الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ما بعدها يكون مُرَتَّبًا على ما قَبْلها، فالمعنى: فلإِنْزَالِنا إليك الكتابَ اعْبُدِ الله مُخْلِصًا له الدين؛ (اعْبُد) الخطاب للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
وقوله تعالى: {مُخْلِصًا} حالٌ من فاعل (اعبُد) وإخلاص الشَّيْء تَنْقِيَتُه من الشَّوائِب، وإزالة ما يخالِطُه، فإذا كان:{مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} فالمعنى: أنْ تُنَقِّيَ دينَكَ مِن كُلِّ شِرك؛ ولهذا قال المُفَسِّر رحمه الله: [{مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} من الشرك؛ أي: موحِّدًا له] أي: لله عز وجل.
وقوله تعالى: {لَهُ الدِّينَ} : {الدِّينَ} يعني: العَمَل، والمراد به هنا: العمل المخصوصُ، وهو: العبادة؛ لقوله: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} ولم يَقُل: مخلصًا له العبادَةَ؛ لأنَّ الدِّين هو العمل الذي يريد العامِلُ عليه مكافأةً؛ هذا الدين، ومنه قولهم: كما تدين تُدانُ، واعلم أنَّ الدِّينَ يُطْلَق على العمل الذي يُرادُ به المكافأةُ، ويُطلَق على نفس المكافَأَة، وهي الثَّواب على العمل.
فمِن الأوَّل مِثْلُ هذه الآية {مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} ، وقوله تعالى:{لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 6]، وقوله تعالى:{وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]؛ أي: عملًا تتعبَّدون به.
ومثال الثاني قوله تبارك وتعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4]، يعني: يوم الجزاء على العَمَل، ومثل قوله تعالى:{وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ} [الانفطار: 17، 18]؛ أي: يوم الجزاء على العمل.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: فضيلَةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وعُلُوُّ مَرْتَبَتِه، وذلك بإنزال كتاب الله إليه؛ لقوله:{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ} . وهل إنزالُ القرآنِ إلى الرَّسول إنزالٌ إلينا؟
الجواب: نعم، إنزالٌ إلينا؛ لأنَّه رسولُنا، وقد قال الله تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} [النساء: 174] فالنَّازِلُ إلى رسول الله نازلٌ إلينا، ولكنه هو المباشِر لهذا الإنزال ويُبَلِّغُه لنا.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: ما سبق من أنَّ القرآن نازلٌ من عند الله فيكون كلامَه.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: عُلُوُّ الله عز وجل؛ لأنَّ النُّزول إنما يكون من أعلى، دلَّ عليه (الكتاب والسُّنَّة والإجماع والعقل والفِطْرَة) خَمْسَةُ أنواع من الأدلَّة، كلُّها تُثْبِت علوَّ الله عز وجل على خَلْقِه.
وقد خالف في هذا طائفتان:
الطائفة الأولى: طائِفةُ الحُلُولِيَّة الذين قالوا: إنَّ الله بذاتِهِ في كلِّ مكانٍ. يقولون: إنَّ الله بذاتِهِ نَفْسِه سبحانه وتعالى في كلِّ مكانٍ؛ في المسجد، في السوق، في البيت، في السَّطْح، في الحجرة، في أقبح مكان - والعياذ بالله - وهؤلاء أقول: إنَّهم كفَّار، لكن من كان متأوِّلًا وجب إعلامُه وبيان الحقيقة له، فإن أصَرَّ فهو كافِرٌ.
الطائفة الثانية المخالِفَة: المُعَطِّلَة الجاحِدَة، الذين يقولون: إنَّ الله تعالى ليس فوقَ ولا تحتَ، ولا يَمين ولا شمالَ، ولا متَّصل ولا مُنْفَصل؛ فهؤلاء وصَفوا الله بالعَدَمِ، كما قال محمود بن سُبُكْتِكِينَ رحمه الله لابن فَوْرك لمَّا قال: إنَّ الله لا موجود ولا معدوم .. إلخ، قال له محمود بن سُبُكتِكِينَ: إنَّكَ وصفْتَ الله تعالى بالعَدَم (1).
وصدق؛ لو أردنا أن نصف معدومًا ما وجدنا أشدَّ إحاطَةً من هذا الوَصْفِ بالمعدوم.
(1) انظر: درء تعارض العقل والنقل (6/ 253).
