الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
على أن كل ما كمَل من الدُّنيا عاد ناقِصًا، ويَدُلُّ على هذا قوله تعالى:{إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ} [يونس: 24]، فالذِّكْرى هنا ليسَت مُجرَّد الدَّلالة على وَحْدانية الله تعالى وقُدرته، بل هي أَشمَلُ.
ومن أهمِّها: الدَّلالة على أن ما كمَل في الدنيا فمَآله إلى النَّقْص، فالصِّحَّة مَآلها إلى المرَض، والحياة مَآلها إلى الموت، وهكذا قِسْ كل ما في الدنيا على هذا المِثالِ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بَيان قدرة الله عز وجل في إنزال هذا المطَرِ من السماء، لأنه لا يُمكِن لأَحَد أن يَستَطيع إنزاله كما قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} [لقمان: 34].
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: حِكْمة الله ورحمته، حيث جعَل هذا الماءَ يَنزِل من السَّماء؛ لأنه لو كان يَنبُع من الأرض لم تَستَفِدْ به عامة الأرض من وجهٍ ولم يَصعَد إلى قِمَم الجِبال إلَّا إذا أَغرَق الناس الذين يَعيشون تحت الجِبال، فكان من الحِكْمة أنه يَنزِل من السَّماء ليَعُمَّ المُرتَفِع والمُنخَفِض، وليَشمَل الأرض كلَّها.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بَيان حِكْمة الله عز وجل في كيفية نُزول هذا الماءِ على قَطَرات، ولو نزَل صَبًّا كما تُصَبُّ أَفواه القِرَب لأَهلَكَ الناس، وهدَم البِناء، ولكن من رحمة الله عز وجل أنه يَنزِل قَطَراتٍ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن السماء يُطلَق على العُلوِّ.
ويَترتَّب على هذه الفائِدة: أن قوله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16] يُمكِن أن يُراد به مَن في العُلوِّ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بَيان قُدْرة الله عز وجل ورحمته بالعِباد حيث سلَكَ هذا الماءَ يَنابِيعَ في الأرض، ولم يَبقَ راكِدًا على ظَهْرها؛ لِمَا في ذلك من الحِكْمة والرَّحْمة، فنَراه مَخزونًا في الأرض، متى احتاجه الناس استَخْرَجوه.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: بَيان قُدْرة الله تعالى حيث أَخرَج بهذا الماءِ ذلك الزرعَ المُختَلِفَ الألوان.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثبات الأسباب كما في قوله تعالى: {ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ} .
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن السبَب لا يَستَقِلُّ بالتَّأثير في المُسبَّب؛ لقوله تعالى: {ثُمَّ يُخْرِجُ} فأَضاف الإخراج إلى الله تعالى، وهذا هو الذي عليه سلَف الأُمَّة وأئِمَّتها، فالأسباب لها تَأثيرٌ في المُسبَّبات، ولكن تَأثيرها بفِعْل الله تعالى.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: بَيان قُدرة الله عز وجل حيث أَخرَج هذا الزَّرعَ المُختَلِفَ الألوان مع أنه يَتَغذَّى بماء واحِد ومن طينةٍ واحِدة؛ لقوله تعالى: {مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ} .
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أن كمال الدُّنيا مُؤْذِنٌ بنَقْصها؛ لأن الله تعالى ضرَب ذلك مثَلًا للدُّنيا كما في الآيات التي سُقْناها.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أن الذين يَتَذكَّرون بآيات الله تعالى الكونية هم أُولو العُقول، وأمَّا مَن لا يَتَذكَّر بها ويَقول: هذه الطبيعةُ تَتَفاعَل وتَتَجارَى! فإنه لا عَقلَ له.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أنه يَنبَغي للإنسان أن يَستَعمِل عَقْله في مَخْلوقات الله عز وجل ليَتَذكَّر به فيما في هذه المَخلوقاتِ من عظَمة الخالق؛ لأنه عز وجل قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} .