الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
تَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنَّ قَوْلَ أَحْمَدَ لَيْسَ إِنْكَارًا لِكَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً، بَلِ اسْتِبْعَادٌ لِوُجُودِهِ، فَلَا خِلَافَ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً.
[أداة حجية الإجماع]
ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ تَزْيِيفِ قَوْلِ الْقَائِلِينَ بِكَوْنِ الْإِجْمَاعِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، شَرَعَ فِي إِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ، وَذَكَرَ دَلِيلَيْنِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الدَّلِيلَ الْقَاطِعَ [دَالٌّ] عَلَى تَخْطِئَةِ مُخَالِفِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الْإِجْمَاعِ، وَكُلُّ مَا دَلَّ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى [تَخْطِئَةِ] مُخَالِفِهِ، يَكُونُ حُجَّةً قَطْعِيَّةً.
أَمَّا الْكُبْرَى فَظَاهِرَةٌ. وَأَمَّا الصُّغْرَى ; فَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ دَالًّا عَلَى تَخْطِئَةِ مُخَالِفِ الْإِجْمَاعِ، لَمَا أَجْمَعَ الْأَئِمَّةُ [وَ] الْمُجْتَهِدُونَ عَلَى الْقَطْعِ بِتَخْطِئَةِ مُخَالِفِ الْإِجْمَاعِ. وَالثَّانِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّا عَلِمْنَا بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى الْقَطْعِ بِتَخْطِئَةِ مُخَالِفِ الْإِجْمَاعِ، فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْعَادَةَ تُحِيلُ إِجْمَاعَ هَذَا الْعَدَدِ الْكَثِيرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ وَالْمُجْتَهِدِينَ عَلَى الْقَطْعِ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ مِنْ غَيْرِ نَصٍّ قَاطِعٍ دَالٍّ عَلَى مَا أَجْمَعُوا عَلَى قَطْعِهِ. فَوَجَبَ - بِحُكْمِ الْعَادَةِ - تَقْدِيرُ نَصٍّ قَاطِعٍ دَالٍّ عَلَى الْقَطْعِ بِتَخْطِئَةِ مُخَالِفِ الْإِجْمَاعِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَادَةَ تُحِيلُ اجْتِمَاعَ الْعَدَدِ [الْكَثِيرِ] مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْقَطْعِ مِنْ غَيْرِ نَصٍّ قَاطِعٍ ; فَإِنَّ الْفَلَاسِفَةَ أَجْمَعُوا عَلَى الْقَطْعِ بِقِدَمِ الْعَالَمِ. وَالْيَهُودُ أَجْمَعُوا عَلَى الْقَطْعِ بِكَوْنِ الرَّسُولِ عليه الصلاة والسلام مُتَنَبِّئًا وَكَذَلِكَ النَّصَارَى أَجْمَعُوا عَلَى الْقَطْعِ بِذَلِكَ. وَلَيْسَ إِجْمَاعُهُمْ عَنْ نَصٍّ قَاطِعٍ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
أُجِيبَ بِأَنَّ إِجْمَاعَ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ غَيْرُ وَارِدٍ ; لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِجَمْعٍ كَثِيرٍ، وَلَا مُتَّفِقِينَ [فِي] أَمْرٍ شَرْعِيٍّ، وَلَا قَاطِعِينَ عَلَى ذَلِكَ.
وَالْعَادَةُ لَا تُحِيلُ اجْتِمَاعَ غَيْرِ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ عَلَى أَمْرٍ غَيْرِ شَرْعِيٍّ، لَا عَلَى الْقَطْعِ فِي غَيْرِ دَلِيلٍ قَاطِعٍ، بَلْ تُحِيلُ اجْتِمَاعَ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ عَلَى الْقَطْعِ فِي أَمْرٍ شَرْعِيٍّ.