هدى الله الذين آمنوا لِمَا اخْتَلَفوا فيه من الحَقِّ بإذنه، وقالوا: إنَّ الله تعالى نَفْسَه فوقَ كلِّ شيء؛ كما دل على ذلك الكتابُ والسُّنَّة والإجماع والعقْل والفطرة.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الكتاب حقٌّ مِن عند الله، لم يتقَوَّلْه النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم على ربِّه، بل هو من عند الله؛ لقوله:{أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} يعني: أنَّه حَقٌّ مِن عند الله عز وجل.
وقد قال الله سبحانه وتعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} [الحاقة: 44 - 46]؛ فقال: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا} بعد أن قال: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (43) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا} [الحاقة: 40 - 44] لئلَّا يتوهَّم واهِمٌ أنه لما قال: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} صار القرآن من عند الرَّسول عليه الصلاة والسلام، وأنه هو الذي قاله؛ فقال:{وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 45 - 47].
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن جميع ما في القرآن حَقٌّ؛ على الوجه الثاني؛ أخبارُه وقَصَصه وأوامره ونواهيه؛ إِذَنْ: أخبارُهُ ليس فيها كَذِب لوَجْهٍ من الوجوه، وقَصَصُه ليس المراد منها: إمضاءَ الوقتِ وإتلاف الوقت، بل هي قَصَص نافعة.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ القرآن حجَّةٌ على النَّاس، يُلْزِمهم بعبادة الله؛ لقوله:{فَاعْبُدِ} والفاء هذه للتَّفْريع؛ أي: لأجل إنزال الكتاب إليك: اعْبُدِ الله.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن من لم يَبْلُغْه القرآنُ لم تَلْزَمْه العبادة؛ ويدلُّ لهذا آيات أخرى؛ مثل قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] ومثل قوله: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] ومثل قوله
تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [القصص: 59]
ومثل قول عليه الصلاة والسلام: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِمَا جِئْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ"(1) فقال: "لا يَسْمَعُ بي".
والنُّصوص في هذا المعنى كثيرة؛ أن من لم تبلُغْه دَعْوَةُ الرُّسُل لا تلزمه العبادة.
والدَّليل التَّطبيقيُّ لهذه المسألة عِدَّةُ شواهِدَ:
منها: حديثُ عمَّار بن ياسر رضي الله عنهما بعثه النبِيُّ صلى الله عليه وسلم في سَرِيَّة فأجنب فلم يَجِدِ الماء فتَمَرَّغَ في الصَّعيد كما تتمَّرَغُ الدَّابَّة ظنًّا منه أن هذا لازِمٌ له، وصلى وأخبر النَّبِي صلى الله عليه وسلم بهذا، فبيَّن له النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّه يكفيه عن الغُسْل أن يَضْرِبَ الأَرْضَ بيدَيْهِ ثم يَمْسَح وجهه وكَفَّيه (2)، ولم يأْمُرْه بإعادة الصلاة.
وكذلك الرَّجُل الذي جاء فصلَّى ولا يطْمَئِنُّ في صلاته، فقال له النَّبِي صلى الله عليه وسلم:"إنك لم تُصَلِّ"، فقال: والذي بعثَكَ بالحَقِّ لا أُحْسِنُ غيرَ هذا؛ فعلَّمَه النَّبِي صلى الله عليه وسلم (2) ولم يأمُرْه بإعادة ما مضى من صلاته؛ مع أنه كان يصلي صلاةً لا تُجْزِئُه.
(1) أخرجه البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، باب قصة يأجوج ومأجوج، رقم (3348)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب قوله: يقول الله لآدم أخرج بعث النار، رقم (222)، من حديث أبي سعيد الخدري.
(2)
أخرجه البخاري: كتاب التيمم، باب التيمم بضربة، رقم (347)، ومسلم: كتاب الحيض، باب التيمم، رقم (368)، من حديث عمار رضي الله عنه.
(3)
أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم، رقم (757)، ومسلم: كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، رقم (397)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وكذلك المرأة التي كانت تُسْتَحاضُ فتظُنُّ أن هذا حَيْضٌ فلا تُصْلي (1)، فلم يأمُرْها النَّبِي صلى الله عليه وسلم بالإعادة، وأمثالُ هذا كثير.
وعليه فلو أنَّ رجلًا أسلمَ في بلاد الكُفْر أو في بلادٍ نائِيَة لا يَصِلُها أحكامُ الشَّرْع وترَك الصَّلاةَ مُدَّة، ثم علم بعد ذلك بوجوبِ الصَّلاة؛ فإننا لا نأمره بإعادَةِ ما ترك، وإنما نأمُرُه بصلاةِ ما حَضَر وَقْتُه فقط.
