَّذِي هُوَ جَمِيعُ أَجْزَاءِ الْمَحْدُودِ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ الْمَحْدُودُ، لَكَانَ مُسْتَلْزِمًا لِثُبُوتِ عَيْنِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ.
لِأَنَّ ثُبُوتَ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ إِنَّمَا يَكُونُ بِوَاسِطَةِ أَجْزَائِهِ لَهُ. فَمَا يَكُونُ عِلَّةً لِثُبُوتِ أَجْزَاءِ شَيْءٍ لِشَيْءٍ يَكُونُ عِلَّةً لِثُبُوتِهِ لَهُ، وَمُحَالٌ أَنْ يَتَوَقَّفَ ثُبُوتُ الشَّيْءِ لِنَفْسِهِ وَثُبُوتُ أَجْوَائِهِ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ بِثُبُوتِ الشَّيْءِ لِنَفْسِهِ وَثُبُوتِ أَجْزَائِهِ لَهُ لَا يَتَوَقَّفُ إِلَّا عَلَى تَصَوُّرِهِ وَتَصَوُّرِ أَجْزَائِهِ.
وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْبُرْهَانُ وَسَطًا ; لِأَنَّهُ هُوَ الْوَاسِطَةُ لِلْحُكْمِ بِثُبُوتِ الْمَحْكُومِ بِهِ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فِي النَّتِيجَةِ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْنَا يَنْدَفِعُ مَا قِيلَ: إِنَّ الْحَدَّ لَيْسَ نَفْسَ الْمَحْدُودِ، فَلَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ عَيْنِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ.
ش - هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى أَنَّ الْحَدَّ لَا يَحْصُلُ بِالدَّلِيلِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ تَعَقُّلَ مَا يَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ، وَالْمُسْتَدِلُّ عَلَيْهِ هُوَ الْحُكْمُ بِثُبُوتِ الْحَدِّ لِلْمَحْدُودِ. فَيَكُونُ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
مَوْقُوفًا عَلَى تَعَقُّلِ الْمَحْدُودِ وَالْحَدِّ، وَالْحُكْمِ بِثُبُوتِ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ.
فَلَوْ دَلَّ عَلَى ثُبُوتِ الْحَدِّ لِلْمَحْدُودِ لَكَانَ ثُبُوتُ الْحَدِّ لِلْمَحْدُودِ مَوْقُوفًا عَلَى الدَّلِيلِ، وَتَعَقُّلُ الْمَحْدُودِ مَوْقُوفٌ عَلَى ثُبُوتِ الْحَدِّ لِلْمَحْدُودِ ; ضَرُورَةَ اسْتِفَادَةِ تَعَقُّلِ الْمَحْدُودِ مِنْ ثُبُوتِ الْحَدِّ. فَيَكُونُ تَعَقُّلُ الْمَحْدُودِ مَوْقُوفًا عَلَى الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَوْقُوفٌ عَلَى تَعَقُّلِهِ ; فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ، وَهُوَ مُحَالٌ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ الدَّوْرِ ; لِأَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى ثُبُوتِ الْحَدِّ لِلْمَحْدُودِ مَوْقُوفٌ عَلَى تَعَقُّلِ الْمَحْدُودِ بِاعْتِبَارٍ مَا، لَا عَلَى تَعَقُّلِ حَقِيقَتِهِ، وَتَعَقُّلُ حَقِيقَةِ الْمَحْدُودِ مَوْقُوفٌ عَلَى الدَّلِيلِ، فَلَا يَكُونُ دَوْرًا.
أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُثْبَتَ بِالدَّلِيلِ بِثُبُوتِ الْحَدِّ لِلْمَحْدُودِ مِنْ حَيْثُ هُوَ حَدٌّ لَهُ فَيَجِبُ تَصَوُّرُهُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، وَتَصَوُّرُهُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ يُوجِبُ تَصَوُّرَ الْمَحْدُودِ بِحَقِيقَتِهِ. فَيَكُونُ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَوْقُوفًا عَلَى تَعَقُّلِ الْمَحْدُودِ بِحَقِيقَتِهِ ; فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ.