لَا يُقَالُ: الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِاسْتِلْزَامِ ثُبُوتِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، وَبِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نَفْسِهِ ; لِأَنَّكُمْ أَثْبَتُّمُ الْإِجْمَاعَ بِالْإِجْمَاعِ حَيْثُ قُلْتُمْ: إِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى الْقَطْعِ بِتَخْطِئَةِ مُخَالِفِ الْإِجْمَاعِ، وَأَثْبَتُّمُ الْإِجْمَاعَ بِنَصٍّ قَاطِعٍ يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُ ذَلِكَ النَّصِّ الْقَاطِعِ عَلَى الْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ وُجُوبَ ثُبُوتِ النَّصِّ مُسْتَفَادٌ مِنْ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى الْقَطْعِ بِتَخْطِئَةِ مُخَالِفِ الْإِجْمَاعِ. لِأَنَّا نَقُولُ: الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَا هُوَ الْمُثْبِتُ لِكَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً، لَا لِلْإِجْمَاعِ. وَمَا أَثْبَتْنَا كَوْنَ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا بِنَصٍّ يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُهُ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً، حَتَّى يَلْزَمَ ثُبُوتُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ وَبِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُثْبِتَ لِكَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً، هُوَ ثُبُوتُ نَصٍّ قَاطِعٍ،] ) . وَثُبُوتُ ذَلِكَ النَّصِّ الْقَاطِعِ إِنَّمَا هُوَ مُسْتَفَادٌ عَنْ وُجُودِ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِ الْإِجْمَاعِ، لَا عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً. وَاسْتِفَادَةُ ثُبُوتِ ذَلِكَ النَّصِّ مِنْ تِلْكَ الصُّورَةِ، إِنَّمَا هُوَ بِطْرِيقٍ عَادِيٍّ. وَتِلْكَ الصُّورَةُ لَا يَتَوَقَّفُ وُجُودُهَا عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَدَلَالَتُهَا عَلَى ثُبُوتِ النَّصِّ الْقَاطِعِ أَيْضًا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً. فَلَا يَكُونُ دَوْرًا. لِأَنَّ كَوْنَ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً حِينَئِذٍ يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ النَّصِّ الْقَاطِعِ، وَثُبُوتُ النَّصِّ الْقَاطِعِ يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِ الْإِجْمَاعِ، وَلَمْ يَتَوَقَّفْ وُجُودُ تِلْكَ الصُّورَةِ وَلَا دَلَالَتُهَا عَلَى ثُبُوتِ النَّصِّ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً ; لِأَنَّ وُجُودَ تِلْكَ الصُّورَةِ مُسْتَفَادٌ مِنَ التَّوَاتُرِ، وَدَلَالَتُهَا عَلَى ثُبُوتِ النَّصِّ مُسْتَفَادٌ مِنَ الْعَادَةِ.
ش - الدَّلِيلُ الثَّانِي عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً قَطْعِيَّةً. تَقْرِيرُهُ أَنَّا عَلِمْنَا بِالتَّوَاتُرِ أَنَّ الْعُلَمَاءَ الْمُحَقِّقِينَ أَجْمَعُوا عَلَى تَقْدِيمِ الْإِجْمَاعِ عَلَى النَّصِّ الْقَاطِعِ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا قَطْعِيًّا، لَزِمَ تَعَارُضُ الْإِجْمَاعَيْنِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّا عَلِمْنَا أَيْضًا أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْقَاطِعَ مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِ الْقَاطِعِ. فَهَذَا الْإِجْمَاعُ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ الْقَاطِعِ عَلَى غَيْرِهِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْإِجْمَاعُ دَلِيلًا قَاطِعًا لَكَانَ الْإِجْمَاعُ الْأَوَّلُ الدَّالُّ عَلَى تَقَدُّمِ الْإِجْمَاعِ عَلَى النَّصِّ مُقْتَضِيًا لِتَقَدُّمِ غَيْرِ الْقَاطِعِ الَّذِي هُوَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْقَاطِعِ. فَيَلْزَمُ تَعَارُضُ الْإِجْمَاعَيْنِ ; لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَقْتَضِي تَقَدُّمَ الْقَاطِعِ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْآخَرَ يَقْتَضِي عَدَمَ تَقَدُّمِهِ.
وَأَمَّا انْتِفَاءُ التَّالِي ; فَلِأَنَّ الْعَادَةَ تَقْضِي بِامْتِنَاعِ وُقُوعِ التَّعَارُضِ بَيْنَ أَقْوَالِ مِثْلِ هَذَا الْعَدَدِ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ.
فَإِنْ قِيلَ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الدَّلِيلَيْنِ الدَّالَّيْنِ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً قَطْعِيَّةً، يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْإِجْمَاعُ الْمُحْتَجُّ عَلَى كَوْنِهِ حُجَّةً، مَا بَلَغَ الْمُجْمِعُونَ فِيهِ عَدَدَ التَّوَاتُرِ، لِتَضَمُّنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الدَّلِيلَيْنِ ذَلِكَ، أَيْ كَوْنِ الْمُجْمِعِينَ عَدَدَ التَّوَاتُرِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ; فَلِأَنَّ الْعَادَةَ إِنَّمَا تُحِيلُ اجْتِمَاعَ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ عَلَى الْقَطْعِ فِي شَرْعِيٍّ مِنْ غَيْرِ قَاطِعٍ إِذَا كَانَ عَدَدُهُمْ عَدَدَ التَّوَاتُرِ.
وَأَمَّا الثَّانِي; فَلِأَنَّ الْعَادَةَ إِنَّمَا تَقْضِي بِامْتِنَاعِ التَّعَارُضِ [بَيْنَ] أَقْوَالِ مِثْلِ هَذَا الْعَدَدِ، إِذَا بَلَغَ عَدَدُهُمْ عَدَدَ التَّوَاتُرِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَلَا يَكُونُ اتِّفَاقُ مَنْ نُقِصَ عَدَدُهُمْ مِنْ عَدَدِ التَّوَاتُرِ حُجَّةً. وَلَا اخْتِصَاصَ لِكَوْنِهِ حُجَّةً بِاتِّفَاقِ الْمُجْتَهِدِينَ، بَلْ كُلُّ طَائِفَةٍ بَلَغَ عَدَدُهُمْ عَدَدَ التَّوَاتُرِ، اتِّفَاقُهُمْ إِجْمَاعٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مُجْتَهِدِينَ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ [عَنْهُ] بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ اسْتِلْزَامَ الدَّلِيلَيْنِ لِذَلِكَ ; فَإِنَّ الْعَادَةَ تُحِيلُ اجْتِمَاعَ الْمُحَقِّقِينَ بِالْقَطْعِ فِي شَرْعِيٍّ مِنْ غَيْرِ قَاطِعٍ، سَوَاءٌ بَلَغَ عَدَدُهُمُ التَّوَاتُرَ أَوْ لَمْ يَبْلُغْ.
وَكَذَا تَحْكُمُ الْعَادَةُ بِامْتِنَاعِ التَّعَارُضِ بَيْنَ أَقْوَالِ جَمْعٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ، سَوَاءٌ بَلَغُوا عَدَدَ التَّوَاتُرِ أَمْ لَا.
وَلَئِنْ سَلَّمْنَا لُزُومَ ذَلِكَ الدَّلِيلَيْنِ [وَلَكِنْ] لَا يَضُرُّ; لِأَنَّ اللَّازِمَ حِينَئِذٍ كَوْنُ الْقَاطِعِينَ بِتَخْطِئَةِ مُخَالِفِ الْإِجْمَاعِ وَالْقَاطِعِينَ عَلَى تَقَدُّمِ الْإِجْمَاعِ عَلَى النَّصِّ الْقَاطِعِ عَدَدُهُمْ عَدَدُ التَّوَاتُرِ لَا [كَوْنُ] أَهْلِ الْإِجْمَاعِ، فَلَا يَنْتَهِضُ نَقْضًا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
ش - لَمَّا فَرَغَ عَنِ الدَّلِيلَيْنِ الْقَطْعِيَّيْنِ، شَرَعَ فِي الْأَدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُتَقَدِّمُونَ، وَزَيَّفَهَا.
وَمِنْ جُمْلَتِهَا مَا تَمَسَّكَ بِهِ الشَّافِعِيُّ، رضي الله عنه. وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى:{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 115] .
جَمَعَ فِي الْآيَةِ بَيْنَ مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ وَاتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْوَعِيدِ. فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ اتِّبَاعُ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ حَرَامًا، وَإِلَّا لَمَا جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرَامِ الَّذِي هُوَ الْمُشَاقَّةُ فِي الْوَعِيدِ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ مُبَاحٍ وَحَرَامٍ فِي الْوَعِيدِ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ زَنَيْتَ وَشَرِبْتَ الْمَاءَ، عَاقَبْتُكَ. وَإِذَا كَانَ اتِّبَاعُ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ حَرَامًا، كَانَ اتِّبَاعُ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَاجِبًا. وَالْحُكْمُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ هُوَ سَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ السَّبِيلِ فِي الْآيَةِ: مَا اخْتَارَهُ الْإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ.
وَزَيَّفَهُ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ لَيْسَ بِقَاطِعٍ فِي وُجُوبِ مُتَابَعَةِ الْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ اتِّبَاعَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ اتِّبَاعَهُمْ فِي مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ عليه السلام وَاتِّبَاعَهُمْ فِي مُنَاصَرَتِهِ عليه السلام وَدَفْعَ الْأَعْدَاءِ عَنْهُ. أَوِ اتِّبَاعَهُمْ فِي الِاقْتِدَاءِ بِالرَّسُولِ عليه السلام، أَوِ اتِّبَاعَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ. وَدَلَالَةُ الْعَامِّ عَلَى فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ عَلَى التَّعْيِينِ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ ; لِجَوَازِ تَخْصِيصِ الْعَامِّ، وَإِخْرَاجِ ذَلِكَ الْفَرْدِ مِنْهُ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَطْعِيًّا، وَتَمَسَّكَ بِهِ فِي كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً، لَزِمَ الدَّوْرُ. لِأَنَّ غَايَةَ مَا فِي الْبَابِ أَنَّهُ يَدُلُّ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ظَاهِرًا. وَالظَّاهِرُ إِنَّمَا يَثْبُتُ كَوْنُهُ حُجَّةً بِالْإِجْمَاعِ. فَلَوْ أَثْبَتْنَا كَوْنَ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً بِهَا، لَزِمَ الدَّوْرُ.
وَهَذَا بِخِلَافِ التَّمَسُّكِ بِمِثْلِ هَذَا الظَّاهِرِ فِي كَوْنِ الْقِيَاسِ حُجَّةً [كَالتَّمَسُّكِ] بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2]] فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ الدَّوْرَ ; لِأَنَّ التَّمَسُّكَ بِالظَّاهِرِ مَا ثَبَتَ بِالْقِيَاسِ، فَلَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ.
وَفِيمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ لُزُومِ الدَّوْرِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ الدَّوْرُ أَنْ لَوْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ الْإِجْمَاعِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ حُجَّةٌ وَهُوَ مَمْنُوعٌ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ نَصٌّ قَاطِعٌ دَالًّا عَلَى كَوْنِ الظَّاهِرِ حَجَّةً، أَوِ اسْتِدْلَالٌ قَطْعِيٌّ.
كَمَا يُقَالُ: الظَّاهِرُ مَظْنُونٌ، وَكُلُّ مَظْنُونٍ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ قَطْعًا ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعْمَلْ بِوَاحِدٍ مِنَ النَّقِيضَيْنِ يَلْزَمُ رَفْعُهُمَا، وَإِنْ عُمِلَ بِهِمَا يَلْزَمُ اجْتِمَاعُهُمَا، وَإِنْ عُمِلَ بِالطَّرَفِ الْمَرْجُوحِ، يَلْزَمُ خِلَافُ صَرِيحِ الْعَقْلِ. فَتَعَيَّنَ الْعَمَلُ بِالْمَظْنُونِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
ش - تَمَسَّكَ الْغَزَالِيُّ، رحمه الله، فِي كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً بِقَوْلِهِ:" «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الْخَطَأِ» ". مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَظَاهَرَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَ اتِّفَاقِ الْمَعْنَى فِي عِصْمَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَنِ الْخَطَأِ، فَاشْتُهِرَتْ عَلَى لِسَانِ الثِّقَاتِ، كَعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، وَغَيْرِهِمْ، مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ:" «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالِ» ". وَ " «سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ لَا تَجْتَمِعَ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ ; فَأَعْطَانِيهَا» ". وَقَوْلِهِ: " «يَدُ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَلَا يُبَالَي بِشُذُوذِ مَنْ شَذَّ» "
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحْصَى. وَلَمْ تَزَلِ الْأُمَّةُ تَحْتَجُّ بِهَا فِي أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ. فَمَجْمُوعُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْمُتَفَرِّقَةِ وَإِنْ لَمْ يَتَوَاتَرْ أَحَادِيثُهَا مِنْ حَيْثُ الْأَلْفَاظِ، لَكِنْ تَوَاتَرَ مَعْنَاهَا لِكَثْرَتِهَا. كَشَجَاعَةِ عَلَيٍّ، رضي الله عنه، وَسَخَاوَةِ حَاتِمٍ. فَإِنَّهُمَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ آحَادُ الْأَخْبَارِ فِيهِمَا مُتَوَاتِرَةً، بَلْ يَجُوزُ الْكَذِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ، لَوْ جَرَّدْنَا النَّظَرَ إِلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى الْمَجْمُوعِ. وَإِذَا كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى مُتَوَاتِرًا، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْإِجْمَاعُ حُجَّةً.
وَاسْتَحْسَنَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ أَثْبَتَ كَوْنَ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً بِالتَّوَاتُرِ الْمُفِيدِ لِلْقَطْعِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
الثَّانِي أَنَّ الْأُمَّةَ، قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، تَلَقَّوْا لِعِبَارَاتِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بِالْقَبُولِ، وَلَمْ يَظْهَرْ إِلَى الْآنِ خِلَافٌ فِي صِحَّةِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، إِلَّا أَنَّ بَعْضَهُمُ احْتَجَّ بِهَا فِي كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً، وَبَعْضُهُمْ تَأَوَّلَهَا، مِنْ غَيْرِ طَعْنٍ فِي صِحَّتِهَا. فَلَوْ لَمْ تَقُمِ الْحُجَّةُ عَلَى صِحَّتِهَا، لَمْ تَتَوَافَقِ الْأُمَمُ فِي أَعْصَارٍ مُخْتَلِفَةٍ بِالتَّسْلِيمِ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ تُحِيلُ تَوَافُقَ الْأُمَمِ فِي الْأَعْصَارِ عَلَى التَّسْلِيمِ لِمَا لَمْ تَقُمْ حُجَّةٌ عَلَى صِحَّتِهِ، مَعَ اخْتِلَافِ الطَّبَائِعِ وَتَفَاوُتِ الْقَرَائِحِ فِي الرَّدِّ وَالْقَبُولِ.
وَزَيَّفَهُ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ تَلَقِّي الْأُمَمِ لِعِبَارَاتِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بِالْقَبُولِ، لَا يُخْرِجُهَا عَنِ الْآحَادِ. وَإِذَا لَمْ يُخْرِجْهَا عَنِ الْآحَادِ، لَا تَكُونُ إِلَّا ظَنِّيَّةً، وَالظَّنِّيَّةُ لَا تُفِيدُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الظَّنِّيَّ يُفِيدُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ بَعْدَ بَيَانِ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ.
ش - هَذَا اسْتِدْلَالٌ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً. تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ إِجْمَاعَ الْمُجْمِعِينَ عَلَى الْحُكْمِ يَدُلُّ عَلَى دَلِيلٍ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
قَاطِعٍ يَسْتَنِدُ الْإِجْمَاعُ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ تَحْكُمُ بِامْتِنَاعِ اجْتِمَاعِ مِثْلِ هَذَا الْجَمْعِ الْكَثِيرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى الْمَظْنُونِ.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِمَنْعِ امْتِنَاعِ اجْتِمَاعِ مِثْلِهِمْ عَلَى الْمَظْنُونِ عَادَةً.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ سَنَدُ الْإِجْمَاعِ قِيَاسًا جَلِيًّا، أَوْ أَخْبَارَ آحَادٍ، بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالظَّاهِرِ الَّذِي هُوَ الْمَظْنُونُ، لَا يَمْتَنِعُ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْعَادَةِ.
ش - احْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89]] ذَكَرَ أَنَّ الْقُرْآنَ مُبَيِّنٌ لِكُلِّ شَيْءٍ فَيَكُونُ مُبَيِّنًا لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَإِذَا كَانَ الْقُرْآنُ مُبَيِّنًا لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى الْإِجْمَاعِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرَدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَكُونُ مَرْجِعًا، بَلِ الْمَرْجِعُ هُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
وَنَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى: 10] فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَكُونُ مَرْجِعًا.
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَمْنُوعٌ. أَمَّا الْأَوَّلُ ; فَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مَنْ كَوْنِ الْقُرْآنِ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، أَنْ لَا يَكُونَ غَيْرُهُ - وَهُوَ الْإِجْمَاعُ مَثَلًا - تِبْيَانًا لِبَعْضِهَا. وَأَيْضًا يَلْزَمُ أَنْ لَا تَكُونَ السُّنَّةُ حُجَّةً لِعَيْنِ مَا ذُكِرَ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، هُوَ الْمَرْجِعُ عِنْدَ التَّنَازُعِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَ التَّنَازُعِ.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يَكُونَ الْإِجْمَاعُ حُجَّةً عِنْدَ التَّوَافُقِ. وَهَكَذَا نَقُولُ فِي الثَّالِثِ. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ غَايَةَ هَذَا الدَّلِيلِ الظُّهُورُ، أَيْ لَوْ سَلِمَ مِنَ الْمَنْعِ وَالنَّقْضِ لَكَانَ دَلِيلًا ظَاهِرًا، فَلَمْ يُعَارَضِ الْقَطْعِيُّ الدَّالُّ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَدِ احْتَجُّوا مِنْهَا «بِحَدِيثِ مُعَاذٍ، رضي الله عنه، حَيْثُ سَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: بِمَ تَقْضِي يَا مُعَاذُ؟ قَالَ رضي الله عنه:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الشرح]
بِالْكِتَابِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ أَجْتَهِدُ بِرَأْيِي» .