وكذلك لو كانت امرأةٌ في محلٍّ ناءٍ، بلغَتْ بالحَيْضِ وهي صغيرة ولم تَصُم رمضان، ولكنها في محلٍّ ليس حولَها علماءُ تَسْألُهُم قد غلب عليها الجَهْل - كالبادِيَة مثلًا - فإننا لا نأمرها بقضاءِ ما تركت من الصَّوْم للجَهْل.
وهذا هو اللَّائِقُ بالشَّريعة الإسلاميَّة المبْنِيَّة على اليُسْر والسُّهولة، وعلى أنَّ الله تعالى لا يكلِّف نفسًا إلا وُسْعَها، ولا يكلِّفُ نَفْسًا إلَّا ما آتاها، ويمكن أن يكون في الآية إشارةٌ إلى ذلك، فلما ذكر {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ} {فَاعْبُدِ} فبعد الإنزال أَمَرَ بالعبادة.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: وجوبُ الإخلاصِ للهِ في العِبادة؛ لقوله: {مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} والإخلاص تَنْقِيَةُ الشَّيْء ممَّا يَشُوبُه؛ ولهذا جاء في الحديث الصَّحيحِ أنَّ الله تعالى قال: "أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي ترَكْتُهُ وَشِرْكَهُ"(2).
(1) أخرجه الإمام أحمد (6/ 439)، وأبو داود: كتاب الطهارة، باب من قال إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة، رقم (287)، والترمذي: كتاب الطهارة، باب في المستحاضة أنها تجمع بين الصلاتين بغسل واحد، رقم (128)، وابن ماجه: كتاب الطهارة، باب ما جاء في البكر إذا ابتدئت مستحاضة، رقم (627)، من حديث حمنة بنت جحش رضي الله عنها.
(2)
أخرجه مسلم: كتاب الزهد، باب من أشرك في عمله غير الله، رقم (2985)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
فلو تصدَّق الإنسان بمالٍ لكنَّه مُرَاءٍ بذلك من أجل أن يُمدَح فإنه لم يَعْبُدِ الله، وهو آثِمٌ وليس بمأجورٍ، ولو صلَّى ليُمْدَحَ فإنه لم يَعْبُدِ الله، وهو آثِمٌ وليس بمأجور؛ لأنَّ الله أمر بعبادة خاصَّة، وهي الإخلاصُ {مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} [الزمر: 2].
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ العبادة دينٌ يدين به الإنسانُ، ومعنى كَوْنِه دينًا أنه يعْمَلُ ليُثابَ.
ويتفرَّع على هذه الفائِدَة: أنَّه ينبغي للإنسانِ حين العبادَةِ أن يلاحِظَ هذا المعنى، وهو أنه يَعْمَل ليُثابَ؛ لأنه إذا شعر بهذا الشعور فسوف يُتْقِنُ العَمَل؛ إذ إنَّ العقل يهدي الإنسان إلى أنَّ الثَّواب على قَدْرِ العمل، إن أحْسَنْتَ العمل حَسُنَ الثَّواب، وإن قصَّرْتَ فالثَّواب يَنْقُصُ، وهذه المسألة - أعني شعور كَوْن الإنسان يعمل من أجل الثَّوابِ - أعتقد أنَّها تَفُوتُ كثيرًا من النَّاس لا يَنْتَبِهون لها.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: الإشارة إلى نِيَّة المعمولِ، فحينما تَعْمَل تريد التَّقَرُّبَ إلى الله عز وجل بامتثال أمره، فمثلًا: عندما تريد أن تتوضَّأ تنوي بأنك تتوضَّأ امتثالًا لأمر الله حينما قال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] من أجل أن تَشْعُرَ بالعبادة ولذَّة العبادة، لا لأجل أن تُبْرِئَ ذِمَّتك بِفِعْلِ ما هو فَرْضٌ عليك من الطَّهارة للصَّلاة، هذا لا شكَّ نيَّة طيِّبة، لكِنْ أَطْيَبُ منها أن تستَشْعِرَ بأَنَّكَ تَمْتَثِل أمرَ الله لتَشْعُرَ بلذَّة العبادَةِ، وأنَّك حقيقَةً عبدٌ لربِّك عز وجل.
هذه مسائل ينبغي للإنسان أن يَنْتَبِه لها في عبادَتِه؛ ولهذا قال تعالى: {مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ}