المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

مثابًا عليه، (كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ) أي: - تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن - جـ ٢

[الإيجي، محمد بن عبد الرحمن]

فهرس الكتاب

الفصل: مثابًا عليه، (كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ) أي:

مثابًا عليه، (كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ) أي: كل واحد من الفريقين أعني هؤلاء الذين أرادوا الدنيا وهؤلاء الذين أرادوا الآخرة نمدهم ونزيدهم من عطاء ربك فنرزق المطيع والعاصي وهؤلاء منصوب بتقدير أعني أو بدل من كلًا، (وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) ممنوعًا في الدنيا عن مؤمن ولا عن كافر، (انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) في الدنيا فمنهم الغني والفقير والحسن والقبيح والصحيح والمريض وغير ذلك ونصب كيف بـ فضلنا على الحال، (وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) أي: التفاوت في الآخرة أكثر وأكبر ونصبها على التميز، (لَا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ) الخطاب لكل أحدٍ أو للرسول والمراد أمته، (فَتَقْعُدَ) تصير، (مَذْمُومًا): من الملائكة والمؤمنين، (مَخْذُولًا) من الله.

* * *

(وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ‌

(23)

وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (25) وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (28)

ص: 383

وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (30)

* * *

(وَقَضَى رَبُّكَ) أمر أمرًا قطعيًّا، (أَلَّا) أي: بألا، (تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) فإنه المستحق للعبادة وحده، (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) أي: وبأن تحسنوا بهما إحسانًا، (إِمَّا) إن شرطية وما زائدة، (يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكِبرَ أَحَدُهُمَا) فاعل يبلغن، (أَوْ كِلاهُمَا) ومن قرأ يبلغانِّ فأحدهما بدل البعض من الضمير، (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) هو صوت دال على تضجر وهو مبني على الكسر والتنوين والتنكير ومن قرأ بالفتح فَعلى التخفيف يعني إن عاش أحد والديك أو كلاهما حتي يشيب ويكون كلًّا عليك فلا تسمعهما قولاً سيئًا حتى التأفيف الذي هو أدنى مراتب القول السيئ، (وَلَا تَنْهَرْهُمَا): لا تزجرهما، (وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا)، جميلاً بتأدب وتوقير، (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ) تذلل لهما واخضع جعل للذل جناحًا وأمره بخفضه مبالغة في التواضع لهما، (مِنَ الرَّحْمَةِ) من فرط رحمتك عليهما، (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) رحمة مثل رحمتهما عليَّ في حال صغري، وعن حذيفة أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم -

ص: 384

في قتل أبيه وهو في صفِّ المشركين فقال: (دَعْهُ يَلِهِ غَيْرُك)، (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكمْ) من قصد البر والعقوق، (إِن تَكُونوا صَالِحِينَ): قاصدين للصلاح مطعين لله، (فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ) هم التائبون من الذنب الراجعون عن المعصية إلى الطاعة، (غَفُورًا (25) وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ) من صلة الرحم والبر عليهم وعن علي بن الحسين: أراد به قرابة النبي صلى الله عليه وسلم، (وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا) بأن تصرف مالك في غير حق، وعن السلف لو أنفقت مُدًّا في غير حقه صرت مبذرًا، ولو أنفقت جميع مالك في الحق لم تكن مبذرًا، (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ) أصدقاءهم وأتباعهم وأمثالهم في الشرارة، (وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا)، جحودًا منكرًا لأنعم الله فلا تتبعوه ولا تكونوا مثله، (وَإِمَّا تعْرِضَنَّ عَنْهم) وإن أعرضت عمن أمرتك أن تؤتيه من الأقارب وغيرها حياء من ردهم وليس عندك شيء تعطيه حين سألك، (ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا) لانتظار رزق من الله ترجوه أن يأتيك فتعطه، (فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا) يعني: إذا سألك أقاربك ومن أمرناك بإعطائهم وليس عندك شيء وأعرضت عنهم لفقد النفقة فعدهم وعدًا بسهولة ولينٍ مثل أن تقول: إذا جاء رزق الله فسنصلكم

ص: 385

إن شاء الله كذا فسرها السلف وقيل: القول الميسور الدعاء لهم مثل رزقنا الله وإياكم، (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ) لا تمسكهما عند البذل كل الإمساك حتى كأنها مقبوضة إلى عنقك، (وَلَا تَبْسُطْهَا) بالخير، (كُلَّ الْبَسْطِ) تمثيلان لمنع الشحيح وإسراف المبذر، (فَتَقْعُدَ) تصير، (مَلُومًا) يلومك الناس ويذمونك إن بخلت، (مَحْسُورًا) نادمًا إن بسطت كل بسط وأيضًا دابة عجزت عن السير ضعفًا تسمى حسيرًا فعلى ما فسرنا من باب اللف والنشر وجاز أن يكونا متعلقين بالإسراف فإن المسرف ملوم عند الله والناس نادم عن فعله، أو بكل من البخل والسرف قيل: نزلت حين وهب رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه ولم يجد ما يلبسه للخروج حين أذنوا للصلاة، (إِن ربَّكَ يَبْسُطُ)، يوسع، (الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ): يضيق لمن يشاء، (إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا): يعلم سرهم وعلنهم فيوسع على من يرى مصلحته في التوسعة له، ويضيق على من يعلم مصلحته في

ص: 386