الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عليك، لو قتلناه وترنا أهله وعشيرته ولا تنسى الظغائن، فها هو قد كف وأصبح ينافح عنا، وكان مكرمًا لحملة القرآن، رحيمًا بالأرامل والفقراء والضعفاء، ولم يكن سفاكًا للدم الحرام، ولا غاصبًا لما في أيدي الآنام من الحطام، ولقد أحسن من قال في مدحه:
عفيف شريف النفس للفضل عارف
…
حليمٌ كريمٌ سالم القلب منصف
وقال غيره:
له في سرير الملك أصل مؤثل
…
تلقاه عن أسلافه السادة الغر
هم العقد من أعلا اللآلي منظمًا
…
وفيصل في العقد واسطة الدر
غدت أرض نجد تزد هي بفعاله
…
وترفل في ثوب الجلالة والفخر
وكان كثيرًا ما يرسل الصدقات إلى كل بلد من بلدان المسلمين، تقسم على الفقراء والمساكين، وشديد البحث عن الأيتام والفقراء يتفقدهم بالبر والعطاء.
ذكر ما جرى عليه من المحن والأخطار وثقته بالعزيز الجبار
فنقول كان كثيرًا ما تحوم عليه حوائم الخطوب والآفات، ويقع في عظائم الأخطار والمهلكات حتى يدخل من ذلك اليأس على الأتقياء والأكياس، فضلًا عن عامة سائر الناس، فيجعل الله له من ذلك الفرج القريب ويمنحه الله بفضله المخرج العجيب.
من ذلك مخرجه من حبس الترك المرة الأولى، ولطف الله به في خروجه من مصر، وعناية الله به في سفره في البر والبحر، وكان ذلك في حياة والده رحمهما الله.
المخرج الثاني: الحادثة الكبيرة والفعلة الشهيرة، وهي قتل والده تركي فإنه سار من القطيف وزحف بما لديه من الأهوال حتى دخل الرياض، وسلّ سيفه وشهره والتجأ إلى ربه فنصره، حتى جرع الباغي ريب المنون وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحسبون، هذا مع شدة احتراز عدوه بالعدة والعدد فما زال به حتى قتله في حصنه.
المخرج الثالث: لما ظفر به الترك مرةً ثانية فأسروه، فقال الناس هذا منهم فيما مضى شارد، وقد أوثقه الصائد فهذه المرة لا يسلم والقتل عليه قد تحتم لأنه قد قاتلهم وأساء إليهم، ووقع الآن في قبضة أيديهم، وعزم أهل الظنون من الأكياس أنه سيسقى من الموت أمرَّ كأس، فأنزله الله تعالى بعجيب قدرته التي لا يعجزها شيء، وأعمى أبصارهم عنه حتى وصل إلى بلاده، وكان قد خلفه على ملكه من عشيرته شجاع قتال وجمع عنده كثيرًا من الخيل والسلاح وآلات الحرب والرجال والأحوال، فرجف الله به وداخله الرعب والذل حين سمع به ورأه، فلم يثبت له بل هرب بإذن الله حتى حصره وأخذ منه الملك قهرًا.
المخرج الرابع: عصيان أهل القصيم له ونبذهم العهد واستعدادهم للحرب، فساعده الله وجعل له الفتح والنصر وعفى لما قدر، وبالجملة فخوارق عاداته كثيرة، وفضائله شهيرة تحتاج إلى بسط يضيق عنها هذا الموضع.
