الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقوله تعالى: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أي: الله عز وجل عليمٌ بذاتِ الصُّدُور، وهي القُلُوب، ودليل هذا قوله تعالى:{فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46] فالمراد بذات الصدور؛ أي صاحِبَة الصُّدور؛ القلوب، وإنما ذكر الله هذه الجُمْلَة بعد قوله:{فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} للإشارة إلى أنَّ الحساب يكون على ما في القلب، كما في قوله تعالى:{إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} [الطارق: 8، 9]، وقال تعالى:{أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ} [العاديات: 9، 10].
فالمدار يوم القيامَةِ على ما في القَلْب، أما في الدنيا فالمَدارُ على الأعمال الظَّاهِرَة، ولهذا كان النَّبِي صلى الله عليه وسلم يعامل المنافقين معامَلَةَ المسلمين؛ لأنَّهُم كانوا يتظاهَرُون بالإسلام، ونحن نحاسِبُ النَّاس في الدنيا على ما يَظْهَرُ من أَعمالِهم، ونَكِلُ سرائِرَهم إلى الله، أما في الآخرة فإن الحسابَ على ما في القلب.
ولهذا يجب على الإنسان أن يعتَنِيَ بصلاح قلبه قبل صَلاحِ جِسْمِه؛ لأنَّ صلاح الجسم واجهةٌ أمامَ الخَلْق، لكن صلاحُ القَلْبِ هو الذي يكون بين الإنسان وبين ربه عز وجل.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بيان أنَّ الله عز وجل إنَّما أَمَرَ العباد بعبادَتِه؛ لحاجتهم لذلك، ومَنْفَعَتِهم به، وليس لحاجته إلى ذلك؛ لقوله:{إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ} .
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثبات اسم الغَنِيِّ لله عز وجل، وإثبات ما دلَّ عليه مِن صِفَة؛ لأنَّ كلَّ اسمٍ من أسماء الله مُتَضَمِّن لصِفَة، وليست كلُّ صفةٍ مُتَضَمِّنَةً لاسم؛ ولهذا نقول: إنَّ صفاتِ الله أَوْسَعُ من أسماء الله؛ بمعنى أنها أكْثَرُ، ووجه ذلك ظاهر، إذا قلنا:
كل اسْمٍ مُتَضَمِّن لصفة، تساوت الأَسْماء والصفات، على أنَّ الاسم الواحِدَ يمكن أن يتضَمَّن عدَّة صفات، لكن لِنَقُلْ - على أدنى تقدير -: إنَّه لم يتضمَّنْ إلا صفةً واحدة، فإذا قلنا: كلُّ اسمٍ مُتَضَمِّن لصفة تساوت الأسماء والصفات، وهناك صفاتٌ لا يمكن أن يُشْتَقَّ منها أسماء، وهي كثيرة جدًّا، وبهذا تبيَّنَ أنَّ الصِّفاتِ أَوْسَعُ وأكْثَرُ من الأسماء.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الله عز وجل لا يرضى الكُفْرَ للعباد؛ لأنَّه غيرُ لائقٍ بهم؛ إذ هم عباد الله، فاللَّائِقُ بهم أن يقوموا بطاعته وعبادته، ولا يليقُ بهم أن يكفروا به.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثبات الرِّضَا لله؛ لقوله: {وَلَا يَرْضَى} وقوله فيما بعدها: {وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} .
والرِّضا صفةٌ مِن صفاتِ الله الفِعْليَّة؛ لأنَّه مُتَعَلِّق بِمَشِيئَتِه، وكل وصفٍ يتعلَّق بمشيئة الله فإنَّه يُسَمَّى عند أهل السُّنَّة صفةً فِعْلِيَّة، وكل وَصفٍ معلَّقٌ بسبب فإنه من الصفات الفِعْلِيَّة؛ لأنَّه يُوجد عند وجود السَّبب، والحقُّ أنَّ الرِّضا صفةٌ حقيقية لله عز وجل كالفَرَح والعَجَب والضَحِك، وما أشبه ذلك.