ش - هَذَا نَقْضٌ إِجْمَالِيٌّ لِلدَّلِيلِ الثَّانِي. وَتَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ عَلَى امْتِنَاعِ اكْتِسَابِ الْحَدِّ بِالدَّلِيلِ، مِثْلُهُ فِي التَّصْدِيقِ جَارٍ فِي بَيَانِ اكْتِسَابِهِ بِالدَّلِيلِ ; لِأَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى التَّصْدِيقِ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَعَقُّلِ التَّصْدِيقِ. فَلَوْ كَانَ التَّصْدِيقُ مُسْتَفَادًا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
مِنَ الدَّلِيلِ لَزِمَ الدَّوْرُ. فَلَوْ صَحَّ الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ لَزِمَ امْتِنَاعُ حُصُولِ التَّصْدِيقِ بِالدَّلِيلِ. وَالتَّالِي ظَاهِرُ الْفَسَادِ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
ش - أَجَابَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مِثْلَ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ جَارٍ فِي التَّصْدِيقِ.
قَوْلُهُ: لِأَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى التَّصْدِيقِ يُوقَفُ عَلَى تَعَقُّلِ التَّصْدِيقِ، فَلَوْ كَانَ التَّصْدِيقُ مُسْتَفَادًا مِنْهُ لَزِمَ الدَّوْرُ.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ لَوْ كَانَ التَّصْدِيقُ مُسْتَفَادًا مِنَ الدَّلِيلِ لَزِمَ الدَّوْرُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ دَلِيلَ التَّصْدِيقِ عَلَى ثُبُوتِ النِّسْبَةِ أَوْ نَفْيِهَا، أَعْنِي الْحُكْمَ الْإِيجَابِيَّ أَوِ السَّلْبِيَّ، لَا عَلَى تَعَقُّلِ النِّسْبَةِ الْإِيجَابِيَّةِ أَوِ السَّلْبِيَّةِ. فَيَكُونُ ثُبُوتُ النِّسْبَةِ أَوْ نَفْيُهَا مَوْقُوفًا عَلَى الدَّلِيلِ، لَا عَلَى تَعَقُّلِهَا. وَالدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِ النِّسْبَةِ أَوْ نَفْيِهَا مَوْقُوفٌ عَلَى تَعَقُّلِهَا لَا عَلَى ثُبُوتِهَا فَلَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ.
بِخِلَافِ مَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ ; فَإِنَّ الدَّلِيلَ مَوْقُوفٌ عَلَى تَعَقُّلِ الْمَحْدُودِ، وَتَعَقُّلَ الْمَحْدُودِ مَوْقُوفٌ عَلَى الدَّلِيلِ فَيَكُونُ دَوْرًا.
ش - أَيْ وَمِنْ أَجْلِ أَنَّ الْحَدَّ لَا يَحْصُلُ بِالدَّلِيلِ، لَا يَجُوزُ أَنْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
يُمْنَعَ الْحَدُّ بِأَنْ يُقَالَ: لِمَ قُلْتُمْ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ هُوَ الْحَيَوَانُ النَّاطِقُ مَثَلًا، وَإِلَّا لَوَجَبَ عَلَى الْحَادِّ إِقَامَةُ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْمَنْعَ يُشْعِرُ بِطَلَبِ الدَّلِيلِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مُمْتَنِعٌ.
اعْلَمْ أَنَّ " ثَمَّ " وُضِعَ فِي اللُّغَةِ لِلْمَكَانِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، وَلَمَّا كَانَ امْتِنَاعُ الدَّلِيلِ عَلَى الْحَدِّ أَصْلًا لِامْتِنَاعِ مَنْعِ الْحَدِّ، وَالْأَصْلُ كَالْمَحَلِّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفَرْعِ، عَبَّرَ عَنْهُ بِـ " ثَمَّ " مَجَازًا.
ش - لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْحَدَّ لَا يَمْنَعُ، أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ طَرِيقَ الْمُنَازَعَةِ [فِيهِ]، وَهُوَ الْمُعَارَضَةُ أَوْ إِبْطَالُهُ بِإِثْبَاتِ خَلَلِهِ. وَالْمُعَارَضَةُ هِيَ: الْمُقَابَلَةُ عَلَى سَبِيلِ الْمُمَانَعَةِ.
وَفِي الْحَدِّ إِنَّمَا يُمْكِنُ بِإِيرَادِ حَدٍّ آخَرَ رَاجِحٍ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، أَوْ [مُسَاوٍ] لَهُ.
وَالْخَلَلُ إِمَّا فِي طَرْدِهِ أَوْ عَكْسِهِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنَ الشَّرَائِطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْحَدِّ، فَإِثْبَاتُهُ يُبْطِلُ الْحَدَّ.