الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآية (61)
* قَالَ اللهُ عز وجل: {وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الزمر: 61].
لمَّا ذكر الله سبحانه وتعالى عِقاب الذين كذَبوا على الله تعالى بيَّن ثواب الذين اتَّقَوُا الله عز وجل، وهذا دأَبُ القرآن الكريم أنه إذا ذكَر الشيء ذكَر مُقابِله، وهو من مَعنَى قوله تعالى:{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} [الزمر: 23].
قال العُلَماءُ رحمهم الله: {مَثَانِيَ} أي: تُثنَّى فيه المَعاني، فإذا جاء وَصْف المُؤمِنين جاء وَصْف الكافِرين، وإذا جاء ثواب المُؤمِنين جاء ثواب الكافِرين، وكذلك بالعكس، وذلك من أَجْل أن لا يَستَغرِق الإنسان في جانب الرجاء إذا ذَكَرَ وَصْف المُؤمِنين وثوابهم، وكذلك لا يَيْأَس إذا ذكَر وَصْف الكافِرين وعِقابهم.
وهنا يَقول الله عز وجل: {وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ} : {وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا} من عِقاب الكافِرين، فلا تَكون وجوهُهم مُسوَدَّةً، ولا تَكون مَثواهم جَهنَّمَ، وقد بيَّن الله عز وجل في آيات أخرى أن يوم القِيامة {تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران: 106]، فتَسوَدُّ وجوهُ الكافِرين، وتَبيَضُّ وجوه المُؤمِنين، فيُنجِّي الله تعالى الذين اتَّقَوْا من عِقاب الكافِرين في هذا وفي هذا.
وقول المُفَسِّر رحمه الله: [{وَيُنَجِّي اللَّهُ} من جَهنَّمَ] صحيح، لكن لو قال: من
عِقاب الكافِرين. لكان أعمَّ؛ لتَشمَل النَّجاة نجاتَهم من جَهنَّمَ، ومن أن تَكون وجوهُهم مُسوَدَّةً، ومن غير ذلك.
قال رحمه الله: [{الَّذِينَ اتَّقَوْا} الشِّرْكَ]، والصواب أن يُقال في هذا: اتَّقوا الله؛ لأن التَّقوى عند الإطلاق إنما يُراد بها تَقوى الله عز وجل، وقد تُذكَر في غير الله تعالى، مثل قوله تعالى:{وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} [البقرة: 281]، وقوله تعالى:{وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 131]، وما أَشبَه ذلك، لكن عند الإطلاق لا يُراد بها إلَّا تَقوَى الله عز وجل.
قوله رحمه الله: [{بِمَفَازَتِهِمْ} أي: بمَكان فَوْزهم من الجنَّة بأن يَجعَلوا فيه].
قال رحمه الله: [بمَكان فَوْزهم من الجَنَّة بأن يَجعَلوا فيه]، فأَفادَنا رحمه الله بهذا التَّفسيرِ: أن الباء بمَعنَى (في) أي: يُنجِّي الله الذين اتَّقَوْا من العذاب في مكان فَوْزهم، وهو الجَنَّة.
والباء تَأتي بمَعنَى (في) في اللغة العربية، ومنه قوله تبارك وتعالى:{وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الصافات: 137، 138]، {وَبِاللَّيْلِ} يَعنِي في الليل.
وقوله تبارك وتعالى: {لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} هذا من نَجاتهم أنهم لا يَمَسُّهم السوء، أي: لا يَمسُّهم شيء يَسوؤُهم، لا من عِقاب، ولا من تَوبيخ، ولا غير ذلك؛ ولهذا إذا دخَل أهل الجَنَّةِ الجَنَّةَ يُقال: يا أهلَ الجَنَّة، خُلودٌ فلا موت. ويقال: إن لكم أن تَنعَموا، وإن لكم أن تَصِحُّوا، وإن لكم أن تَحيَوْا. يَعنِي: فلا تمَوتوا، ولا تَسقَموا، ولا تَبأَسوا. دائِمًا هم في نعيم؛ ولهذا قال تعالى:{لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} أي: لا يَحزَنون على ما سبَقَ؛ لأنَّ الحُزْن يَكون على ما مضَى، والغَمَّ