وزعم أهل التَّعْطيل أنَّ المراد بالرِّضا الثَّواب، ففسروه بشيءٍ بائنٍ عن الله مُنْفَصِلٍ عنه؛ مخافة أن تتعلَّق به الأفعالُ الاختياريَّةُ، وهذا من جَهْلِهِم؛ وذلك لأنَّنا إذا فسَّرْناه بالثَّواب، فالثَّوابُ لا يقع إلا بإرادَةٍ، والإرادة لا تكون إلا حينَ يُوجَدُ سبب الرضا، وحينئذٍ تكون الإرادَةُ حادِثَةً، فهم فَرُّوا من شيء ووقعوا في مِثْلِه، مع تحريفهم للنُّصوص بِصَرْفِها عن ظاهرها، وتَعْطيلهم للصِّفَة التي دلَّ عليها النَّصُّ؛ فهذه ثلاثَةُ محاذيرَ.
فالذين يُحرِّفون الكَلِم عن مواضِعِه يقعون في ثلاثَةِ محاذيرَ:
المحذور الأوَّل: أنَّهُم وقَعوا في مِثل ما فرُّوا منه، فإن كان ما فرُّوا منه محذورًا، فما وقعوا فيه محذور.
الثاني: أنَّهُم حرَّفوا النَّصَّ عن ظاهره، صرفوه إلى معنًى آخر.
الثالث: أنَّهُم عطَّلوا الله عن الصِّفَة التي دلَّ عليها النَّصُّ الذي حرَّفوه، فهم - مثلًا - عطَّلوا الله عن صفة الرِّضا، وحرَّفوا النَّصَّ عن ظاهره، ووقعوا فيما فرُّوا منه، وهكذا في جميع الصِّفات التي حرَّفوها عن ظاهرها.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنه لا تَلازُم بين الرِّضا والإرادة، وجهه أنه قال:{وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} مع أنه أَخبر في آيات كثيرة: أنَّ الكفر واقعٌ بإرادته، قال تعالى:{وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا} [الأنعام: 125] فإذا جمعنا بين هذا وهذا، عَرفنا بأنه لا تَلازُم بين الرِّضا والإرادة، فقد يُريد ما لا يَرضاه، وقد يَرضى ما لا يُريده، فهو - مثلًا - يرضى من كل واحدٍ من النَّاس أن يَشْكُر لله، وهل أراد ذلك؟ لا.
فالله يرضى من الكافر أن يُسْلِمَ ولكنه لم يُرِدْ أن يُسْلِمَ؛ فلا تلازم، فإنه قد يوجد الرضا بلا إرادة وتوجد الإرادة بلا رضًا ويوجد رضًا وإرادة؛ فالكافر يرضى الله منه أن يسلم، ولا يرضى الكفر، ويرضى الشكر؛ فيرضى من هذا الكافر أن يشكر ويؤمن، لكن هل أراد الله أن يشكر المؤمن؟ لو أراد الله لوقع.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: الإشارةُ إلى أنَّ الكُفْر غيرُ مَرْضِيٍّ لله، في قوله:{لِعِبَادِهِ} والعبد يجب أن يكون مؤمنًا بِسَيِّده، مطيعًا له، فكيف يكون عبدًا ثم يكفر به؟!
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: فضيلة الشُكْر، وأنَّ الشاكر يَنالُ رضا ربه؛ لقوله:{وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} ، وقد جاء في الحديث: "إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ
فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبُ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا" (1)، "يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا"؛ وقوله: (الأَكْلَة) هل المراد الوَجْبة من الطَّعام أو المراد كُلُّ لُقْمة؟
الجواب: هناك مَن يَرى أنَّ المراد الوَجْبة، وهناك مَن يَرى أنَّ المراد اللُّقمة، وكان الإمام أحمد رحمه الله يأكل، وكلما أكل لقمة حَمِدَ الله، فقيل له في ذلك، فقال:"أَكْلٌ وحَمْدٌ خيرٌ من أكلٍ وصَمْتٍ"(2)؛ لأنَّ لفظ الحديث: "يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ" مُحتملٌ لأنْ يكون المراد به اللُّقمة أو الوجبة من الطعام، وكذلك يقال في الشرب، والإنسان ينبغي له في الشرب أن يشرب بثلاثة أنفاسٍ، في كل نَفَس يَحمَد الله عليه، إذا قلنا: المراد بالشَّرْبة النَّفَس.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ الله يرضى الشُكْر لعباده، وإذا رَضِيَ الله عن العبد، كان ذلك سببًا في إرضاء العَبْد، ودليل ذلك قوله تعالى:{رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [المائدة: 119] فيرضى الله عليهم بعبادتهم إيَّاه، ويرضون عنه بما أثابهم، نسأل الله عز وجل أن يَجْعَلني وإيَّاكم منهم؛ أنَّ الإنسان يَرضى عن ربِّه، ويرضى الله عنه، قال تعالى:{وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} .
