الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآية (58)
* قَالَ اللهُ عز وجل: {أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الزمر: 58].
قوله: {أَوْ تَقُولَ} هذه مَعطوفة على {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ} يَعنِي: أو تَقول النَّفْس حين تَرى العَذاب بعَيْنه فيَكون المَوعود مَشهودًا تَراه بالعَيْن.
وقوله تعالى: {لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً} والرُّؤية بالعين تُعتَبَر عينَ اليَقين، والوعد بالعَذاب عِلْم اليَقين، ومسُّ العذاب حَقُّ اليَقين؛ ولهذا قالوا: اليَقين ثلاثة: عِلْم، وعَيْن، وحَقٌّ؛ وكلُّها في القرآن:
قال تبارك وتعالى: {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} [التكاثر: 5 - 7]، أي: مُشاهَدًا.
وقال تعالى في آخِر سورة الواقِعة: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ} [الواقعة: 95]، فالذي يَكون عند الاحتِضار (حقُّ اليَقين).
وأَعلاها حقُّ اليَقين؛ لأن عين اليَقين قد تُشاهِد الشيء على خِلاف ما هو عليه كما تَرى، ولا سيَّما إن كان نظَرُك ضعيفًا ترَى الشيء الساكِن مُتحرِّكًا، أو المُتحَرِّك ساكِنًا، فعلى كل حال حَقُّ اليَقين أعلاها.
وهنا قال تعالى: {أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ} والمُراد عَينُ اليَقين.
وقوله تعالى: {لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} : {لَوْ} هنا ليست شَرْطيةً، ولكنها للتَّمنِّي، يَعنِي: ليت لي كَرَّةً.
ونَستَطرِد فنَقول: (لَوْ) تَأتِي شَرْطية، وتَأتِي للتَّمنِّي، وتَأتِي مَصدريةً؛ ثلاثة مَعانٍ:
فتَأتي شَرْطية فيما إذا قُلت: لو زُرْتَني لأَكَرَمْتكَ. وعلامتها: أن يَحِلَّ مَحلَّها (إِنِ) الشَّرْطية: لو زُرْتَني لأَكرَمْتك. اجعَلْ بدَلَها (إِنْ): إن زُرْتَني أَكرَمْتك.
والثانية المَصدَرية وهي التي تَأتي غالِبًا بعد (وَدَّ) كقوله تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم: 9]، وعلامتها: أن يَحِلَّ محَلَّها (أَنِ) المَصدَرية {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ} ، ولو وضِعَت بدلها (أَنْ): ودُّوا أَنْ تُدهِن؛ لا يَصِحُّ الكلام، ولا يَصِحُّ أن تَضَع بدَلَها (أَنْ) في القُرآن، ويَصِحُّ تَقديرًا {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} ، فلو جُعِلَتْ بدَلَها (أَنِ) استَقام الكلام، لكن لا يَجوز في القرآن أن تُجعَل بدلَها (أَنْ).
ولو قُلت: وَدِدْتُ لو زُرْتَني. لكان صحيحًا، لكن هنا إذا حوَّلتها إلى (أَنْ) فحَوِّلِ الفِعْل إلى مُضارِع: وَدِدْت أن تَزورَني.
بقِيَ عندنا التَّمَنِّيَّة التي للتَّمنِّي، وتَكون بمعنى: أَتمَنَّى، يَعنِي: يُعيِّن مَعناها السِّياق، فهنا {لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ} لو وُضِعَتْ بدلَها: أَتمَنَّى؛ كان المَعنَى: أَتمنَّى أن يَكون لي كرَّةٌ فأَكون من المُؤمِنين؛ ويَدُلُّك لهذا قولُه تعالى في سورة الأنعام: {يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا} [الأنعام: 27].
فصار مَعانِي (لو) ثلاثةً: شَرْطية، ومَصدَرية، وللتَّمنِّي.