ومما قال الشيخ أحمد بن علي بن مشرف يمتدحه:
بعدل ولاة الأمر ترسو دعائمه
…
ويا من في قفر الفلاة سوائمه
وبالحزم والكتمان والجد والحجا
…
ينال أخو العليا ما هو رائمه
وحكمك محمود العواقب إن يكن
…
له صارمٌ ينفي الذي لا يلائمه
وأسوس أهل الملك من ساس من رعى
…
برفق فإن لم يغن أغناه صارمه
كذاك إمام المسلمين لنفسه
…
آناة فمن لم تغن أغنت عزائمه
هو البحر من أصدافه الدر يجتني
…
وإن طاش بالأمواج لم ينجِ حائمه
تخلق بالصفح الجميل وبالندى
…
وبالحلم مذ نيطت عليه تمائمه
مرؤاته أفنت خزائن جمعه
…
فهل أنت في فعل المكارم لائمه
عطاياه كالوسمي إن شيم برقه
…
ويممه الراجون ما خاب شائمه
بمدحته رنت بهجر بلابل
…
وغنت بنجد ورقه وحمائمه
فشاد بناء المجد بالجود فاعتلى
…
ومن بينه بالبخل لا شك هادمه
وإن أنت شبهت الإمام وجوده
…
بمعن أو الطائي فإنك هاضمه
موائده مثل الربيع لممحل
…
وتشبع أصناف الطيور ملاحمه
إذا بعث الجيش اللهام إلى العدى
…
تلته سراحين الفلا وحوائمه
فأطعمها مما تنال رماحه
…
لحومًا وحظ الجيش منه غنائمه
يجاهد بالقرآن من زاغ واعتدى
…
فإن هم أبوا أسلت عليهم صوارمه
فغادر قتلى يعصب الطير حولها
…
وترتادها عقبانه وقشاعمه
ولولاه في هذا الزمان لما بدت
…
من الدين في حل الديار معالمه
ولا أمنت طرق الحجيج ولا انتهى
…
عن الظلم للمظلوم بالسيف ظالمه
ولكن أخاف المفسدين فسالموا
…
وسفك الدما بالحق للدم عاصمه
ومن يجتمع فيه الشجاعة والندا
…
يقر له بالفضل من لا يسالمه
ألا إنه إنسان عين زمانه
…
تناوم عنه الدهر أو هب نائمه
مفاخره شمس يراها حسوده
…
فما باله لم يبد ما هو كاتمه
فأنشده بيتًا قاله بعض من مضى
…
وما حاد عن بيت القصيدة ناظمه
إذا ظفرت منك العيون بنظره
…
أثاب لها معي المطي ورازمه
فلا النظم يحوى مدحه إن مدحته
…
ولا الطرس توعي كلما أنا راقمه
ولكني أهدي له صالح الدعاء
…
ومدحًا كمثل المسك إن فضى خاتمه
ولما توفاه الله تعالى في هذه السنة رثاه الآدباء والعلماء بمراثي حسان، ونورد هنا مرثاة الشيخ أحمد بن علي بن مشرف التي رثاه بها لما فجعت القلوب بفقده ونكبت الأمة بمصيبته رحمه الله وجعل الجنة متقلبه ومثواه:
على فيصل بحر الندى والمكارم
…
بكينا بدمع مثل صوب الغمائم
إمام نفى أهل الضلالة والخنا
…
بسمر القنا والمرهفات الصوارم
فكم فل من جمع لهم جاء صائلًا
…
وأفنى رؤسا منهم في الملاحم
يجر عليه جحفلًا بعد جحفل
…
ويرميهم في حربه بالقواصم
فما زال هذا دأبه في جهادهم
…
تغير بنجد خيله والتهائم
إلى أن أقيم الدين في كل قرية
…
وأصبح عرش الملك عالي الدعائم
وأخلى القرى من كل شرك وبدعة
…
وما زال ينهى عن ركوب المحارم
ويعطي جزيل المال محتقرًا له
…
سماحًا ويعفو عن كثير الجرائم
مناقب جوده قد حواها جبلة
…
فحاز الثنا من عربها والأعاجم
تغمده المولى الكريم برحمةٍ
…
وأسكنه الفردوس مع كل ناعم
فلا جزع مما قضى الله فاصطبر
…
وإلا ستسلو مثل سلو البهائم
فلما تولى خلف الملك بعده
…
لنجل خليق بالإمامة حازم
يقام بعون الله بالأمر سائسًا
…
رعيته مستيقظًا غير نائم
فتابع أهل العدل في كف كفه
…
عن إن المكس شر المظالم
وشابه في الأخلاق والده الذي
…
فشا دكره بالخير بين العوالم
وقرب أهل الفضل والعلم والنهى
…
وجانب أتباع الهوى غير نادم
ومن يستشر في أمره كل ناصحٍ
…
لبيب يكن فيما جرى غير نادم
على يده جلّ الفتوح تتابعت
…
فساوى القرى في الأمن مرعى السوائم
وأسلمت الأعراب كرها وجانبوا
…
حضورًا لدى الطاغوت عند التحاكم
فذكرنا عبد العزيز وشيخه
…
وما كان في تلك الليالي القوادم
فلا زال منصور اللواء مؤيدًا
…
على كل باغٍ معتدٍ ومخاصم
فدونك أبياتًا حوت كل مدحةٍ
…
فأضحت كمل الدر في سلك ناظم
ونهدي صلاة الله خالقًا على
…
نبي عظيم القدر للرسل خاتم
محمد الهادي وأصحابه الأولى
…
حموا دينه بالمرهفات الصوارم
صلاة وتسليمًا يدومان ماسرًا
…
نسيم الصبا وأنهل صوب الغمائم
كان له من الأولاد أربعة، وهم: عبد الله ومحمد وسعود وعبد الرحمن.
فأما عبد الله فهو ولي عهده وبايعه الناس على السمع والطاعة بعد أبيه، وتولى الملك فضبط الأمور وساس الرعية وسار سيرة جميلة، ونشر العدل وكان شجاعًا مهابًا، وافر العقل حكيمًا جوادًا ذا حزم ودهاء، ولكن أيامه منغصة عليه مكدرة من كثرة المخالفين، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.