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنه لا تَحْمِل نَفْسٌ إثْمَ نفسٍ أخرى، حتى وإن ضَمِنَت النفس الأخرى ذلك الذَّنب؛ فمثلًا: لو قال شخص لآخر: افعل كذا من الذُّنوب والإثْمُ عليَّ، فيقول: أنا ضامِنٌ، فهل يصح؟ لا؛ أرأيتم لو ضَمِن دَينًا على شَخْص، فهل يصح؟ يَصِحُّ، وهو يُحمِّلُ نفسه بهذا الضَّمان، يُحَمِّل نفسه دينًا؛ فإذا كان كذلك، لماذا لا يَصِح أن يَضْمَنَ إثْمَ مَن فَعل الإثْم؟
(1) أخرجه مسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب، رقم (2734)، من حديث أنس رضي الله عنه.
(2)
انظر: مناقب الإمام أحمد (ص 340)، والفروع (8/ 364).
الجواب: لقول الله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} [العنكبوت: 12] نحن نتحمَّل العذاب عنكمْ، قال الله تعالى:{وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [العنكبوت: 12]، بل إنه يوم القيامة يكون الأمر أشَدَّ، {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا} [البقرة: 166] يتبَرَّؤون منهم، ويَتَحاجَّون في النَّار، كلُّ طائفة تتبَرَّأ من الأخرى، فلا يمكن لأحدٍ أن يَحْمِل إثم أحدٍ أبدًا.
فإذا قال قائلٌ: كيف يُجمَع بين هذه الآية الكريمة وبين قول الرَّسول صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَام سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"(1)، وإخباره: أنَّه "مَا قُتِلَتْ نَفْسٌ بغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ - الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ - كِفْلٌ مِنْ ذَلِكَ"(2).
فالجواب: أنَّ مَن سَنَّ السُنَّة السَّيِّئة، فإن آثام مَنِ استَنَّ به عليه؛ لأنْ هذا مِن فِعْله، فهو في الحقيقة لم يَحْمِل إثْمَ غيره إلا لأنه هو السَّبَب الذي جرَّ النَّاس إلى هذا الإثم؛ فقد يكون ناسٌ مُسْتَوْحِشينَ من هذا الإثم، يَخْشَوْن منه ويهابونه، فإذا فعله شخص هان عليهم الأَمْر، واقْتَدَوْا به، لا سيما إذا كان الشخص ذا كَلِمَةٍ مُطاعة؛ كالأمير والعالم، وما أشبه ذلك.
إذن: لا تعارُضَ بين الآية والحديث، وجهه: أنَّ مَن سَنَّ السُّنَّة السَّيِّئة فإنَّه عمل العمل الذي به الإثْمُ، والسَّبب اقتداءُ النَّاس به.
(1) أخرجه مسلم: كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة، رقم (1017)، من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه.
(2)
أخرجه البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته، رقم (3335)، ومسلم: كتاب القسامة، باب بيان إثم من سن القتل، رقم (1677)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
الْفَائِدَةُ الْعَاشرَةُ: الإشارة إلى أنَّ الإثْمَ إنما يتحمَّلُه من كان قابلًا له؛ لقوله: {وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} والوازِرَة هي التي تكون أهلًا لتَحَمُّل الوِزْر، والذي يكون أهلًا لتَحَمُّل الوِزْر من جَمْعِ وَصْفَيْنِ: البلوغ والعقل؛ لقوله في الحديث الصَّحيح: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَبْلُغَ"(1) صحَّحه كثير من أهل العلم.
فإن قال قائل: أليس الأبُ الراعي على أولاده إذا أهملوا شيئًا كان عليه إثمٌ من إهمالهم؟
فالجواب: بلى، ولكِنَّ إهمالَه إيَّاهم وزرٌ وإثْمٌ؛ لقول الله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6]؛ ولأنَّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قال: "الرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ"(2).
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: وفي قوله تعالى: {ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ} إلخ: أنَّ المَرْجِعَ إلى الله يوم القيامة.
ويتفرَّع على هذه الفائِدَة: وجوبُ الاستعداد لهذا اللِّقاء وهذا المَرْجِع، والاستعدادُ له يكون بِتَرْكِ المعاصي وفِعْل الطَّاعات، فما دام المَرْجِعُ إلى الله فلا يمكن أن تَرْجِعَ إلى غيره؛ ومهما كان فإنَّ مرجعكم إلى الله عز وجل، فهو منه المبتدأ وإليه المُنْتهى.
(1) أخرجه الإمام أحمد (1/ 116)، وأبو داود: كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق، رقم (4402)، والترمذي: كتاب الحدود، باب ما جاء فيمن لا يجب عليه الحد، رقم (1423)، والنسائي: كتاب الطلاق، باب من لا يقع طلاقه، رقم (3432)، وابن ماجه: كتاب الطلاق، باب طلاق المعتوه، رقم (2042)، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
(2)
أخرجه البخاري: كتاب النكاح، باب المرأة راعية في بيت زوجها، رقم (5200)، ومسلم: كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل، رقم (1829)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: بيان شُمولِ عِلْمِ الله؛ لقوله: {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} بالذي كنتم تعملون كله صغيره وكبيره، والخطابُ لجميع النَّاس، وهذا يدلُّ على شمول عِلْم الله عز وجل، وهو كذلك؛ فعِلْم الله تعالى واسِعٌ محيطٌ بكلِّ شيءٍ، وقد نبَّه الله سبحانه وتعالى على بيان كيف كان واسعًا؛ فقال:{أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14].
{أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} يعني: إذا كان الله هو الخالِقَ، وهذا شيءٌ مُقَرٌّ به، لزم أن يكون عالِمًا بما خَلق؛ إذ كيف يُمْكِنُ أن يَخْلُقَ ما لا يعلمه! هذا مستحيلٌ.
أما قوله تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} فـ {مَنْ} هل هي فاعل أو مفعولٌ؟ يجوز فيها الوجهان: أنْ تكون فاعِلًا، بمعنى: ألَا يعلم مَنْ خلق مَنْ خَلَقَهُ، ويجوز أن تكون مفعولًا به؛ أي: ألَا يعلمُ اللهُ من خَلَقَه، ومعلومٌ أنَّ الخالق والمخلوق بينهما تناسُبٌ؛ فلا خالق إلا بِخَلْق ومَخْلوق، ولا مَخْلوق إلا بخالِقٍ؛ نعم.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أنَّ الله سبحانه وتعالى عالِمٌ بأسرار العبد؛ لقوله: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} ، وقد قال الله تعالى:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} [ق: 16] بل لَيَعْلَمُ ما يُسْتقبَل للمَرْء، والإنسانُ يعلم ما تُوَسْوِسُ به نفسه، لكن لا يعلم ماذا يَكْسِبُ غدًا، والله عز وجل يعلم ماذا يَكْسِبُه العبد غدًا.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الإشارة إلى أنَّ الحسابَ يوم القيامة يكون على ما في الصُّدور؛ لأنَّه لمَّا ذكر الإنباء قال: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} يعني فالمَرْجِعُ في الحساب إلى ما في القلب، فصحِّحْ ما في قلبك؛ لأنَّ المدارَ عليه، ولهذا شواهِدُ من الآيات ذكرناها أثناء التَّفسير.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: الإشارَةُ إلى أنَّ القلبَ هو الذي عليه مدار الصَّلاح؛ لأنَّه إذا كان الحساب على ما في القَلْبِ فهو عليه مدار الصَّلاح؛ ويؤَيِّده قولُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: "أَلا وإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ"(1).
(1) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، رقم (52)، ومسلم: كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، رقم (1599)، من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما.